? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]





يعد مفهوم الإيديولوجيا من المفاهيم الكبيرة التي أثارت أقلاما عديدة في الساحة الفكرية العربية خاصة بعد النصف الثاني من القرن العشرين. ولا عجب في هذا الاهتمام المثير بالمفهوم خاصة إذا فهمنا محوريته في إدراك الممارسات التي يقوم بها الأفراد الحاضنون لانتماء معين. كل هذه الكتابات توجهت بالنقد والنقض للإيديولوجيا وكأنها تدعو الجميع إلى التحرر من أغلالها.
ما الإيديولوجيا، أولا؟ إنها معتقد يغشى الإنسان ويتسرب إلى ذهنه ويتسلل إلى نفسيته فينطلق من خلاله ليفسر كل شيء وليقيس كل ما أمامه. إنها فكرة عاطفية تتملك الإنسان ومن خلالها ينظر إلى الكون والإنسان والحياة. إنها منظار يرى الإنسان من خلاله الحياة ولا يشوبه أدنى شك في أنه الصواب الذي لا صواب بعده والحق الذي ليس بعده إلا الضلال. إنها تحتل رؤية الإنسان بدون أدلة عقلانية بل هي مؤطرة بمحض مصادفات نفسية وعوامل خارج إرادة الإنسان.
غير أن الإيديولوجيا تتميز بميزة خاصة فهي نظرا لانتسابها لعالم الاعتقاد والإيمان تعد وقود حركة الإنسان ودليل عمله. إنها الدافع الرئيس لنشاط الناس وحيويتهم. إنها وراء المنجزات المذهلة التي يحققها بعض قادة الحركات الإيديولوجية حينما يجمعون بين الكتابة والخطابة والمهنة والتخصصات المتباعدة في زمن قياسي.
وهذا أمر مفهوم؛ فالإنسان المؤمن بفكرة ما إن يعتقد في صلاحها وفي إمكان إخراج الناس من الضياع بواسطتها، حتى يفعل المستحيل ويعرض نفسه للخُطوب ويركب المشاق ويسهر الليالي ليرى لفكرته مصداقا في الواقع. وغالبا ما تكون الفكرة بعيدة عن الواقع ولا مستقبل لها في الحياة، فيزداد صاحبها تعبا وكدحا ويبذل مجهودا مضاعفا من أجل مطمحه. وفي أثناء هذه الرحلة القاصدة وهذا الطريق الطويل يحقق صاحب الإيديولوجيا (أو الحركة الإيديولوجية) "المعجزات" –حسب مقاييس الإنسان المحروم من الإيديولوجيا- من عطاء فكري وإبداع فني.. 
وتتميز حركة صاحب الإيديولوجيا باستهدافها لعدو بعينه (عدو تحقق الحلم الإيديولوجي). ولهذا لا يمكن أن تجد صاحب إيديولوجيا بدون أعداء. فقد يكون العدو هو "الإسلاموي" أو "العلماني" أو "الغرب" أو "الإسلام" أو "الاشتراكية".. وحركة العدو وكيفية تصورها هو الأمر الذي يزيد لهب "المؤدلج" اشتعالا ويضفي على عمله الحيوية والتألق.
لكن ثمة دائرة أخرى سادت في العصر الحديث هي دائرة العلم والمعرفة. وهي دائرة تقف على طرفي النقيض مع دائرة المعتقد والإيديولوجيا. لأن هذه الدائرة مبنية على الدليل العقلاني والتجربة العملية.
ويحدث أن ينجذب المرء إلى صوت الدائرة الثانية. آنذاك تندك أركان الإيديولوجيا شيئا فشيئا. وآنذاك يقف الإنسان ويحبس الحركة والعمل لينغمر في التأمل والفكر والدرس العلمي لعله يفوز بمعان تنير له "ظلمات" الحيرة التي دخل إلى لُججها. وآنذاك يودع الإنسان الفراش الوثير والراحة الهنيئة التي كان يعيش فيها في ظل الإيديولوجيا. وآنذاك لا منقذ للإنسان من وحش "السؤال" وأفعى "الحيرة" وذئب "الشك".. لاهثا خلف نقطة الثبات ووراء صواب يثبته العلم وتزكيه التجربة.
واضح، إذن، أن الإنسان بين نارين: نار الإيديولوجيا التي تجعله أعمى لا يرى الحياة إلا بعين واحدة ولا يجيب سوى على مشاكل نفسية خاصة، بل تجعله متعصبا لا يستطيع العيش بدون تحديد أعدائه. ونار أخرى هي نار العلم الذي لا يعرف السكون ولا يعرف الطمأنينة ولا يقبل الجاهز ويتنكب سبيل الحقائق الناجزة.
لكن، هذان الاختياران الصعبان يحويان فوائد خاصة. فإذا كان فضل الإيديولوجيا يتجلى في دفعها للإنسان إلى الحركة والعمل وتقديم شيء (ولو اختلف في تقدير موضوعه) للمجتمع والوطن. فإن الانتساب إلى دائرة المعرفة واللهاث وراء الأدلة النسبية يجعل الإنسان منبعث الإنسانية فائضا بالتسامح والتواضع والانفتاح (نتكلم هنا عن مُؤدَى هذا الطريق أصالة؛ أما انحراف بعض النماذج عنه وسقوطهم في نزعة "علموية"، فهذا لا شيء آخر).
إذن، فما عسى الإنسان فاعلا؟ وما عسى المثقفون النقاد فاعلين: هل يدعون الناس إلى الاستغناء عن الإيديولوجيا كلية، والانخراط في النهل من الفكر العلمي؟ وهل يمكن في هذه الحال الاستغناء عن الإيديولوجيا؟
يبدو أن الإقلاع التام عن عالم الإيديولوجيا له تكلفة باهظة، ليس أقلها أن يقف الإنسان عن الحركة ويبقى مشلولا بدون عطاء. أو ليس تاريخ العلم، ابتداء، تاريخ أخطائه؟ إذن، فليعمل الإنسان مستنيرا بإيديولوجيته ولكن.. من الواجب تلقيح الإيديولوجيا بجرعات قوية من مواد التخصيب والتنسيب حتى يسعى الإنسان نحو تصحيح الأخطاء التي يقع فيها أثناء العمل بوحي الإيديولوجيا.
إن نزوع الإنسان نحو الإيمان بمعتقد (هنا لا نتحدث عن الدين، وإنما أفكار يمكن أن يدخل ضمنها فهومات معينة للدين: يرى من خلالها الإنسان الحياة) نزوع أصيل. ف"أيا يكن العرق والزمن المأخوذ بالاعتبار ودرجة الجهل أو الثقافة فقد أظهر الإنسان دائما التعطش ذاته للإيمان. ويبدو الاعتقاد غذاء نفسيا، ضروريا جدا. وما شك ديكارت الشامل إلا خيال عقلي، فقد يمر الإنسان أحيانا بمرحلة الشك لكنه لا يظل عندها طويلا. صحيح أن الفيلسوف لا يؤمن بالأشياء ذاتها التي يؤمن بها الجاهل لكنه يقبل أشياء غير مبرهنة بما يكفي".(غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014،ص:273-274)
إن دائرة العلم تدعونا لأن نتريث قبل أن نتبنى فكرة حتى نتحقق ونمتلك الدليل، لكن يبدو أن هذا الأمر مستحيل. "واستحالة التحقق من صحة مجموع معارفنا تجعل نصيحة ديكارت المعروضة في كتابه "خطاب في المنهج"، نصيحة خيالية: "لا أقبل إطلاقا بصحة أي شيء لا أعرف بوضوح أنه كذلك، وأرفض كل الأشياء التي يمكن أن يتملكني أدنى شك بها". ولو كان ديكارت قد حاول تطبيق تعاليمه لما كان سيعتبر بعض الأمور التي باتت تثير ضحكنا اليوم، بأنها واضحة. لقد كان مثله مثل جميع معاصريه وعموم خلفائه، خاضعا للاعتقاد.
يقول لوك: "إن ذاك الذي لا يرغب في أمور الحياة العادية بقبول أي شيء إن لم يكن مبنيا على تفسيرات واضحة ومباشرة، فإنه لن يكون واثقا من أي شيء سوى من موته بعد زمن قصير جدا. لأنه لن يجد أي طعام يأكله أو شراب يشربه يمكنه أن يجازف بتناولهما".
ويمكن أن نضيف أيضا –يقول غوستاف لوبون- أن التحليل النقدي لآرائنا وليقيننا ربما يجعل وجود المجتمع مستحيلا. إن دور الاعتقاد (=الإيديولوجيا) هو بالضبط أن يجنبنا هذه التحليلات". (غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014،ص:313-314)  

هكذا، نذهب إلى أنه من العسير الاستغناء الكلي عن الإيديولوجيا. لكن نؤكد مجددا أن زمن الإيديولوجيات المحنطة والمغلقة انتهى. إن أي حلم إيديولوجي اليوم يروم استقطاب الناس وتعبئتهم ينبغي تلقيحه وتصفيته من مرض الدغمائية القاتلة. إن المهم هنا هو الاحتفاظ بإيديولوجيا تحرك الإنسان وتدفعه نحو الفعل دونما سقوط في تعصب مقيت أو استعداء للآخرين.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





كنت سابحا في عوالم (معتقل الصحراء) للعلامة محمد المختار السوسي، حيث يحكي ما كان يدور في المعتقل الذي ضم كبار رجالات الحركة الوطنية سنة 1952. إن ما حكاه –والذي يعز المقال عن استعادته كله- ليومئ بحق إلى كون الوطنيين كانوا إخوانا مسلمين بدون اسم أو شعار!
قرأتُ فيما مضى (في السنة الثالثة إعدادي) سيرة العلامة الغيور يوسف القرضاوي "ابن القرية والكُتاب"؛ إذا قلتُ إني ذاكر لما جاء فيها فلن يكون ذلك سوى ومضات من الملحمة البطولية التي سطرها الإخوان في السجن في 1948-1949 في عهد الملك فاروق. نعم، لن أنسى الكلمات الجامعة التي علق بها الدكتور يوسف على المشاهد المنيرة التي شهدها في السجن بمعية كبار رجالات الإخوان وعلمائهم. "حولنا السجن إلى جامعة للعلم وجامع للعبادة ومنتدى لتلاقح الأفكار وناد للرياضة.. وكل ذلك على حساب إدارة السجن".
أنعم به من سجن كان فيه القيام زينة الليل والفجر موعد الرجال والذكر ملازم الشفاه وصاحب فقه السنة (سيد سابق) أستاذ فترة الصباح والفقيه النبيه (محمد الغزالي) متكلما عن الاستبداد والاستغلال وموقف الإسلام. فقد كانوا يستيقظون قبل الفجر فيركعون للمولى ما شاء لهم أن يركعوا ثم يقبلون بعد صلاة الصبح على الأوراد والذكر والقرآن وبعد ذلك يتوجهون نحو الرياضة (لعلها بقيادة المهدي عاكف: أسنُ قيادات الإخوان والذي كان مرشدا إلى غاية سنة 2010 ودخل السجن في عهد فاروق وفي عهد عبد الناصر وربما مبارك وهو الآن قابع فيه في عهد السيسي، وقد بات على مشارف التسعين فهو من مواليد سنة 1928)، ثم تتكرم عليهم إدارة السجن بالفطور! فيتحلقون حول محاضرات سيد سابق في الفقه ثم تتكرم عليهم إدارة السجن مرة أخرى بوجبة الغداء فيأخذون وقتا للاستراحة والقيلولة ثم ينطلقون إلى محمد الغزالي لمدارسة الإسلام والاستبداد السياسي والأوضاع الاقتصادية.. وهكذا.
إنه الفردوس الأرضي؛ إذا تم الاتفاق على أن ما يحقق سعادة الإنسان في الدنيا أمران: إذا وجد ما يسد رمقه ويسكت لظى الجوع. وإذا فاز بما يروي عطشه العقلي والمعرفي. فالطعام كان بالمجان والمعرفة (الفقهية والفكرية) –رغم إمكان الاختلاف في تقدير محتواها بمقاييس اليوم- كانت تفيض عليهم ليل نهار.
وإذا بي أقرأ ذكريات العلامة محمد المختار السوسي في كتابه (معتقل الصحراء)، لاح لي التشابه الكبير بين ما عاشه الإخوان سنة 1949 في (مصر) وما عاشه الوطنيون سنة 1952 في (تنجداد وأغبالو نكردوس). يقول المختار (ص:144): وقلت في صبيحة وقد أجلتُ عيني فيما نحن فيه من نعم على نعم، حتى لندهش أحيانا من كثرة ما يتوالى علينا من أفانين العيش الرغيد، وتنوع إخوان الصفاء، وما أقل شكر الإنسان، فلا يكاد يستمتع بنعمة حتى يُسرع إليه الملل، فيعتاده الوجوم:

أم  معتقل يا قوم أم جنة الخلد        متى كانت الأسماء تقلب للضد؟
فأنى تقلبنا نرى ما نرى وقد         عرت تخم ثرت بها راحة السعد
دروس وإخوان لطاف ونعمة        نقلب منها في أفانين من رغد
نظل ونمسي ثم نصبح ألفة           إلى ألفة، لا ركز يصدر عن حقد
أعن خطأ كان العدو مهيئا            لنا كل هذا أم عن العمد للكيد

ويتحدث المختار السوسي في موضع آخر لافتا الانتباه إلى مدى التزام الوطنيين بالشعائر الدينية في المعتقل، ويذهب في كلام عجيب إلى أن تشبث الوطنيين بهذا الشكل بأهداب الدين سيدخلهم في غمار المنافسة مع الإخوان المسلمين.
"إن كان كل معتقل من معتقلات المغرب المتوزعة في أرجائه يقوم بشعائر الدين كما يقوم به معتقلنا، وصارت الفكرة الدينية عملية كما هي عليه عندنا؛ فإن المغرب لعلى أبواب جديدة من الانقلاب إلى ما يفوق ما نسمعه عن الإخوان المسلمين..  فقد كنا في المعتقل القديم في صبارة الشتاء، لا تكاد تجد من يتخلف عن الصف، بل يتزاحم على الصف الأول أو يكاد يقتتل عليه، وليس هذا في غير الصبح فقط بل حتى في الصبح حين يتكالب الجو بما يفيض منه من قوارص الصر الشديد، والعجيب أننا كثيرا ما نصلي في الساحة العارية ومع ذلك لا يفلت شبابنا الحي الحضور في الصف". (ص: 185)
ويذكر العلامة المختار أن عددا منزورا لا يتعدى أربعة أفراد هم الذين كانوا يتخلفون لأعذار مقبولة أو غير مقبولة عن الصلاة. فنظم تحت عنوان "اعمل لدنيا... ولآخرتك..." ووطأ لذلك النظم بما يلي: خاطبتُ بعض الإخوان الذين يحرصون على أن يكونوا أول الحاضرين في وقت الرياضة ولا يحرصون مثل ذلك الحرص على التبكير لصلاة الصبح فقلت (ص:104-105):

يا من يبكر للرياضة      هل تبكر للصلاة؟
هذي الحياة، وما تعد    إلى الذي بعد الممات؟
أو عاقل من ليس         ينظر للذي بعد الممات؟
هاتوا الرياضة           والصلاة معا تكونوا من هداة
فإذن تكونوا خير       نشء يقتفى في المعضلات

أما عن المحاضرات الملقاة في أوساط المعتقلين فهي تذكرة حقا بما جرى مع الإخوان المسلمين، بل تومئ إلى أن أولئك فاقوا الإخوان فجمعوا إلى جانب الفقه والفكر علم الجبر وعلم الاجتماع وعلوم اللغة.. إن إعادة قراءة تاريخ الحركة الوطنية بشكل مستنير لاستجلاب الدروس المفيدة للأجيال الصاعدة تتجلى هنا. وإذا كانت هناك كلمة تجمع ما قام به هؤلاء الرواد فهي "الجدية"، إنهم كانوا يعملون بجد على مختلف الجبهات والصعد والميادين.
"كثيرا ما أفكر في معتقلنا فأقول: هل الواقع أن هذا معتقل حقيقة فأين آثار الاعتقال، وأين هموم الاعتقال، أنحن وكلنا سابحون في نعم زاخرة، وآلاء باطنة وظاهرة، نستحق في الواقع أن نسمى معتقلين، ثم إلى ناحية القيام بشعائر الدين والاهتبال بها، وإلى المروءة السائدة، وإلى الحياء الذي يسود الوجوه، وإلى اشتغال كل إنسان بخويصة نفسه، حتى أنني لأشهد بأن مسمعي ما ولجت فيه قط عبارة سفه أوما يُستحيا من قوله، فأقول: هذه زاوية من زوايا الصوفية، لو كان فيها شيء من الهدوء، وجهر بالأذكار التي تؤلف من الزوايا، ثم أنظر ناحية أخرى، فأرى دروسا قائمة، ومطالعات دائمة، ومباحث تحرر، وتواريخ تسطر، ومحاضرات تتوالى واستفادات، وإفادات يحرص عليها، يملأ ذلك كل طرفي النهار حتى لا تقع إلا على أستاذ أو تلميذ، أو مطالع، أو منقب بين الكتب عما يعوزه من تحرير مسألة.
أنظر إلى كل هذا فأقول إن هذه مدرسة تؤدي وظيفتها، وينبوع معارف يكرع من نميرها، ثم إذا تخللت الثنايا، ووقعت على هذا يتخصص في العربية كدروس عليا، وذلك في الفرنسية أو الإنجليزية، أو وقفت إزاء من يتوفرون إزاء لغة الشلحة و أمثالها ومشتقاتها، أو على اللغة الأمازيغية يحررون من عباراتها، ويقايسون ما بينها وبين أختها الشلحة. أو اندفعت إلى مجلس آخر يتقن فيه علم الجبر، وتقويم البلدان، وكيفية تخطيط الكرات الأرضية، وكيف يوازن علم الاجتماع ما بين زيادة الأهالي وبين تموينهم، أو لفت نظري أصحاب العلم الدقيق حول الحشرات والنباتات على اختلاف أنواعها.
إني أنظر إلى كل هذا فأقول إن هذه جامعة عظمى، وإنها لتعطس بين الجامعات بأنف شامخ. ذلك هو معتقلنا، وإن كنت أنا أسميه جنتنا التي لا لغو فيها ولا تأثيم ولا أحزان ولا هموم، فيها إخوان على سرر متقابلين". (ص:194-195)
إن ما تضمنته شهادة العلامة المختار لمن الأهمية بمكان بخصوص دراسة سمات جيل التحرير. إن إشارته إلى عكوف بعض المعتقلين على اللغة الأمازيغية ولهجة الشلحة للدراسة والمقارنة يحبل بدلالات كثيرة لعل أبرزها نفي التهمة الملصوقة بالحركة الوطنية على أنها جاءت من أجل محاربة الأمازيغية وإماتتها. صحيح أن قراءة التعامل غير العادي مع ظهير 16 ماي 1930 والتأريخ به لنقطة انطلاق العمل الوطني المدني والسياسي يحتاج إلى مزيد من الوقفات النقدية؛ لكن اتهام الحركة الوطنية –كل الحركة- باعتبارها عدوة الأمازيغية أمر ينفيه حيازة بعض الوطنيين لقصب السبق في الاهتمام بمسألة اللغة الأمازيغية والمرادفات التي تغتني بها بل جعلها لغة قائمة في مصاف اللغة الفرنسية والإنجليزية والعربية من خلال تخصيص أوقات لدراستها بنفس القدر الذي تُدرس به اللغات الأخرى. بل كان الوطنيون الكبار (أمثال المهدي ابن بركة..) متعطشون لتعلم الأمازيغية وفعلا فقد "تمزغ" و"تشلح" حسب شهادة المختار السوسي. "تلك من أنباء الدروس في معتقلنا، ولم أتتبع كثيرا الدروس المفردة لأنها كانت تستغرق الجميع؛ عربية أو فرنسية أو إنجليزية أو شلحية، حتى ابن إدريس وابن بركة تشلحا". (ص:203)
إن هذه الشهادة العفوية تحمل يقينا مفاجآت للعديد من أولئك الذين يفكرون عبر مُسبقات معينة وفق إطار تفسيري جاهز، فأن يتصدى الوطنيون في المعتقل لتعليم نحو الأمازيغية في وقت لم تظهر فيه الحركة الامازيغية المعاصرة بعد ولم يبدأ الحديث عن  التدوين ونقل التراث الشفهي إلى الورق أمر يدعو العديد من الفاعلين في الحركة الامازيغية وفي غيرها إلى مراجعة مواقف الحركة الوطنية في القضية الامازيغية بعيون أخرى.
"اقترح علي مصطفى الشرفي الولوع بكل استفادة أن أقرأ معه فنونا من النحو التصريف واللغة والأدب، وأراوده بما أستطيعه من إملاءات وفوائد متفرقة، وكان أيضا مولعا بتعليم المبتدئين؛ فيعلم الشريف مولاي أحمد التبر المبادئ العربية، كما يعلمني الفرنسية، وقد كان بوده أن يأخذ الدروس من كل الفنون عربية وفرنسية وإنجليزية وشلحية، بل شرع في كل واحدة منها متنقلا: فيأخذ النحو في الأمازيغية عن الأستاذ محمد الفاسي ويتذاكر في الإنجليزية مع الأستاذ الحمداوي، كما أن مصطفى يأخذ عن المهدي ابن بركة من علومه التي تخصص فيها". (ص:201)
إن الذين كانوا مع المختار السوسي وحكى عن عطاءاتهم وتدينهم وجديتهم ووطنيتهم ليسوا فقط من الكهول ومن خريجي التعليم الأصيل في القرويين، وإنما يوجد ضمنهم لفيف من الشباب عانق الثلاثين من أبرزهم رجل نعته العلامة المختار في مواضع كثيرة ب"نابغة" الشباب أو "النشيط" المهدي بن بركة. إن هذه الشهادة ترفع الستار عن أمر أثار جدلا  –وهو أمر خاص وشأن فردي على كل حال-: كيف كانت علاقة المهدي بن بركة بالدين؟ وما ثناء المختار السوسي المتكرر على المهدي –وهو الذي ينطلق من مقاييس الدين في الحكم على الناس-  سوى شهادة  إلى جوار شهادات أخرى تدل على أن خط المهدي لم يكن مخاصما للدين وإنما كان مخاصما للتقاليد البالية والرجعية المميتة. "وكثيرا ما يستوعب بالترجمة إلى العربية، من مقالات شتى من الصحف، أو مما يبلغه من هنا وهناك، فيأتي باللب، فيلقيه علينا بعبارة فصيحة. وقد قلت له مرة أباسطه: إنني أرى فيك لوزارة الخارجية ملامح، فأنت أقدر الناس على أن تلاقي كل واحد بما تريد أن تلاقيه به، وذلك من مزايا الوزارات الخارجية. وأنا أُكبر هذا الشاب، وأرى له مستقبلا، وكم دعوت الله أن لا ينقصه شيء". (ص:211)
إن الخلاصة التي بالإمكان الخروج بها في هذا السياق؛ إنه واهم من يعتقد أن الإخوان المسلمين جاؤوا مع الحركة الإسلامية المعاصرة للإيحاء بكونهم دخلاء. إن الإخوان المسلمين تمثلوا أحسن تمثيل في سلوك الوطنيين. إن الإخوان المغاربة عاشوا محنة الاعتقال في نفس الزمن الذي عاشها الإخوان المصريين. إن الإخوان المغاربة قرؤوا سيد قطب وأحمد أمين وجرجي زيدان قبل ميلاد إخوان ابن كيران..إذ كانوا يهرعون  إلى "عشرات فعشرات من أفذاذ الكتب: مجموعة روايات جرجي زيدان، ومجموعة فجر الإسلام لأحمد أمين، والإسلام في مفترق الطرق لمحمد أسد، ومجموعة مؤلفات سيد قطب مما ألفه حول الإسلام" (ص:208)، ومعلوم أن سيد قطب كان إلى حدود 1952 قد أصدر كتابات رائقة تدور حول التفكير الاجتماعي في الإسلام (العدالة الاجتماعية في الإسلام، الإسلام ومعركة الرأسمالية، السلام العالمي والإسلام..). باختصار، إن الإخوان المغاربة متجذرون في تربة الوطن كما أن إخوان بنبركة (الاتحاديون) متجذرون فيها كما أن إخوان إبراهيم أخياط  متجذرون فيها أيضا. ولهذا ليس غريبا أن تكون أصوات جزء من المجتمع العميق من نصيبهم.





...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





يعمد كثير من الخائضين في الشأن العام إلى الإشارة إلى كون ما نحتاج إليه اليوم هو مواطن يتمتع بعقل. من يلتقط أحاديث الناس سينتبه –أيضا- إلى كونهم يثلبون حياتنا ويُرجعون أصل أدوائنا إلى غياب الغائب الأكبر:العقل. إذن، ثمة شبه إجماع على أن المطلب الأول الذي ينبغي العمل على تحقيقه في جدول أعمال الانتقال التاريخي المنشود هو إشاعة العقل وبناء مواطن يفكر بروية وعقل. لكن يبقى السؤال الأكبر، هو: أيُ عقل نريد؟
طورت المدرسة الغربية النقدية  الشهيرة "فرانكفورت" تمييزا دقيقا بين عقلين: العقل الأداتي الموجود، في مقابل العقل النقدي المفقود. ومن منطلق إيمانها بوظيفتها النقدية لم تتردد المدرسة على لسان العديد من روادها في إدانة المناخات التربوية المُهيمنة والمنظومات التعليمية السائدة لكونها تتقصد إنسانا-آلة يدور مع التفاصيل أينما دارت ويغرق في أوحال الجزئيات مهما تناقضت وتشعبت، وليس بمقدوره أخذ مسافة مع الخطاب السائد والدعايات الرسمية.
هكذا، فالعقل الذي يريد كل صاحب سلطة –مهما تظاهر بإيمانه بالعقل ودعوته إلى التعقل- سواء كان في الغرب أو الشرق هو هذا العقل الأداتي. إنه العقل المهادن الذي لا يُزعج الأصوات الرسمية ولا أصحاب المراكز المهيمنة. إنه العقل الذي لا يقض مضجع هواة الاستئثار بالسلطات (السياسية والمعرفية). إنه العقل الذي يقوم بتعميق وعي زائف لدى صاحبه؛ يتوهم معه أن بملاحقته للمعلومات المتناثرة وبمتابعته لأسئلة المسائل الرياضية التجريدية وبانتباهه مع نُظم تشغيل الأجهزة والآلات المستحدثة؛ أن بالتحامه بهكذا أوراش وبارتباطه بهكذا أعمال قد اكتسب عقلا صار له بمثابة السراج المنير والمنقذ من الضلال. 
وعليه، فقد نهضت مدرسة فرانكفورت ونهض معها كل مثقف (وكل مؤسسة ثقافية) يحمل رسالة الإنسان بالدور المطلوب وهو إعادة الاعتبار للوظيفة النقدية للعقل. ورغم ذلك فقد بقي صدى هذه الدعوات  خافتا ومحصورا في أوساط النزر اليسير من المتنورين.  ولهذا، فالعقل المفهوم من خطابات الناس وبعض الخائضين في الشأن العام هو هذا العقل المُسيج وهذا العقل المحدود؛ أي العقل الأداتي. 
في كتابه (العقل والحرية، المنشور سنة 2009 ضمن منشورات الجمل) يقودنا الدكتور عبد الكريم سروش إلى تمييز هام بين مفهومين للعقل، يمكن الاستهداء بهذا التمييزأيضا لمقاربة سؤال: أي عقل نريد؟
ينتصر سروش للرأي الذي يرى العقل موجودا متحركا وأداة لفهم الحدث وتشخيص الواقع ولا يرى مشكلة في أن يصيبه الزلل والخلل في طريق طلب الحقيقة لكون مسيرته زاخرة بالتخبط بين الصواب والخطأ. هذا التصور للعقل يقف على النقيض من منظور يرى العقل بمثابة مخزن للحقائق ويتلخص في جمع الحقائق وحفظها. (ص:30)
يضيف سروش مبينا الفروق الكائنة بين العقلين: عندما يرى الإنسان بأن شرف العقل هو كونه مخزنا للحقائق، فحينئذ لا يهمه من أين حصل العقل على هذه الحقائق وكيف دخلت إلى ذهنه، فالمهم بالنسبة له أن تسكن هذه الحقائق في ذهنه ويكون عقله واجدا لها. فلا فرق لديه أن تدخل هذه الحقائق إلى ساحة الذهن بأدوات الجبر والفرض من قبل الآخرين، أو أن الإنسان يتحرك على مستوى تحصيلها بأدوات التأمل الحر. المهم أن تكون هذه الأفكار حقة وأن يحتوي عقله على هذه الأفكار الحقة من أي طريق حصل عليها.
ولكن إذا كان تصورك للعقل بأنه موجود متحرك وغربال وطالب للحقيقة، فالمهم بالنسبة لك ليس الحقيقة ذاتها بل كيفية الوصول إلى هذه الحقيقة واقتطافها.(ص:31)
هكذا، يبدو العقل على نحوين –حسب تحليل سروش-: الأول، يعتبر العقل بمثابة المقصد. والثاني يراه طريقا.
طبعا، لا ينبغي إغفال المناخ الثقافي الذي يتكلم من خلاله سروش ويوجه إليه خطابه النقدي. إن السلطة الدينية الرسمية في إيران؛ إذ تتغيى إشاعة الحقائق التي تؤمن بقدسيتها وإطلاقيتها، تتوسل إلى ذلك سبيل الإلجاء والإكراه وحشو المقررات بشكل مثير بالإيديولوجيا التي تعتنقها. فما يهم الدوائر الرسمية هناك، هو تخريج إنسان عامر بالحقائق الرسمية  ولو كان متنكبا لمقتضياتها وغير مؤمن بها داخليا.
إن ما يُراد للناشئة اليوم في أوساط متعددة هو أن تتمتع بهذا العقل المحشو ببعض الحقائق (= استظهار نصوص قانونية، برنام تشغيل الآلات، حل المسائل الرياضية، التعامل مع التكنولوجيا الجاهزة: الحاسوب، الهواتف الذكية،  قيادة السيارة..) وبعض القناعات الدينية. يتم إيهام الجميع بأن غاية المُنى وسدرة المنتهى هو تحصيل هذه الحقائق والتقاط هذه القناعات. يتم هنا تغييب سافر لمفهوم الإنسان أصالة؛ الإنسان المشاغب الذي قال "لا" منذ أول يوم، الإنسان المسؤول الذي يفكر بلا عُقد  بل يقف من أي مسألة الموقف الذي يعن له بعد تقليب النظر.
يتم بيع الوهم الأكبر للناس مفاده أن التفكير شأن القلة ووظيفة "المختصين" وأن الاكتفاء بالحقائق والقناعات التي تم تلقيها في الجو العام (المدرسة، الإعلام..) هو ما يجب أن يكون. ويتصور خريج هذا الجو العام أن هناك طائفة تفكر مكانه (بدعوى اختصاصها) في مسائل مصيرية وحيوية؛ كان بإمكانه إذا أخذ العزم على نفسه أن يُطور بتأملاته وقراءاته موقفا خاصا فيها، لكن أنى له ذلك وقد خُيل له أن الخوض في هذه المسائل الحيوية والمصيرية من شأن طائفة خاصة "مختصة". وعوض أن يتم الترويج لرأي متوازن يقول بأن الاستنارة بمقولات وأبحاث الخائضين في هذه المسائل الحيوية والمصيرية أمر هام ولكن بلورة موقف خاص (بناء عليه تكون المحاسبة في الآخرة ويكون التعاطي مع إشكالات الدنيا) واجب على كل إنسان مزود بعقل يتأمل ويقارن ويُغربل؛ عوض هذا يتم إيهام الناس بأن لهم فنا (ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب) عليهم الاكتفاء به  ونبذ المسائل الأخرى (فكرية، سياسية، دينية..).
إن دعوى ضرورة ابتعاد الناس عن بلورة آراء خاصة بهم في مسائل حيوية (الفكر والسياسة) ومصيرية (التدين) لا يمكن فهم ما وراءها إلا باستحضار ما يجري اليوم من نزوع نحو التقننة وتوطيد دعائم التكوين المهني وتشجيع الإقبال على التخصصات التقنية بكل ألوانها (فحفظ النصوص القانونية دون إدراك لخلفيتها الفلسفية ولا مساءلة لأفقها القيمي، هو عمل تقني أيضا).
إن جحافل "المواطنين" الذين مالوا –بدوافع ذاتية أو إيمانا صادقا بأهميتها أو استجابة للدعاية الرسمية- نحو هذه التخصصات التقنية المتنامية والواسعة. أكيد أنها إذا أنصتت لصوت يخترق الجو العام ويدعو إلى ترحيل التفكير والاكتفاء بالجاهز والسائد ستفقد حتما العقل باعتباره أداة للنقد ومعيارا للاصطفاء.

إن الحكاية في نهاية المطاف تقود إلى أن هناك "عقل.. وعقل" وشتان بينهما. الأول تنتفي معه وظيفة النقد التي هي ميزة العقل الأصيلة إذ يكتفي باللهاث وراء الحقائق والتفاصيل والمعلومات دون بوصلة ولا خيط ناظم ولا أُفق إنساني نقدي. أما الثاني فهو العقل حقا وهو المنشود صدقا من طرف كل المؤمنين بإنسان حر كريم مستخلف من رب العالمين.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






في نقاش راق مع  ثلة من الإخوة الأفاضل، همس في أذني أخ فاضل: إن الدكتور سعد الدين العثماني يعيش أزمة هوية؛ أي لم يعُد يدري أين سيتموقع، هل في صف العلمانية أم في صف الإسلام؟!
هنا لا يُهمني التوقف عند قراءتي لهذه الثنائية المُضللة والمغالطة. إنما قصدي هو الإطلالة على سؤال هام: من يعيش فعلا أزمة هوية؛ هل هو العثماني أم بقية الإخوان الذين لا يشاطرونه نفس التوجه التمييزي بين الدين والسياسة؟
لا شك أن الدكتور العثماني له أياد بيضاء في صياغة الورقة المذهبية لحزب العدالة والتنمية. ومعروف أيضا أنه من القيادات الأولى للحزب التي انحدرت من الحركة الإسلامية، ما يعني أنه واكب نموه واشتداد عوده. وللدكتور كتابات ومقالات كُتبت قبل قٌرابة عشر سنوات يتحدث فيها عن المنحى الذي يتجه نحوه الحزب وهو-في نظره- المنحى السليم.
بعد أن وصل الحزب إلى موقع الإسهام في تدبير الشأن العام؛ يتابع العديد من جنوده ومناضليه مسيرته بنزعة تبريرية تنم عن أن هناك خللا ما لدى بعضهم في استيعاب رسالة الحزب. فبعد أزيد من أربع سنوات من الانخراط الفعال والمتميز في التدبير الحكومي (بالإضافة إلى المحلي)، بإمكان أي متتبع أن يلحظ انحسار المضمون الديني والهوياتي في الخطاب السياسي للحزب بالإضافة إلى تبنيه لسياسة النعامة في التعامل مع المعارك الهوياتية المفتعلة.
السؤال المطروح هنا: هو كيف يستسيغ من كان مُعولا على الحزب في تنزيل "مشروع إسلامي!" هذا التحول الذي بدا على الحزب وجعل منه حزبا تدبيريا عاديا يستند إلى شرعية الإنجاز وليس شرعية المرجعية والهوية؟
يبدو من خلال التجوال على صفحات الفايسبوك –مثلا- أن العديد من مناضلي الحزب ينتشون بالكلمات النارية التي يطلقها قادة الحزب على "التحكم" وحزبه البائس. كما لا يخفى أن المناضلين (أبناء الحركة الدعوية) يتحدثون عن منجزات الحكومة وأوراش الإصلاح التي تباشرها في قضايا تدبيرية.
والإشكال الذي غفل عنه هؤلاء: إن الحزب الذي كان في خاطرهم ليس هو ذاك. لأن الوقوف في وجه التحكم وإن كان شرفا للحزب أن يحمل لواء ذلك في هذه المرحلة، فقد وقف الاتحاديون ضد ما هو أخطر وأقسى في مرحلة سابقة. وإن المنجزات التدبيرية والإصلاحية  يشترك فيها الحزب مع أحزاب أخرى (وزارة الصحة مع التقدم والاشتراكية نموذجا).
وإذا كانت العلمانية –الجزئية- في أبسط معانيها وجوهر دلالاتها تعني استقلال الدين عن السياسة؛ أي أن السياسة لها أدواتها العقلانية والدين شأن خاص له صلة بالخلاص الفردي. فإنه بدون شك نجد الممارسة السياسية للحزب تستبطن "علمانية صامتة" لأنها تؤمن بذات الاستقلال ولا تستدعي الشؤون الدينية نهائيا إلا بمقدار استدعاء باقي الأحزاب لها. إن العلمانيين طالما نادوا بفكرة واحدة: إن السياسة هي مجال دنيوي زمني لتدبير شؤون الناس، ولا إكراه في الدين ولا شأن للدين بالسياسة. وعمليا الحزب يسلك مسلك العلمانيين. والسؤال المستمر: كيف يفهم جنود الحزب (من أبناء الحركة والمرتبطين بالمرجعية الإسلامية) هذه التحولات؟ كيف يبررون هكذا سلوك سياسي؟ (تذكير: هنا لا أدلي برأيي في هذا التحليل، ما يهمني هو الوقوف على من يعيش أزمة هوية).
نأتي إلى الدكتور سعد الدين العثماني؛ إنه لا يعرف مثل هذه التمحُلات. فهو منذ سنوات كتب مقالات جُمعت في كتابه (الدين والسياسة: تمييز لا فصل)   عن "تفاعل خطابي التدبير والهوية: عند حزب العدالة والتنمية" يشير فيها إلى أن التحولات التي يعرفها الحزب إيجابية تدفعه نحو تمحيض هوية: حزب تدبيري بامتياز. وكان منذئذ واعيا بكون تركيز الحزب على قضايا التدبير في سعتها وشموليتها أكبر خدمة لقضايا الهوية. فتحقيق مقاصد الدين من إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان وحقوقه والعدل والمساواة وبناء دولة الحق والقانون وغيرها يخدم قضايا الهوية بصورة مباشرة وغير مباشرة. (سعد الدين العثماني، الدين والسياسة: تمييز لا فصل، الطبعة الأولى، 2009، ص:129)
إن الأيام صدقت حقا مقولة العثماني. وإن كان هناك متسائل حول المرجعية الإسلامية التي ينادي بها العثماني، ما محلها من الإعراب. فإن العثماني واضح مع نفسه، دقيق في اختياراته كان يصدع منذ زمن بأن "المرجعية الإسلامية" تلعب دور  catalyseur "الحفاز" وتقوم بتقوية قيم الديمقراطية الداخلية وغرس ثقافة الشفافية والنضالية، والوفاء بالتزامات الحزب تجاه المواطنين. ففي كلماته أمام المرشحين كان يُذكرهم بقوله تعالى (لا نريد منكم جزاء ولا شُكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) لكي تنتقل الشعلة الإيمانية وتشع وتنعكس على السلوك السياسي والعمل اليومي فيتحرى المنتخب خدمة المواطنين بلا أخذ.
أضف إلى هذا الوضوح عند العثماني. فهو بالإضافة إلى كونه سياسيا تقدميا فهو مسلم رباني. الكلمات القليلة التي يلقيها حول المعاني الإيمانية المفيدة للفرد في الخلاص الأخروي علاوة على تقوية التزامه الاخلاقي؛ تومئ إلى أن صاحبها رباني عارف بالله. (1: أنظر الرابط أسفله)
إن الخلاصة التي بالإمكان أن نخرج بها هنا هي أن الدكتور سعد الدين العثماني سياسي منحدر من الحركة الإسلامية (عميق التدين) ومنسجم مع نفسه واختياراته وتنظيراته ولا يعيش البتة أزمة هوية بل نجد منحى الحزب يساوق ما رسمه له هو في كتاباته؛ بالمقابل، نرى العديد من "الإخوان" المتحفظين –وهذا حقهم- على تنظيرات العثماني وآرائه يسقطون في نزعة تبريرية غير مفهومة وتناقض ساطع بين ما يدور في واقعهم الذهني وما يجري في الواقع الخارجي: لهذا لعلهم  يعيشون أزمة خانقة ويريدون رمي العثماني بدائها (رمت بدائها وانسلت!).

(1) https://www.youtube.com/watch?v=3lHqv6hNASQ

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




حينما يتأمل الإنسان الحياة ويسترجع تاريخ الذكريات ويتملى ما وراء الأحداث؛ لا شك أنه سيُبصر معنى جليلا وسنة ساطعة وقانونا ساريا ودرسا بليغا: إن ما عندنا ينفد وما عند الله باق.
إن الحياة الدنيوية هي محطة في نهاية المطاف. إنها مسرحية مُخاتلة. إنها موطن لصقل إنسانية الإنسان (كنت أقول مازحا لبعض الأصدقاء إنها فرصة لتجريب التنازع حتى نعرف أهمية التعايش: الذي ستحلو به الحياة في الجنة). كانت ومازالت لاختبار الأعمال الجادة المُتصدية لأعباء الاستخلاف. إن السعادة الكاملة "وهم" كبير في الدنيا. إن اللذة الحقيقية "أكذوبة" مكشوفة في هذه الحياة. إن الشوق يملأ الإنسان دوما إلى عالم أفضل حيث يجتاز هذه المشاق وهذه المصاعب التي تَحُول دون حيازته للذة الحقيقية وللسعادة العميقة.
إن السر العجيب المتصل بروح السعادة وجوهر اللذة يكمن في هذا الطريق: طريق البحث نحو عالم أفضل. لأن العالم "المثالي"؛ الدنيا لم تُخلق لتوفيره. لهذا فاستشعار اللذة واستنشاق عبير السعادة أمر يكون في الطريق. لأنه لا وجود لمحطة الوصول هنا. إن نقطة الوصول هي عند الله. إنها هناك: في الفردوس الأعلى.    
يُخيل لأحدنا أنه سوف يكتفي اكتفاء تاما إذا توافرت لديه بضع حاجات معينة. فهو يتصور مثلا القصر الزاهي والحديقة الغناء والزوجة الجميلة والسيارة الفارهة والرزق الموفور فيعتقد أنه سيكون سعيدا بذلك فلا يحتاج إلى شيء آخر وراءه. إنه مخطئ، وهو يتوهم ذلك عندما يكون محروما من تلك الحاجات الرائعة، و لكنه لا يكاد يفوز بها حتى يسأم منها ويأخذ بالتطلع إلى اليخت الباذخ أو الطائرة الهادرة، أو إلى معالي الوزارة و الجاه العظيم.
يصور لنا مؤلف رواية "طريق الفيلة" فتاة تقفز فجأة من عاملة أجيرة في إحدى مخازن الكتب في لندن إلى أميرة تعيش في قصر يشبه قصور ألف ليلة وليلة. وهناك تجد الفتاة نفسها في عالم جميل رائع يحُف بها الخدم والحشم ويرعاها زوج أنيق، وتنحني لها الدنيا بكل ما فيها. وما هي إلا مدة قصيرة  حتى نرى الفتاة تسأم من هذه الحياة وتتطلع إلى حب جديد ومنظر جديد. (علي الوردي، مهزلة العقل البشري. دار الوراق.2014. ص: 113(
يُخيل للإنسان أنه لن يطلب شيئا آخر إذا رد ديونه أو استكمل بناء منزله أو نجح في اختبار الوظيفة.. هيهات.. هيهات أن تكون الحياة بهذا الاختزال وهذه البساطة. إن الوظيفة إذا تم تحصيلها والمنزل إذا تم بناؤه والديون إذا تم تسديدها؛ إن ذلك إيذان بحلول متاعب جديدة وظهور مشاكل أخرى. والشعور باللذة كامن في ذلك الطريق الذي يحاول فيه الإنسان التغلُب على منغصات لحظة من لحظات الحياة؛ وكلما اقترب من رفع مشكل كان أكثر سعادة وغبطة وسرورا. لكن ما إن يحقق مطلبه ويفوز بمبتغاه إلا وعليه الاستعداد للتصدي بنفس الحماس لمشكل جديد. هذه هي الحياة. ما على الإنسان إلا أن يكون واعيا بهكذا قانون وهذه السُنة السارية؛ وإلا عاش حزينا متحسرا على ما فاته مما أصاب الآخرين من فلاح ونجاح.
ما المعمول؟ في ظل هذه الحياة التي تطارد السعادة أينما حلت. إنه لا عزاء سوى الوعي بأن الدنيا هكذا طبيعتها: مدرسة للإعداد، محطة للتكوين، موطن للتعب والكبد.. هي طريق بلا محطة استراحة. ولكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الإدراك قد يُسقطنا في سلبية قاتلة يستفيد منها هُواة انتشار العزائم الخائرة للاستفراد بالموائد الدسمة.. إن الحياة نضال مستمر لتحسين ظروف الإنسان ولكنه نضال بلا نهاية. هذا هو الدرس. إن النضال ضد الاستبداد وانتزاع إنسانية الإنسان وضد سوء توزيع الثروة والسلطة هو نضال دائم. إن البشرية اليوم إذا تمكن شق كبير منها (الغرب) في إشاعة جو من العدل على المستوى الداخلي؛ فإن النضال مازال مطلوبا للعمل على تدويل العدل ليسُود على المستوى الدولي. أما نحن، أي أوطاننا، فمازلنا في مد وجزر مع الظلم والاستبداد على المستوى الداخلي.
إن المعمول هنا هو الوعي بطبيعة الحياة بالموازاة مع العمل على تغيير الأوضاع. إن الوعي بان ما عند الإنسان ينفد لا محالة إلى جانب العمل على ممارسة الرياضة الروحية (العبادات أولا) في أفق طلب السعادة الباقية (الفردوس الأعلى)؛ كل هذا كفيل بتخفيف حدة الحيرة والنكسات النفسية التي يعرفها الإنسان بخصوص انفلات السعادة العميقة بين يديه. ولكن هذا لا يُعفي الإنسان من العمل والمكابدة والمعاناة في سبيل تحقيق اكتفائه الذاتي من المطالب والمصالح المادية. إنهما خطان متوازيان.
إن الإدراك الحقيقي لطبيعة الدنيا وكونها موطنا لعابر سبيل هو الإنسان. إن من شأن هذا الإدراك، أن يجعل الإنسان آملا يعيش على الأمل. ولا شك أن السعادة العميقة كائنة على طريق الأمل (وليس طريق الأماني). "فالأمل هو الاستعداد الذهني الذي يجعلنا نؤمن بتحقق رغبة ما. إنه شكل من اللذة قيد التوقع، والذي يعتبر في طوره الحالي من الانتظار، تعويضا غالبا ما يكون أكبر من التعويض الناتج عن تحققه. والسبب في ذلك واضح. فاللذة المحققة تكون محددة كمية واستمرارا. في حين أن لا شيء يحُد من عظمة الحلم الذي يخلقه الأمل. قوة الأمل وسحره هي في تضمُنه لكل احتمالات اللذة. يُشكل بذلك نوعا من عصي سحرية قادرة على تحويل كل شيء. لم يقم المصلحون سوى بإبدال أمل بآخر". (غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014، ص:44)
 (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)، صدق الله العظيم. مادام كل شيء يحيط بنا في هذه الدنيا إلى زوال من حيث مفعوله المعنوي أو تَجسُده المادي؛ فلا ينبغي للإنسان أن ينتكس إذا لم يحس بالأحاسيس الجميلة السامية إذا تحققت مطامحه المادية.
إن معنى الحياة غير قابل للتحديد، هذا أمر أكيد. لكن يمكن القول، إن العيش على أمل مزدوج سيُقرب الإنسان من ملامح معنى الحياة.  من جهة، الأمل في تحقُق مطالب الدنيا والجهد المبذول لأجل ذلك يجعل الإنسان سعيدا لأنه يرتبط بنقطة وصول يتصورها بخيال خصب. ومن جهة ثانية، الأمل في ما عند الله من نعيم يجعل الإنسان غير متحسر بشكل كبير على  سقطاته وكبواته لأنه يرمق ويستقبل أمرا باقيا ويستدبر أمرا فانيا محدودا.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



كان الأستاذ راشد الغنوشي قد أشار بسرعة إلى مسألة في غاية الأهمية في كتابه المميز (المرأة بين القرآن وواقع المسلمين). تتصل هذه المسألة بتصوراتنا السائدة عن الآية القرآنية 14 من سورة آل عمران (زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المُسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا). ذلك أن الذهنية الذكورية تستدعي هذه الآية الكريمة لممارسة "إرهاب" فكري لا يخفى على الأنثى؛ إذ يتم استغلال الآية لتذكيرها دوما بكونها من فتن الدنيا وحجر عثرة على طريق الآخرة. وفي إطار ذلك الفهم السائد، تبتلع الأنثى هذه التهمة لأنها مذكورة بفصاحة في كتاب خالقها! وإذا حصل فعل من قبيل تحويل البديهيات إلى الأسئلة، وراحت الأنثى تتساءل عن العدالة الإلهية في تقسيم الأدوار بهذا الشكل (رجل  يستعيذ بالله من فتنة  النساء حتى تصلح آخرته؛ وأنثى تمارس دورها الشيطاني في الكيد والإيقاع..)؛ سيتحطم كل شيء، وسيغادر هذا الدين أفواج من النساء وخاصة فتيات في زهرة العمر، وليس بعيدا أن يكون هذا حاصلا في هذا القُطر أو ذاك.
إن السؤال إذا تسلل إلى البديهيات، لن يملك صاحبه خط الرجعة ولن يرضى بالاطمئنان الكاذب ولا إيمان العجائز. وهنا تكمن خطورة المسألة التي يتجاهلها الخطاب التقليدي غير المتحرر من النَفَس الذكوري.
الأستاذ راشد الغنوشي، من موقعه كغيور على هذا الدين وكتابه العزيز: أن يتعرضا لعملية اختطاف وأن ينساقا وراء أهواء الذكور، تساءل بدوره: لماذا التفاسير لم تنتبه إلى أن الخطاب موجه للناس عامة (زُين للناس)؛ والنساء بطبيعة الحال يندرجن ضمن الناس. لكن واضح أن الذهنية الذكورية لا تنتبه لهذا المعطى ولا تعرف انتسابا للنساء إلى دائرة الإنسانية؛ وهي ذهنية منطبعة لدى النساء بقوة: وقد حاربتها أمنا سلمة مع الجارية في الحديث المشهور "إني من الناس". إن هذا السؤال كان مدخلا لمساءلة القضية كلها. هل يمكن أن يكون المقصود هو أن النساء يقعن في حب نساء أُخر (رائحة "السحاق"!). هل يمكن أن يكون النساء بهوية غير هوية الإنسان.
إن هذه أسئلة مشروعة وكفيلة بزلزلة الموروث التقليدي غير المُمحص. وهنا بالإمكان إثارة قضية أهم: إنها قضية الحور العين.
لا يخفى أن بعض الوُعاظ يكُثرون من الدعوة بالويل والثبور وكل عظائم الأمور واستنادا إلى القول المأثور: الويل لنساء الطين وشوقا إلى الحور العين؛ يُكثرون من هذه الدعوات التي تلاحق المرأة وهي التي لا تدري –المسكينة- ذنبها فقد خُلقت هكذا امرأة تفوح جمالا وإنسانية وجدية ورقة وحنانا! يظن الوعاظ أنهم بهذه اللغة المسبوكة بإتقان والعازفة على أوتار غرائز للرجال سينقذون الناس من النار وسيُبعدونهم عن شرور النساء وسيبعثونهم إلى حيث الحور العين.
إن المفارقة صارخة في هذا الخطاب. إن المعنيين بخطاب هؤلاء الوعاظ هم الرجال؛ فهم الذين يملأهم الشوق إلى الحور العين، وهم رجال "أسمى" من رجال الطين. والسؤال المطروح: هل الجنة أعدت للمتقين (من المؤمنين والمؤمنات) أم هي مُعدة للذكور فقط يجدون فيها ما لذ وطاب من الحور العين اللائي يُمتعنهم متعة لا يظمأون بعدها أبدا!
أما المرأة؛ هل هي محرومة من الجنة ومُتعها؟ هل الوُعاظ نسوها وتناسوا أنها تريد أيضا احتجاز مقعد لها في رياضها؟ هل لا تشفع لها التقوى، التي هي معيار الاستحقاق عند الباري تعالى، في الاستمتاع بما يقدم الحور العين من ملذات خيالية غير متصورة؟
إن سدنة العقلية الذكورية مستمرون في حراسة التخلف والنظرة الدونية غير الإنسانية إلى المرأة الإنسان. إن أفكار هؤلاء السدنة مدسوسة في الكتابات التي تملك قيمة رمزية عالية لدى المسلمين. لهذا لا غرابة أن نجد هذه الذهنية الذكورية تنتعش باستمرار، رغم أن البشرية قطعت مع إرث أسود ثقيل تم فيه السطو على إنسانية المرأة وتكريس مكانتها "الذيلية" ووضعها "الدوني" بالنسبة للرجل الذكر الذي ينبغي أن يرتاح دوما على أكتاف عذابات المرأة وشقائها.
"يُصاب المرء بالحيرة حينما يجد في كُتب التفسير هذا الشطح في تفسير مثل هذه الآية: (فاليوم لا تُظلم نفس شيئا ولا تُجزون إلا ما كنتم تعملون، إن أصحاب الجنة اليوم في شُغل فاكهون، هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون، لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعُون، سلام قولا من رب رحيم). سورة يس. الآية:  54-58
أنقل من تفسير ابن كثير ما يلي:
(.. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمق وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)، قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه (في شغل فاكهون) أي بسماع الأوتار، وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار..).
وكذلك قال الطبري:
(..  وقوله تعالى: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. اختلف أهل التأويل في معنى الشغل الذي وصف الله جل ثناؤه أصحاب الجنة أنهم فيه يوم القيامة، فقال بعضهم: ذلك افتضاض العذارى. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: إن أصحاب الجنة اليوم في شُغل فاكهون قال شغلهم افتضاض العذارى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ إن أصحاب الجنة اليوم في شُغل فاكهون: قال: افتضاض الأبكار.
حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: حدثنا أبو النضر، عن الأشجعي، عن وائل بن داود، عن سعيد بن المسيب، في قوله: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، قال: في افتضاض العذارى..).
لاحظ أن جميع التفسيرات أعلاه ليس فيها رواية واحدة منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولقد فات على هؤلاء وأمثالهم أن "أصحاب الجنة" هم "ذكور" و"إناث" والآية ذكرت "... هم وأزواجهم... " فكيف يكون نعيم النساء في الجنة هو افتضاض بكارة العذارى؟؟ وإن كانت "أزواجهم" هنا تعني زوجاتهم (وهي لا تعني ذلك وإنما تعني الأزواج المتشابهة سواء أبين أهل الجنة أهل النار لأن زوجة فرعون لن يكون مصيرها معه وكذلك زوجة لوط)، فهل تستمتع الزوجات بأزواجهن الذكور ويفضون أبكار العذارى؟ أم أن أصحاب الجنة من المؤمنات سيُبعثن سحاقيات؟؟ وحتى لو سلمنا بهذه الفكرة الشاطحة، فهل افتضاض الأبكار متعة يتوق لها كل الذكور؟؟ إن الفكرة ليست مقززة فحسب ولا تحط من قدر كلام الله تعالى فقط ولكنها لا تدع مجالا للشك أن من كتب كُتب التفسير هذه ونسبها للمفسرين أصحاب الاسم، ساقط العدالة إما لأنه لا يعقل ما يقرأ، أو أنه يبث عمدا سموما في كتب العلماء تحط من قدرهم وقدر أصحاب النبي الكريم وتحط من قدر كلام الله". (عماد محمد بابكر حسن، أمي كاملة عقل ودين، دار الوطن الرباط، الطبعة الأولى 2014، ص:99-100)
إذا أردنا اختصار مفاعيل العقلية الذكورية في الموروث الديني فلن نجد عبارة أدق: إنها عملية نزع مفضوحة لكرامة المرأة الإنسان. إنها تصوير مُشين تومئ إلى أن المرأة مُسخَرة للتسلية والقيام بوظائف تلعب فيها دور المفعول به دائما.
إن الموروث الديني بحاجة إلى مراجعة عاجلة، بحاجة إلى تصفية صارمة تقتلع العناصر الخاضعة لأهواء الناس وخاصة تلك التي لها صلة بالعقلية الذكورية. وإلا سنجد أمامنا جيلا جديدا من الفتيات والشباب يطرحون في البداية أسئلة بريئة مؤداها في ظل هذا الموروث البئيس هو:  الإلحاد، أو الانتحار. إن تمثُل الفتاة للصور التي تُصور بها وظيفة المرأة في هذا الموروث والتي لا تتجاوز خدمة الرجل جنسيا و"مناولته" ما يحتاج إليه ليعيش في رخاء؛ يشكل -هذا التمثُل- قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت.

لفتت  قريبتي انتباهي إلى مسألة في غاية الأهمية.  كانت آنذاك تدرس في نهاية السلك الإعدادي (بل ربما ختمته) وهي الآن في الثانوي. تعيش الفتاة في بيئة هي ظاهريا حديثة من حيث الفضاء (المدينة) والوسائل (سيارة ممتازة، "آيباد"..) والاهتمامات (الاصطياف على شاطئ البحر..)؛ لكنها في العمق بيئة مثخنة بالتقاليد الراكدة والسلوكات الشاطحة والجهل المركب. ذات مرة، هتفت بمكنون صدرها: كل شيء جميل في هذا الدين؛ إلا أني لا أدري لماذا لم يساو بين الرجل والمرأة؟ أو لماذا المرأة ليست كالرجل منزلة وحقوقا ومكانة؟
الظاهر، أن السؤال عادي ليس فيه جديد، لكن ما وراءه هام: إنه فعل تحويل البديهيات إلى أسئلة. إنه استنطاق للمألوف. إنه بوح ومصارحة صادقة بالآلام المعيشة. كنت آنذاك، زمن طرح قريبتي لسؤالها، أسير أوهام. كنت واثقا من نفسي أن لي إجابة شافية على سؤالها العميق الدلالات. كنت أظن أن بسردي لنصوص وآيات تؤكد المساواة بين الرجل والمرأة في القيمة والمنشأ والجزاء، قرأتها هنا وهناك عند محمد عمارة "التحرير الإسلامي للمرأة" أو محمد الغزالي "المرأة بين التقاليد الوافدة والتقاليد الراكدة" أو سعد الدين العثماني "قضية المرأة ونفسية الاستبداد" أو كتابات عدة ليوسف القرضاوي أو إطلالات خاطفة على موسوعة عبد الحليم أبوشقة "تحرير المرأة في عصر الرسالة" أو مقالات لعلي عزت بيغوفتش "عوائق النهضة الإسلامية" أو ردود قوية لمحمد وسيد قطب على "شبهات حول الإسلام" وفي"الإسلام ومشكلات الحضارة". كنت أظن أن باستحضاري لهذه المرافعات البليغة التي قدمها رهط كبير من رجالات الفكر والدعوة حول تهافت دعوى دونية مكانة المرأة في الإسلام كما صور ذلك المستشرقون وغيرهم، كنت أظن أنني بهذا سأرفع الإشكال وسأقول إن الإسلام يرفض المساواة الميكانيكية ويريد العدل (التعادل بين الحقوق والواجبات). كنت أعتقد أن هكذا كلمات ستجيب على سؤال طرحته فتاة لم تتجاوز 16 أو 15 ربيعا عن براءة  تُحسد عليها (براءة لا دخل  فيها لتأثير الأنترنت، أو التلفاز..). كنت أُقدر أن توضيح التمايز القائم بين الدين والتدين سيحُل المعضلة.
هيهات.. هيهات أن يكون الأمر بهذه البساطة. إن الفتاة طرحت سؤالها بعدما استكنهت مظاهر التحديث المغشوش التي تحيط بها. إنها لم تسمع بدعاية الحركات النسائية ولا دنا إلى سمعها صوت الحركات المتمركزة حول الأنثى. إنها لا تعرف حكاية الميراث ولا غيرها من الحكايا التي تومئ إلى وجود تمايز  بين الذكر والأنثى. إنها تعرف شيئا واحدا هو ما ينطق به واقعها المعيش. إنها تعرف الخطاب اليومي الذي يتم تصريفه حول المرأة في المناخات التي تعيش فيها. إنها تعرف الأوجاع النفسية  التي تكاد تمزقها حينما تستمع لما يُراد لها أن تكون من فم أمها وخالتها وجدتها وخالها..
إن قريبتي، يا سادتي، لن تعير انتباها للآيات الكريمة ولا للسيرة النبوية العطرة؛ لأنها تتألم في واقعها، فبماذا ستفيدها الآيات والنصوص التي تحمل تصورات إنسانية عن الأنثى بينما واقعها مجروح بذهنية ذكورية: والطامة أن النساء أول من يروج لها. إنها تريد أن يتغير واقعها، تريد أن ترى مساواة حقيقية في المعاملة، تريد أن تحس أنها إنسان كامل الإنسانية..
بهذه المناسبة أسوق طريفة من الطرائف التي حدثت لي هذه الأيام (قبل أقل من أسبوع): اتصلتُ بإحدى قريباتي وهي مسنة على مشارف الثمانين: 78 سنة؛ وعلى غير عادتي حيث لا أجد ما أقول مع غير من يشترك معي ذات الهموم الفكرية والانشغالات التنظيمية والنضالية، بادرتُ بفتح ملف شائك للنقاش معها؛ لما سألتني عن أحوالي: أجبتها –مازحا ومُقهقها- أنها في غاية السوء، ورجوتها أن تبحث لي عن من "يناولني"! وهنا لا أجد الكلمات المناسبة لأعبر عن مقدار سعادتها بطلبي وسرورها اعتدادا بذهنيتها الذكورية  وانبجاس وثوقيتها من جديد بهذه العبارات: أرأيت؟  ألم قل لك إنك ستنزل عند كلامي؟ ها الآن قد وصلت إلى ما رُمته في أحاديثي السابقة معك حينما مازلت تلميذا! جميل يا ابني أن يفكر الإنسان في من "يناوله". لا تخف! تأكد أني سأجد لك من تناسبك. إن والدتك وجدتك قد شاختا ولم يعُد بمقدورهما أن يخدمانك. سأبحث لك عن من "يخدمك" و"يناولك".
إن هذه القريبة المسنة جذع مشترك بيني وبين قريبتي الفتاة –بطلة هذه القصة-؛ واضح مما حدث لي معها في هذا الأسبوع على سبيل المُزحة أنها مدافعة شرسة عن تمثلات ذكورية بائسة لدور الفتاة والمرأة. دور يقول: إنها خادمة ومناولة للرجل في نهاية المطاف. إن الأم والجدة والزوجة لا شُغل لهن سوى "خدمة" هذا الفتى. كأن هذا الفتى منزوع الأطراف وفاقد للبصر حتى يكون محط مساعدات كل هؤلاء النسوة!
لهذا لا عجب أن نجد قريبتي الفتاة تتلظى بهذا الخطاب وتكتوي بآثار هذه العقلية وتحترق أسى على هويتها الإنسانية المفقودة، وتطرح سؤالها في صمت.
إن معالجتنا لقضايا اجتماعية (المرأة)، مازالت موضوعة على رأس جدول أعمال التحديث الذي نتوخاه، تتطلب ألانصراف إلى الواقع بهدف تغييره. إن السؤال هو: كيف سيتم القطع مع إعادة إنتاج التخلف، كيف سيتم الوقوف ضد إعادة إنتاج الخطوط الرجعية الذكورية في ذهنيتنا جميعا رجالا ونساء؟ كيف سيتم إيقاف نزيف الظلم الاجتماعي والنفسي الذي تتعرض له الفتاة الحائرة بين زيف مكشوف لتحديث تقنوي (التكنولوجيا، السيارة، الآيباد، البحر...) وواقع تقليداني ذكوري وبئيس حتى النخاع؟
إن الدين الذي تعرفه قريبتي هو الدين الذي يسري في الواقع ويخترق ذهنيات الناس. إنها غير مكترثة بدين النصوص (القرآن الكريم، السيرة النبوية..)، لأنها لا ترى له أثرا.

إن مراجعة  الموروث الديني والترويج لعقل نقدي متسائل والكف عن استهلاك التكنولوجيا بدون استيعاب والإلحاح على تحويل البديهيات إلى أسئلة في مواطن الدرس؛ إنها خطوات ينبغي البدء بها حتى نخرج من مهزلة "لعن نساء الطين" و"الشوق العنصري إلى الحور العين".



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






كان الشهيد علي شريعتي يرمي إلى توضيح التمايز بين فكر مرحلتين هامتين، هما: مرحلة الاستضعاف وبذر بذور الثورة والاشتعال بالحركة والحيوية، ومرحلة أخرى هي مرحلة إرساء المؤسسات والبناء والاستقرار. والعجيب أن فكره، هو نفسه رحمه الله، يندرج ضمن المرحلة الأولى؛ فبفضل كلماته الجياشة وأفكاره المشحونة وعباراته المُتقدة قامت الثورة في إيران على طغيان عات لسنوات. فبعد أن تم اغتياله في سنة 1977، لقيت أفكاره الرواج بعدما لقيت محاضراته في حسينية الإرشاد سابقا واسع الإقبال، فصار بذلك رمزا ملهما للثوار للانتفاض في وجه الطغيان والاستبداد. لهذا تجد كتاباته اليوم قبولا واسعا بين هواة العدل والمتحمسين للثورة وكل المتسائلين عن العدالة؛ بدون إدراك لهذه الفكرة المحورية التي تنير سبُل وضع الأفكار في سياقاتها.
إن التجربة النبوية عاكسة بجلاء لهذا التقسيم وناطقة بعناية بهذه المراحل. فكل رواة السيرة ميزوا بين مرحلتين لهما دلالات عريضة: المرحلة الأولى؛ هي المرحلة المكية، وهي مرحلة الاستضعاف، لكنها مرحلة تشييد أركان العقيدة وهدم المخيال الذي يقبل التوجه بالقُربات والطاعات للأوثان، إنها مرحلة الانتفاضة، مرحلة التأهب للثورة، مرحلة الإعداد والاستعداد للبناء والاستقرار، إنها مرحلة تتحفز فيها روحية الإنسان، إنها مرحلة التمكين للأيديولوجيا الجديدة. بينما المرحلة الثانية؛ هي مرحلة العكوف على بناء المؤسسات وإعادة ترميم العلاقات وصيانة الاستقرار. والمتأمل الحصيف في المرحلة المدنية، التي دامت أقل من الأولى، لا تخفى عليه مساعي المصطفى لتوطيد دعائم الاستقرار؛ فكل ما يطلق عليه في السيرة ب"الغزوات" كان أساسا اتجاها لدرء المُنغصات والمشوشات التي تتغيى للمسلمين حياة مضطربة أبدا لا مكان فيه لطيب الخاطر وصفاء الفكر والتأملات المتجردة من الردود والسياقات والملابسات.   
إن نشوء الحركات الاجتماعية والمخاضات التي تمُر منها والنجاحات التي تحققها محكومة كلها بهذا التقسيم المرحلي. في الحالة المغربية، بعد الاستقلال، يمكن اعتبار أهم الحركات الاجتماعية هي: الحركة الاتحادية، الحركة الأمازيغية والحركة الإسلامية. وقد يعترض معترض على إدراج الحركة الاتحادية، باعتبارها حركة سياسية فحسب. إن الدارس النابه لا شك أنه سيجد أن الحركة الاتحادية؛ حركة أكثر من سياسية وإن كان عنوانها سياسي فهي حركة ذات أذرع جمعوية هامة ومصحوبة بمشاريع ثقافية طموحة بل عملاقة وذات عمق شعبي كبير.
إن الحركة الاتحادية؛ عاشت مدة طويلة من التشريد والاستضعاف والاضطهاد دامت قُرابة 40 سنة (من 1959 إلى 1998)، لكن فترة هذه النكسات على المستوى السياسي كانت زاخرة بالعطاء الفكري (الجابري، العروي، فتح الله ولعلو، الحبابي، سبيلا، عبد اللطيف، حميش...) وبإنتاج العديد من الأوراق التصورية الاستثنائية (الاختيار الثوري للشهيد المهدي بنبركة، التقرير المذهبي وكتابات هامة للرئيس عبد الله إبراهيم، التقرير الإيديولوجي الذي حرره المفكر الفذ محمد عابد الجابري) كما شهدت تغلغلا لافتا في أوساط الفئات الشعبية. وبعدها، فترت روحية الاتحاديين وخمدت نضالية المناضلين وخفتت جاهزية السابقين، لأن المرحلة الجديدة كانت تتطلب أسئلة جديدة وأجوبة متجددة تكون في مستوى رهانات غير مسبوقة، وفي المرحلة الجديدة ينبغي استلهام روح المرحلة الأولى فقط: روح الصدق والتضحية والإيثار والبذل والوطنية والعطاء،  وينبغي أيضا تجديد الصلة بالمتن الإيديولوجي بإعادة النظر فيه وتكرار التأمل في أفُقه وصلاحيته.
إن الحركة الأمازيغية، كأي حركة اجتماعية متجذرة في تربة الوطن، عاشت وتعيش نفس الحكاية. إنها بدأت بإمكانات محتشمة تُبشر برؤية جديدة للمسألة الثقافية وراحت تتوسل لذلك كل وسيلة؛ اقتحمت الإعلام الورقي منذ أواسط السبعينات بمجلة (أراتن)، وولجت عالم الفن والمسرحيات (بمسرحية "ؤسان صميدنين"، (الأيام الباردة)، للأستاذ الكبير الصافي مومن علي)، كما طرقت باب الموسيقى وأحدثت تطويرا مفصليا في الموسيقى الأمازيغية تطلعت بها إلى مستوى العصر، وناضل مناضلوها من أجل نقل الثقافة الأمازيغية المبعثرة في أفواه الناس إلى بطون الكتب والمجلات "ولإعطاء فكرة على نموذج الصعوبات التي كنا نعانيها في جمع هذا التراث الشفاهي من أفواه الناس، يقول القيدوم  الأستاذ إبراهيم أخياط، فقد اضطررت يوما وفي العطلة الصيفية لسنة 1973 أن أسجل من الأشعار الخاصة بواقعة أيت باها ضد الاستعمار الفرنسي، ودلوني على شاعر بقبيلة أيت باحمان.. فجهز لي أبي بغلته لألتحق بهذا الشاعر المسن، وقال لي أبي: أنت تعرف الطريق حتى واحة "تاركا ن توشكا"، وعند وصولك إليها؛ اطلب أحدا ليخرجك منها.. غير أن بعد خروجي من الواحة، كان الجو حارا وكلما صادفت البغلة طريقا إلا وسلكته، لأنها ترغب في الاستراحة.. (إبراهيم أخياط، النهضة الأمازيغية كما عشت ميلادها وتطورها، ص:51-52). إنها مرحلة الإعداد والتبشير والاستعداد والاحتجاج؛ كانت إبانها الحركة الأمازيغية، في البداية، تتطلع إلى اعتراف محتشم بصوتها، وراحت بعد التوسع والانتشار ترمق الحماية الدستورية للأمازيغية بل وترسيمها. جاءت بشائر المرحلة الجديدة مُلَوحة بإنشاء معهد ملكي يعكف على الجانب العلمي والبيداغوجي لتدريس الأمازيغية؛ ما يعني أن مرحلة تشقيق الكلام انتهت وجاء عهد البناء بما يتطلبه من العمل الدؤوب والجاد، وجاء الترسيم، وكانت القناة... لكن المؤكد أن نضالية الحركة الأمازيغية خارت وأن عزائمها انبطحت؛ ليست مرآة العزيمة ولا النضالية  كائنة في المظاهرات والمقالات (وإن كانت مطلوبة)، إنما هي في التفكير الجاد والعمل اليومي المُضني النابع من الغيرة الصادقة على الحفاظ على إرث الأمازيغية وتداولها الاجتماعي (عبر التعليم، والإعلام، بالدرجة الأولى) خاصة وأن التراجع في عدد الناطقين بالأمازيغية لا يتناسب إطلاقا مع الجهود والنضالات التي قامت الحركة الأمازيغية بتفعيلها على مدار 50 سنة (ففي إحصاء أُجري بعد الاستقلال ببضع سنوات كان عدد الناطقين بالأمازيغية حوالي 85 بالمائة من السكان المغاربة؛ وفي إحصاء 2004 تدحرج الرقم إلى 28 بالمائة، وفي إحصاء 2014 تراجع أيضا: ما يعني أن الأمازيغية مهددة بالانقراض الشفهي، وهنا سيصبح قرار الترسيم بمثابة لعبة صبيان لتزجية الوقت ولا معنى لكل هذا الرصيد، هنا الخطورة إذن، لأنه حينما لا تجد الناس يتحدثون باللغة فكيف سيتذوقون الإبداعات التي تحملها والفنون المصبوغة بصبغتها وكيف سيتابعون إعلامها وكيف تريد أن يتشجعوا على تعلمها إن كان الوسط الاجتماعي جاهلا لها، كيف؟).
نأتي إلى الحركة الإسلامية، هي متأخرة نسبيا في النشأة، وبدورها تمر من ذات المرحلتين. ففي الوقت الذي صعدت فيه أسهم الحركة الاتحادية كانت الحركة الإسلامية تتعرض ل"إرهاب" فكري مخزي من أطراف عديدة وتُنعت بنعوت قدحية شتى. عاشت هي الأخرى استضعافا وتنكيلا ومَضايقات –ومازال بعضها مستمرا إلى اليوم-. وبالمقابل كانت تعيش في "السماء" على مستوى الأحلام والتصورات، كان يُصور لها أنها جمعت شتات الخير أينما كان، وأنها "البديل المنتظر" لحل أزمات الروح بل أزمات الدنيا والسياسة والاقتصاد.. واستندت في هذا إلى إرث فكري متناثر في ربوع العالم العربي؛ حاولت تنقيحته وتبيئته فيما بعد. لكن، أغلب هذا الإرث، كان "معرفة سياقية" كما قال الدكتور امحمد جبرون في كتابه الهام (مفهوم الدولة الإسلامية)، تنظر إلى المشكلات الشديدة التعقيد والتركيب على أنها بسيطة أيما بساطة، لا يكاد ينفلت من ردود الأفعال العاطفية المحكومة بايدولوجيا (الإسلام منهج حياة، ونظام شامل، وحل لكل شيء). وجد جزء رئيس من أجزاء الحركة الإسلامية نفسه في اشتباك مع الشأن العام التدبيري فإذا به ينزاح نحو نحو براغماتية تبريرية واضحة في إيجاد الصلة بين الفكر والممارسة. فالسؤال الهام الذي تطرحه الممارسة يوما بعد يوم: ما هي الإضافة التي سيضيفها الدين في الممارسة السياسية، إذا كنا نتحدث عن مرجعية إسلامية تؤطر سلوكنا السياسي؟ أما إذا كان الحزب، سليل الحركة الإسلامية، يطير  طربا لنزاهته ونظافة يد أعضائه والتزامهم بالصدق والصراحة والنأي عن الرشوة والفساد.. فهذه القيم الأخلاقية كانت قوية بشدة عند أطر الحركة الاتحادية –دون أن يُكثروا من الحديث عن المرجعية الإسلامية- وربما اندثرت الآن، لكنها لم تندثر لأن الاتحاديين ليسوا "إسلاميين" يتحدثون عن مرجعية إسلامية، بل تلاشت لكون بعض الاتحاديين خانوا مبادئهم الاتحادية الأولى، خانوا القيم والأفكار والأشواق التي اجتمعوا عليها وهي أشواق إنسانية تنويرية سامقة كانت تدفعهم لحمل لواء الدعوة إلى تخليق الحياة السياسية. أضف إلى هذا، التجربة الغربية، فلا يشك أحد في شيوع قيم سامية تؤطر العلاقات بين المواطنين والمسؤولين وبين المواطنين فيما بينهم: فيها الاحترام، النزاهة، عدم خيانة الأمانة، الصدق، احترام الوقت والمواعيد، القيام بالواجب، ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ كل هذا بدون باستدعاء مرجعية إسلامية أو غير إسلامية؛ فهذه قيم تؤكد الخبرة الإنسانية أنها كونية لا اختلاف على صلاحها. وإذا كان الأمر هكذا، فحديث "المرجعية الإسلامية" مجرد دثار -كما يقول خصوم الحركة الإسلامية- لاستمالة أصوات الناخبين (أي استغلال غير مباشر للدين في السياسة)؛ ومن الأفضل من باب الالتزام الأخلاقي أن يُطلق على الحزب (حزب سياسي مدني ديمقراطي بمرجعية قيم المُواطنة). لهذا فالسؤال هو: ما الإضافة التي تقدمها المرجعية الإسلامية غير النكهة الأخلاقية التي تعد أصلا كونية في المجال العام؟
إن هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون مدخلا عند النُظار في الحركة الإسلامية للكف عن براغماتية غير مجدية على المدى المتوسط، كما ينبغي أن يكون منطلقا لإعادة النظر في عقد الولادة إن كان يحتاج لتصحيح (فهذه تجارب بشرية محدودة في نهاية المطاف)، كما ينبغي أن يكون نقطة لانطلاق فكر المرحلة الجديدة، مرحلة البناء والاستقرار والتدبير والتعامل مع المشكلات الحقيقية نظرا وعملا. وكل هذا لن يتحقق إلا بالتأمل العميق في المتن المؤسس والزاد الأول. كل هذا واجب لتستمر شعلة الحركة الإسلامية وتضيء الوطن وتكون سببا حقا في تطويره وتحديثه بنياته وتكون نبراسا لخدمة المصالح الروحية للمواطنين؛ حتى لا يؤول مصيرها إلى مصير الحركة الاتحادية والحركة الاستقلالية قبلها والحركة الامازيغية (التي توجد في مفترق الطرق)، وهذا المصير محتمل بشدة. فالتاريخ يسحق من لا يقرأه جيدا.
إن الأستاذ محمد حسين هيكل انتبه لنقطة هامة في المنعطف الذي عرفته التجربة النبوية، أي (الهجرة)، لما وقف على سؤال لماذا أصلا الهجرة؛ لماذا بعيدا عن هدف الاستقواء بالمسلمين والناي عن بطش قريش وتامين الدعوة؛ ماذا وراء كل هذا؟ ما هي القيمة المُضافة للتدين في هذه المرحلة الجديدة؟
"وإذا كان الإيمان أقوى سند يجعلنا نستهين بكل شيء ونضحي عن طيب خاطر في سبيله بالمال والراحة والحرية والحياة. وإذا كان الأذى من طبعه أن يزيد الإيمان استعارا؛ فإن في استمرار الأذى والتضحية ما يشغل المؤمن عن دقة التأمل التي تزيد في أفق المؤمن سعة، وفي إدراكه قوة وعمقا. وقد أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذين اتبعوه من قبل أن يهاجروا إلى الحبشة المسيحية، وكان بها ملك لا يُظلم عنده أحد؛ فأولى بالمسلمين أن يهاجروا إلى يثرب وأن يتقووا بأصحابهم المسلمين فيها، وأن يتآزروا بذلك على دفع ما يمكن أن يصيبهم من شر؛ ليكون لهم بذلك من الحرية في تأمل دينهم والجهر به وإعلاء كلمته، كما يكفل لهم نجاح الدعوة إليه؛ دعوة لا تعرف الإكراه، بل أساسها الرفق والإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن". (محمد حسين هيكل. حياة محمد. دار المعارف. الطبعة العشرون. ص:172-173)
هكذا، كان المسلمون  يحتاجون إلى مرحلة جديدة فيها استقرار نفسي والتقاط للأنفاس للتأمل أولا وقبل كل شيء في الدين الذي آمنوا به. فالعذابات التي نالوها لم تدعهم ليفكروا بتأن –خارج العاطفة الملتهبة- في ماهية الدين الذي انتسبوا إليه. وعلى هذا المنوال، نفترض أن من أوكد الواجبات على كل سالك مسلك المرحلة الثانية؛ هو  التأمل بعمق وهدوء في المحرك (الإيديولوجي) الذي حركه طيلة المرحلة الأولى وكان سببا في وصوله إلى ما وصل إليه.
لهذا؛ فالحركة الإسلامية، في خضم هذه المرحلة الجديدة مدعوة قبل كل شيء إلى التأمل في مقولاتها كلها على ضوء الواقع الذي احتكت به بعد معاشرة الشأن العام لأزيد من أربع سنوات. فما ذكرناه عن المرجعية بشكل مثير هو مثال واحد، أما إعادة النظر فينبغي أن تنسحب على كل شيء. ففكرنا اليوم يتأرجح بين مرحلتين: إما أن نستبق جرس التاريخ، لنكون في الموعد، وإما أن ننتظر التاريخ لينطق بحكمه علينا ويأتي من يخلُفنا ونبقى كالاتحاديين مثلا بلا قضية حقيقية سوى الهذيان حول (القبلات، الشذوذ..) بعد أن كانوا في طليعة القوى التقدمية الديمقراطية الوطنية الأصيلة.
وفي الأخير، ينبغي أن نفهم أن فكرنا يعيش بين مرحلتين حتى لا نضيع جميعا ويضيع الوطن.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




كنت سادرا في إعادة قراءة المقال الذي نشره المؤرخ الوطني الكبير علي صدقي أزايكو "في سبيل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية" في مجلة "أمازيغ" سنة 1981؛ المقال الذي كان الباب المؤدي للسجن سنة كاملة. لم أجد في المقال سوى كلمات رائقة وأفكارا منيرة تشع وطنية وانحيازا للرصيد التاريخي للوطن.
"وإذا كان القرآن قد نزل بالعربية، فإن الله تعالى حين فعل لم يخلق لغة عربية جديدة لا يفهمها العرب، بل كان ذلك باللغة العربية نفسها التي كانت من قبل، محملة بكل مقومات المجموعة البشرية التي كانت تتكلمها. ورغم التغير الكبير الذي أدخله الإسلام عل حياة العرب فإن الاستمرار الحضاري، في بعض جوانبه على الأقل، شيء لا يمكن نفيه. واللغة عامل قوي في ذلك الاستمرار؛ فالأدب الجاهلي الذي كان شفويا قبل الإسلام، جمع في عهد الإسلام، وقواعد اللغة العربية التي لم تكن مضبوطة قبل الإسلام درست وضبطت بعد الإسلام، وتقاليد العرب وعادات العرب الجاهلين اهتم بها المسلمون أيما اهتمام في أعز عصور الدولة الإسلامية.
فلو كان الإسلام يعني بالكونية محو كل مقومات الشعوب التي تؤمن به، لطبق ذلك أولا وقبل كل شيء على العرب أنفسهم، ولنزل القرآن بلغة جديدة، يعلمها الله لنبيه، ويضطر كل المسلمين إلى ترك لغاتهم، التي أراد الله لها أن تكون متنوعة ومختلفة، وتعلُم اللغة الجديدة!  اللهم إذا اختار الله فعلا أمة العرب وجعلها فوق جميع الأمم الأخرى التي خلقها...؟ ومعلوم أن المقياس الوحيد عند الله تعالى هو التقوى. وباختصار فإن الإسلام ومبدأ القومية لا يكونان أي تناقض، غير أن التناقض يوجد بين قوميتين أو قوميات.
وإذا كنا لا نناقش الجانب الديني، لأنه في نظرنا لا يطرح مشكلا اجتماعيا، لأننا، ولله الحمد، مسلمون؛ فإن المشكل الثقافي ما يزال مطروحا، لأن المغاربة لم يتعربوا جميعا". (علي صدقي أزايكو، معارك فكرية حول الأمازيغية، مركز طارق بن زياد، ص:41)
هي مرافعة بليغة قادها شباب وطنيون، في طليعتهم أزايكو، للفت الانتباه لحقائق مسكوت عنها ومنسية في غمار السياسة وحساباتها الإيديولوجية. قد يختلف المختلفون مع كلام أزايكو، وهذا حق مكفول بل حق مقدس: حق الاختلاف؛ فمن أجله كتب أزايكو ما كتب ومن أجله دفع ضريبة ثقيلة هي سنة كاملة وراء القضبان. لكن، دون تزيُد، فإن الشعور الذي يخالج القارئ هو الأسف: أن يكتب كاتب كلمات فيها رأي؛ حينما يُقرأ يربو الإيمان بعظمة الإسلام ولا ينقص، تزداد جذوة الوطنية اشتعالا ولا تخبو، وفي النهاية تُكال التُهم الجاهزة والكليشيهات الفارغة: "تهديد الوحدة الوطنية"، "محاربة لغة القرآن"..
متى نفهم أن الخناق كان مضروبا على أزايكو وغيره من نشطاء الحركة الأمازيغية (اختطاف بوجمعة الهباز في نفس السنة 1981)، في نفس الوقت الذي كان بنكيران وإخوانه يقضون ليال ذوات العدد في الزنازين ثم يُفرج عنهم فيعودون إليها مرات ومرات. متى نفهم أن أزايكو وبنكيران، على سواء، كانوا أبناء الشعب، كانوا يحملون قضايا تتكامل، كانوا يجسدون مطامح جماهير غفيرة من الفئات الشعبية، كانوا سعاة لصيانة بيضة "الهوية" وكل له زاوية ينظر منها.
متى نفهم أن التناقض  ليس بين جمهور أزايكو وجمهور بنكيران. متى نفهم أن التناقض ليس بين خط الشهيد عمر بن جلون وبين خط عبد الإله بنكيران. إنما التناقض صارخ بين كل هؤلاء من جهة، والراغبين في استدامة التسلط والتحكم والقهر والتنميط والإذلال على الشعب المغربي، وبطبيعة الحال "المخزن" على رأس هؤلاء جميعا.
متى نفهم أن أعداء الحركات الاجتماعية هم هواة اختطاف الإرادة الشعبية فقط. متى نفهم أن الحركة الأمازيغية والحركة الاتحادية والحركة الإسلامية؛ كلها مرآة عاكسة لروعة إبداع الذهنية المغربية.
إن العين لتدمع حينما نقرأ شهادة أحمد بن جلون رحمه الله زعيم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، شقيق الشهيد عمر، وهو يروي مسلسل سحق الإنسان في دهاليز "بنية" هي التي تُشكل حقا تناقضا مركزيا مع خطوط الشعب (خط بن جلون، خط أزايكو، خط بنكيران..): "أنا شخصيا وصلوا معي إلى درجات عالية جدا من التعذيب لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها. لقد وصل الأمر من كثرة الضرب على قدمي إلى درجة أنهم اسودتا وتعفنتا، وأخذ الدود يخرج منهما، ولأني لم أعد أطيق الألم الذي كان يأتيني منها، وصرت أقضي الليل والنهار في الصراخ، فإنهم أزالوا لي بواسطة مقص القشرة السوداء التي كانت تغطيهما، وصبوا الكحول عليهما، وشعرت ساعتها وكأن نارا حقيقية تلتهمني من قدمي إلى آخر شعرة في رأسي، وجاء وقت فقدت فيه الإحساس الكلي بأطرافي العلوية، وأصبحت عاجزا عن تحريكها، بل صرت على وشك الموت، فأخذوني إلى المستشفى، وهناك فحصني طبيب، أدركت فيما بعد أنه شقيق جلاد مشهور، ولأنه كان يضع خبرته العلمية رهن إشارة الجلادين، وكانوا يستشيرونه في أوضاعنا الصحية، فإنه نصحهم بالكف عن تعذيبي، ودعاهم للعناية بي لاسترداد البعض من عافيتي، وفعلا هذا ما حدث، إذ تم الاهتمام بي أكلا وتطبيبا إلى أن استرجعت جزءا من سلامتي الجسدية، ثم فحصني نفس الطبيب مجددا، وأعطاهم الإشارة، فاستؤنف التعذيب مجددا. لا يمكن للكلمات، مهما كان مستوى دقتها وقوتها التعبيرية، أن تجسد أياما وليال من التعذيب، والقهر والإذلال، فاستؤنف التعذيب مجددا. (عبد السلام بنعيسى في حوار مع أحمد بن جلون، ذاكرة الاعتقال السياسي: حوارات ومسارات، 2012، ص:20)
بالفعل، إن فهم كنه القضايا التي انحاز إليها كل خط يجعلنا ندرك سريعا أن ما نطلق عليه "الإرادة الشعبية" هو كل ما سعى من أجله هؤلاء على المستوى الثقافي والسياسي والديني.. فكل تشكيل اجتماعي كان يهدف إلى سد ثغرة من الثغرات وتسليط الأضواء على المُهمش في السياسات. وفي نهاية المطاف نرى "فسيفساء" خلابا يعكس تطلعات الجماهير الشعبية في رفع الوهن عن هذا الوطن.  

فمتى نفهم أن عدو هذه الخطوط الوطنية واحد. وكل همه بعث بذور التمزق والشقاق وتوسيع الُهوة والصراع بينها جميعا؛ حتى يستأثر بالحلبة لوحده ويستمر –تحت الضغط- في تقسيط الديمقراطية على الشعب.


...تابع القراءة