| 1 التعليقات ]





سألت صديقا لي بلغ مقام الأبوة مؤخرا، كيف وجد ذلك المقام؟ فوجئت بأنه أجاب: إنه مقام رائع، فبعده يكون لك هدف في الحياة. بعد تقليب النظر في جواب صاحبي، عادت بي مخيلتي إلى استجماع عناصر المشهد العام للمنظومة التي نسير وفقها، والتي تتوطد دعائمها يوما بعد يوم.

إن المنظومة المقصودة هي التي تحدد السيرة المطلوبة من كل إنسان كي يسلكها، والمحطات التي ينبغي أن يمُر عبرها، والمعاني والأفكار والهموم والأهداف والغايات التي يتعين عليه ألا يتجاوزها. قد يتساءل سائل: من المسؤول عن بناء هذه المنظومة ورعايتها؟ دعونا نحاول أن نقترب منها، لعل بفهمنا لها، واستيعابنا لمُخرجاتها وثمارها، سيتضح لنا المستفيد منها؛ فحتما سيكون متورطا في رعايتها.

ينمو الطفل، فيُلاحَق بأول سؤال: ماذا تريد ان تكون في المستقبل يا صغيري؟ طبعا، هو طفل لا يفكر خارج ما تسرب إلى بنيته الذهنية من محيطه وبيئته. يلج إلى مقاعد الدراسة: أريد أن أكون أستاذا، طبيبا، محاميا، مهندسا، طيارا...

يصل إلى المرحلة الإعدادية، يبدأ عقله في استيعاب المشهد بشكل أدق، ينخرط في التوجيه الدراسي، يغرق في أودية نصائح المحيطين به: اختر التكنولوجيا، العلوم.. لا مستقبل لغيرها.. فيهما كل الآفاق.. ركز على اللغة الفرنسية فهي مفتاح المفاتيح في المغرب.. اهتم بالإنجليزية فهي سيدة لغات العالم؛ ستكون محظوظا إذا أضفتها إلى رصيدك.

تبدأ كلمة "الآفاق" تتردد على ذهن التلميذ بشكل دوري. يدخل إلى عالم "الثانوي". يغرق في "التمارين" وفي "الساعات الإضافية"؛ عساه يبلغ الآفاق التي تبدأ بتحصيل شهادة باكالوريا بميزة جيدة. لا يلتقط التلميذ الأنفاس إلا في العطل، أو الأوقات التي يختلسها للذهاب إلى ملعب الكرة أو "البيار" أو مشاهدة أفلام التسلية على اليوتوب.

يحصل على شهادة باكالوريا تتيح له ما يُقرب من "الآفاق"؛ يسابق الزمن 5 سنوات أو 7 سنوات يصل إلى شهادة ضامنة لولوج "الآفاق". يمكث سنة أو سنتين؛ فيدخل حينها عالم "الآفاق" وعمره 28 سنة أو على مشارف الثلاثين.

طيلة المسار السابق، كانت الرؤية نافذة نحو أفق واحد. ينتقل هذا النموذج إلى التفكير في "الزواج" (في هذه السياق؛ لا يهمنا الخوض في التجارب العاطفية والجنسية التي قد يخوضها سابقا في الأوقات التي يختلسها بعيدا عن رتابة العمل من أجل "الآفاق"). يتزوج، ومباشرة يُنجب. ها هو يصبح أبا/أما!

هنا أعود إلى قصتي مع صديقي، لأستلهم منها الآتي وبقية عناصر المشهد. لما طرحتُ السؤال الذي يفرض نفسه على صاحبي: ما هو الهدف الذي تقصد؛ هل كنت بدون هدف طيلة 30 سنة التي سلختها من عمرك؟

كان الجواب: نعم، كنت بلا هدف. اللهم إلا هدف بلوغ "الآفاق" التي بلغتها بعد جهد جهيد. والآن، صار هدفي أن أرعى ولدي وأنفق عليه كي يبلغ "الآفاق" بدوره.

هكذا ستدور نفس الحكاية، وسيتكرر نفس المشهد. صديقي سيكرر على مسامع صغيره محفوظاته من النصائح الأبوية بالعمل على بلوغ "الآفاق". وربما ستكون الإضافة، هي أن الوالد الصديق انتزع النجاح في بلوغ "الآفاق" انتزاعا وخصص معظم وقته لذلك لان والده كان رقيق الحال. أما الصغير فسيجد الطريق إلى النجاح سالكا وبالتالي سيتضاعف وقت فراغه –بالمقارنة مع ما كان لأبيه- الذي لم تحدد له منظومة "الآفاق" ما سيفعل فيه؛ ولن يكون  الفعل سوى العبث والانتحار التدريجي (بإضاعة الوقت والصحة) والاستجابة لنداء الجسد.

هكذا سينتظر الإنسان إلى أن يبلغ  30 سنة ليكون له هدف في الحياة. ورغم كل ذلك؛ سيقول قائل: وما الخطب في هذا النموذج وهذه المنظومة، التي تحدد للإنسان هدفا واضحا (وهو تحصيل الوظيفة) وهدفا ثانيا (إلحاق الأبناء بذات المنظومة وإعانتهما على تحصيل الوظيفة)؟

بغض النظر عن أن هذه المنظومة تجسد حلقة مفرغة قاتلة ومدمرة، لأن الإنسان عصي بطبيعة تكوينه أن يبقى رهينا لهذا النمط مدى الحياة مما يرفع نسب احتمال وقوع انفجار في شخصيته وحياته (انفجار نفسي، اجتماعي، أو عقدي).

بغض النظر عن هذا الأمر، فالخطب يكمن في أن الحياة تفقد المعنى. فالحياة نضال وكفاح يستثمر المعرفة والفكر والتأمل والتجارب للاقتراب من القيم الجليلة (الحرية، العدل، الجمال، التواضع، الرحمة).

بهذه المنظومة، لن نقوم بتخريج إنسان يفكر في معركة الديمقراطية وعدالة توزيع السلطة والثروة في وطننا، ومواجهة الظلم والفساد والغش الذي نكتوي بناره على كل المستويات.

بهذه المنظومة؛ لن نجد نقوم بتخريج إنسان يفكر في مستقبل العدل على المستوى الدولي في ظل وجود العدو الصهيوني، وفي ظل التدخل السافر للدول العظمى في الحياة السياسية الداخلية للشعوب (دعما للانقلابات، وإعاقة للتجارب التنموية الصاعدة)، وفي ظل وجود دول محتكرة للقرار في مجلس الأمن.

بهذه المنظومة، لن نجد نقوم بتخريج إنسان يفكر في الإتيان بإبداع جديد أو اختراع مفيد أو كتاب منير يسهم في الارتقاء بأوضاعنا؛ اللهم إن كان سُلما للارتقاء الوظيفي (لأنه هدف هذا الإنسان الأوحد: هو الوظيفة وتقريب أبنائه منها).

بهذه المنظومة، لن نقوم بتخريج إنسان يفكر في معاني استخلاف الإنسان على الأرض، أو يجدد التفكير في الجرح الوجودي الذي يلاحقه، أو يعيد التساؤل بشكل دائم عن اتصاله بالله جل في عُلاه والموت وما بعده من رحلة.

إن بهذه المنظومة ماتت بعض الحركات الاجتماعية المكافحة، وبها تحتضر الحركة الاجتماعية التي ظلت صامدة إلى فترة قريبة. إن بهذه المنظومة، توسعت الكتلة الطلابية الصامتة ويعاني أبناء العمل الطلابي الجاد معاناة حقيقية.
إنها المنظومة التي تدمرنا في صمت، في غفلة منا.