? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]



 " لقد كان التعاطي مع ملف التعليم و الفقر في المغرب تعاطيا تقنوقراطيا صرفا، و عرف هذان الملفان تعثرا بينا رغم كل الجهود التي بذلت و تبذل.. و لكن ألا يبدو أن من أسباب التعثر: السعي إلى إسكاب الواقع في قوالب جاهزة و عدم ربط التعليم بمنظومة أخلاق و ثقافة المجتمع؟
ليست المسألة هينة أو سهلة، و لكن أليس اعتماد مقاربات كمية سواء فيما يتعلق بعدد المتمدرسين و عدد الأساتذة و المنقطعين يحجب نوعية التعليم الذي يراد تلقينه و الذي يغيب وسط جلبة من الأرقام.. ما معنى أن ندفع بجودة التعليم كما لو أنه بضاعة؟ ("مرآة الغرب المنكسرة"، حسن أوريد، ص: 179. الطبعة الأولى:2010).
إن المنهج التقنوي الجاف هو عنوان إخفاقاتنا في المسلسلات الإصلاحية التعليمية. فالتردد في تحديد أي تلميذ/طالب نريد اليوم ؟ و بالتالي: أي مجتمع نريد في الغد القريب؟ هو أم المزالق و المشكلات.
و لا شك أن الهروب من السؤال الحقيقي الذي يطرح البعد الكيفي و الاستعاضة عنه بالغرق في المقاربات الكمية باعتماد النهج التقنوي في التعاطي مع هذا الملف الساخن: راجع أساسا إلى درجة حرارة المسألة الديمقراطية في هذا الوطن.
فإذا حسمنا فعلا في الاختيار الديمقراطي و كنا نطمح حقا لمجتمع ديمقراطي قوامه إنسان متحرر من كل ألوان الوصاية و الاستلاب، متمتع بكرامة إنسانية و قدرة مُقَدرة على التمييز و الاختيار بين الخطوط و التوجهات، إنسان يجيد لغتين: لغة "لا" إلى جانب لغة "نعم". فالسياسة التعليمية ستتجه رأسا نحو هذا المثال المنشود و ستُمكن التلميذ/الطالب من الاطلاع على: مختلف الأفكار و تاريخها، أهم الفلسفات و مراميها، رسالة الحركات الاجتماعية و السياسية و شعاراتها، التحولات الجارية و ما تحمله في أحشائها،  فلسفة العلوم و تاريخها و كدح الإنسانية الطويل الساعي للتحرر من كل أوهاق الطغيان و الاستعباد و الاستبداد.. هكذا بهذه المعرفة و الرؤية الشاملة –التي من الواجب تغذيتها بالمطالعة الحرة- بإمكان التلميذ/الطالب أن يكون مواطنا حرا كريما قادرا على الاختيار و الإسهام في الرقي و البناء عصيا على مساعي المغالطة و الاستغفال.
أما إذا كان التردد حليف المسألة الديمقراطية ببلدننا؛ فأكيد أن التخبط سيلازم تناولنا للمسألة التعليمية، و لتغطية الشمس بالغربال سنَضيع – و نُضَيع معنا الأجيال- مرة أخرى و مرات وسط جلبة الأرقام –كما قال د.أوريد-  و نبقى أسرى المقاربة التقنوية: نحصي عدد الأساتذة و المتمدرسين و عدد المقاعد.. و نقوم باستدعاء الاختيار التقنوقراطي؛ حيث ننتج كائنات بشرية تجيد لغة واحدة هي المدح و التصفيق، تعيش من أجل اللهث وراء المادة و تنسى الحرية و الكرامة، لا تحلم نهائيا بحياة أخرى خارج نسق سدنة التحكم و أباطرة الفساد و الاستبداد، تعدم  حس التساؤل  ناهيك عن إحساس التطلع لمحاسبة المسؤول  و ممارسة الدور الرقابي في البرلمان بالشكل المطلوب.  

إن المسألة التعليمية و المسألة الديمقراطية بينهما ارتباط وثيق؛ فإما الاختيار الديمقراطي حيث نوجه التعليم نحو تأهيل إنسان حر كريم عميق الانشداد إلى هويته الأصيلة و تربته المغربية العزيزة و ملتحم  بشدة بأسئلة التحولات الجارية. و إما الاختيار التقنوقراطي حيث تكون عملية التعليم  ماثلة نحو تخريج كائن بشري كفء –نعم- لكن قابل ليعيش الضيم في ظل مناخ التحكم و الاستلاب و الاستبداد.    


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يخرج صديقي –أستاذ متدرب في مادة الرياضيات- من الثانوية مع زملائه الأساتذة، فينخرطون في النقاش حول الشأن العام وبعض القضايا الفكرية، ينتصر صديقي في مداخلاته دوما للطرح القائل: إن الإسلام و المعاصرة صنوين لا يفترقان لا ضدين –كما يشاع- لا يلتقيان.. يفاجأ صديقي بقابلية زملائه لاحتضان أية فكرة و سرعة تبنيهم لما يدندن حوله من أفكار و طروحات.
يعبر لي  بنبرة صادقة مقرونة بالإشفاق الخالص: لا يسعدني حال هؤلاء، رغم  تبنيهم لما أدندن حوله و أدور، لأنهم قابلون للمغالطة و التضليل، و ما ينتصرون له من قيم و أفكار رهين بطبيعة السباق إلى مخاطبتهم؛  فلو كان مخاطبهم يتحيز لفكرة أخرى لصفقوا –على عجل- لما يقول. مضيفا: إنهم ضحايا سياسة تعليمية منتكسة تنتج آلات : تشتغل وفق الزر الذي يضغط عليه لأول مرة، و تغير وجهتها بعد الضغط على زر آخر..
تلك قصة توحي بشكل واضح عميق بطبيعة الخلل الذي يجثم على السياسة التعليمية. إنها إرادة صارخة لإنتاج كائنات قابلة لتبديل قناعاتها بعد إشعار قصير دون السعي وراء عملية الغربلة و التمحيص. إنها محاولة مكشوفة لتخريج جيل "لا يفكر بشكل مختلف عن ما يريد المتنفذون"، جيل مُدجن؛ لا يستطيع أن يقول "لا": للظلم و الطغيان و الفساد و الاستبداد و التسلط و التخلف و الفجور و الخمول، جيل ممزق الشعور و مستلب الاختيار في كل الأمور..(من مقدمة "هموم تلميذ").
إن الخلل، يمكن تكثيفه باختصار فيما يلي: جزء كبير من المتدخلين في صياغة السياسة التعليمية لأوطان –ما بعد الاستعمار بالخصوص-  يبتغون حرمان الأجيال الصاعدة من الحس النقدي..
لأنهم يعلمون أن المتعلم (طالبا كان أو تلميذا)، إذا مُكن: من أدوات التفكير الناقد، من حس التأني قبل التبني، من الغربلة قبل المصادقة، من الاطلاع على المنظورات المتنوعة للقضايا المطروحة، من التمسك بالمقاصد قبل الوسائل. إذا مُكن من هكذا أدوات و موازين و تملك ملكة التمحيص و التحليل قبل المدح و التبرير، لا ريب، أنه بدأ يشق الطريق نحو التحرر و المعافاة من أمراض نفسية و اجتماعية فتاكة: الإمعية، الآبائية، النظرة الإطلاقية، النزعة الوثوقية، القابلية للاستغفال و التخدير و الوقوع في أسر هواة التحكم و التلاعب و التضليل..  
إن المنحى الذي تتجه إليه السياسة التعليمية؛ الانتصار لنموذج التقنوقراط أو الإنسان التقنوي الذي ينحصر أفقه في العمليات التي يُطالب بإنجازها و الآلات المفروض عليه أن يتعامل معها: الإنسان الذي لا يهجسه  سؤال: لماذا؟ الإنسان الذي لا يتطلع لفهم الفلسفة التي تؤطر العملية التي ينجزها و لا الفكرة التي كانت وراء إبداع الآلة التي يشتغل عليها. هذا المنحى يستهدف بشكل صريح إغراق الإنسان في عالم صم بكم (عالم التقنيات)  لا علاقة له –بالمناسبة- مع العلم و لا فلسفة الحياة بشهادة العالم الفيزيائي جيمس تريفل: " إن القدرة على برمجة جهاز تسجيل فيديو كاسيت ، أو إصلاح سيارة، أو فهم وظيفة جميع أزرار جهاز التشغيل: يمكن أن يكون قدرة مفيدة في العصر الحديث، لكن لا علاقة لها البتة بالمعارف الأولية العلمية. إن المعارف الأولية العلمية قيمتها و دورها في أن نفهم بنية الكون الذي نسكنه، و يمكن أن تقترن أو لا تقترن بالمهارة التقانية اللازمة لتشغيل الأجهزة الالكترونية".( "لماذا العلم؟"، جيمس تريفل، سلسلة عالم المعرفة: الكتاب 372. ص: 57-58).
نموذج التقنوقراط يناقض تماما نموذج الحس النقدي؛ لأنه ببساطة من يُعمل عقله و تفكيره لا بد و أن تكون له أيضا وجهة نظر فيما يُطرح من أسئلة و قضايا و نقاشات؛ وجهة نظر  لن تروق دائما سدنة الاستبداد: هواة التنميط و الرأي الواحد. لهذا السبب –إذن- تتحيز السياسة التعليمية  لنموذج التقنوقراط و تخشى من سيادة نقيضه صاحب الحس النقدي.
بعبارة جامعة؛ إن السياسة التعليمية تقف على خيارين: إما النزوع التقنوي أو النزوع نحو الحسالنقدي. النزوع الأول، يروم إنتاج الإنسان ذي البعد الواحد (بتعبير الفيلسوف  ماركوز) و بالتالي تشكيل المجتمع ذي البعد الواحد حيث لا هَم إلا التصفيق و التبرير لكل السياسات و الفلسفات الرائجة من طرف الطبقة المهيمنة؛ هذا النزوع يتوسل توجيه اهتمام الطلاب و التلاميذ إلى العمليات و المسائل التقنية بعيدا عن الفكر و المعارف العلمية لإعدام أي ذراع محتمل أن يكون لهم في ميدان المعارف الإنسانية و الاجتماعية التي تتصل بالحياة العامة.  أما النزوع الثاني، فهو يستهدف بناء طراز من الإنسان يمتلك حاسة النقد و يعشق السؤال، يراجع المسالة قبل أن يصفق لأي جواب عليها، يحوي قاموسه كلمة "لا" إلى جانب كلمة "نعم": مواطن بحق ليس رقما كباقي الأرقام.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



كثيرا ما ألتفت إلى كون سبب اتجاه المنظومة التربوية صوب تضييق التخصص و حصر مجال الاهتمامات و التركيز على التقنيات، لا يرجع -حسب ما يشاع- إلى إكراه التأهيل لسوق الشغل فقط. إنما ذلك نابع من سياسة تروم تخريج تلميذ/طالب محروم من الرؤية الإدراكية الفسيحة، قابل -بعد إشعار قصير- لتبديل القناعات و الخيارات، قابل للتوظيف و الحوسلة و الاستعباد و قابل للصب في أي قالب مُعد.
قبل عقود، كان الرهان على أمية الشعوب و المجتمعات (الأمية التقليدية: أمية الحروف و الأرقام). فالأمي كالأعمى –إلا من رحم الله- من اليسير حمله على طريق  لم يكن يقصده، من اليسير العبث بفكره، من اليسير توظيفه لفائدة أجندة من الأجندات. و لهذا السبب؛ أي الرغبة في استدامة نوع من العبودية في أوساط الناس و الخوف من تحررهم من زيف الوصايات. تم انتهاج سياسة المماطلة و التذبذب و التردد إلى أن وصلنا في القرن الواحد و العشرين إلى حالة تستمر فيها نسب مًقَدرة من الأمية كان بالإمكان أن تنعدم منذ سنوات سحيقة.
كان بالإمكان الاحتفاء بالقضاء على الأمية –على الأقل- سنة 1975، استنادا إلى ما  أدلى به الدكتور المهدي المنجرة. ففي سنة 1965، يقول الدكتور المنجرة، انعقد مؤتمر الوزراء الأول و الأخير لمحاربة الأمية، و باعتماد دراسات لخبراء تم بيان إمكانية القضاء على الأمية في عشر سنين، لكن الأمية مازالت مستمرة إلى اليوم..
يلفت المنجرة النظر إلى كون سدنة الاستبداد في أوطاننا و ورثة الاستعمار في الدول الغربية: يقفون دون إشاعة نور العلم و العرفان و ضد دق أخر مسمار في نعش الأمية و الظلام. إنهم يخافون من تحرر الشعوب و انبثاق وعيها السياسي.
لكن تحالف الغزاة و الطغاة أدرك أن حبل المماطلة قصير و أن تعلم الحروف و الأرقام بات قدر الجميع خصوصا في القرن الواحد العشرين. فسارع إلى البحث عن مخدر جديد يقوم بالدور الذي أنيط بالأمية منذ عشرات السنين؛ أي تطويع الجيل الجديد و جعله قابلا للاستعباد و المغالطة و التضليل. فنسب الأمية (التقليدية)، رغم أنها مازالت مقدرة إلا أن  القضاء عليها بات مسألة وقت رهين بظهور جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال على أكثر تقدير، فحتى الهدر المدرسي المشاع في أوساط البوادي بشكل كثيف لن يمنع التلاميذ من تعلم الحروف و الأرقام إلى حدود مستوى السادس ابتدائي على الأقل.
فما هي –إذن-  الأمية (الحديثة) التي أراد حلفاء الظلام (الطغاة و الغزاة) التمكين لها لأداء ذات الدور الخسيس: الوصاية على الجيل الجديد؟   
الجواب عند العبقري الكبير ألبرت إنشتاين (في كتابه: كيف أرى العالم؟): " لا يكفي تعليم الإنسان تخصصا معينا؛ ذلك أنه بهذا الشكل، يصير آلة قابلة للاستعمال و لا تصبح له شخصية. و من المهم أن يكتسب إحساسا و حسا عمليا تجاه ما هو جميل و ما هو حق أخلاقيا؛ و إلا فإنه يشبه بمعارفه المهنية كلبا عارفا.. إن إفراطات نظام المنافسة و التخصص السابق لأوانه تحت الذريعة الخداعة للفعالية، تقتل العقل و تمنع كل حياة ثقافية، بل و تلغي حتى التقدم في علوم المستقبل.. و الحال إن إثقال العقل من خلال نظام التنقيط، يعيق و يحول البحث إلى سطحية و غياب للثقافة، و ينبغي للتعليم أن يتمثل في كون من يتلقاه، يستقبله كهبة ثمينة، و ليس كإكراه قاس أبدا".
إذن إغلاق المتمدرسين في سياجات التخصص الضيق حيث الأرقام الصماء فقط و الرموز الجوفاء فحسب و حيث الغياب التام لفلسفة العلوم و المنظورات الكلية المؤطرة لأسئلة التقنيات و مختلف الفنون؛ هو المدخل الجديد نحو أمية (حديثة) تجعل خريج المنظومة –كما قال إنشتاين- آلة قابلة للاستعمال و الاستعمار و التوظيف و التضليل و الاستغلال. فالمنكفئ على أسوار فرع واحد من فروع المعرفة، المفتقد لإحاطة عامة بأحوال الإنسان و الاجتماع و  ما يتعلق بصياغة الأحلام و الوجدان و القانون لن يكون عصيا على البيع و الشراء و التلاعب و الارتشاء و التطبيع و الخذلان. إذ أن التخصص يعمل على نمو الفرد من جهة واحدة و يعطله من سائر الجهات. و السؤال هنا: هل التخصص أمر لازم، نعم- يقول د.علي شريعتي في كتابه "النباهة و الاستحمار"-.. إنه أمر لازم، و لا ينبغي أن نعدمه، لكنه، علينا في الوقت الذي نتخصص فيه في فروع مختلفة، أن نحفظ "كليتنا الإنسانية" و "كليتنا الاجتماعية".
الفيزيائي الحائز على نوبل "جيمس تريفل" في سياق حديثه على خطورة الانكفاء فقط على التخصص الضيق في كتابه الشهير (لماذا العلم؟) أورد قصة معبرة تختزل البعد الذي نستهدف توضيحه في هذه الأسطر. يقول:"إنني لا أعتقد أن أيا من طلاب الجامعات الأمريكية اطلع على قدر كاف من الإنسانيات أو العلوم الاجتماعية، و ثمة قصص مروعة على ذلك، مثل قصة الطالب الذي ظن أن تورنتو هي عاصمة إيطاليا". هذا طالب جامعي أمريكي لم يكلف نفسه عناء الاطلاع و التأكد من عاصمة دولة غربية نتيجة غرقه في التخصص، فكيف ستكون درايته بالحركات السياسية و الاجتماعية و تاريخها و مراميها و الفروق بينها.. هذا، من السهل –إذن- على عصابات المافيا و الحركات الهدامة شراء ذمته و توظيف كفاءته و ذكائه و تدجين تحيزاته و خياراته.
قطب رحى حديثنا، إن الذين يملكون السلطان في العالم (ورثة الاستعمار) و الكثير ممن يملكونه في بلداننا (سدنة الاستبداد)  لا يريدون لهيمنتهم الاحتضار، لهذا فهم عاكفون على تأبيد المغالطة و التضليل و الاستعباد و التمويه في أوساط الجماهير. قديما راهنوا على الأمية التقليدية التي تقبع فيها الشعوب و اليوم قالوا فلنجعلهم آلات لا يمتد وعيها إلى ما سوى تخصصها. فالحذر الحذر من هذا النزوع التقنوي المقرف البئيس ! فنتاجه لن يكون سوى آلات طيعة لا أناس أحرار !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



الجواب على سؤال "لماذا يتعثر مسار الانتقال الديمقراطي ببلداننا ؟"- حسب عالم الاجتماع العراقي  علي الوردي- يقتضي أن نفهم طبيعة مرحلة الانتقال التي تمر بها هذه البلاد، إذ هي تمر اليوم بنفس المرحلة التي مرت بها البلاد الراقية في مفتتح القرون الحديثة. فالناس هنا لا يزالون يعيشون القرون القديمة، و يسيطر عليها المنطق القديم، منطق الحق المطلق الذي يحتكره فريق من الناس دون فريق. فإذا قلت لأحدهم "إنك مخطئ" ظن انك تقول له "إنك غبي" و يمسي و قد أضمر لك حقدا لا ينساه حتى ينتقم منك.
ما ذهب إليه الدكتور الوردي صحيح إلى حد بعيد. فالنزوع الوثوقي و الرؤية الإطلاقية التي لا تعرف المنطقة الرمادية؛ أمراض موروثة من عصور الانحطاط و عهود الجهل مازالت تحتل مساحات واسعة في العقل الجمعي للأمة. و لاشك أن الذي أدى إلى استدامة هذه الأمراض المعطلة لحركة الترقي في الحياة هو الجهل المركب، هو النظر إلى الحياة من زاوية واحدة فقط، هو عدم إبصار الطرق الأخرى المؤدية إلى المقاصد و الغايات الجامعة.
قديما كان الجاحظ يقول: "الحلم بالعلم". لن يتأتى لك التخلق و التحقق بأخلاق الشموخ: الحلم، الرفق، الرحمة، التسامح و التواضع.. إلا إذا كنت ذا أفق رحب نابع من معرفة واسعة و علم غزير يُشَكل حصيلة تجربة عميقة في الحياة و تأملات ثاقبة في مختلف الكتابات و شتى المجالات. لا يمكن –إذن- أن تكون حليما مع خصمك إلا إذا كنت على دراية عميقة  بتاريخه و تطوراته و مقاصده و مراميه، إلا إذا وقفت على بينة من قضيته و صدقه و شرفه و نزاهته.
إن الكبار،  لم يشتهروا بميزة كالأناة عند إصدار الأحكام و التوقف قبل إطلاق الكلام و إنصاف الخصوم قبل الخلان. و ما ذلك إلا لوعيهم بكون هذه الحياة أخس من أن تُعمر بالعداوات و الاصطفافات، و أنها أجدر بلم الشمل و تقريب الصف و ردم الهوة لتحقيق مقصد الاستخلاف في التنافس على "أيكم أحسن عملا" و البدار إلى إصلاح الأرض و عمرانها.
الملاحظ باستمرار، في عالم اليوم، أن العديد من الفرقاء السياسيين و الفكريين يجهلون بشكل فاقع التطورات المتسارعة الكثيفة التي تمر بها التنظيمات المباينة لهم في الخط و الشعار. فالنعوت التي مازالت تلحق الحركة الإسلامية من قبيل "الظلامية" (زعيم حزب سياسي يساري في حوار مؤخرا مازال مُصرا على توظيف ذات النعت)  تنم – على الأقل، إذا افترضنا حسن النية- على الجهل المطبق بالتحولات الفكرية العميقة السارية و المستمرة في الصف الإسلامي : التحولات التي تسير نحو الأخذ بالأفكار المتعلقة بالبعد الإنساني و الاجتماعي التي طالما نادى بها خصومه سابقا. نعت "الظلامية"، قد يكون مقبولا في السبعينيات، حيث تعيش الحركة الإسلامية مرحلتها الجنينية الموبوءة بالتحيز للنهج الانقلابي و استعداء المخالفين. لكن و الحال أن الحركة –اليوم- تتبرأ من صبيانية المنهج الانقلابي و ترفع شعار التغيير الحضاري و "التعاون مع الغير على الخير" و تقوم –باقتدار- بالمساهمة في خط المسار الديمقراطي؛ و الحال هذه بات من السذاجة و الاستغفال  استقدام ذات النعت و خصوصا في مرحلة دقيقة من الانتقال الديمقراطي.
إن تعثر المسار الديمقراطي في بلداننا، راجع بالأساس، إلى غياب كتلة وطنية (من شتى الأطياف) ملتحمة على ذات المقاصد و الغايات. و المساهم في تغييب هذه الكتلة استمرار حالة الجهل (أو التجاهل) بشكل مفجع بباقي فرقاء الوطن مما يؤدي إلى  ديمومة عيب التخوين في الخطاب و السجال (فهم "إنك مخطئ" على أنها "إنك غبي"، كما قال الوردي).

و أمام هشاشة الصف الداخلي و تشرذم وجهاته يسهل على "التدخل الخارجي" الذي ليس له مصلحة في نجاح الانتقال الديمقراطي الإجهاز على البناء برمته.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






أهم ما ينبغي على الطالب الاضطلاع به في السنة الأولى بشعبة الاقتصاد خاصة في مادة علم التدبير هو التمييز بين دلالات و مجالات؛ التسيير gestion  و التدبير management.
التسيير، ببساطة، هو الاشتغال على إدارة عمل/ورشة ما لكن في إطار منظومة و نسق محدد سلفا لا يجوز للمسير تجاوزه. بينما، التدبير يتناهى مدلوله إلى امتلاك "المدبر" لآفاق واسعة لابتكار حلول لما استجد من المشكلات دونما الارتهان بقيد من القيود أو نسق من الأنساق. صحيح أنه لا مانع للمدبر من الاسترشاد و الاستعانة بالتوجيهات الموضوعة على طاولة المسير، لكن طبيعة التدبير أساسا تتجه إلى تجاوز الموجود من الأنماط المتبعة في التعامل مع المشكلات التي تعرض لحياة الورشة/ الشركة.
المتأمل في الطريقة التي يتعامل بها "المنتظم الدولي"؛ مع أي نموذج تنموي صاعد في آسيا أو في العالم الثالث عموما أو مع أي تجربة ديمقراطية ناشئة في المنطقة. المتأمل في النهج المتبع في هذا التعاطي مع محاولات النهوض في المنطقة، لاشك، أنه لن يخطئ في الجزم بان العالم الخارجي المهيمن على القرار الدولي لا يرضى بظهور بذور تجربة ديمقراطية/ نموذج تنموي يتأبى على النسق المعين –باعتباره الوحيد- للتنمية و الديمقراطية.
العالم الخارجي المهيمن على القرار الدولي-إذن- لا يرضى نهائيا بنموذج صاعد يتطلع لا لتسيير تجربته فحسب؛ و إنما يرنو لتدبيرها وفق إمكانياته الذاتية و رصيده التاريخي و موقعه الجيو-سياسي و طبعا دونما إغفال التجربة البشرية الغنية في سبل النهوض لكن دون الارتهان الأعمى لأي نسق من الأنساق.
السبب، واضح، هو أن العالم المهيمن اليوم حريص على مصالحه يسعى لتأبيد هيمنته. ظهور أي تجربة تنزع نحو التدبير خارج نسق المهيمن يعني – من المحتمل- أن تشق طريقها نحو النجاح. و بالتالي، فذلك إيذان ببداية تخلخل التوازن القديم و انطلاقة فعلية لتوازن جديد في العالم يأخذ فيه المهيمن (سابقا) موقعه الطبيعي و تأخذ فيه كل تجربة حقها. و هكذا، يتأسس عالم يسود فيه العدل بين الأمم و التعايش السلمي و العمل المشترك من أجل المصير المشترك لهذا الكوكب. 
مجموعة من الحروب التي نشاهدها ضد دول الجنوب؛ الفكرة المركزية التي تقف وراءها: تدبير أي دولة في الجنوب لشؤونها خط أحمر.. الجنوب قدَرُه التسيير فقط.
إن الوعي بأن "التدخل الخارجي" يفعل فعله في بلداننا لأنه  يريد الديمومة  لنسق معين بإكراه الدول على الاكتفاء بالتسيير فقط في إطار إملاءات معينة (من صندوق النقد و غيره..)، أمر مهم أن يعيَه الذين يستسهلون طريقة صدور قرار سياسي في بلداننا. و إن ترك التجارب الصاعدة تدبر شأنها و تجترح بدائلها، لأمر هام و شرط لا مندوحة عنه لاستتباب الأمن و العدل و السلام و التسامح على ظهر هذا الكوكب.
 نختم مع الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله الذي يتحدث –بالمناسبة- عن كون هيمنة المهيمن حاليا لن تدوم أكثر من 15 سنة (يعني لن تستمر إلى أكثر من 2030). و في سياق دفاعه عن إمكانية نجاح نماذج التدبير خارج النسق المحدد، يُلح على نموذج اليابان مرارا و يرى "أن تطور اليابان يعود بالأساس إلى سيرورة اجتماعية ثقافية ذاتية، لعبت فيها اللغة و القيم دورا حاسما. فنجاحات اليابان في المجالات الاقتصادية و العلمية و الثقافية فندت إذن إطروحة الطريق الوحيد (الغربي) نحو التحديث، و هذه السابقة حطمت نهائيا احتكار الغرب للحداثة، و أثبتت أن الحداثة لا يمكن أن تتحقق إلا بواسطة مجهود ذاتي. مضيفا: "إن التخلف ليس إلا العجز عن التعبئة الرشيدة للموارد البشرية و للكفاءات". (من كتابه:"حوار التواصل".ص: 176،177. مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء. الطبعة11  سنة 2005  ) .


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





حسن البنا، رجل لا يمكن ذكر القرن العشرين بدونه، داعية لا يمكن لكل من خالطه إلا أن يحبه، أحيى سنة حميدة في العمل الإسلامي هي العمل الجماعي المنظم. كُتبت عنه صفحات عديدة، فما الداعي للكتابة عنه في ذكراه السادسة و الستين؟
هي دروس منسية من تراثه الدعوي الثري، فيها نَفَس التجديد بحاجة لاستذكارها لإضاءة  العمل الإسلامي من جديد. فوائد عظيمة ذات صلة  بالرفق بالناس و سعة النظر و الالتفات للوسائل الحيوية لخدمة الرسالة  (الفن) علاوة على إدمان القراءة في العلوم الإنسانية لتجويد العمل و الارتقاء بالوسيلة.

1.سعة النظر و الرفق بالناس:

" ذهب الأستاذ البنا إلى مديرية البحيرة (بمصر) في إحدى رحلاته المتواصلة و استضافه أحد الأثرياء في تلك المديرية و أحد وجهائها، و ما كان له به سابق علم. فلما جلس إليه و استمع منه، قال: إن ما تحدثني به شيء جميل و إني لرجل خير، أحسن إلى الفقير و أساعد المحتاج و أصلي و أصوم و لكن فيَ عيب كبير أظن أنني لا أستطيع الإقلاع عنه.
قال الأستاذ: و ما هو العيب الذي لا تستطيع الإقلاع عنه؟
قال الثري: إني أشرب الخمر أحيانا، و هذا ما يمنعني من الانضمام إلى الجماعة.
قال له الأستاذ: تعال إلينا، إننا نقبلك بحالتك. فذُهل الرجل.
ليس معنى هذا أن الإمام الشهيد يقر الرجل على شرب الخمر، كلا و لكنه كان ينظر إلى بعيد. لو ترك الرجل على حاله لاستمر في شرب الخمر و استمرأه. و لكنه إذا انضم إلى الجماعة و خالط أفرادها رأى نكر ما يفعل، فالبيئة الصالحة و الكلمة الحسنة و النصيحة الهادفة الهادئة، كفيلة بأن يقلع الرجل عن ذلك. و هذا ما حدث.(عمر التلمساني، ذكريات.. لا مذكرات. ص:274)
إنه الموقف الرزين، الذي على الدعاة و عموم المسلمين أن يقفوه في كل عصر و حين، يُذَكر بالمشاهد الجليلة التي تعامل فيها رسولنا الكريم بالحكمة و الموعظة الحسنة مع المتعثرين في تفعيل مقتضيات الإسلام في سلوكهم و من ذلك الصحابي (مدمن الخمر)  الذي شهد له المصطفى أمام الصحابة بأنه يحب الله و رسوله. إنها الرحمة بالضعف البشري مع الحرص على عدم فقدان أي منتسب لدائرة هذا الدين.
هذه المعاني الموحية بحقيقة سمت هذا الدين هي التي تُغيظ "داعش" و أمثالها و لا يريد لها المستفيدون من تشويه صورة الإسلام بتسليط الأضواء على "جرائم إسلام داعش" أن تُعرف و تُذاع خصوصا هواة الإقصاء و الاستئصال؛ لأنها تعبر عن الإسلام الحق الذي أنزل الله و جاء به محمد صلى الله عليه و سلم.

2. الفن في خدمة الرسالة:

يحكي الدكتور محمود عساف: في يوم من أيام صيف عام 1945، ذهبتُ إلى الأستاذ الإمام كعادتي كل يوم.. قال لي: قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حسابا للإخوان هناك. إذ لم يكن للإخوان حساب بأي بنك حتى ذلك الوقت.
توجهنا إلى مكتب رئيس البنك و كان يتبع سياسة الباب المفتوح للعملاء، و يستطيع أي عميل أن يدخل إليه بغير استئذان، دخلنا و ألقينا السلام، و جلسنا على أريكة مواجهة للمكتب، و كان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب و ظهره منحرف نحونا، و كان يتحدث مع رئيس البنك و في انتظارنا صامتين إلى أن تنتهي تلك المقابلة، فاجأنا رئيس البنك بقوله: "أهلا و سهلا" بصوت عال جعل الجالس إلى مكتبه ينظر نحونا، و إذ بذلك الجالس ينتفض واقفا و يهتف: حسن بك؟ أهلا و سهلا يا حسن بك، ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام ثم إياي. ثم جلس على مقعد مجاور للإمام و قال:" أنا أنور وجدي.. المشخصاتي.. يعني الممثل.. طبعا أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم، في حين أني و الله أقرأ القرآن و أصلي كلما كان ذلك مستطاعا".
قال له الأستاذ البنا: "يا أخ أنور أنتم لستم كفرة و لا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، و لكنه حرام إذا كان موضوعه حراما. و أنت و إخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام و مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ و أئمة المساجد. إني أرحب بك و آمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة و الدعوة إلى الله".
عندما سمع أنور وجدي هذا الرد الجميل من الأستاذ البنا بكى و قبَل يده و رأسه. بعدها رأينا لأنور وجدي "ليلى بنت الفقراء". (عصام تليمة، حسن البنا و تجربة الفن، مكتبة وهبة. الطبعة الأولى: 2008. ص: 39-40).
حسن البنا لم يقف عند حدود ربط علاقات طيبة مع الفنانين بل حرص على اقتحام هذا المجال الحيوي (الفن) و إنشاء مجموعة من فرق المسرح منذ الثلاثينات التي نشطت و قدمت عددا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، و منها ما هو خلقي، و معظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي. (نفس المرجع. ص: 7).
اليوم، بعدما بات واضحا المقدار الذي يساهم به الفن في تشكيل وجدان الإنسان و أحلامه و اختياراته، يمكن الجزم بأن العمل الإسلامي لا يمكنه بلوغ مراميه إلا باقتحام الساحة الفنية و الانخراط  في عملية إيجاد البدائل لما هو موجود من منتجات فنية رديئة المبنى و المعنى.

3. إدمان القراءة في العلوم الإنسانية:

 المجددون – عادة - لا يكتفون بتخصص واحد (العلوم الشرعية) بل يغرفون من كل العلوم قدر المستطاع للاستفادة من الحكمة البشرية و بالخصوص في العلوم الإنسانية قصد تجويد الخطاب الدعوي و تجديده باستمرار. و الأستاذ حسن البنا، باعتباره من أبرز حملة لواء التجديد في القرن العشرين، لم يشذ عن ديدن المجددين.
ألمح الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة (منشورة على اليوتوب) حول الخطاب الدعوي عندما تناول أهمية البعد التجديدي فيه، إلى أن أول رسالة جامعية (الماجستير) كُتبت عن الأستاذ حسن البنا سنة 1952 من طرف الباحث يحيى حقي جاء فيها أن الأستاذ البنا كان يواظب على التردد باستمرار على المكتبة لتلقف جديد المترجمات إلى العربية  في العلوم الإنسانية  (لأنه كان يتقن لغة واحدة هي اللغة العربية) و كان يلتهم ما يجده ليلتها.  
حرصُ الأستاذ البنا على قراءة ما تصل إليه يده من كتابات في العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع..) يعكس إيمانه القوي بأهمية توظيف معطيات هذه العلوم في فهم أعمق للمجتمع و نفسيات أفراده و الآليات المُمَكنة من النفاذ إلى أعماقه أي الاستفادة من إضاءاتها المتعلقة بكيفية التعامل مع الناس قصد التأثير فيهم إيجابا. و في هذا درس بليغ للدعاة المعاصرين يؤكد أن لا نجاح للخطاب الدعوي اليوم إلا بعد القيام بتجديده و تجويده  و أن ذلك لن يتأتى ذلك إلا بالاستفادة من الخبرة البشرية  في مجال العلوم الإنسانية طبعا دون إغفال المرجعية القرآنية و الهدي النبوي.

بعد مرور ستة و ستين سنة على اغتيال الأستاذ حسن البنا ( في 12  فبراير 1949 )، نثير من جديد هذه الإشارات اللطيفة من سيرته و مسيرته الدعوية خصوصا بعدما تميع المشهد الإسلامي بحركات استخباراتية إرهابية متطرفة تنسف المعمار الذي بناه الدعاة و المصلحون طيلة العقود الماضية و تشوه دعوة الإسلام السمحة، إشارات تؤكد كلها أن رسالة الحركة الإسلامية المعاصرة منذ المؤسس الأول (حسن البنا) أشرف و أنبل من أن تخوض  معارك وهمية و تستعدي كل الإنسانية.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




محور تجديد الوسائل في العمل الإسلامي يكمن في ذلك البحث الدائب عن كل جديد مفيد لبث الرسالة في أوساط أكبر عدد ممكن من الناس. و الدعاة الصادقون، الذين يغارون على الرسالة، يؤرقهم دائما سؤال تجديد الوسائل.
أحد هؤلاء، الشيخ راشد الغنوشي دائما ما يدعو الشباب الغيور على العمل الإسلامي إلى اقتحام شعب العلوم الإنسانية و الاجتماعية (علم النفس، علم الاجتماع، علم الاقتصاد) لاستخدام آلياتها المهمة في فهم أعمق و تحليل أدق لطبيعة مجتمعاتنا، لتوظيف هذه التحليلات في اختيار الوسائل الأنجع للتدسس بلطف إلى نفوس الناس و التأثير في حياتهم إيجابا. يقول الأستاذ راشد: "بعد انتهاء الحرب الباردة أصبح الاقتصاد يمثل أهم ميدان في الصراع الدولي، و هذا ما يجعل الشباب الإسلامي مدعًوا لأن يتجه إلى الميدان الاقتصادي الحر بتأسيس الشركات و التعاونيات، و أن يعتبر هذا الميدان من ميادين الجهاد الإسلامي المعاصر".( مسيرة الصحوة الإسلامية: نقد و تقويم. ص: 22. الطبعة الأولى. مركز الراية.  2005 ).
"من مظاهر القصور في استيعاب الواقع المحلي و الدولي ضعف تخصصات الإسلاميين في المجالات العلمية المتعلقة بتشخيص الظواهر الإنسانية كالاقتصاد و السياسة و الاجتماع و الصحافة و الفلسفة و التاريخ و الجغرافية و علم النفس و التربية و الأنتربولوجيا و السينما و الآداب و الفنون، مقابل إقبالهم على العلوم التطبيقية التي – على أهميتها – تغوص في الجزئيات و لا تسعف كثيرا في رسم الاستراتيجيات الكبرى". (ص:94)
"إنه لمكسب عظيم أن تربي –الحركة الإسلامية- الشباب الصالح في مجتمع يزخر بالإغراءات و لكن هذه التربية نفسها ينبغي ألا تكون معزولة عن استراتيجية الحركة الإسلامية في التغيير في المجتمع.(ص:196) خذ مثلا الطلبة المنتمين إليها، فهي لا توجههم إلى اختيارات و تخصصات محددة لخدمة خطتها. و آية ذلك ما ترى عليه الإسلاميين من إقبال على الكليات العلمية و التخصصات الطبية و الهندسية، لسبب واحد هو الإغراءات المالية التي تقدمها للخريجين و تضاءلت بذلك العناصر الإسلامية في الكليات الأدبية و التخصصات الإنسانية". (ص:197)
 واضح من كلام رئيس أكبر حركة إسلامية بتونس الشقيقة، أن  ضعف الاشتغال على الآليات الحديثة في العمل الإسلامي يشكل حجر عثرة يعيق وصول الرسالة إلى أفئدة أكبر فئة ممكنة من الناس. فالفتوحات المهمة التي شهدتها العلوم الإنسانية منذ القرن الأخير، كفيلة بتمتيع الحركة الإسلامية بنظرة أجود لطبيعة المشكلات الحقيقية التي تعاني منها مجتمعاتنا و من ثَم طبيعة الحلول المقترحة لمقاربة هذه المشاكل.
 من الدعاة الموفقين -كذلك- الذين يحملون هَمَ التجديد في الخطاب الدعوي، الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد الذي طالما نادى بدوره إلى توظيف البدائل الجديدة في خدمة واجب تذكير الناس بربهم.
"أجمع الفقهاء في أسلوب انتقادهم في منابر الوعظ، على الحديث عن فساد الزمان و الحديث عن كل الحركات الباطلة و المبطلة، التي تقوم هنا و هناك، فتجد الفقيه على منبره مرة يرد على هذه الصحيفة الاشتراكية، و مرة يواجه هذه الاستمارة النسوية، و مرة يرد على هذا المذيع التلفزيوني، و مرة ينبه الناس إلى كتاب ظهر لسلمان رشدي أو لغيره.. طبعا هذا شيء من المدافعة المطلوبة شرعا، و هذا باب من أبواب الجهاد عظيم. و لكن متى يفكر الداعية التقليدي قبل أن يكتب سلمان رشدي رواية فاجرة و يقوم هو بلعنها على المنبر و تحريم قراءتها على المسلمين، متى يفكر أن يفكر أن ينشئ ناديا فكريا، و أن يحتضن فيه شباب الأدب و هم مازالوا مراهقين عندما يكون عند الشباب الاستعداد المفتوح لأن يحتضن من أي منبر، ثم ينظم ندوات أدبية، ثم يتعاون بالمال الذي يجمعه لإنشاء مطبعة، ثم يقوم بطباعة هذه الأعمال الأدبية، ثم يراعي هؤلاء الشباب حتى يصبحوا عندما يصلون إلى سن اشتداد العود و نضج التجربة الأدبية مبدعين يكتبون الروايات، يملؤون بها الساحة و يقدمون بها البديل؟ و الشاب الذي لا بد له أن يقرأ الرواية، و الفتاة المراهقة التي لا بد لها أن تقرأ الرواية، لا بد لهما  من شيء من الخيال و الهيمان، لا يستطيعان أن يقرآ كتابا فكريا جادا، فيجدان  هذه الرواية، يستغنيان بها عن أمثال سلمان رشدي". (المقرئ الإدريسي أبوزيد، "الحركة الإسلامية بين الفكر و الواقع"، ص:23).
دعوة الأستاذ أبي زيد الدعاة و المصلحين إلى طرح البديل و استخدام الأدب و كتابة الروايات، دعوة جد معقولة؛ خصوصا و أن أي حركة اجتماعية تحمل هَما إصلاحيا و مشروعا مجتمعيا و تطمح إلى تأطير وجدان الناس و توجيههم نحو القيم التي تؤمن بها لا بد لها من مناشير أدبية و ثقافية تُلهم أحلام الناس و تداعب خيال الأطفال و تغذي فكر الكبار و ترسم خيوط حياة الإنسان المنشود. فأوروبا لم تنجز ثورة قيمية و لا ثورة صناعية و لا ثورة تقنية معلوماتية أي باختصار لم تًنَزل مشروع الحداثة على الأرض إلا بعد أن رست معالم المشروع الثقافي و النموذج الحضاري المُراد في العديد من الإنتاجات الأدبية و الفكرية لكبار الأدباء و المفكرين الأوروبيين.
قيم العدل و العفة و الطهارة الأخلاقية و الإحسان في العمل و المعاملة و الارتباط بالصلاة و الدار الآخرة و غيرها من العناوين التي تُبشر بها الحركة الإسلامية لا يمكن- إذن- أن تنتشر و تنتصر في أوساط المجتمع إلا بعد أن تُترجم في منتجات فنية و أدبية و فكرية ليصل صداها إلى المهووس بالسماع للأغنية و محب مشاهدة الفيلم و المسرحية و قارئ القصة و الرواية و المتلقف للكتب الفكرية.
إن الدعوة إلى الاهتمام بالعلوم الإنسانية و استخدام الوسائل الفنية و الأدبية في خدمة الدعوة و المشروع و الرسالة جديرة بأن تُحتضن بقوة من طرف أبناء الحركة الإسلامية  خصوصا في المرحلة الراهنة.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





من المعاني الجليلة، المفروض علينا اعتناقها بقوة، الصدق في المواقف و الثبات على المبدأ و الوفاء للخط و القيم.. و هي معان لا يحملها إلا الكبار عبر التاريخ بدءا بالأنبياء و المرسلين و انتهاءا بمن ينهل من ذات المعين من رجالات العمل الوطني و الإسلامي الصادقين..
هو خط، إذن، يعكس إنسانية الإنسان و كونه قبسا من روح الله؛ إذ يترفع المرء عن المصالح الضيقة العاجلة و المغانم القريبة و يتيقن من الثمار اليانعة و النتائج المشرقة لخط الصدق و مسار الوفاء للقيم.
إنه نموذج، يوجه ضربات قاصمة و ردودا قوية لنموذج يراد له الانتشار بين البنين و البنات؛ نموذج الذل، نموذج يبيح للإنسان خذلان القيم و الجرأة على الكذب و بيع الضمير في سبيل نجاح زائف..
إنه برهان ساطع، يُؤكد أن لا خوف من شيء في الدنيا قبل الآخرة، إذا ثبت الإنسان على الحق و كان ديدنه الصدق. لا خوف من المستقبل و إن لاح برهة مظلما، فالمستقبل، في نهاية المطاف، للقابضين على الجبر و الثابتين على الخط و الأوفياء للقيم؛ فالحياة خلقها من اسمه "الحق" و لا هناء فيها – نفسيا على الأقل – إلا لمن عانق الصدق و الحق..
  هنا، سنعرض  لموقفين من مواقف رمزين وطنيين كبيرين في شبابهما المبكر يعكسان بقوة ما ذهبنا إليه من كون الصدق و الوفاء للقيم خط كله خير.

. موقف التلميذ محمد عابد الجابري:

الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله، من رجالات هذا الوطن الكبار على الأقل في الفكر، حريٌ بنا – نحن الطلبة و التلاميذ – الاطلاع على سيرته ومسيرته عسانا نقتفي آثاره في بعض المواقف و المشاهد.
هو من مواليد أواخر سنة 1935 بمدينة فجيج، تنقل بين عدة مناهل للتعلم؛ من المسيد إلى مدرسة في فجيج إلى مدرسة وطنية "النهضة المحمدية" في ذات المدينة إلى مدرسة إعدادية في وجدة ثم استقر به الحال في مدرسة وطنية بالدار البيضاء. في سنة 1953 كان الصدام قد بلغ نقطة "اللاعودة" بين الاستعمار و الإرادة الوطنية، تم خلالها نفي أساتذة المدرسة الوطنية و اضطهاد أطرها مما أدى إلى توقيف الدراسة في هذه المدرسة. فاضطر التلميذ محمد عابد للاشتغال مع عمه الخياط. لكن هذا الشاب كانت نفسه تطفح تحديا للواقع.
"فكان القرار الحاسم الذي اتخذه صاحبنا هو ترك الخياطة و مواصلة الدراسة، و هكذا فما أن بدأت المدارس تفتح أبوابها في أكتوبر 1953 حتى قصد صاحبنا مدير "الثانوية الإسلامية" و هي الثانوية الرسمية التابعة للتعليم الفرنسي بالمغرب و الخاصة بالمغاربة المسلمين وحدهم – بالدار البيضاء – بينما كانت "ثانوية اليوطي"  مخصصة أساسا لأبناء الجالية الفرنسية.
استقبل هذا المدير الفرنسي صاحبنا ذات صباح بوجه بشوش و أجرى معه محادثة بالفرنسية كان ينوي اختبار مستواه فيها، و ذلك بعد أن اطلع على دفتره المدرسي كأحد المتفوقين في اختبارات السنة الخامسة ( الثانية إعدادي ) و في نهاية المقابلة قال المدير لصاحبنا: " أنا أتفهم وضعيتك و لا أرى مانعا في التحاقك بالسنة الرابعة عندنا ( الثالثة إعدادي ) و لكن لا بد من أستشير الأساتذة. عد عندي بعد أيام". و بعد أسبوع عاد صاحبنا يطلب مقابلة المدير فاستقبله لبرهة من الزمن قائلا: "لم أتمكن بعد من أخذ رأي الأساتذة، عد بعد أيام". و بعد أيام عاد صاحبنا ليتلقى نفس الجواب من المدير.
ثم إن صاحبنا التقى صدفة بتلميذ كان قد التحق بالثانوية المذكورة، في الفترة نفسها، قادما من مدرسة ثانوية رسمية من مدينة أخرى، و حكى له مماطلة المدير و تسويفه، فما كان من ذلك التلميذ إلا أن ابتسم ابتسامة من يخاطب شخصا أخطأ الطريق و قال له: "إنك تتعب نفسك. اذهب و اشتر ديكين روميين من السوق المركزي (سوق خاص بالجالية الفرنسية) و احملهما إلى دار المدير و ادفعهما للحارس مع ورقة فيها اسمك، ثم عد إلى المدير بعد ذلك بيوم أو يومين و معك أدواتك المدرسية". ثم أضاف التلميذ: "ذلك ما فعلته أنا، و فعله من نصحني بذلك و أنا أنصحك بدوري".
"ديكين روميين"... رشوة.. إلى مدير فرنسي !
أحس صاحبنا بأصوات الرفض تنبعث فيه من كل جانب: من قلبه و عقله.. و أبيه، من الحاج محمد، من السي بوشتى.. من كل ما يمثل في كيانه الكرامة و الحق و الوطنية. و بدأ يحس بصراع في داخله و بنوع من القلق يدب في نفسه فقرر الحسم في الأمر حسما تاما و نهائيا..
و هكذا صرف النظر عن الالتحاق بتلك المدرسة و عقد العزم على أن يدرس بنفسه برنامج الشهادة الثانوية (الإعدادية) و يهيئ نفسه بنفسه للتقدم إلى امتحاناتها كطالب حر." ( محمد عابد الجابري. حفريات في الذاكرة. ص:181-182-183).
إن هذه القصة تستحق حقا  ذيوع الصيت خصوصا في أوساط الأجيال الصاعدة (التلاميذ و الطلبة ) خاصة و أن التلميذ الذي عاشها هو فيما بعد المفكر الكبير محمد عابد الجابري الذي أطبقت شهرته في الآفاق. إنها تذكرة بالأصوات المطلوبة: رفض الظلم و الرشوة و الفساد.. إنها قصة تؤكد مرة أخرى أنه لا خوف من الوفاء للقيم.
ذوو الرؤية القصيرة سيهتفون للشاب محمد عابد؛ ما المشكلة، يا أخي، "ديكين روميين" فقط ! و تعود إلى مقاعد الدراسة و تؤمن مستقبلك. لكن الشاب أجاب عبر سلوكه: بئس المصلحة إن كانت خيانة للقيم و المبادئ ! بئس النجاح إن كان على حساب الصدق في الخط و الوجهة !
أنا لأحد من التلاميذ و الطلبة أن يقول بعد قراءة هذا المشهد: لا مفر من استعمال وسائل الغش للنجاح و التفوق بدعوى شيوع ظاهرة الغش في أوساط جل المتعلمين. أنا لهم أن يقولوا هذا، و قد رأوا الشاب محمدا عابد الجابري انقطعت به السبل و مستقبله الدراسي كله مهدد، لكنه صمد و احتسب و وفى بالعهد و ثبت على القيم..
إن الرسالة واضحة، هنا، إن هذا الكون يسير بمشيئة الله جل علاه، يسير بمن اسمه "الحق". و بالتالي لا خوف عليك، إن كنت صاحب حق و ثابتا على عهد و مستمرا على خط الصدق و رفض الرشوة و كل ألوان الفساد.. الخوف – كل الخوف – على مسارك، إن خذلت القيم و أصررت على خذلانها و جانَبتَ الصدق في المواقف التي وقفت عليها و اتخذت الغش مطية لتحقيق نجاحاتك.

2. موقف التلميذ المهدي المنجرة:


 رجل، غادرنا في صمت في يونيو الماضي، صدق في الموقف و ثبت على الخط و انحاز للوطن و كتب "قيمة القيم"، هو الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله.
 ولد المهدي بمدينة الرباط سنة 1933، تابع دراسته بالمسيد و مدرسة غورو. بعد الحصول على الشهادة الابتدائية التحق بليسي "ليوطي"، و المثير أنه كان يحصل كل سنة على التوبيخ، و هو ما دفع بهذه المؤسسة إلى طرده بحيث كان من غير الممكن نهائيا أن يعود إلى هذا الليسي، مما دفع بوالده إلى اتخاذ القرار بأن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. سبب غضب مؤسسة "ليوطي" يتعلق بتوبيخات سياسية في الحقيقة، ذلك أن المهدي كان يحصل دائما على نقط دون المستوى في مادتي الفرنسية و التاريخ، لا لضعفه اللغوي و التعبيري، بل لأن أحد أساتذة اللغة الفرنسية كان يشترط للحصول على نقطة جيدة الإشادة بالعلاقات الفرنسية-المغربية.
يقول المهدي معلقا على هذه الذكرى: "إنني حين أتذكر مثل هذه الوقائع أشعر باعتزاز عميق، إذ على المرء ألا يكبت انفعالاته، و ألا يستسلم لقبول الأوضاع كما هي، و عليه أن يحرص على معانقة التساؤل المستمر".( محمد بهراجي و حسن نجمي، المهدي المنجرة: مسار فكر، ص: 16).
إنه  الموقف الكبير المتعلق برفض بيع الضمير و تزييف التاريخ من طرف التلميذ المهدي، كلفه ذلك الطرد من مؤسسة كبيرة في وقتها "ليسي ليوطي". لكن نزاهة الضمير أولى و الوفاء للذاكرة أقوى عند التلميذ المهدي. إن الاستعمار استغلال للعمران و تحطيم للإنسان؛ فما الفائدة من الكذب و الإشادة بالعلاقات المغربية-الفرنسية؟  هكذا ينطق الوعي المبكر للشاب المهدي.
إن التلميذ المهدي ضحى بالنقط في سبيل الفكرة الوطنية التي يعتنقها، في سبيل الصدق. فماذا وقع له بعدئذ ؟ هل الطرد من ليسي "ليوطي" معناه الفشل، معناه أن التاريخ انتهى؟
كلا ! فالتلميذ المهدي يسر له الله سبحانه و تعالى الذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته سنة 1948  حيث ألقى هناك عدة عروض أمام زملائه الأمريكيين حول عدة قضايا من بينها عرض حول "التاريخ الأمريكي" يُلفت فيه النظر إلى ظاهرة الامبريالية. فالقضية التي يحملها على عاتقه؛ الصدق مع الوطن و معاداة الاستعمار و الامبريالية و التي بسببها طُرد من "ليوطي" لم يفارقها حتى في أمريكا. و بعد ذلك صار البروفيسور المهدي من كبار المفكرين المعادين للامبريالية و الاستعمار الجديد في المؤسسات الدولية (اليونسكو التي اشتغل بها).

إن هذه أمثلة فقط. أما مواقف رجالات هذا الوطن الكبار منذ مرحلتهم التلمذية و الطلابية فهي منارات بحق للأجيال الصاعدة (التلاميذ و الطلبة)، وجب تسليط الضوء عليها لنستفيد منها و نقتفي أثرها. فهي تؤشر على أن الصدق في المواقف و الثبات على المبدأ و الوفاء للقيم وجهة صحيحة تحمل الإنسان دائما إلى بر الأمان.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






الحركة الإسلامية المعاصرة، منذ ميلادها في العقود الأولى من القرن الماضي حملت أشواق إخراج الأمة من حالة التيه. تناسلت عدة أحداث بعد النشأة و الميلاد و اشتداد العود حتى وصلنا إلى مرحلة المد و الجزر بين بذور الانتفاضة و جذور الاستبداد.. السؤال الذي يبقى دائما متجددا، ما الذي بقي من دور للحركة الإسلامية  في المرحلة الراهنة ؟
شعار "إقامة الدولة الإسلامية"، من المؤكد أنه بات مهلهلا. فخطاب الحركة الإسلامية الناضجة استبعد هذا الشعار. تحرير فلسطين، لا ريب، أن الحركة الإسلامية المقتدرة "حماس"( و معها حركة "الجهاد" أيضا) مازالت وفية لخط الكفاح و ثابتة على هدف التحرير الشامل، و غير خاف، أن كل الحركات الإسلامية على ذات المساق.. 
لكن القضية الجديدة، التي تشكل تحديا واضحا للحركة الإسلامية، هي التغول السافر للنزعة الاستهلاكية في أوساط مجتمعاتنا. هذه النزعة التي تحطم الإنسان و استعداداته للعطاء؛ تشكل خطرا يفوق، في تقديري، التحدي الفكري الذي واجهته الحركة الإسلامية في العقود الماضية. لأن هذا التحدي الفكري ( سواء الماركسي أو الليبرالي ) ساهم بطريقة أو بأخرى في تنضيج خطاب الحركة الإسلامية. أما التحدي الجديد، فخطبه أشد لأنه، من جهة، يقتل قابلية التضحية من أجل المجتمع و الأمة في نفوس الأفراد بل يسهم في فتور جاهزية أبناء الحركة الإسلامية للعطاء بلا أخذ و خدمة الناس بلا طمع..
المسلم المعاصر أمام هجمة موجة الاستهلاك يفقد كليته الإنسانية و بوصلته القيَمية  و بالتالي يحتاج إلى عقيدة صافية نقية تستند إلى المرجعية القرأنية (لا تعقيدات في فهمها و لا حاجة لاستحضار الجدالات التي دارت بشأنها في القرون الأولى في "علم الكلام") كما يحتاج إلى حاسة قوية "التقوى"  تكبح المنزع الاستهلاكي أو على الأقل تهذبه.
من هنا، الحركة الإسلامية من واجبها في المرحلة الراهنة، أن تنحو منحى التبسيط من غير إخلال في خطابها، تُذكر بقيمتين إسلاميتين خالدتين كفيلتين بمجابهة السيولة الاستهلاكية.
-          قيمة "التقوى": هي إبداع إسلامي خالص، تشير لشعور دفين في أعماق وعي المسلم تجاه كل سلوك مناف للشرع و كل تساهل في القيام بالواجب. تُشكل  حصنا منيعا للمُتشبث بها أينما كان. هي المَقود الذي يقود المسلم إلى الإحسان في المعاملة و العمل و نبذ الغش و الكذب. هي الحاجز النفسي الذي يدفع عنه نزوعات التهام كل الأطعمة و ارتداء كل الألبسة  و امتلاك مختلف الهواتف الذكية و الالتصاق بجديد السيارات الفارهة و اللهث وراء ألوان مساحيق التجميل المُزينة.. 
-          قيمة "التحرر": هي التحرر من كل المعبودات من دون الله جل في علاه. تفوق أهميتها من وجهة نظر إسلامية المعاني التي تُلبس لها من اليسار عموما. لأنها رفض للضيم و الاستبداد، نعم، مواجهة للظلم و الطغيان، نعم، حرب على الاستغلال و الاستعمار، نعم.. و تهذيب راشد لنوازع النفس المادية أيضا و الاستهلاكية منها خصوصا. هي ذات القيمة التي تحرك أبطال المقاومة في غزة العزة إذ يكتفون في مشهد مهيب و في شهر عظيم (رمضان) بالفطور بنصف ثمرة بعدما انقطعت بهم السبل في عملية بطولية (المكوث في الأنفاق ما يقارب العشرين يوما).

أمام الحركة الإسلامية، الصادقة في خدمة الدين و الأمة و الوطن، رهانات كثيرة في المرحلة الراهنة. عموما هذه الرهانات تنحو إلى اتجاهين؛ اتجاه تصفية الأفكار و القيم الميتة، التي تفرز ظاهرة "الداعشية" و "الجهاد بلا بوصلة" أي الإرهاب بصفة عامة و قتل الأبرياء و التي تؤدي أيضا إلى  التضخم الشكلاني في التدين و التطرف السلوكي و معاداة الاختيار الديمقراطي و استعداء أفراد المجتمع و تكريس الطائفية فيه. و الاتجاه الثاني يصب في إطار تصفية الأفكار و القيم القاتلة، التي تدعم النزعات الاستهلاكية الجارفة  و تروج للقيم المادية المسمومة و تقتل حس الانتماء للوطن و الأمة و تعادي خيار التحرر و المقاومة في القضايا المصيرية كالقضية الفلسطينية.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





إن مشكلة المعنى في وجدان الإنسان المعاصر إذا لم نلتفت إليها بشكل جدي، فحتما لن نجد حلولا للانحرافات الاجتماعية التي نواجهها. هذه المقالة محاولة أولية لمقاربة سؤال: كيف نحس بالمعنى؟ أي كيف نستعيد الذاكرة و نؤمن بالقضية؟

1-      التأمل و التفكير الناقد:

إن التفكير الناقد و التساؤل المستمر و القراءة المتدبرة مدخل ضامن لولوج عالم المعنى: عالم الإنسان الحقيقي المحفوف بالأسرار و الحكم. كما أنه محاربة لتبلد الحس و إزاحة للركام العالق بالفطرة و الاستغراق المُشين للإنسان في حمأة المادية.
    
إن التجربة الإيمانية للأنبياء سلام الله عليهم تؤكد أنهم – خصوصا في بداياتهم -  في رحلة ممتدة عبر الزمان و المكان للتأمل في معنى الحياة و  استكناه عميق لرسالة الإنسان. فهذا خليل الرحمان يتأمل في سر الحياة و خالقها و يحاول أن يتلمحه في الشمس و القمر.. إلى أن وجد الرحمان. و هذا رسولنا الكريم يختلي مرارا بنفسه في غار حراء قُبيل البعثة لعله يرمق الفجر من بعيد..
كما أن التجربة الفكرية للفلاسفة و المفكرين لصيقة بالتأمل في كنه و معنى الحياة. فهذا سقراط يقضي ساعات طويلة تحت الشمس اللافحة (من الفجر إلى الظهيرة) يستغرق في التأمل. و هذا ديكارت لم يخرج من خلوته ( في قرية  بألمانيا ) في إحدى أيام نونبر سنة  1619 ( عمره آنذاك 23  سنة ) إلا بعد أن بزغ له الصبح و اتضحت له معالم المنهج بعد كبد التأمل؛ إذ كان يقضي اليوم كله وحده منصرفا إلى التفكير. و هذا نيتشه لم يخرج بإعلانه الشهير في صورة" زرادشت": لقد ماتت جميع الآلهة، و نريد الآن أن يعيش الإنسان الأعلى (السوبرمان). لم يخرج معلنا المعنى الذي لاح له في الحياة إلا بعد عزلة تأملية في قمم جبال الألب..

2-      قراءة سير المناضلين من أجل القيم الشامخة:

من الوسائل الرائدة في توجيه الإنسان – خصوصا في مطلع شبابه – إلى استعادة المعنى؛ إدمان قراءة السير و التراجم.
 و البداية، من الأهمية بمكان، أن تكون مع الأنبياء و المرسلين حملَة قيم التحرر و رسالة التحرير للعالمين و على رأسهم محطم الطواغيت رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم. فالاطلاع على مسيرة تحملهم للضيم في سبيل دعوة الناس للتحرر من الدينونة للآلهة الزائفة و توحيد رب العالمين، تدفع الإنسان لاستصغار نفسه؛ إذ تلوح له حقارة اهتماماته و تفاهتها أمام الانشغالات الحقيقية التي ينبغي أن يعانقها من تذكير الناس بربهم و النضال من أجل تحررهم..
إلى جانب الصفحات المشرقة للأنبياء و المرسلين، تأتي سير الصحابة (و الصحابيات) و سير الصالحين  (و الصالحات) لتعمق بدورها القيم الشامخة المطلوبة في وجدان الإنسان  خصوصا عندما لا يزال متمتعا بقابلية التغيير في مطلع شبابه.
 إضافة إلى  سير رموز الحركة الوطنية و الإسلامية و الأمازيغية التي تنضح بالإشارات اللطيفة للآثار الإيجابية المستقاة من اعتناق قضية  و الفناء من أجل الفكرة و النضال من أجل الهوية و الكرامة و الحرية. هي شهادات بشرية حية تحطم ادعاءات الذين يقولون للشباب (طلبة و تلاميذ): حذار من الانتماء إلى فكرة أو التحيز لمشروع و رؤية.. !
إن سير هؤلاء تؤكد أن خط التفاني من أجل الفكرة و القضية ( و أشرف به من خط ! إن كان خط تذكير الناس بربهم و رسالتهم و المنافحة عن حريتهم و حقوقهم) و خط الاقتدار العلمي: خطين متوازيين.. يتساوقان.
إنها سير منيرة حقا تشير إلى أن التلميذ و الطالب اللذان لم يحددا انتماءا إلى فكرة و لا ولاءا لقضية و لا وفاءا لمشروع و لا اعتقادا بمبدأ ( نقصد هنا الولاء و الاعتقاد النسبي. و عادة  ما ينزع الإنسان في بداية رحلته الفكرية  نحو الإطلاقية و الوثوقية و كلما قرأ أكثر و تأمل في الحياة ارتقى نحو الإيمان بنسبية الأفكار و الرؤى و المشاريع و نحو العض بالنواجذ على المقولة المالكية الذهبية: "كل يؤخذ من كلامه و يُرد إلا صاحب هذه الروضة الشريفة: روضة الرسول صلى الله عليه و سلم "). إنه ما لم يعانق قيمة معنوية و استرخص حياته من أجلها، من اليقين  أنه سيفتقد معنى الحياة و لذة النضال على درب الكبار..

بكلمة، بالتأمل و الخروج من الألفة الغافلة و قراءة سير ذوي المعادن الأصيلة من البشر،  يحاول الإنسان أن يصل إلى معناه و ينسحق من عالم المادة الأملس و يتيقن أنه إنسان !
...تابع القراءة