? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]






إذا أردنا أن نكثف جوهر "المشروع الإسلامي" في صيغته النبوية، يمكن القول بأنه مشروع يراهن على "الوازع الداخلي" للفرد في انصلاح أوضاع المجتمع. ويرتكز هذا المشروع على الرقابة الذاتية التي يتمثلها كل فرد يؤمن بالله واليوم الآخر. في ظل هذا المشروع، كانت القيم تنبعث من سلوك الأفراد والجماعة لأن "الله" جل في علاه - عنوان هذه القيم المفارقة حاضر في الضمائر. 

كل الكتابات الحالمة باستعادة هذه التجربة كانت تستشهد بالقصص اللافتة التي تجد فيها المخطئ يندم ويطلب العقاب لنفسه، وتجد فيها "ابن الشعب" يقتص لنفسه من "ابن الحاكم"، وتجد فيها القضاء ينصف اليهودي ويُدين المسلم!

حقا! إنه مشروع "فائق الإنسانية"، ولكنه حلم مستحيل وتجربة تاريخية غير قابلة للإعادة. فبمجرد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ببضعة سنين، ضمُر حضور "الوازع الداخلي"، وصار بعض الناس لا يجدون غضاضة في المجاهرة بالخطأ (بعدما كان الندم يلحق الخطأ مباشرة في التجربة الأولى) والتشهير بالأعراض وقتل عيال الله واحتكار الثروة وتكميم الأفواه وتبذير الأموال. 

فعلا، مشروع بهذه المواصفات هو غاية في الجاذبية والإغراء. إذ تنطمس فيه النوازع السلبية للأفراد وتتهذب غرائزهم المنحدرة، ويعيش المجتمع في ظله في أمان وسلام بدون شرطة، ويعيش الأفراد في أجوائه حريتهم الحقيقية، إذ يتحررون من كل المخاوف ومن كل الأوهام بل ويتحررون من أنفسهم ومن أجسادهم!

لهذا حينما نقرأ القصص المثيرة عن البطولات الاستثنائية التي قادها أبطال تحرروا من كل شيء؛ تحرروا من أجسادهم فتحملوا الصخور على بطونهم في الشمس الحارقة، وتحرروا من رغباتهم فتقاسموا بيوتهم بل وأزواجهم مع إخوانهم... إلخ. نقرأ، ومن فرط اندهاشنا وانشداهنا، نتساءل: هل كل هذه البطولات يقف وراءها "الوازع الداخلي" فقط؟

نعم، إنه  "الوازع الداخلي" الذي يحيل على معان سامقة: الله، القيم، الضمير. إذا استحكم سلطانه في الفرد، طغى على غرائزه فهذبها، فصار بذلك في مأمن من التحلي بصفات ذميمة (الكذب، الخيانة، الأنانية) وفي منأى عن القيام بأفعال شريرة (القتل، العنف، السرقة، الظلم).   

في المقابل، نجد مشروعا عالميا يقوم على "الوازع الخارجي".

يرتكز هذا المشروع على تراكم معرفي كبير انطلق من تشخيص الطبيعة البشرية ونوازعها، وخلُص إلى أنها قائمة على الاستعداد للصراع والميلان للعدوان، فاستخلص أن الحل يكمن في ضرورة إيجاد "الدولة" وبناء "القانون"، أي "الوازع الخارجي". هكذا تكلم "هوبز" في (اللفيثان) وهكذا تكلم "ميكيافيلي" في (الأمير).

 إذن، أفضت الملاحظات/التأملات التي طالت طبيعة البشر إلى أن انصلاحهم مستحيل بدون ردعهم أو تخويفهم بواسطة وازع خارجي (القانون) في إطار الدولة، حيث تُفرض عقوبات متفاوتة على الذين طغت طبيعتهم البشرية فاعتدوا (بالعنف، أو بالسرقة، أو بالقذف أو بالظلم) وتجاوزوا الحد.

في هذا المشروع، يمكن للفرد أن يطلق لغرائزه العنان شريطة أن لا يثير النظام العام الساري في الدولة. في هذا المشروع، لا ثقة في أخلاق الفرد ولا رهان على وازعه الداخلي، ولهذا تُحدث مختلف القوانين التي تضبط بدقة كل حركاته. في هذا المشروع، لا ثقة في قيم الحاكم الداخلية (بمعنى ضميره وعقائده)، ولهذا تُحدث كل آليات الردع والضبط الخارجية (الدستور، المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية... إلخ). 

في هذا المشروع قد يكون الأفراد أحرارا، بمعنى أنهم قد يتواجدون خارج "السجن"، ولكن غالبيتهم قد يتواجدون في معتقل "الغرائز" (الطمع في المال، أو الجنس، أو الجاه)، لأن في ظله لا أحد يدعو إلى تقوية رصيد القيم الداخلية التي تُحرر الفرد من غرائزه وإنما الجميع يدندن حول السلوك الخارجي الذي يطلق عليه السلوك المدني: احترام القانون، احترام الوقت، احترام البيئة، احترام الآخر، احترام العمل.

على كل حال هو مشروع ناجح يتمدد باستمرار، ومن يدري قد يكون فعلا هو نذير نهاية التاريخ!

إذا كان مشروع تثبيت "الوازع الخارجي" (القانون) هو ديدن الدولة الحديثة التي لا يمكن الفكاك منها، فيتعين علينا العمل على تنمية "الوازع الداخلي" (القيم) في المجتمع باعتبارنا مجتمع مدني أو مثقفين.  




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






يلعب "العلم" أساسا دور الكشف عن الحقائق الكائنة في الواقع الموضوعي (في الطبيعة أو المجتمع). يصف العلم هذه الحقائق كما هي، سواء وافقت رغباتنا أو خالفتها. لا تثير العلوم الطبيعية والفيزيائية، فضلا عن رديفتها الرياضيات، أي إشكال. بيد أن العلوم الاجتماعية والإنسانية قد تكشف عن حقائق لا نوافق عليها، لأن موضوعها هو "نحن"، هو الإنسان.

قد يخلص أي حقل فرعي من هذه العلوم -بتنسيب- إلى أن الفرد؛ ابن بيئته، كائن مندفع، خاضع لعوالم اللاشعور، محدود بحدود عالم طفولته، متحيز لذاته وعشيرته، مستعد للصراع من أجل لقمة العيش، لاهث وراء مصلحته القريبة، ميال إلى الظهور والأضواء،  فيه خصال كثيرة شبيهة بما في الحيوان... إلخ.

تنطلق نزعة الرفض تجاه هذه النتائج. يخاف الإنسان من نتائج هذه "العلوم"، رغم أنه قد يلوك صباح مساء شعارات تدور حول أهمية طلب العلم، وتعتبر (العلم) خارطة طريق التقدم والرقي. يجد مخرجا في حكاية "التحيز"، فيعتبر هذه العلوم نتاجا لنموذج معرفي متحيز غير قابل للتعميم. 

حينما تقترب العلوم الطبيعية من موضوعات تمس الإنسان، يبدأ الإشكال أيضا ويتم استحضار تناول النصوص الدينية لذات الموضوعات لإغلاق النقاش والقول بأن الحقيقة قيلت في القرآن أو في الكتاب المقدس. وتستعر الحرب خاصة حينما تصل نتائج تلك العلوم، على نسبيتها، إلى طَرق باب التشابه بين الإنسان والحيوان.

لا يفهم كثير من الناس أن "العلم" لا يحابي الرغبات ولا يتبع الأماني. حقا، قد يخطئ لأنه بصدد بناء حقائق وتاريخ العلم هو تاريخ الأخطاء، وقد يكون وثوقيا أكثر من اللازم خاصة في ميدان الإنسان والمجتمع، ولكن لا بد أن تكون لإشاراته الكبرى مصداقية ولا بد أن تمنح إشاراته الإنسان بصيص أمل لفهم نفسه والعالم من حوله. 

في الجهة المقابلة للعلم، تقف القيم، ليس بمعنى وجود التقابل بينهما، أو انفصال العلم عن القيم. كلا! للعلم قيمه الخاصة ينبغي لأهله أن يتحلوا بها منها الجدية والدقة والأمانة والنزاهة والتأني... إلخ.

القيم هي عنوان المُثُل التي ينبغي أن تشغل الإنسان في كل حركاته، هي الأحلام التي لا حياة بدونها، هي الأفق الذي نرنو إليه جميعا فرادى وجماعات. القيم هي التي تضع المسافة بين تصرف الإنسان وتصرف الحيوان. فحين يصف العلم، ولا يهمه أن يكون الموصوف جميلا أو قبيحا، لا تتنازل القيم عن الجمال!

القيم كلها تقول ينبغي أن نتصرف وفق قواعد الإنسان (الرحمة، الإيثار، الصدق، التواضع، العفة، العدل)، في الوقت الذي قد يشير فيه العلم إلى أن الفرد مشدود إلى عالم الحيوان (الفظاظة، العنف، الأنانية، الاستئساد، الإباحية، الظلم). العلم يدفع الإنسان إلى استثمار خيرات العالم ليرتاح ماديا، بينما القيم تنشغل بمعنى الاستثمار وأسئلة العدالة.

تصدر القيم عن الدين وعن الخبرات التي راكمها الإنسان على مدار ملايين السنين.

أين يتموقع الفكر في هذه المعادلة؟ بينما يشير "العلم" إلى ارتباط الإنسان بترسبات عديدة تحُد من إشراق إنسانيته. يتعين على "الفكر" أن يهتم بالسبل الكفيلة بتقريب الناس من القيم، علاوة على بذل الجهد في التفكير في سبل تفعيل مضمونها في مختلف مناحي الحياة (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، البيئية، الرياضية، والمهنية).




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






بين الفينة والأخرى، نقرأ خبرا عن منع كتاب أو مصادرة محاضرة أو رفض نشر مقال أو الاعتذار عن احتضان نشاط. من يتأمل في هذه الأخبار للوهلة الأولى، يستشعر وكأن الناس في العالم يتمتعون بسرعة البديهة وقابلية نبيهة تقودهم إلى تبني المنظور الفكري الوارد في المقال أو المحاضرة او النشاط أو الكتاب. 

حقا، إن الأمر ليبدو كذلك للوهلة الأولى! يخيل للمرء كأن الجمهور المتلقي سيغير أفكاره بعد إشعار قصير، بعد اطلاعه على وجهة نظر جديدة أكثر عقلانية ومدعومة بحجج دامغة. 

للإشارة، فمنع الآراء التي تساير النغمة السائدة ليس صناعة محلية خاصة بنا بل هو سلوك عالمي يتكرر في كل البلدان. ففرنسا، مثلا، تُصادر كتاب غارودي وتُضيق على رمضان في أنشطته وتمنع القرضاوي من ولوج ترابها... إلخ. وبلدنا يمنع الطلاب من تنظيم الأنشطة والمحاضرات في الجامعة، ويمنع تداول كتب عبد السلام ياسين في المكتبات، ويصادر صدور المجلة الفلانية، وقد تجد الحزب/التنظيم الفلاني يضع "الفيتو" على الشخص الفلاني حتى لا تطأ قدماه محاضن هيئات الحزب، وقد يُحَرمَ في أوساط التنظيم تداول كتابات ما... إلخ.

ماذا يعني كل ذلك؟ هل وصلنا فعلا إلى الدرجة التي نخاف فيها على المرء أن يبدل "فكره" بمجرد الاستماع لمحاضرة أو قراءة كتاب/ مقال يحمل وجهة نظر مغايرة؟

لا أعجب كثيرا للتنظيمات التي لا تؤمن بأن الواقع (بكل اشتباكاته الاجتماعية والنفسية والجغرافية) أقوى من الأفكار، ولكن عجبي لا ينقضي بمجرد تذكري للأنظمة/التنظيمات/الهيئات/الاتجاهات التي نهلت من درس العلوم الاجتماعية ووعت جيدا أن الفرد ضعيف أمام سلطان الواقع الموضوعي، ورغم كل ذلك، تسعى إلى خنق انفاس الأفكار المخالفة خوفا من أن تشيع!

إن وصول الفرد إلى مستوى يُمَكنه من اختبار وجاهة الأفكار والرؤى والمنظورات بناء على معايير وجيهة ومرجعيات مركبة ومنطلقات عقلانية، بحيث يتمكن من التقاط الإشارات اللامعة من الكتابات/المحاضرات الحاضنة للأفكار الجديدة؛ هو أمر ــ في تقديري ــ نادر الحصول عالميا.

حسب فرضيتي، فإن الغالبية العظمى من الناس يؤمنون بأفكار معينة بسبب عوامل متضافرة، لكن نادرا ما يكون الاقتناع الصادر عن التمحيص والمقارنة بين الأفكار وفوائدها الاجتماعية على رأس هذه العوامل.

فكيف تبسط الاتجاهات الفكرية سلطانها في عالم اليوم؟

لنأخذ مثال الاتجاه الفكري الواقف وراء "عقيدة الاستهلاكية"، كيف أفلح في جعل نمط سلوك الناس في العالم يدور حول الاستهلاك بلا أفق؟

أولا، ينطلق السعاة إلى تغيير وضع فكري معين إلى تغيير نمط حياة الناس؛ نمط العيش، الوسائل الجديدة التي يستعملونها، التسهيلات التي يرفلون في نعمها... إلخ. هذه "الوسائل" المبتدعة هي التي تخلق "غايات" مبتدعة. ومعلوم أن الغايات هي الأفكار، وهكذا تفلح الدوائر "الرأسمالية" في الترويج لفكر "الاستهلاكية" بلا حدود.

إن إنتاج "وسائل" جديدة تُوظَف في مختلف مناحي الحياة وتجذب الصغير والكبير، يعد أخطر آلية لتغيير الأفكار. انظروا مثلا، إلى وسائل التواصل الاجتماعي، كم من أفكار "قديمة" كانت عند الناس حول حدود العلاقة بين الرجل والمرأة، بين الأب والابن، بين الرئيس وأعضاء نفس الهيئة؛ كلها ذهبت أدراج رياح وعبثا يحاول بعض المؤمنين بها إرجاع الناس إليها. فالواقع أقوى مليون مرة من الفكرة.

ثانيا، يعتمد نظام الحياة المعاصر على بنية خطيرة تُروج تلقائيا لنغمة أحادية. يعمل معظم الأفراد قرابة ثمان ساعات في اليوم، في عمل لا يتصل نهائيا بعالم الأفكار، فيعودون في المساء وهم في غاية الإنهاك. يستثمر كل فرد "فائض الوقت"، الذي يتمتع به قبل حلول وقت النوم، حسب ارتباطاته. وهنا يلعب اللاعبون لعبتهم؛ فالأفراد الذين لا يرتبطون باتجاه فكري أو عمل تطوعي (اجتماعي، ثقافي، سياسي... إلخ)، يكونون فريسة صناع "فائض الوقت".

في "فائض الوقت"، يذهب الأفراد إلى المقاهي، يطلعون على الجرائد الالكترونية أو الورقية، يتبادلون الأحاديث مع المعارف حول مستجدات اليوم الرتيبة، يشاهدون فيلما أو يستمعون لموسيقى، يبحثون عن حاجيات البيت من غذاء وكساء وأثاث.

انظروا كم من وقائع يمر بها الفرد، وكلها تطوي أفكارا، كم هي ثقيلة في الميزان إذا ما قيست بواقعة المرور على مقال أو النظر إلى كتاب أو الاستماع إلى محاضرة. أكيد أن "الأفكار الشفوية" المتناقلة بين الناس في العمل وفي المقهى وفي السوق وفي قصاصات الإعلام أقوى سلطة من كتاب او محاضرة أو مقال.     

  
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]










يتحرك كل فرد يوميا لتحقيق مصالح قريبة ثلاثية الأبعاد هي استجابة لثلاثة محركات أو دوافع شاءت حكمة الله جل في علاه أن تقود سلوك الإنسان.

يرتبط المحرك الأول بالغذاء/القوت. يجري الفرد يوميا ليُوفر من المال ما يغطي به تكاليف الغذاء. ليس عيبا أن يُحَصل المرء المال ويسعى لإسكات جوعه باعتدال، ولكن ثمة عيب في أن تكون طريقة تحصيل أمواله غير مشروعة (السرقة، نهب المال العام، النصب والاحتيال... إلخ) أو في أن يكون من أهل الشح والبخل في الإنفاق أو في أن يكون من المسرفين/المبذرين. وتعد الدراسة بشواهدها المتفاوتة (سواء في المعاهد العليا، أو معاهد التكوين المهني، أو الكليات) المدخل الوحيد المتاح ل"الجميع" لكسب المال.

يتصل المحرك الثاني بالجنس. ليس عيبا أيضا أن يسعى المرء للاستجابة لهذا المحرك عبر القناة المشروعة (مؤسسة الزواج)، ولكن ثمة تحفظات (شرعية واجتماعية وقانونية) على الاستجابة المفتوحة (خارج الزواج).
يدور المحرك الثالث حول نزعة الاعتراف (الجاه في معانيه الواسعة)، وهي حسب "هيغل" تعد محرك التاريخ وهي أيضا المرتكز النظري لتحليلات "فرنسيس فوكوياما" في كتابه الشهير "نهاية التاريخ". ومفادها، حسب سياقنا، أن كل فرد يرغب في أن يحظى بالتقدير والثناء من طرف المحيطين به، ويختلف الأفراد في الطرق التي يختارونها لإثارة الانتباه وجذب الأنظار وتشييد "سُلَطهم" على الآخرين. على سبيل المثال، يختار بعض المراهقين/المراهقات الطريق السهل وهو محاولة تشييد "سلطة جمالية" وسط أقرانهم في الثانوية أو الحي، فيعمدون إلى الدوران حول تسريحات الشعر اللافتة أو الملابس المثيرة أو المساحيق الجذابة. 

بينما يختار آخرون العمل على بناء "بروفايل" آخر متصل ب"السلطة السياسية" (من مستشار جماعي إلى وزير) في إطار حزب معين  للحظوة بالاعتراف والتقدير لدى المحيطين بهم بدءا بأهل الحي وانتهاء بالمواطنين في مختلف ربوع الوطن. كما يعمد هواة الوعظ والإرشاد إلى تشييد مسار خاص يراهن على جواذب "السلطة الدينية" لانتزاع الاعتراف والتميز من طرف من يحيط بهم من مرتادي المسجد أو متابعي الدروس. بينما تجد فئة أخرى نفسها بصدد بناء "السلطة المعرفية" برهانها على شواهدها وإصداراتها العلمية.

هذه المحركات الثلاثة تدفع الناس للتنافس على الاستجابة لهذه المصالح القريبة (المال، الجنس، الجاه)، فتجد المنافسة بينهم محتدمة في الاختبارات الدراسية المصيرية بوصفها البوابة الأولى نحو تأمين مستقبل مريح من الناحية المادية، حيث يُحَصل الإنسان حاجياته من الغذاء ويستطيع الإقدام على خطوة الزواج، أي يضرب عصفورين بحجر واحد (المال، الجنس).

وقد تلفي الصراعات المبتذلة بين أعضاء الحزب في منطقة نائية حول الترشيحات لعضوية المجلس الجماعي باعتباره القناة الوحيدة لصناعة "جاه" محلي. وقد تجد الصراع ينتقل بين المتصدين للمنابر حول الجمهور، فتجد أحدهم يُقدم على تشويه سمعة زميله الذي يعتلي المنابر والفضائيات خوفا من سريان خطابه وسط الناس فيُسحبُ بذلك البساط من تحت قدميه.

إنها المصالح الشخصية القريبة التي أودع الله جل في علاه محركاتها في كل الناس بتباين مُقدر.

لكن، إذا انصهر الناس في مصالحهم القريبة ما قام للناس إنتاج جماعي فيه لمحة من التسامي، وما قامت للعلاقات الإنسانية قائمة، وما كان مفهوم المجتمع في عداد الأحياء!

إن المنجزات الباهرة التي وصلت إليها البشرية ما كانت لتكون لولا خروج الناس من الانكفاء على مصالحهم الشخصية القريبة إلى العمل على المصالح المشتركة البعيدة. صحيح أن نزعة الاعتراف والتميز قد تكون دافعا قويا وراء ابتكار اختراع جديد من طرف المخترع، ولكن لولا تلقيحه بجرعة من الإيمان بالمصالح المشتركة البعيدة لما استطاع الصمود في  مسيرة السهر والبحث خاصة وأن أمامه تجارب شائعة لم تتعب وحققت أهدافها الشخصية القريبة.

إن النبهاء ينبهون إلى أن النجاح الكبير يكمن في تربية الناس منذ صغرهم على تحقيق المصالح القريبة في إطار المصالح البعيدة. فمن يعمل مثلا بجد على إنتاج علمي معين في تخصصه، أكيد أنه سيستجيب لمحركاته الثلاثة (سيُحصل قوت يومه، وسيتمكن من الزواج، وسيعترف به الناس) وفي نفس الوقت سيسهم بإنتاجه في نماء المجتمع وفي تقدم الإنسانية جمعاء. وقس على ذلك كل النماذج، فمن يبذل جهده ليتعمق في "المعرفة الدينية" ويحيط بالحد الأدنى من المعارف الأخرى، سيقدم خطابا متزنا في تهذيب السلوك وتصويب الرؤى، أكيد أنه سيستجيب لدوافعه الحيوية الملحة بوعي وبصيرة وفي نفس الوقت سيكون قد قدم خدمة تربوية مفيدة للأجيال.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]










تعد إشكالية علاقة العمل برأس المال من أكثر الإشكاليات الاقتصادية عراقة وجدلا. لعل ماركس كان من أوائل من تناول مركزيتها في تشكل نظم اقتصادية بكاملها (=الرأسمالية)، إذ خصص لها ما يربو عن 23 سنة من حياته بحثا وتنقيبا.

يدل "رأس المال" على الموارد الناتجة عن الميراث أو تراكم الأرباح (فائض القيمة). فقد يرث المالك تركة مهمة من أبيه الهالك فتكون هي رأسماله يشتري بها وسائل الإنتاج (العقار، أدوات الإنتاج) ويدفع بها أجرة العامل ثم يستفيد من تراكمات فائض القيمة فينمي باستمرار رصيد رأسماله. وقد يكون صاحب "رأس المال" موظفا ساميا في البداية تدر وظيفته دخلا كبيرا، فيدخر جزءا منه ثم يوجهه إلى إطلاق مشاريع تجارية موازية صغيرة أو متوسطة تتراكم أرباحها إلى أن تكون المحصلة ارتفاع رصيد "رأس المال".

في كتابه الهام "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" الصادر بالفرنسية عام 2013 والمترجم إلى العربية عام 2016 والذي يقع في أزيد من 640 صفحة، يرسم الاقتصادي الفرنسي "توماس بيكيتي" مشهد الغنى والفقر واللامساواة في توزيع الدخل في العالم مستندا إلى بيانات متنوعة. تشكل الطبقة الميسورة 10% من سكان العالم؛ 2% منها مترفة جدا نتيجة استفادتها من "مواريث"، بينما نسبة 8% من السكان يمكن نعتها بالطبقة المتوسطة مصدر ثروتها هو عملها (مع تسجيل الاختلاف في تقدير دخل الطبقة المتوسطة ما بين 10000 درهم إلى 40000 درهم).

ويدور المعدل المتوسط للدخل المريح، الذي يغطي التكاليف عالميا بانبساط، في فلك 20000 درهم شهريا. مصدر 80% من هذا الدخل، بمعنى 160000 درهم، هو العمل. بينما مصدر 20% من هذا الدخل، بمعنى 4000 درهم، هو "رأس المال" سواء كان ميراثا أو مرتبطا بعوائد مشاريع اقتصادية موازية صغيرة (كفتح محل حلاقة، أو فتح دكان المواد الغذائية، أو كراء عقار... إلخ).

إذن، إذا أردنا تدقيق مدلول عدالة توزيع الثروة في اللحظة الراهنة عالميا ومحليا فمفاد ذلك هو توسيع دائرة المتمكنين من دخل شهري قدره 20000 درهم. والخطوة الأولى في ذلك هو تمكين أكبر شريحة ممكنة، بفضل سياسات اقتصادية واجتماعية قاصدة، من دخل شهري قدره 16000 درهم في مختلف الوظائف والمهن (التعليم، الهندسة، مهن الصحة، مهن العدل... إلخ).

كيف يمكن الحد من اللامساواة الفاحشة؟ والاقتراب من توزيع متوازن للثروة؟

توصل "توماس بيكيتي" الذي اشتغل على كتابه أزيد من عشر سنوات إلى خلاصتين. تتصل الخلاصة الأولى بتقوية قيمة "العمل"، وذلك بتنمية الاستثمار في التعليم والتدريب على المهارات بما يؤهل السكان لإيجاد عمل يدر دخلا يقترب من المعدل المتوسط. وترتبط الخلاصة الثانية بتخفيض قيمة "رأس المال"، وذلك عبر اعتماد سياسة ضريبية تقوم على فرض ضريبة تصاعدية على "رأس المال" (خاصة على الميراث). ويستدل بيكيتي على نجاعة هذا الخيار بتجربة ما بين الحربين الأولى والثانية حيث تم فرض هذه الضريبة لتعويض خسائر الحرب فكانت النتيجة أن تقلصت حدة اللامساواة.

كلما ارتفعت قيمة "العمل" وعوائده، ارتفعت قيم الجهد والجدية والجدارة والمعرفة والموهبة والذكاء، كان العالم أكثر عدلا. وكلما ارتفعت قيمة "رأس المال"، ارتفعت قيم التواكل والكسل وتحصيل المال بلا تعب فضلا عن سهولة ذيوع تجارة شراء الذمم وتمييع الثقافة والسياسة والاقتصاد، كان العالم لصالح قلة محظوظة تولد بملعقة من ذهب.




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





تحدث مرارا المفكر اليهودي المناهض للصهيونية "جاكوب كوهن" عن إجراء عملي بسيط كفيل بتغيير موازين القوى في الصراع مع العدو الصهيوني. للأسف هذا الإجراء يحول دونه غلبة مصالح شخصية ضيقة لبضع مئات أو بضعة آلاف من الأفراد على حساب المصالح الاستراتيجية والحيوية لمليار ونصف مسلم بل ول7 مليارات من بني آدم.

نعم بضعة آلاف من الأفراد يستفيدون من أموال/مناصب في شبكة سلطة شكلية فارغة ويلهثون وراء سراب اسمه "حل الدولتين"؛ يرهنون مصير الإنسانية كلها ويقدمون صورة ملتبسة عن طبيعة الوضع وحقيقة المعركة.

يقوم الإجراء على أن يرفض البضعة آلاف من الأفراد (المسؤولين في مختلف الهياكل؛ الوزراء، السفراء، أعضاء المجلس التشريعي، أعضاء الدواوين والمكاتب الخاصة... إلخ) الامتيازات المغشوشة ويسلموا "السلطة المزعومة" لأصحابها الصهاينة. لأنه حينئذ ستسمى الأمور بمسمياتها. سيتحدث الناس عن احتلال دولة يُفترض فيه أن يقابل بمقاومة مستمرة. آنذاك ستتغير كل المقاربات وستتمايز كل الخطابات.

آنذاك سيتعامل الجميع مع القضية كما تعاملوا مع قضايا التحرر من الاستعمار. آنذاك ستنكشف الدعاوى بامتياز محليا وعالميا. آنذاك سيتساءل الجميع هل نحن في القرن 21 الذي يفترض أن الجميع غادر فيه زمن الاستعمار "التقليدي" (العسكري والسياسي) أم مازلنا في القرن 19 وفي مستهل القرن العشرين؟

قد يتساءل البعض، إذا كان وجود "السلطة" هو عقدة العقد في القضية، فلماذا لم يتم التحرر من الاستيطان الصهيوني قبل ميلادها في تسعينيات القرن الماضي؟

طبعا، لا قياس مع وجود الفارق. قبل التسعينيات، العالم فيه قطبية، ولم تكن فيه الليبرالية وحقوق الإنسان نغمة عالمية، ومازال يعج بالمستعمرات هنا وهناك، وكانت وسائل التواصل ضعيفة، وكان الوعي محدودا ومحتكرا من طرف النخبة.

ولهذا أخوف ما تخاف عليه أمريكا (مع الرؤساء السابقين) هو اغتيال "السلطة" وتوقف مسار "التسوية". لأن جنونها سيجن إذا كان العالم سيصطف بناء على ثنائية واحدة واضحة هي صف "الاحتلال  الصهيوني" وصف "المقاومة التحررية"؛ فنتيجة هذا الاصطفاف محسومة لصالح الأحرار.

لهذا بُعَيد 1991 حين تشكل النظام العالمي أحادي القطبية المتصل بليبرالية مصطنعة ومبتذلة، سعت أمريكا وحلفاؤها إلى اختيار مفردة ليبرالية هي "السلام" لتؤطر البنية الذهنية لعموم الأفراد الخاضعين لقصفها الإعلامي وبناء علي ذلك وظفت ثنائية خادعة في اصطفاف الأفراد تجاه القضية الفلسطينية هي ثنائية أن "السلام/الإرهاب". وبالموازاة مع ذلك قامت بخنق أنفاس الثنائية الحقيقية الأقوى من حيث الدلالات الليبرالية أيضا هي ثنائية "التحرر/الاستعمار".

ما قررته أمريكا، يمكن تجاوزه بالقدرة على قول "لا" (لمسار "الدولتين") من طرف نخبة مأجورة، وإلا فالخطوة الأولى هي البحث عن سبل التحرر من هذه النخبة قبل التحرر من الاستعمار الصهيوني. لأن ذلك هو المدخل الأساس لتجاوز مخلفات عمليات تزييف الوعي التي تحدد إطارا للتفكير في الشأن الفلسطيني يقوم على ثنائية الانحياز لإحدى الصفين "السلام" أو "الإرهاب". والانطلاق نحو بناء خريطة إدراكية حقيقية للمشهد الفلسطيني قوامها وضوح الاصطفافات والتحيزات: دعم مسار "التحرر" أو تأبيد  "الاستعمار". 


...تابع القراءة