? أيوب بوغضن
| 1 التعليقات ]


ثمة سلوك يشيع في صفوف المجموعات البشرية التي تلتئم حول فكرة ما وترفع شعارات معينة وترنو إلى عيد تصبح فيها المطامح والأحلام واقعا ملموسا. وللأسف الشديد فهكذا سلوك يبرز بقوة في فضائنا الإسلامي العربي والأمازيغي. والأسف يشتد لأنه ظاهرة اجتماعية متكررة كانت وراء فشل العديد من النهضات والوثبات التاريخية، ومع ذلك لم ينل حقه من النقد والدرس والتفكيك والتحليل، ما يُسعف الأجيال الصاعدة والقادمة من التخفيف من حدة آثاره وانعكاساته في الطريق الحالي نحو النماء والتقدم. وما فائدة العلم بالشيء غير التنبؤ وتسخير كل الوسائل الكفيلة بتوجيه الأمور في اتجاه المسار الصحيح.
إن السلوك المقصود أو الظاهرة الاجتماعية المعنية بهذه السطور هو "الشقاق" و"النزاع" الذي يطفو على السطح بمجرد ما تصل الجماعة البشرية المتراصة إلى مفتاح الباب. إنه التشرذم بل العنف بين الإخوة الأعداء.
تجد أفراد هذه الجماعة يحترقون شوقا ليوم تتحقق فيه الآمال التي يحملونها ويجتهدون ليل نهار من أجل ذلك. تلفيهم وقد عانوا الأمرين أمام العدو المشترك وقد جلسوا جنبا إلى جنب في الزنازين والمعتقلات وقد وقفوا بتراص في طليعة المعركة يوم الزحف وقد ذاقوا الجوع وقد تجرعوا مرارة السهر..
نعود إلى ماضينا السحيق ونجد أنه بعد الثورة النبوية المشرقة التي أنارت شبه الجزيرة العربية وما حولها بنورها الممتد إلى السماء. بعد أن كان الصحابة الكرام في حالة استضعاف أمام العدو (عتاة قريش) في مكة وهم يسجلون صفحات مضيئة في تاريخ تحرر الإنسانية حيث تلفحهم الشمس الحارقة وتسلط عليهم العذابات المميتة، وكانوا في متآزرين بعد ملحمة "الهجرة" التي تركوا وراءهم -على إثرها- كل أملاكهم المادية المحسوسة، وكانوا أشداء على العدو في ساحة الوغى ورحماء بينهم وقد خاضوا "بدرا" ببسالة وهم قلة وهبُوا ل"تبوك" بشجاعة وهم في جو ليس له مثيل (شدة الحرارة وقلة الماء والمؤونة وبعد المسافة ووعورة الطريق).
بعد أن كانوا كل ذلك وانكشفوا للعالم أجمع وبلغوا تُخوم الفرس والروم وصارت دولتهم مترامية الأطراف وأصبحت دعوتهم مشهورة في شتى الأصقاع والبقاع.. باختصار؛ بعد أن حل يوم العيد، عيد الثورة النبوية (فلا شك أنهم لما كانوا في مكة مستضعفين كانوا يفكرون في يوم النجاحات)، عيد الدعوة (انتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا).
بعد ذلك، بل في مساء يوم العيد حلت الكارثة وبرزت الفتنة وشاع الانقسام وانبرت فرَق الشقاق. ومات آلاف من المسلمين في معارك فيما بينهم لم يمت قط مثل ذلك العدد أمام الأعداء، هذا ولم يجف بعد دم الفاروق ولما فارقت بعد ذكرى الصديق أذهان الناس ولما صار رنين توجيهات الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد بعيدا عن مداعبة الآذان!
نأتي إلى ثورات التحرر الوطني. في الجزائر بلد المليون شهيد الذي تأبى على أن يكون ذيلا أو فرنسا الثانية لقرابة قرن ونصف. خاض الشعب الجزائري غمار النضال ضد الاستعمار منذ الأمير عبد القادر في القرن التاسع عشر ومازال يعبئ القوى ويجهز العُدة والعتاد ويستصرخ الشباب للجهاد حتى كانت وثبة نونبر سنة 1954. فانجلى قادة المقاومة وكانوا: أحمد بن بلة، حسين أيت حمد، محمد بوضياف، محمد خيضر، ومصطفى الأشرف؛ الذين تحملوا مشاق السفر وتعريض الحياة للخطر وعناء البحث عن السلاح ومآسي التشريد والنفي.
بعد سنوات قليلة، تنال الجزائر استقلالها عن جدارة واستحقاق وبعد مقاومة ونضال عز لهما مثيل في القرن. وإذا بأحد قادة الكفاح الوطني يصبح رئيسا للجمهورية (الرئيس أحمد بن بلة) سنة 1963. ما يعني أن يوم العيد حل من جديد، حينما صار القادة الأحرار محل المستعمرين الأغيار. فقبل سنة فقط، كان هؤلاء القادة في المنفى في فرنسا حيث قضوا سنوات ليست بالقليلة منذ حادث اختطاف الطائرة سنة 1955، وتجرعوا هناك مرارة (بل حلاوة) خوض معركة الأمعاء الخاوية في إضراب طويل عن الطعام.
لكن..! في مساء يوم العيد، أي بعد أشهر قليلة من حكم الرئيس بن بلة، بدأ تمرد أشقاء المنفى ينبعث وثورة رفاق الطريق على الرفيق تلوح في الأفق، ولم يشفع لهم في ذلك اللحظات الجميلة –على مرارتها- التي قضوها أيام النضال المشترك والجهاد الموجه نحو العدو الأوحد (الاستعمار الفرنسي). هكذا حُكم على حسين أيت حمد بالإعدام (الحكم الذي لم يعرفه من العدو الاستعماري!)، وبعد تدخل الأقرباء تم تعليق الحكم وتخفيفه إلى المؤبد. وبعد أشهر سينقلب هواري بومدين (الرجل الذي استقطبه وأطره بنبلة !) على الرئيس بن بلة لتنعم الجزائر بحكم العسكريين منذ ذلك الحين إلى اليوم وليودع الرئيس بن بلة الإقامة الإجبارية خمسة عشر سنة (إلى حدود 1980!).
وليس المغرب بمنأى عن هذه الظاهرة الاجتماعية اللافتة.
عُرف الشعب المغربي بكونه تواقا إلى الحرية والاستقلال. ولهذا لم تتوقف العمليات العسكرية ضد المستعمر إلا في سنة 1934. وبرزت بالموازاة المقاومة السياسية عبر وسائل التوعية المعروفة (الصحافة، الدروس، المظاهرات، البيانات..). ولما تبين أن البوابة السياسية لا تكفي للتحرير ولما بلغت السياسات الاستعمارية مداها (التنكيل والخسف والاعتقال والتشريد والنفي والقتل) بنفي عاهل البلاد محمد بن يوسف سنة 1953 وتفويت العرش للمدعو بن عرفة ضدا على الإرادة الشعبية؛ كانت المقاومة العسكرية هي الطريق من جديد.
هكذا خاض المقاومون المغاربة معارك باسلة ضد العملاء والخونة سرعان ما امتدت في كل أنحاء البلاد. وبينما هم في عملهم ذاك، كان رواد العمل السياسي المقاوم (الحركة الاستقلالية) في الزنازين والمنافي (حملة سنة 1951 المستمرة إلى حدود سنة 1954).
إذن، كان الجميع ينتظر الاحتفاء بيوم العيد؛ عيد الاستقلال المجيد. لكن ذات السيناريو الأليم تحقق. فمساء يوم العيد (غداة الاستقلال)، أي بعد مُضي أشهر يسيرة بدأ الاحتراب الداخلي في صفوف المقاومين وبدأت التصفيات وراح ضحيتها الكثير من الناس أبرزهم المقاوم المعروف بعباس المسعدي في بداية صيف سنة 1956 (بعد ثلاثة أشهر من فسخ عقد  الحماية في مارس). وليس هذا فحسب، بل تعمق الصراع بين المقاومين السياسيين والمقاومين العسكريين وكأن المقاومة ليست ملة واحدة.
وانسحب ذات الصراع على الحركة الاستقلالية التي كانت قائدة المقاومة السياسية، فتمزقت أوصالها وتفرقت عناصرها شذر مذر وانفجرت التناقضات بين مكوناتها في صيف سنة 1958؛ فكان الانشقاق الذي أدى إلى بروز حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي جمع لفيفا من النقابيين والمقاومين والشوريين (نسبة إلى حزب الشورى والاستقلال) علاوة على ألأقطاب الاستقلاليين (المهدي بنبركة، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الله إبراهيم، عبد الرحمان اليوسفي).
والعجيب في الأمر أن الحركة الاتحادية الوليدة بدأت وفي فمها ملعقة من ذهب بفضل تغلغل عناصرها في أوساط الجماهير الشعبية، إذ فازت بأول انتخابات في المغرب المعاصر وهي الانتخابات الجماعية في ماي سنة 1960 خاصة في المدن الكبرى (البيضاء، الرباط،  فاس..). وسرعان ما تعرضت لاضطهاد عنيف من طرف الحكم. ورغم ذلك حصلت على نتائج مشرفة في الانتخابات البرلمانية الأولى في تاريخ المغرب في سنة 1963. ولكن الظاهرة الاجتماعية التي تستشري في بيئتنا لم تكن الحركة الاتحادية المتألقة بمعزل عنها. فمنذ المؤتمر الثاني في سنة 1962 نجد أن الشقاق والنزاع بدأ يطفو حول التقرير الذي يراد له أن يكون معبرا عن خط الاتحاد الإيديولوجي والفكري والسياسي (هل التقرير المذهبي للرئيس عبد الله إبراهيم أم الوثيقة المسماة لاحقا بالاختيار الثوري للشهيد المهدي بنبركة؟).
تمَكن الصراع من العائلة الاتحادية خاصة بين الجناح النقابي والجناح السياسي فتُوج ذلك بوثبة يناير سنة 1975 بالمؤتمر الاستثنائي الذي أعلن عن ميلاد الاتحاد الاشتراكي. راح الاتحاديون في البناء واستثمروا كل طاقاتهم في التعبئة لمشروعهم الدائر حول النضال الديمقراطي في إطار "الشرعية" والمؤسسات والذي يستلزم النَفَس الطويل. عانوا من المضايقات (مصادرة جريدة "المحرر" أحيانا، اغتيال الشهيد عمر بنجلون والمُرجح –حسب اتحاديين أصلاء- أن يكون ذلك من طرف المخابرات بأدوات تنفيذية تجسدت في متطرفين دينيا، اعتقال أعضاء من المكتب السياسي في سنة 1981 ووضعهم قيد الإقامة الجبرية بسبب موقف الاتحاد من الاستفتاء في الصحراء، المعاناة مع تزوير الانتخابات وتقزيم تمثيلية الاتحاد في المؤسسات..).
لكن لما حل يوم العيد، مع التسجيل أن فرحة هذا الأخير منقوصة لاعتبارات متعددة أبرزها أن الانتخابات التي جرت في نونبر سنة 1997 والتي حملت الاتحاديين إلى تجربة التناوب في مارس سنة 1998 هي انتخابات مزورة (وهذه المرة لصالح الاتحاد، حتى أن بعض المرشحين الاتحاديين النزهاء عبروا عن استنكارهم للنتيجة التي مكنتهم من مقعد برلماني لا يستحقونه!). كما أن نتائج الانتخابات أفرزت فروقا ضئيلة جدا بين الاتحاد والاستقلال. بالإضافة إلى أن الحكم لجأ إلى الاتحاد لما استنفد جميع الأوراق وكانت البلاد على كف عفريت.
مساء يوم العيد بدأ المأتم من جديد. هكذا خرجت بعض الأطر الاتحادية النزيهة من السفينة (أبرزهم الأستاذ محمد الساسي). وفي سنة 2002 بعد قبول الحزب بالانخراط في حكومة يرأسها تقنوقراطي في معاكسة واضحة للمنهجية الديمقراطية، تعمق هذا الشرخ وخرج الأستاذ اليوسفي متألما.. ولاحقا صار الاتحاد لعبة صبيان، وحاله اليوم يبكي الخصوم الوطنيين الشرفاء قبل الاتحاديين الغيورين الأصلاء!
المهم أن ما أريد إيصاله للقارئ من فكرة قد انجلى: إن مأتم الاتحاد بدأ ليلة العيد. ومأتم الاستقلال بدأ ليلة العيد. ومأتم المقاومة بدا ليلة العيد.
وليست الحركة الإسلامية بمنأى عن هذه الظاهرة الاجتماعية. فقد رأينا ما تلا الثورة النبوية من شقاق نجم عنه آلاف الضحايا. ولنا في التجارب المعاصرة أيضا عبرة.
كان المتعاطفون مع الفكرة الإسلامية متحمسين للجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين، واعتبروا ذلك معركة مقدسة. فبالفعل، يتذكر من عايش تلك الأحداث وتابعها إعلاميا الملاحم التي يجسدها المجاهدون (برهان الدين رباني، قلب الدين حكمتيار، والشهيد عبد الله عزام..) على الأرض بفضل اتقاد عزيمتهم واشتعال إيمانهم وقوة إرادتهم مما انعكس على سلوكهم فيما بينهم إذ تجد الانسجام والتناغم ساريا بين صفوفهم.  
لكن الجميع رأى وسمع عن "الحرب الأهلية" التي كانت بين إخوان الأمس الذين تحمسوا للعمل المقاوم والجهاد المشترك وتعبوا من أجل ذلك وضحوا بالغالي والنفيس. نفس السيناريو يتحقق!
في السودان. جاءت الحركة الإسلامية عبر انقلاب عسكري إلى السلطة. ما يعني أن العيد بمواصفات الصفاء والحلاوة الاستثنائية التي ينفرد بها غير موجودة في هذا المثال، لأن الطعم الخاص الذي يتميز به العيد مصدره العناء والتعب السابق (الصوم يُتوج بالفطر، والجهد المبذول في الحج يُتوج بالأضحية..). علاوة على أن الانقلابات العسكرية تحيل على عهود رجعية وبائدة، يُفترض أن البشرية اليوم تجاوزتها في عصر الديمقراطية والمؤسسات والانتخابات الحرة.
ولكن الأمر قد يكون عيدا بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان، فقد يتصور أعضاؤها وقادتها أنهم يتصدرون المشهد السياسي وهناك جيوب المقاومة تقف عقبة دون أن ينالوا نصيبهم من السلطة وتجربة الحكم، وأنهم ضحوا ما يكفي وعبأوا الناس لثلاثة عقود من الزمن ورفعوا الشعارات وانخرطوا في عمل اجتماعي غير مسبوق.. إلى غير ذلك من الأمور التي يُبرر بها الإسلاميين الانقلابيين في السودان انقلابهم. والنتيجة أن الانقلاب يُصوَر في وجدانهم على أنه عيد وحفل تتويج ومسار آخر لتحول المُثُل والشعارات إلى واقع ملموس في السياسة بعد أن تم ذلك في مجال "الدعوة" والعمل الاجتماعي..
ولكن ماذا حدث ليلة العيد.. صار الدكتور حسن الترابي رحمه الله نزيلا في السجون السودانية بين الحين والحين –وهو الشيخ الهرم- يقضيه فيها ما لم يقض في الأيام التي كان خصوم الحركة الإسلامية على رأس السلطة.
السلفيون في مصر خاضوا مع الإخوان معارك إعلامية غير قليلة لتثبيت بنود تخص وضع الشريعة في الدستور، كان التلاحم جليا بل تم إحداث هيئة تضم بعض الحركات الإسلامية أيضا (الجماعة الإسلامية، الدعوة السلفية بالإسكندرية..) للعمل على قطع الطريق أمام "العلمانيين" و"الليبراليين" الذين يحملون تصورات لا تُعير الشريعة أهمية معتبرة.
لكن الانقلاب العسكري الدموي الذي تزعمه المجرم السيسي كان بمباركة من إخوان الطريق بالأمس (السلفيون): طريق نصرة الشريعة...
وما حدث بين حزب العدالة والتنمية التركي وجماعة فتح الله غولن يؤكد نفس السيناريو. فبعد أن كان غولن الداعم الأول لأردوغان وحليفه المفضل، صار بعد تألق أردوغان سياسيا، أكبر عدو له.
وحزب العدالة والتنمية المغربي ليس بدعا من الأحزاب وليست حاضنته الاجتماعية بدعا من الحركات الاجتماعية. وكما أن لكل فرد ساعة ولادة ولحظة وفاة، وكما أن لكل حضارة عناوين الميلاد والوفاة؛ فإن لأي حركة اجتماعية ساعة صعود ولحظة أفول.. والظاهرة الاجتماعية المرصودة في الأسطر أعلاه قادمة إلى الحزب لا محالة.
الآن، دعونا نتساءل، ما الذي يحدث بالضبط؟
إنه في زمن الثورة، والاستضعاف، والاضطهاد، والاعتقالات، والمعارضة.. يكون أعضاء نفس الجماعة البشرية (الحركة الاجتماعية، أو الحزب السياسي) على التحام متين لأن العدو يجمعهم وأهداف التحرر تداعب أحلامهم. وكانوا إذ ذاك يفكرون في أمر واحد وحيد: هو طريقة حل الباب المسدود.. أما ما وراء الباب وحكاية ما يجري خلفه فالتفكير بشأن ذلك لم يتم بتعقل وتؤدة. كانت الشعارات تُرفع وكانت الأصوات تعلو بالحياة للفكرة والموت للأعداء (أعداء: الاستقلال، الإسلام، الحرية، الديمقراطية، الاشتراكية...)، أما أسئلة السلطة والتغيير والسياسات العمومية وتدبير الاختلاف و"توزيع الغنائم" و"تقسيم المصالح والامتيازات"؛ فكانت أسئلة منبوذة لأن الزمن زمن ثورة واشتعال المعنويات والمحتوى الداخلي للمعارضين حيث يترفعون عن الامتيازات والمصالح والغنائم و"حطام الدنيا"...
ولهذا بعد أن يتم فتح الباب وفتح العيون على عالم جديد من الرخاوة والترف  وحياة النعم والامتيازات والمصالح والغنائم.. يقف الإفراد الذين أعضاء فاعلين في المعارضة مشدوهين لأن إخوانا لهم كانوا يقتسمون معهم الحلو والمر يعيشون عيشة رغيدة ويتمتعون بسلطة نافذة. تخيلوا الصحابة الكرام انقسموا لما برزت قضية السلطة ومتعلقاتها من مغانم الفتوحات المترامية الأطراف والمتمادية الأبعاد؛ فكيف بمن دونهم –من المسلمين- في الورع والارتباط بالآخرة والتخفف من أثقال الدنيا..
وهكذا حين يغيب التحدي أو العدو الخارجي (الاستعمار، الاستبداد، الخصم السياسي..)، ينبعث العدو من داخل الصف.
لكن هل سلوك مسلك الشقاق والإصابة بظاهرة الانقسام، قدر محتوم على الجماعات البشرية في محيطنا؟
إن العلم والمعرفة ليس لهما دور جوهري كالانطلاق من الظواهر المتكررة التي تفضي إلى نفس النتائج لبناء قواعد تحفظ من تكرار نفس الأخطاء والاستسلام ل"غول" الطبيعة (سواء البشرية أو المادية). لهذا فوعينا بملازمة هذه الظاهرة لمرحلة معينة من مراحل نمو الحركات الاجتماعية جدير بأن يجعلنا نستبق ونتجنب أن يكون مؤداها يصير إلى مضاعفات خطيرة وآثار مدمرة ومميتة. كما أن من شأن العلم بالظاهرة أن يجعلنا نتخفف من عقدة تأنيب الضمير (الذي يلازم الفرد الغيور الحائر في الطريق السالك نحو الصواب: هل طريق هؤلاء أم أولائك؟).
إن دعوة بنكيران أبناء الحزب وشبيبته إلى العض على "المرجعية" بالنواجذ نابع –في تقديري المتواضع- من كونه يرمق أن زمن الصراع والشقاق قد اقترب، ودور الالتزام بالمرجعية أي تغليب الجوانب المعنوية (في سبيل الله، الآخرة، الجنة، الإخلاص، تجديد النية، نكران الذات...) هو القيام بعمل "المهدئات" و"المسكنات" لتمديد عمر التجربة الحزبية. وهذا عمل يؤشر من جديد على ذكاء الأستاذ بنكيران وكونه يقرأ بشكل جيد ما يجري في البيت الداخلي فضلا عما يدور من تحديات خارجية.  إنه يتغيى تأجيل "المأتم" ما أمكن، ولحسن حظه، فهو –ربما- لن يعيش سوى زمن الأعياد.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




يحكي المحامي الفرنسي (موريس بوتان) المعروف بميولاته التحررية وعدائه للاستعمار، والذي رأى النور في المغرب سنة 1928 وشهد أحداثا تاريخية هامة في فترة الخمسينات: في سنة 1955، عُين أحد القياد الأكفاء في منطقة مكناس. ولكنه أُوقف عن العمل بعد بضعة أشهر فقط، مما جعله يلتجئ إلى خدمات أبي المحامي للطعن في هذا القرار المجحف المتناقض مع نصوص معاهدة 1912. ولما استفسر أبي عن السبب في هذا القرار المزاجي، قدم له ممثل "فرنسا"، الجنرال حاكم المنطقة، هذا الجواب الذي يغني عن أي تعليق: "كيف تريدني أن أبقي عليه في منصبه؟ إنه يفكر". (موريس بوتان، الحسن الثاني.. ديغول، بن بركة: ما أعرفه عنهم، دفاتر وجهة نظر، الطبعة الأولى، 2014، ص:25)
يخيل إلي أن هذه الواقعة تنبئ بشكل كبير عن العدو الذي يرهق الاستعمار. علاوة على العدو الذي يزعج كل من يتقمص تلك الروح التي تحرك الاستعمار.
لكن ما هي روح الاستعمار، أولا؟ إنها نزعة تسعى لسلب أدوات التفكير وملكات التحليل وفرص التنوير من المستعمَر؛ كي يبقى دائما في العتمة والظلمات وكي يحتاج دائما إلى الآخر ليفكر محله ويُدبر مسائل حياته على أن يكون هو-أي المستعمَر- المنفذ المطيع. وهنا المستعمر (بكسر الميم) يحتفظ دائما بتفوقه وينتشي دائما بوصايته وينعم دائما بإمكان استغلال خيرات ومواهب مستعمَره.
لا يشك أحد في أن هناك حربا ضروسا تشنها "القوى الدولية" بتدخلاتها السافرة (سواء الناعمة أو الدموية) في شؤون أوطان العالم الثالث وبالخصوص العالم الإسلامي. وإذا فهمنا أن الروح التي تحرك هذه القوى هي ذات الروح الاستعمارية، بات يسيرا أن نفهم أن الحرب المُعلنة على العالم الإسلامي –بعيدا عن منطق المؤامرة لأن التحديات الداخلية أهم وسنخوض فيها- ليست متصلة أساسا بكون هذه البقعة احتضنت ذات يوم انطلاقة دين عظيم هو "الإسلام"، صار له امتداد في شتى الأصقاع والبقاع ويتنامى أنصاره يوما بعد يوم. كلا، فمادام هناك فهم ل"الإسلام" ينفخ روح الجمود والخمود في الناس ويولي وجهتهم نحو النوم والخمول ويسهم بذلك في تأبيد حالة التبعية والتسول والتوسل (إلى القوى الدولية) للعيش على فتات موائدها، فما أعظمه من إسلام!
أما إذا كان هناك اتجاه يميل إلى بعث فهم أصيل للإسلام يشُد الناس إلى قيمه ويصقل استعداداتهم وينير خطواتهم ويحصن ولاءهم (للعدل، للحرية، والرحمة العالمية) ويقدس ثمار تفكيرهم خاصة إذا كانت حصيلة لطول نظر وبحث وتنقيب ومكابدة وتأمل وعناء. فإن الروح الاستعمارية وهذه الروح التحررية الإسلامية لن تلتقيان.. وبينهما صراع وجود لا ينتهي إلا بوفاة إحداهما.
قد يقول قائل إن الانشداد إلى تلك القيم وشحذ الهمم وتقديس التفكير لن يتم تحصيل ذلك إلا ببعث روح فكر الأنوار. صحيح أن مضامين الفكر التنويري تحررية لامعة وإنسانية متقدة، ولكن لا سبيل إلى زرع تلك المضامين المضادة للروح الاستعمارية إلا باستنباتها في تربتنا لكي تتسلل بلطف إلى حنايا ضمائر الناس في أوطاننا. فلا تحرر هنا  إلا بالإسلام ومع الإسلام.
يشير الدكتور عبد الله العروي في عمله الأخير (استبانة) إلى أن الاستعمار الفرنسي في المغرب قد ساهم فعلا في بناء البنيات التحتية وتحديث بعض هياكل الإدارة وإرساء شبكات السكك الحديدية، لكنه لم يمس نهائيا ذهن الإنسان ليقوم بتنويره ولا اهتم بتفكيره ليتم تحديث نمطه. لماذا؟ لأن تلك هي طبيعة الروح الاستعمارية، أن لا يكون الإنسان حرا طليقا في تفكيره ولا متبصرا في تحليلاته ولا نافذا في رؤاه. وليس في صالح المستعمر نهائيا أن يلمع تفكير هذا الإنسان بمعانقة فكر أوروبا التنويري ولا فكر محمد عبده التجديدي. لأن كليهما سيحرره من قبضة الروح الاستعمارية السارية. ولكن حري بالذكر أن فكر مدرسة محمد عبده أهم –في تلك البدايات- لأنه متصل ببيئتنا ومدرك بدقة لتحدياتنا ومساهم بقوة في تصليب أخلاقنا وحركتنا. أما فكر الأنوار –هو هام في هذه المرحلة- فبالإمكان أن يُعلم الإنسان كيف يفكر أو كيف يحرر تفكيره، لكنه لن يعلمه مقتضى مضمون التفكير السليم في تلك المرحلة وهو الحزم والجدية والصلابة والتخفف من المغريات لأن المرحلة استثنائية وتتطلب ذلك.
تتخذ روح الاستعمار أشكالا أخرى. فالاستبداد والتقاليد كلها تمارس نفس الدور. أما المستبد فلا يخاف سوى من فقدان الاعتبار الرمزي والخيرات المعنوية التي ينعم بها وتُصوره كبيرا أمام الناس (وفقدان الاعتبار الرمزي مؤداه تلاشي السلطة المادية). لهذا فهو يحنق على عدو واحد؛ هو صاحب التفكير الحر المستقل والسليم الذي لا يتهور ولا يصخب ولا يُمكن خصمه من فرص مجانية بل يتأنى ويقلب الآراء ويستنطق المسكوت عنه ويطرح المسائل في إطارها الكلي.
بينما رعاة التقاليد البالية أو من يطلق عليهم "حراس المعبد" (في أي فضاء، أو هيئة، أو تجمع، أو زاوية، أو تنظيم، أو مؤسسة، أو أسرة) فلا يُكنون البغض ولا يحملون الحقد ولا يتضايقون من إنسان كما يتضايقون من الذي يفكر قبل أن ينغمس في ممارسة طقوس وجد عليها آباءه (وربما كانوا غافلين، بل أكثرهم كذلك!)، ولا يحنقون على فرد كما يحنقون على الذي يتبصر عن أوضاع محيطه ويسأل عن تاريخ مطاوي أرضه قبل أن يزكي أطروحة قومه..
لماذا كل هذا التضايق من هذا الإنسان؟
لأن المستعمر يريد تأبيد إضفاء نوع من العمى على مستعمَره. ولهذا تقف اليوم القوى الدولية التي خرجت من سلالة الاستعمار في وجه كل من يريد أن يُبصر وحيدا بدون رفقتها. فالمستعمر (وعلى دربه يسير نسله: القوى الدولية الراهنة) قد يدعك تتلمح سُبلا ومنارات.. لكن تحت وصايته وإشرافه.
ولأن المستبد يتغيى استدامة سلطته المادية ولا سبيل إلى ذلك إلا بتطويع من حوله عبر جاذبيته الرمزية. وكل من يفكر خارج هذا النسق ويسعى لتحطيم هذا الصنم ويرنو إلى إيجاد بديل أكثر جاذبية وبخصال إنسانية رفيعة يزينه التفكير الرصين؛ فذاك هو عدوه الأول إلى أبد الآبدين. باختصار؛ فهو ينازعه سلطته ورمزيته ومكانته. لهذا فالسلاح الأمضى للمستبد هو تكميم الأفواه وتغليف الحقائق حتى يشيع العمى ولا يشيع التفكير المُدقق.
ولأن خادم التقاليد، يدرك في قرارة نفسه أن ما يدافع عنه هو قضية فاشلة أساسا وأن سداها متهلهل، فهي طقوس أو أفكار أملتها عواطف زمرة من الناس في زمن ما وفي سياق ما وردا على فعل ما، وهي بذلك محدودة وتاريخية وآفلة عاجلا أم آجلا. ولما كان واعيا بأن حياته ربطها يوما ورهنها كليا لخدمة تلك التقاليد في لحظة انطفأ فيها تفكيره، فهو يحاول قدر الإمكان أن يطمس الحقائق ويغطي الشمس بالغربال و"يستعمر" فكر الذين معه حتى لا يفكروا فيكتشفوا تقادم تلك التقاليد وليشاركوه غربة الأسر الذي أوقع نفسه فيه حينما اختار أن لا يفكر. وغالبا ما يوظف خادم التقاليد قاموسا يستهدف الالتفاف على إرادة من يريد أن يفكر فيقول له: "كأنك وحدك الذي تجيد التفكير.."؛ " كأنك البطل الأول الذي سيجرؤ عن الخروج عن الذي تواضع عليه الناس.."؛ "كأنك الفاهم الوحيد..". وغير ذلك من طقوس الاضطهاد الفكري البائسة. 
من المفيد الإشارة أيضا إلى أن العابثين يعتبرون عدوهم الأول هو الإنسان الذي يفكر في العواقب والمآلات. لأن سؤال المستقبل المجهول والمصير الغامض يقتضي تفكيرا متأنيا وينتج سلوكا منضبطا. فسؤال ما بعد الموت ومنازل الآخرة وأحوال الإنسان في تلك الرحلة، سؤال يطرحه الإنسان الذي يفكر. أما العابث فيتضايق من هذا التفكير ويغلق آذانه حتى لا تسمع نداء التساؤل عن مجريات المصير ومقتضيات ذلك من العمل الطويل.
يتضح إذن أن المعركة اليوم هي معركة تنوير الأذهان وتحرير الذهنيات ليتمكن الناس من التفكير السليم المتبصر والحكيم. وأعتقد أن العمل الطلابي تلك معركته. ولا سبيل للناس لتحصيل تفكير سامق عميق إلا بوسيلتين: محاولة خوض غمار حياة غنية بالتجارب والتأملات (فالحياة كتاب مفتوح)، إلى جانب التعمق في قراءة زبدة ما جاد به العقل البشري من كتب مسطورة.
لهذا فعدو الجميع هو صاحب التفكير المستقل السليم. ولا عجب فالعداوة مستمرة ضد الإنسان خليفة رب العالمين الذي أكرمه بنفخة تحيل على فتح المدارك وتقوية نوازع التحليل والتأمل والتفكير. 

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





لما سأل صحفي أسبوعية (جون أفريك) الشهيد المهدي بنبركة والراحل عبد الرحيم بوعبيد، في الحوار الأشهر في ربيع سنة 1963، عن السيد رضا اكديرة وهل هو خصم لهم؛ كان الجواب:
"نحن أناس جديون على رأس هيئة جدية وغير وارد عندنا أن يكون خصمنا السياسي رجلا لا كيان له ولا يمثل أي شيء كالسيد اكديرة. فلا يجب أن نفسح المجال للغموض.
إن خصمنا الحقيقي هو الذي يرفض الاضطلاع بالمهمة التي هي مهمته الطبيعية أي مهمة الحَكَم (بفتح الكاف) حيث يتعين على الحكم أن يضع نفسه فوق الأحزاب ولكن الذي نشاهده الآن هو أن الحَكم تحول إلى رئيس كتلة من المصالح، ونعني بذلك الملك.
إن اكديرة ليس إلا ظله وليس له وجود سياسي خاص إلا الوجود الذي يجعل منه المعبر الأمين عن وجهات نظر مولاه. فلو ان الملك قرر غدا الانفصال عنه، فلا شك انه سيعود إلى ما كان عليه، أي لا شيء". (عبد اللطيف جبرو، المهدي بنبركة في الرباط، 1995، ص:265)
يبدو أن هذا الحوار الحاد هو الذي كان بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس وكان عقد "الطلاق" بين القصر وأقطاب الحركة الاتحادية. فبعده كانت الاعتقالات الشهيرة في يناير 1963 على إثر انعقاد المجلس الوطني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكانت أحكام الإعدام المعروفة..
لكن،  أهميته لا تكمن -في تقديري- في الإسراف في التحديد ولا الدقة في التشخيص ولا الحدة في التصعيد. وإنما المهم هو أن يفهم الشعب المعني بالخطاب وأن تعيَ الجماهير الهادرة طبيعة المعركة وأن يستوعب الحاكمون أن هناك قوى شعبية حية غيورة على ديمقراطية الوطن وكرامة المواطنين.
ولا ريب أن السيد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي نُقَدر أنه الوريث الحقيقي للإرث النضالي الديمقراطي الراشد للحركة الاتحادية في نسختها الثانية، أذكى من أن يكون غافلا عن المعركة المتجددة وأعمق من أن يستغل سيلان لُعاب الجماهير للفرجة واللهجات السياسية الشديدة. لأن كل هذا لا يبني وطنا ولا يُرسخ ديمقراطية ولا يحفظ استقرارا.
ومن المفيد التذكير بكون السياقات تختلف. ولكن من الهام أن يعرف المواطنون أن السيد فؤاد عالي الهمة الذي كان يوما وزيرا منتدبا لدى وزير الداخلية سنة 2007 ثم صار عرابا لحزب سياسي بلا طعم ولا رائحة سنة 2008، هو سليل مدرسة السيد رضا اكديرة، الذي كان ذات صباح وزيرا للداخلية والفلاحة علاوة على كونه مديرا للديوان الملكي في نفس الوقت، فأصبح في نفس المساء في مارس 1963 عرابا لحزب سياسي لا لون له ولا رسالة!
وإذا كان حزب البام في نسخته الأخيرة (حزب الهمة) قد اكتسح الانتخابات الجماعية سنة 2009 بعد أشهر من تأسيسه، فإن حزب البام في نسخته الأولى لم ينتظر أكثر من شهرين ليتصدر أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب في ماي ماي 1963. من اللازم أن يعرف المواطنون ذلك. من الضروري أن يكون هذا الوضوح في الخطاب السياسي.
وإذا كان السيد اكديرة مُصرا على معاكسة إرادة المواطنين في منتصف الستينات حيث جثم لسنوات على صدر المشهد السياسي. فإن السيد الهمة أرغمته الجماهير الشعبية الهادرة في حراك 20 فبراير المجيد بالرجوع إلى الظل وعدم البقاء –على الأقل- في الواجهة.
ولهذا خرج المدعو إلياس العُمري بهرطقاته غير المسبوقة لأنه ليس وحيدا ولأنه سليل مدرسة وحلقة من حلقات تأبيد مسلسل الاستبداد في قوالب الريع والفساد والسمسرة والتحكم في الصفقات. ولكن في أي لحظة يتقرر الانفصال عن إلياس سيصير صفرا لأن المنبثون عن الشعب لا مصير لهم سوى ذاك، هكذا يثبت التاريخ دائما.
إنهم موظفون حالما تنتهي الوظيفة ينتهون. أما خُدام الشعب فخدمتهم لا سقف لها طالما الفقر والجهل (ومختلف عناوين التخلف) وكل دواعي خدمتهم قائمة.
في هذا السياق، ينبغي التنويه إلى كون المرجعية التي يتغذى منها خطاب الأمين لحزب العدالة والتنمية تدفعه إلى تغليب منطق الحرص على الاستقرار (أن تكون رحمة على الناس) أكثر من المواجهة الحدية مع الاستبداد. لأنه حزب انحدر من رحم الشعب كانت لأعضائه هموم أخرى غير مجابهة الاستبداد؛ كانت أم المنكرات بالنسبة إليهم هي مسائل ذات صلة بالصلاة والأزياء والربا والخمر. ولا ضير في هذا. المهم هو أن تصور الجيل القائد للحزب للمنكر تطور من اعتبار الانحراف السلوكي الفردي الذي له تبعات على ذات الفرد (دنيا وأخرى) فحسب، إلى الإيمان بكون رأس المنكرات ديمومة الاستبداد لأنه أصل الداء والباعث الأساسي على تفريخ باقي ألوان الفساد والمنكرات. وكلما تدرج أفراد الحزب في مدارج السياسة كلما ازدادوا إيمانا بمركزية المعركة الديمقراطية في حلقات الإصلاح والارتقاء نحو الأفضل.
لهذا لا يمكن محاسبة الخطاب السياسي للعدالة والتنمية بميزان الشهيد بنبركة ومن معه. لأن زمن بنبركة هو زمن يهيج فيه هائج الشباب طلبا للثورة (تأثرا بما جرى في الصين والفيتنام والانقلابات في المشرق العربي..)، علاوة على كونه مرتبطا بخيبة تلُف المواطنين ذات صلة بالانتظارات والرهانات المعقودة على ما بعد الاستقلال. أضف إلى هذا كون هوية بنبركة ومن معه سياسية بالأساس؛ نشأوا فيها ومعها ولهذا اعتنقوا قضية الديمقراطية بالموازاة مع قضية الاستقلال منذ وثيقة المطالبة بالاستقلال المُوقعة في 11 يناير 1944.  وبعد، فخيار مدرسة الشهيد أثبت محدوديته –بالرغم من أهمية وضوح خطابه- ولم يُقلع إلا بعد مراجعات وثبة 1975 حيث تم استدعاء تلك الروح من جديد وتلك الهمة العالية المطلوبة في معركة النضال الديمقراطي ببصيرة متوثبة وحكمة متوقدة ورشد حاسم ونضج كبير. وهو الذي أفسح، بلا مراء، الهوامش التي يتمتع بها المغرب وراكمها إلى اليوم.
نعود إلى خطاب العدالة والتنمية. ليس من الصعب التأكد إذا ما كان واضحا في الإشارة إلى طبيعة الخصم، آخر العنقود في عائلة اكديرة، وهو خط إلياس العمري. كما إنه ليس عسيرا التبيُن من وجود عناصر داخل الحزب التي تُجسد رموزا استثنائية في توعية الجماهير، عبر خطابها وسلوكها ووفائها ونضاليتها ومصداقيتها، بطبيعة المعركة التي يدور رحاها في مغرب اليوم. كما إنه من اليسير على المراقب التقاط الروح الوحدوية التي يشتغل بها المصباح (في عمومه)، والوقوف عند الغيرة التي تغشاه بخصوص مصير الصف الوطني الديمقراطي الذي ازدحم فيه المتساقطون على الطريق.
لماذا خطاب الشهيد المهدي ورفيقه عبد الرحيم، كان قويا (بغض النظر عن الوضوح الذي يسَمه)؟ لأنه يعلم أن الملكية التي تلظت بلظى المنفى كانت تتأسى وفي نفس الوقت تعمل على إلهام الحركة الوطنية، ولهذا لا ينبغي أن تُخلف موعدها مع التاريخ في الإسهام في إرساء حياة سياسية خصبة في البلاد تنهض بأعباء البناء والخروج من عتمة التخلف. يقول الشهيد رفقة بوعبيد في ذات الحوار مع (جون أفريك):
"يجب أن لا تنسوا أننا نحن الذين أعدنا في الواقع للملكية سمعتها في هذه البلاد. وتذكروا بأنه منذ معاهدة الحماية، أي منذ 30 مارس 1912، فقدت الملكية كل اعتبار في أعين الشعب.
ولقد أعادت الحركة الوطنية منذ 1943 للملكية مشروعيتها التي كانت فقدتها، ثم قمنا بنشاط لا يفتر حتى جعلنا الملك ليس شرعيا فقط، بل شعبيا كذلك. ولقد أوصلنا ذكره إلى البيوت والمداشر.
وفي سنة 1955 كان منديس فرانس ثم إدكار فور، يقولان لنا، وهما يحاولان أن نتنازل عن شرطنا الأولي للمفاوضة شرط تحرير الملك: "ولكن لماذا تلحون في إعادة الملك إلى العرش؟". وهنا أيضا ساندنا الملكية.
ولكننا فعلنا كل ذلك على شرط كان واضحا في أذهان الجميع: هو أن ننشئ لأنفسنا ملكية دستورية يكون فيها الملك رمزا لاستمرار المؤسسات وتمارس فيها السلطة حكومة مسؤولة. ولكننا في الواقع وصلنا إلى شيء آخر. فقد منح الدستور وترك للملك السلطة الحقيقية كلها.
لا نستطيع أن نكون ملكيين أكثر من الملك، وإذا كان هناك من يحارب الملكية فهو الملك نفسه، أليس يعد تخريبا للملكية أن توضع الدولة بين أيدي أناس لا يتوفرون على أي سند شعبي؟ أليس من تخريب الملكية أن يتسلم الملك السلطة مباشرة، أي يعرض نفسه للانتقاد؟" (مرجع سابق، ص:266-267)
أن توضع الدولة بين أيدي إلياس العُمري وأمثاله ممن انسلخوا عن الشعب  (باستخدام الوسائل المعلومة للتحايل على إرادة الناخبين أو تقويض سلطة المنتخب)، فذلك  يعني أمرا واحدا وهو أن الوطن بات على كف عفريت.

...تابع القراءة

| 2 التعليقات ]




شكلت تدوينات الإعلامي نجيب شوقي حالة مثيرة للمتابعة. لا أخفي أنني وجدتُ فيها –كغيري- ما يطالب به أبناء الحركة الإسلامية -المنخرطون في العمل الإصلاحي التراكمي المتدرج- غيرهم. فغير مطلوب من الغير أن يبدل بذلته أو أن يُغير جلدته؛ إنما الأمر الوحيد الذي يُراد منه –ومن أي إنسان- هو التزام الإنصاف والموضوعية وعدم القفز على الحقائق الكائنة على الأرض وعدم التحليق في السماء وممارسة عمليات الإسقاط العمودي واستدعاء ممارسات تاريخية لمحاكمة أجيال غير مسؤولة عنها.
ما فعله شوقي هو تشغيل عقله والنظر بعمق إلى واقعه والقراءة المتأنية في تاريخ "خصومه" –كما كتبوه هم وكما كتبه غيرهم-؛ ولهذا خرج بخلاصات لا تهم تفاصيلها ولا جزئياتها، بقدر ما يلفت النظر منطقها وروحها.
إن المنطق الجديد الذي فاجأ به شوقي عائلته الفكرية في "الفايسبوك" هو ذات المنطق الذي يفاجئ به أحيانا بعض أبناء الحركة الإسلامية إخوانهم حينما يقرأون تاريخ اليسار وألوانه –كما كتبه أبناؤه- وحينما يقتربون من المقاصد الإنسانية النبيلة للأقلام –غير المنحدرة من الحركة الإسلامية- النازعة نحو القراءة العقلانية للتراث والدفاع عن روح الحداثة والاستماتة الفكرية من أجل الحرية وتقليم أظافر الوجه التقليدي الديني للسلطة.
إن أكبر مصيبة ابتلينا بها –بعد الإيديولوجيا العمياء- هي الجهل. فكل من يفكر خارج سرب قبيلته ويحاول التماس العذر لمخالفيهم وإيجاد نقط التماس مع من يُصنفون ضمن خانة "الغير"؛ كل من كان كذلك فهو محظوظ من ناحية الدراية المعمقة  بتاريخ "غيره" والمعرفة الحقيقية بفكره ومقاصده. وإذا كان الأستاذ محمد عابد الجابري –مثلا- من هؤلاء فلأنه  قرأ إرهاصات ميلاد الحركة الإسلامية وفهم –انطلاقا من التفسير الجدلي للتاريخ- أنها إفراز طبيعي للتاريخ وللزمن الثقافي المغربي، وعبر عن مواقف مشرفة ومعتدلة ومنصفة منذ سنة 1983 عبر بحث شارك به في تونس.
والعكس صحيح.
وليست تدوينات شوقي فحسب هي المثيرة، وإنما الإثارة تمتد إلى مضامين الردود عليها من طرف عائلته الفكرية. لم يغفر لشوقي أنه باق على عقيدته أو أنه ملتزم بتيار الوفاء للديمقراطية. وإنما استحال مغتربا بين أقاربه، لا لشيء إلا لأنه كان موضوعيا وقال مقاله بعدما استنطق حال الأوضاع في وطنه ورأى الحركات الاجتماعية المؤهلة لدفع عجلة الانتقال الديمقراطي المتباطئة والتي تعرضت للعرقلة مرات ومرات منذ الاستقلال.
لم يفت كثير من أقارب "شوقي" أن يعبروا عن مرويات –يكررها اليسار عموما- والتي مفادها أن قوى الظلام لو أتيحت لها الفرصة لعملت في المغرب عمل "داعش" في العراق والشام ! لم يفتهم أن ذكروا بأن قوى الظلام –والمقصود بالنعت خط العدالة والتنمية- هم من أدخل العنف إلى الجامعة وهم وحدهم أهل العنف والإرهاب وأنهم أمراء الدم دون غيرهم.. لم يفتهم أن يلتقطوا أي حادث وأي كلام دون تبيُن ودون تثبت ودون استبصار.
شوقي يجيب وهو واثق من منطقه الجديد –على الأقل إلى حدود هذه اللحظة-؛ ينصح تارة زملاءه بقراءة كتابات الدكتور سعد الدين العثماني والدكتور أحمد الريسوني ليفهموا مواقف "قوى الظلام" من الحرية والديمقراطية والفن.. وتارة أخرى يُذكرهم بأنه مناضل عرف ساحات النضال وعارك فيها وعركته؛ كان في الجامعة لخمس سنوات فعرف أن عائلته اليسارية القديمة كانت متورطة في أحداث عنف، كما أن أبناء الحركة الإسلامية غير بريئين منه ! وكان في طليعة الحركة الشبابية الفبرايرية، فعرف أنها حلم جميل لكنه بدون جذور ولا تأسيس (معرفي) متين !
شوقي يقول لهم بين الحين والحين الخلاصة المركزية التي خرج بها من متابعة ردودهم وملاحقتهم لتفاصيل هامشية يدركون في قرارة أنفسهم أنها بدون معنى (مثلا، إتدوينة عمر الصنهاجي غير الموفقة)؛ إنهم بهذا مثار شفقة لأنهم فقدوا القضية وباتوا أضحوكة وبتعبير آخر لم يترك لهم الصراع السياسي مع "البيجيدي" -على المواقع- فرصة للتفكير في تطورات "البيجيدي" وبنيته الفكرية وعمقه الاجتماعي. 
لكن رغم ذلك، لا ينصتون ! ويبقى الفرد الذي لم يعتمل في داخله القلق الفكري ولا فكر يوما أن رأيه يحتمل نسبة من الخطأ يُراوح مواقفه الجامدة. لكن عموما عدم التفكير في إيجاد نوافذ لتنفس هواء تحليل جديد أو فكر منير قد يكون مقبولا.
أما الإتيان بكلام من قبيل (الديكتاتورية أهون من بنكيران)، كما قال أحد المعلقين على إحدى تدوينات شوقي، فلعمري، فإنه سلوك غير قابل للتوصيف..
إنه الاستعداد للتحالف مع الشيطان ضد بنكيران، وذلك أمر يقف عند حدوده العقل ويسقط القلم !
هكذا، فالإيديولوجيا إذا اقترنت بالجهل لن تفرز سوى كارثة جاحظة العينين !  أما تخفيف حدة الإيديولوجيا فذاك أمر عسير لأنه رهين بتغيُر الوسط والمحيط وتنويع المقروء وتوسيع دائرة المعارف والمطالعات. ولكن المعرفة لا تُكلف الإنسان  كثيرا؛ أن يجلس المرء ليسبر أغوار التاريخ علاوة على فهمه على ضوء قراءة علمية تستحضر سننه والجدل الذي يستبطنه، أمر لا مندوحة عنه لفهم الواقع المعيش.
كنت عازما على إعداد نقط لتُشكل أرضية في موضوع (المشكلة الثقافية في أوطاننا)، كلفني به الإخوة قصد عرضه في المخيم الصيفي. ووجدتُ ردود الأفعال المُعبر عنها من طرف عائلة منحازة –كما كنت أتصور- لقيم التسامح والاختلاف والحوار والنسبية والنقد والنقد الذاتي- على تدوينات قريبهم؛ أرضية خصبة صالحة للانطلاق منها لفهم طبيعة مشكلة الثقافة في وطني.
لكن.. هذا جانب فقط من مشكلة الثقافة. والجانب الآخر يتعلق بأزمة العقل المسلم (أي أزمة مرآته ونُخبه: الحركة الإسلامية وخطوطها)، كان الدكتور المتميز الطيب بوعزة قد أشار إلى –بعض عناصرها- في كتابه البكر (مشكلة الثقافة في الوطن الإسلامي) المنشور سنة 1991، ومازالت امتداداتها مستمرة إلى اليوم.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




غالبا ما نتخذ مواقف نهائية من الأشخاص أو من الهيئات انطلاقا من "الاسم" الذي تواضع لفيف من أهل القلم والإعلام على إطلاقه عليهم. فتجد المرء تسيل لعابه وتنتفخ أوداجه لأنك ذكرتَ -في معرض الاتفاق- رأيا قال به من أُطلق عليه أو أطلق على نفسه تسمية "علماني". فبمجرد أن يحمل الشخص لقب "علماني"، فإن الحذر من أي رأي يقول به من أولى الواجبات. ولنفرض أن رأيا –كان ثمرة طول بحث ونظر- تطابَق مع قول لحامل اسم "علماني"، فهو تأثُر منبوذ بمن لا يُرجى في كلامه إلا سب الملة والدين وإقصاء الشريعة وتدنيس السياسة. 
 بالمقابل أصبحت تهمة "السلفية" كفيلة بكيل الشتائم وأقذع النعوت لمن صدرت في حقه.
أصبح "السلفي" في مخيال الكثيرين مخبولا يكره الحياة ولا يستمتع باللحظات ولا يقترب من جو المرح والأفراح.
أما آباء "السلفية" المعاصرة؛ فهؤلاء لا نسمح لأنفسنا –معشر "التقدميين"- أن نقرأ سيرهم أو نتلمح مستملحات من حيواتهم لأننا نظن أن لا خير فيها مادام أصحابها  يتشبثون بالماضي. والماضي لا تنوير فيه، ولا نبل بين أهله، ولا إنسانية تسري بين سكانه، ولا تسامح يشيع في صفوفه. فلا فائدة من قراءة حياة هؤلاء "الآباء" والاطلاع على تجارب قادة عمليات تعطيل التحاقنا بالركب وتأبيد تأخرنا التاريخي.َ
كنت ذات يوم من الطائفة الأولى, والآن لا ينبغي أن نكون ضمن الطائفة الثانية. لأن الطائفتين معا أُصيبتا بمرض عضال هو "شيطنة" الإنسان واختزاله إنسانيته في معتقدات يعتقد بها.
والمشكلة أن هذه المعتقدات –في كثير منها- قد تسللت إلى ذهنية الإنسان وبصمت تفكيره بدون أن يختار ذلك. فالآراء التي يسوقها الناس غالبا ما تكون مطبوعة بطابع المحيط والوسط والبيئة والظروف والمعارف.. وغير ذلك من الأمور التي تصوغ الإنسان بدون استشارته! (وخُلق الإنسان ضعيفا).   
كان العلامة ابن الباز رحمه الله من أعلام السلفية الكبار. ولا شك أن الانطباع عنه سلبي. لكن الاقتراب من حياته يومئ أن تحت هذا الاسم (إنسان) وديع، هادئ، حليم، متسامح وجواد كريم.  
نقتبس من سيرة الأستاذ سلمان العودة (طفولة قلب) التي صدرت سنة 2011 بعض إلماعات ابن الباز  الإنسانية. وقد يطعن البعض في هذه الشهادة مشيرا إلى أن القنافذ لون واحد و تدافع عن بعضها البعض. غير أن هذا اختزال فج وينم عن كسل فكري رافض لفهم التحولات التي يشهدها الناس. فالعودة كان يضيق بالٍآراء الأخرى ويعتبرها مُغردة خارج السرب في بداياته (وكتب كتابا في هذا الصدد يرد فيه على الشيخ محمد الغزالي وكتابه "السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث")، لكن العودة تقدم في مسيرته الفكرية وأصبح أفقه واسعا ومستوعبا. 
يقول العودة عن ابن الباز: رجل بسيط، بعيد عن التكلف، واضح العبارة، قريب المـأخذ، عظيم الفقه بالحياة وتجاربها، عميق الإدراك لقاصد الشريعة العامة.
لا يظهر عليه الحماس الشديد لما يراه، وقد يقرره بهدوء وسكينة، وإن اعترض معترض وكان في الأمر تردد أظهر التجاوب.. وقال: الأمر محتمل..، والله أعلم..، وما ذكرته ممكن..، وهو محل نظر.. يُتأمل.. يُبحث.. وقد يطلب من بعض الحاضرين مراجعة المسألة وبحثها.
فإن كان الأمر واضحا ولا إشكال، رد على المعترض، وقال: هذا غلط..، هذا لا ينبغي..، ليس بصواب..، وقد يقول: هذا غلط..، الناس عنده سواسية، حدث أن دعا الرئيس الفلسطيني على غداء، وحين حضر ومن معه، ظل الشيخ منتظرا.. أين فلان الفتى الكويتي الذي زارنا بالأمس ووعدنا بالحضور؟ أين الشيخ فلان؟ أين الموظف فلان ؟  حتى ازدحم المكان بالمدعوين.
ثم أقبل على الرئيس عرفات يحادثه، ويسأله ويدعو له ولشعبه بالنصر، ثم ظل ينتقل إليهم واحدا واحدا، ويسأل الشاب عن أهله، وعن دراسته وعن طريقه.. عفوية تامة، وصفاء وحسن نية، وملكة هائلة في استيعاب الناس جميعا دون تكلف! (ص:145)
قلائل هم أولئك الذين يحتفظون بنفسية سليمة هادئة، بعيدة عن التعقيد والإشكال، وهو من هؤلاء القليل.. لا كآبة ولا توتر، لا قلق، ولا حالات عارضة؛ إلا بد للبشر منه، هو نموذج للصحة النفسية حين تساعد صاحبها على تجاوز المواقف الصعبة، ونسيان الإساءة، واستيعاب الآخر، وحل المعضلات مهما تشابكت.
يتحدث الكثيرون عن حفظه وذاكرته وهو كما يقولون... ويجد آخرون عبرة باستنباطه، واستخراجه للفوائد؛ وهو كذلك.. ويثني أقوام على  عبادته، وهو عابد، رقيق القلب، سريع الدمعة.. وتطري فئات كرمه، وهو من الأجواد الذين لا يجدون للمال معنى إلا في إنفاقه..
وهذا كله جزء من شخصيته غير أن محل نظر صاحبنا هو سهولة شخصيته، بعدها عن التكلف، وعفويتها وقربها الفطري من الناس جميعا، حتى يقتنع كل من حادثه أو جالسه أنه واضح وضوح الشمس، لا يخفي شيئا، ولا يضمر شرا، وما في قلبه يبوح به لسانه، دون أن يكون هذا غلظة أو جفاء أو قسوة، كما يقع للآخرين، أو أن يكون غفلة وسذاجة كما يحلو لقوم أن يقولوا  يعبروا، بل هو الرفق والسماحة والسكينة التي لا تفارق مجلسه،  حتى في الحالات الصعبة والأخبار المفاجئة؛ تجده يسبح ويحوقل، ثم يحتسي فنجان قهوة، ثم يسال بهدوء.. (ص:146)
إننا نحتاج إلى تعميق إيماننا بالإنسان وإلى إبراز اللفتات الإنسانية الطيبة لكل الأعلام. فكما كتبنا هنا يوما عن إشراقات "ماركس" الإنسان  فاليوم لا نجد غضاضة في العمل ذاته مع  "ابن الباز" الإنسان.
يكفي أن نفهم أن ماركس لن يكون كما كان لو كانت ظروف ألمانيا مغايرة أي لو كانت غير مسبوقة بالثورة الفرنسية السياسية والثورة الصناعية في إنجلترا. وقد يكون "ابن الباز" غير الذي كان لو عاش في أرض أخرى غير شبه الجزيرة العربية.
أعرف أن التوتر كبير ضد "آل سعود" ومواقفهم وسلوكهم السياسي. ولا أخفي أنني ضد الظلم والظالمين والاستبداد والمستبدين وضد فقه الطاعة الأعمى وضد الأغطية الدينية للفساد. لكنني لست ضد الإشراقات الإنسانية التي يتمتع بها من قدر الله أن يُخلقوا على أرض الحجاز؛ بل هي دروس وعبر أتعلم منها وينبغي أن ألزم نفسي بالاقتداء بها تماما كما أستفيد من دروس عصر الأنوار وأهله ! 


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





من يتأمل في حركة التجديد والمراجعة والنقد الذاتي التي يشهدها الإنسان سواء كفرد أو كجماعة (تجمع بشري، تنظيم حزبي، حركة اجتماعية..)، فإنه سيخلُص إلى نتيجة واحدة وهي أن المتغير الأبرز والدافع الأكبر لهذا التغيُر الطارئ (في المواقف، في الوسائل، في الهياكل..) هو درجة استحضار الواقع الموضوعي. هكذا يبدو أن أخطاء الإنسان وسوء تقديراته مردها غالبا إلى ضعف إدراكه للواقع الذي يتعاطى معه أو إلى تغاضيه عن معادلاته (في حالة إدراكه).
وإذا فحصنا معظم "المواعظ" التي يلقيها الناس على بعضهم البعض فإن محورها الثابت هو: "كن واقعيا.."؛ "الواقع يتطلب كذا.."، "ينبغي أن تراعي مؤهلاتك وحدود إمكاناتك في الواقع..". حتى الشاب "المنحرف" (في عُرف المجتمع وليس بدلالاته السوسيولوجية)، أي الذي يدمن على المخدرات ويتهاون في دراسته ويُضيع أوقاته فيما لا يفيد، يكون مدخل النصح الموجه إليه هو أن الواقع مُر والحياة صعبة ومادام الإنسان لم يُشمر على ساعد الجد في شبابه فإنه لن يحصد سوى الأشواك والمآسي والعذابات في المراحل اللاحقة من عمره.
بل حتى التوجيه المقدم للمتهاونين في تفعيل مقتضيات الإيمان بالدين في سلوكهم لا يخرج عن هذا التصور. فالناصح ينطلق من رؤية تفيد أن "جهنم" أمر واقع لا محالة إذا تم الانفكاك عن عرى الإيمان وتم الابتعاد عن توجيهات الرحمان. ولهذا يدعو "الناصح" صاحبه إلى استحضار هذا الواقع "الأليم" في حال الاستمرار في معصية رب العالمين.
هنا، إذن، يتم استحضار الواقع لردع الإنسان (وسلبه حريته الطبيعية) لكي يخدم واقع "المجتمع" أو واقع "الدين".
لكن من جهة أخرى، أصحاب التصور الطبيعي لحياة الإنسان هم أيضا، وبلهجة أقوى، يلعبون على وتر الواقع الموضوعي للإنسان أي ما تنطق به طبيعته للدفاع عن حقه في المزيد من التحرر من القيود الموضوعة على رقبته.
فخط "الحداثة" (المدرسة الليبرالية) إنما جاء للمرافعة من أجل إنسان بفكر متحرر  وجسد منعتق. والمؤمنون بهذا الخط حينما ينكرون على الذين يُضيقون على حرية الإنسان إنما يشيرون أساسا إلى أن الوقوف ضد "واقع" الإنسان (أي طبيعته) لا ينتج حتما سوى الانفجار. وفي المسألة الجنسية، على سبيل المثال، يوردون نماذج تدل على حد تعبيرهم على أن الضغط على حرية الإنسان (ونزوعه الطبيعي والتلقائي) ينتهي باحتقان الوضع الاجتماعي؛ مثال السعودية وإيران حيث تعلو نسب الشذوذ وزنا المحارم في ظل مظاهر توحي بالحشمة والعفة والحياء.
ولهذا فأصحاب هذا الخط يدعون أساسا إلى الاعتراف أولا بطبيعة الإنسان (أي واقعه كما هو)، قبل الحديث عن شيء آخر. أو بتعبير آخر، قبل الكلام عما ينبغي أن يكون، لا بد من الانصراف إلى ما هو كائن.
حتى في خطاب المدرسة الأخرى (الاجتماعية-الاشتراكية) التي تُشكل طيفا بارزا من أطياف خط الحداثة؛ نجد أن الدعوة كلها تدور حول أهمية استحضار واقع الإنسان الموضوعي مع لفت الانتباه إلى الأضرار الاجتماعية الناجمة عن عدم الاكتراث بواقع الاستغلال والجوع والبؤس والفقر والحرمان (الصراع المكشوف، حرب أهلية، ثورة شعبية..).
حتى الصراع القديم والمتجدد، على مستوى الفكر الفلسفي، يدور كله حول "الواقع" ودرجات القرب منه ومقدار استحضار عناصره. وما "المثالية" سوى المذهب الذي يتغاضى عن الواقع ويحلق على سيرورته ويغفل عن صيرورته ويكتفي بالتجريد و"الفكر" والاعتقاد بأن (كل ما هو عقلي فهو واقعي، وكل ما هو واقعي فهو عقلي). وما "المادية" سوى الوقوع في الواقع والانطلاق من الطبيعة (طبيعة الإنسان والمجتمع؛ أي واقعهما الموضوعي) ورؤية العالم من خلال ما تنطق به.
بل ما مشكلة الإيديولوجيا –أصالة- سوى الغفلة عن الواقع والقفز على معطياته.
إن كل الدعوات "التنويرية" و"التجديدية" من أقصاها إلى أقصاها، من أعنفها في مواجهة التراث والماضي إلى أرحمها بالسلف، لا تتحرك سوى في درجة استحضار الواقع وزاوية النظر إليه.
 مثلا، لنأخذ فكرة فصل الدين عن السياسة؛ ما هو منطلقها (غير الإيديولوجي)؟ إنها فكرة منبعثة من أن استكناه الواقع والإنصات لنبضه يقول بأن الناس في ميدان السياسة يتصارعون على المصالح ولا يستصحبون معهم العقائد في هذا الصراع؛ لأن صراع المصالح هو قابل للتدبير بأدوات سلمية حضارية أما صراع العقائد فما مؤداه سوى العنف والاحتراب والتشظي والتمزق. لأن الإنسان من الصعب عليه أن يتخلى على عقيدته وأن يؤمن بعقيدة الآخر مهما بدت له سليمة لأن الاعتقاد تحكمه أمور نفسية عاطفية غير مُعللة رهينة بمحيط الإنسان وبيئة نشأته. في المقابل؛ الإنسان بإمكانه أن يدخل في مساومات وأنصاف الحلول لتبادل المصالح مع الأطراف الأخرى.
هكذا نَلفي كل الخطابات التي تحمل اسم "ثورة" أو "تجديد" أو "تنوير"، في أوساطنا، إنما هي داعية إلى الخروج من واقع التأخر التاريخي عبر بوابة "عدم القفز على الواقع". ومن ذلك أن الواقع يقول أن الغرب تقدم لأنه سلك هذا المسلك؛ فما علينا إن كنا نريد لنا موقعا بين الأمم سوى أن نستنهض الهمم لنقتدي بذات خطوات الغرب. فالواقع يقول هذا المقال!
ولهذا أيضا نجد جميع هذه الدعوات تخاصم "الإيديولوجيا" وتخصص مجهودات فكرية جبارة لتقريب هذا المفهوم من بني جلدتنا. لأن الإيديولوجيا، باختصار، تمَحُل صادر من الإنسان لفك التعارض بين ما يدور في واقعه الذهني وما يدور في العالم الخارجي (عبر آليات التفسير "المشوه" للتاريخ، تغييب حقائق وتضخيم أخرى...).
ومن المفيد الإشارة، في هذا السياق، إلى كون الحركة الإسلامية وما تعيشه من مخاض المراجعات راجع إلى ارتقاء درجة ارتباطها ومعالجتها للواقع. وهنا تكمن إضافة مالك بن نبي (ورواد مدرسته: جودت سعيد، خالص جلبي..) للفكر الإسلامي المعاصر والتجربة الحركية في مختلف الأقطار التي اهتمت بفكره. فقد أضاف مالك بن نبي –يقول راشد الغنوشي- بُعدا آخر إلى تكويننا هو البعد التاريخي الاجتماعي، أو البعد التحليلي للظاهرة الاجتماعية والسياسية والتاريخية، فلم نعد نتعامل مع نظريات إسلامية، مثل المرأة في الإسلام أو الاقتصاد في الإسلام أو الحكومة في الإسلام كما هو سائد  في الأدبيات الإسلامية، وإنما أصبحنا نتعامل مع واقع المسلمين سواء الواقع القائم الآن أم الواقع التاريخي، على ضوء مفهوم الحضارة والتخلف والعدل والظلم والديمقراطية والديكتاتورية وليس فقط على ضوء الإيمان والكفر. (راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، الطبعة الأولى، 2001، ص:75)
لكن؛ ما هي حدود فكرة عدم القفز على الواقع؟
سيكون من العبث الوقوف ضد فكرة "عدم القفز على الواقع"؛ لأن كل فرد تثبت تجربته بأنه بمقدار ما يزيد من درجة الاستجابة -الإيجابية والجادة- للواقع الذي رصده من حوله وفي محيطه بقدر ما يرتقي في سلوكه وتعامله وحياته.
لكن ثمة ملاحظة جديرة بالانتباه. أين التحدي؟ إذا كان الإنسان لا ينبغي أن يتمرد على غرائزه ولا ينبغي أن ينكر اتجاه أحاسيسه ولا ينبغي أن يصادم واقعه؛ فالنتيجة أن الحياة تبدو سهلة مُيَسرة وأن علامات الترهل في طريقها لغزو إدراك الإنسان واحتلال قواه.
فالإنسان، تقول طبيعته وينطق واقعه برغبته في راحة مستديمة. إنه لا يميل إلى التعب والمعاناة وبذل الوسع وإفراغ الجهد؛ فإذا خُير بين العمل براتب والراحة براتب لاختار حتما الراحة (قد يقول قائل العكس. لكن دعك من التفكير والوعي والتعقل، واستنطق طبيعتك (أي واقعك) فقط: إلى أي جهة سيميل؟).
أمام هذا الوضع؛ لن نجد العاملون في مكاتبهم والغاطسون بين الكتب والصفحات والمُنقبون في الأفكار المفيدة الكفيلة بتطوير حياة الإنسان. كما أننا لن نجد العاكفون في مختبراتهم المعتكفون على فهم خلية من الخلايا أو حشرة من الحشرات أملا في استخلاص مضاد حيوي يُقوي مناعة الإنسان. كما أننا لن ننظر إلى مخترع عازم على السهر الليالي الطوال من أجل الإتيان بما يُرفه حياة الإنسان.
إن الاستكانة للواقع هنا تكمن خطورتها. لأن ما نغفل عنه دائما وما ننساه في كل لحظة؛ هو أننا في مرحلة تاريخية تقتضي التعب والبناء والكدح لتوفير الحاجيات وتحقيق الاكتفاء الذاتي قبل التفكير في الكماليات والمُرفهات. الغرب قد يكون معذورا في رفع شعار "الاستكانة للواقع" (رغم ما له من تداعيات على المدى المتوسط والبعيد خاصة على مستوى ضرورة تجديد وسائل الحياة والترفيه لأن الإنسان يمَلُ بسرعة وينجذب نحو الجديد) فهو قد أغلق قوس  مرحلة البناء منذ زمن.

إننا ينبغي أن نكون ضد نزعة "القفز على الواقع" والاكتفاء بالتحليق في عالم المُثل لأن ذلك يمنعنا من أن نبدأ البداية الصحيحة ويحول بيننا وبين الوجهة السليمة القاصدة. وبالقدر نفسه، ينبغي أن نقف ضد السعي نحو "الوقوع في الواقع" والبقاء في أسره. وتلزمنا كما يقول المقرئ أبوزيد –نقلا عن ابن خلدون- الاستماتة لأننا في مرحلة نهوض.. لكن باستبصار !


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يشكل الصراع بين الحركة الوطنية (بمفهومها التاريخي) والحركة الأمازيغية (التي نعتبرها أيضا حركة وطنية كبيرة)، أحد أهم الصراعات الكائنة في المغرب المعاصر حول الهوية. فالحركة الوطنية يُؤَرخ لعقد ازديادها بالانتفاضة الشعبية ضد  ظهير 16 ماي 1930، ما يعني أن مبرر ميلاد الحركة الوطنية (بالمفهوم السياسي المعروف) كانت له صلة وثيقة بالمسألة الأمازيغية (بغض النظر عن كيفية مقاربة هذه الصلة). كما أن الحركة الأمازيغية لم ترى النور إلا بعد الاستقلال بعشر سنوات أي بعدما تبين لمثقفين وجامعيين وطلاب أن أحد أركان الهوية المغربية طاله الحيف والتهميش من طرف من تصدوا للحكم بعد الاستقلال وكانت تقصد أساسا الحركة الوطنية (رغم أن بالإمكان التساؤل عن من كان في الحكم؛ هل الحركة الوطنية أم القصر و"الفديك" وجماعة أوفقير ورضا كديرة !).
وفي هذا الإطار يعتبر "علال الفاسي" هدفا دائما للأجيال الدائرة في الحركة الأمازيغية، التي تنطلق من رؤية مفادها أن علالا باعتباره زعيما كبيرا من زعماء الحركة الوطنية الذين يتمتعون بتكوين تقليدي "سلفي"من ناحية وباعتباره من سلالة أسرة فاسية منحدرة من الأندلس كانت لها روابط مع السلطة من ناحية أخرى؛ هو العدو اللدود للأمازيغية والأمازيغ.
وبالرجوع لمحاضرة الأستاذ فكري الأزراق (حزب الاستقلال والريف) الملقاة يوم 09 أكتوبر 2010 بميضار، والمنشورة في الأنترنت، يمكننا أن نفهم أكثر الدواعي التي تدفع قطاعا معتبرا في الحركة الأمازيغية إلى الهجوم على حزب الاستقلال وزعيمه. (1)
لم يثرني في مضمون المحاضرة أي معطى يمكن أن يدين علالا بشكل قاطع باستثناء حادثة نقلها الأستاذ الأزراق من مذكرات عبد الله الوكوتي (وبالمناسبة فالأستاذ الوكوتي كان رئيسا للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في أيامه الأولى)، وقعت أثناء زيارة علال الفاسي إلى وجدة. وملخص هذه الحكاية أن  ميمون كرموس كان من المعتقلين أثناء زيارة علال الفاسي (باعتباره أحد المتمردين على حزب الاستقلال!)، وفي صباح يوم أخرج من معتقله وهو في حالة من التشويه الجسمي نتيجة لآثار التعذيب، ثم كبل من يديه وراء ظهره ووضع في سيارة جيب، وربط بالسلاسل مع كرسي السيارة في المؤخرة وذهب به إلى العمالة، وأخرج من السيارة وأدخل العمالة، وسط الحشود البشرية التي كانت مصطفة على قارعتي الطريق، جاءت لتوديع علال الفاسي، وأجلس هناك في بهو العمالة على كرسي، وإذا بعلال الفاسي يخرج مع عمرو احميدوا من مكتبه، مع البطانة ويتجهون نحو الأخ ميمون كموس ، ويقفون على رأسه هنيهة ويمعنون فيه النظر، ثم يذهبون إلى السيارات الواقفة في الشارع وسط كوكبة من الدراجات النارية التي كان من المألوف أن ترافق علال الفاسي أثناء تنقلاته أيام كان العمال كلهم تابعين للحزب. ركبوا السيارات، ركب علال سيارته مع العامل، وكانت سيارة جيب وضعت وراء سيارة علال لإثارة الإنتباه في الوقت الذي يكون فيه الجمهور يركز نظرته نحو سيارة علال الفاسي، يلفت نظره هذا المنظر الغريب، فيتساءلون وكان المسيرون الحزبيون الذين انبثوا وسط الجماهير على علم ليعطوا درسا لهم في الموضوع وليقولوا لهم أنها عقاب للمتمردين على الحزب.
تحرك الموكب، وتحركت -جيب- وراءه، ويقول الأخ ميمون كموس وبدل أن تسدد الأنظار نحو علال الفاسي كانت مسددة نحوي، ومررنا من تلك الحشود التي كانت مكتظة بشوارع وجدة، ووقع نفس الشيء حين وصلنا بني ادرار، ثم أحفير، ثم الركادة، وأخيرا وصلنا أبركان، وفي أبركان ، المحط النهائي للزيارة، دار الموكب في الشارع الكبير ثم وقف أمام ساحة الدائرة، ليقدم لعلال الفاسي التمر والحليب وتعطى التعليمات لسيارة جيب بأن تواصل جولتها في الشارع الكبير مرتين، وبعدها أرجعت إلى المعتقل، ومن هنا –يقول الأخ ميمون كموس- كنت أنا الزعيم، كانت أنظار الجمهور متجهة نحوي” وهذا فقط نموذج مصغر لما كان يقوم به الحزب الديكتاتوري ضد كل من عصى أوامره، وهذه الشهادة لا تحتاج إلى تعليق لأنها توضح بنفسها مدى الحقد الذي كان يكنه علال الفاسي وأتباعه لكل من كان خارج دائرتهم. (1) 
بصدق لم أفهم جيدا ملابسات الحادثة، وبالإمكان أن أعود لاحقا إلى مذكرات الوكوتي مباشرة وغيرها من المراجع للتدقيق فيها. غير أنني أشير إلى أن هذه الحوادث أقصى ما يمكن أن يُدين علال بالعنصرية تجاه الأمازيغ (من الريف). وطبعا معلوم من المعطيات المذكورة أن الحديث كان عن تمرد ضد الحزب أي أن المسألة فيها صراع سياسي ليس ضد الأمازيغ لأنهم أمازيغ فرُب متمرد (فاسي) على حزب الاستقلال، هل سينجو من العقاب لأنه (فاسي-عربي!).
ما أريد الوقوف عنده في هذا المقال، هو أن قراءتنا المكثفة لنصوص علال وحياته تبين أن الرجل ليس عنصريا. صحيح قد تكون له مواقف تجاه الامازيغية لا أتفق معها. ولكن التحليل الحصيف يفضي إلى كون الإنسان لا يفكر خارج محيط نشأته وملابسات الوسط الذي نما فيه (فكريا واجتماعيا)، ولهذا فعلال وجد نفسه في وسط أسرة فاسية ذات أصول أندلسية في مدينة يقل فيها الناطقون بالأمازيغية بالمقارنة مع باقي المناطق التي تصل إلى مائة بالمائة، وطبيعي أنه لا يعرف الأمازيغية ولا يستشعر ذات مشاعر الأمازيغي الذي يشع وجدانه بما بثه فيه محيطه بغلاف لغته الأم. كأننا نطلب من إنجليزي أن يقول ذات مواقف الفرنسي في الفرنسية وهو ناشئ في فضاء في فرنسا يتكلم فيه من حوله الإنجليزية ودرس في مدارس خاصة بالإنجليز.
يكفي علالا أنه كان مؤمنا بقوة الأرض وعدم التمييز بين الناس بناء على الجنس أو اللغة أو الدين. يقول في (النقد الذاتي، الطبعة الثامنة، 2008): إن قوة  الأرض أعظم القوات تأثيرا وأقدمها تاريخا، كما أنها أقوى صمودا من قوة الدم،؛ لأن تغيير القوة الأرضية يحتاج لآلاف السنين بينما تغيير قوة الدم يتم في أقرب الأوقات. والفكرة التي تتكون من التمسك بالأرض واعتبارها من مظاهر اتحادها مع النموذج النفسي هي التي نريد من الفكر الوطني.
توحيد الأرض بالنموذج النفسي وتوحيدهما معا بروح العصر، ذلك هو التفاعل الإنساني الذي تمتزج فيه مادية الأرض بروحانية الإنسان فيصبح الكل عبارة عن فكرة مجردة هي فكرة الوطنية الصحيحة التي لا تعتبر الناس بناء على ما بينهم من فوارق الجنس واللغة والدين، وإنما تعتبرهم بحسب ما يمكن من الاتحاد بين نموذجهم الشخصي والوطن الذي يعيشون فيه. ص:110.
وبخصوص ما يُقال عنه بأنه ذيل للقومية العربية في المغرب وأنه يحب العرب الأجانب ويكره الامازيغ بني جلدته، فإن نصوصه تحبل بكون ولائه هو للإسلام وأنه بدوره يُثرب على العرب الذين يعتبرون أنفسهم شعب االله المختار ويناقش السوريين الذين يحملون هذه الدعوى. ويحلل هذا الأمر، قائلا: وأما هذه الطائفة من الأمة العربية التي رأت طغيان "إسرائيل" عليها، واستبدادها بالبلاد المقدسة دونها، وحيرتها في مقاومتها لضعف مقاومة العرب وافتراق كلمتهم. فحملها ذلك على أن تقلد الإسرائيليين في دعاواهم أنهم شعب الله المختار وأنهم أفضل العالمين، فزعمت هي الأخرى، أن العرب كانت قبل الإسلام أمة عظيمة من أرقى شعوب الأرض، وأن كونها من خيرة الأمم أو خير الأمم على الإطلاق هو الذي أعدها لأن تتقبل نبوة الرسول العربي فيها. مع أن الحق بخلاف ذلك فالعرب ناس كالناس، ولولا أ محمدا داءهم من ربهم فعلمهم الإسلام وآدابه لظلوا في عمايتهم يجهلون، وإذا كان لهم فضل على الناس فهو في انبثاق النبي محمد من بينهم وقيامهم بتأييده وحماية دعوته مثلهم في ذلك مثل غيرهم ممن يقوم بنشر دعوة الإسلام والذود عنه من أي جنس كان. ولقد وقعت بيني وبين بعض المفكرين المسلمين في سوريا مجادلات في هذا الجانب. والحق أنه لا فضل لجنس على جنس ولا لعنصر على آخر إلا بالتقوى وبما قدمه للإنسانية من عمل وحضارة.  (علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي، سلسلة كتاب العلم، الطبعة الأولى، 1990، ص:47)
قد يعترض معترض على هذه النصوص مشيرا إلى أن البون شاسع بين الفكر والممارسة. أولا، الذين يتهمون علالا فهم يتهمون العنصرية الكامنة في فكره قبل أن ينتقلوا إلى نسبة ممارسات غير إنسانية تجاه الأمازيغ إلى حزبه. ثانيا؛ لست واثقا من أن هذا الكلام الشائع عن ممارسات غير إنسانية ضد المخالفين للحزب عبر توسُل العنف صحيح. 
لكن إن افترضنا أنه صحيح فأزعم أن المتورطين في هكذا أحداث لن يكونوا سوى جماعة من الأميين والعوام من المتعاطفين مع الحزب؛ وللإشارة فأغلب هؤلاء التحقوا بالحزب وعلال غير مسؤول عن قيادته المباشرة في المغرب. فعلال نُفي إلى الغابون عام 1937 وعاد من المنفى عام 1946 ثم رحل إلى مصر سنة ثم عاد إلى طنجة (التي كانت منطقة دولية) حيث كتب النقد الذاتي لكن سرعان ما عاد إلى مصر ومكث هناك إلى حدود عام 1955. ما يعني أن علالا هو خارج تراب الوطن قرابة العشرين عاما. وبالتالي، فعلال ليس مسؤولا عن تربية هذه الطينة من الحزبيين الذين يفتكون بمخالفيهم وغير خاف أن التنظيمات الجماهيرية بعد توسعها قد تكون مرتع ممارسات لا علم للقيادة بها (هكذا قيادة الإخوان في مصر ممثلة في حسن البنا لم يمكن في علمها نهائيا العمليات التي قام بها بعض أعضاء التنظيم الخاص ومنها اغتيال النقراشي ووصفهم البنا بأنهم "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين").
إن علالا يقول (النقد الذاتي، ص:15) بأن الحركة الاستقلالية التي ينضوي تحت لوائها  لا تتم رسالتها في الأمة المغربية، إلا إذا استطاعت أن تبعث في نفوسنا جميعا تلك الروحية المغربية التي كونت من أسلافنا أولياء ممتازين وأبطالا متفوقين لا يغارون إلا على حقوق الله والوطن، ولا يتنافسون إلا في السبق لخدمة الكل ومساعدته على التحرر والانطلاق. 
وهكذا، فعلال منحاز للرصيد التاريخي للوطن بالقدر الذي يعرفه (قد نختلف معه في بعض آرائه مدركين أن الإنسان رهين محيطه وبيئته وواعين أن الإنسان -أي إنسان- عدو ما جهل)، كما أنه لا مكان للعنصرية في فكره فها هو يرى تنافس المغاربة لا يكون إلا في خدمة الكل لا أهل فاس فقط ولا الريف فحسب وإنما في خدمة كل من حملته هذه الأرض. وقد كان له قصب السبق في المغرب أن كان أول الداعين إلى إحداث كرسي للثقافة الأمازيغية في الجامعة المغربية منذ عام 1968 (فهل يفعل العنصريون هذا؟).

(1) http://www.maghress.com/arrifinu/24888

...تابع القراءة