? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]




تطمح الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية للوصول إلى السلطة بهدف امتلاك القرار السياسي الذي يُمَكنها من تفعيل سياسات عمومية تمس حياة المواطنين وترتقي بوضعية البلد السياسية والاقتصادية والثقافية. وتمثل الأحزاب تشكيلات تحاول تجسيد إرادة ومصالح الشرائح الاجتماعية التي تعبر عنها، ولهذا يكون هدف الحزب الحاكم في إطار حياة سياسية ديمقراطية سليمة هو استثمار آليات القرار السياسي لبلورة برامج تروم خدمة عمقه الاجتماعي.  
في التجربة المغربية، يلحظ المراقبون أن تعثر الانتقال الديمقراطي يتجلى بشكل بارز في فشل الأحزاب المتصدرة للمشهد السياسي طوال تاريخ المغرب المعاصر في تفعيل سياسات عمومية خادمة للبنيات الاجتماعية الحاضنة لها. والسبب راجع، بالإضافة إلى العوامل الذاتية (أي تواضع حضور الثقافة الحزبية الحديثة في ذهنية قادة الأحزاب خاصة المؤسسين... إلخ)، إلى عامل موضوعي بارز هو أن هذه الأحزاب حينما تقود الحكومة لا تمتلك زمام القرار السياسي التنفيذي.   
منذ فجر الاستقلال وحزب الاستقلال لم يملك القرار السياسي لترجمة مطامح الطبقات الوسطى إلى إجراءات عملية ملموسة، ومنذ السنوات الأولى حُرم المغرب من تجربة محدودة حاولت فيها الحركة الاتحادية أن تخدم حواضنها الاجتماعية (الطبقة الوسطى الدنيا، الطبقة الوسطى المتوسطة) بإجراءات متعددة تبلورت في المخطط الخماسي التنموي (1960-1964)، وكانت تستهدف الإصلاح الزراعي لصالح الفلاحين الصغار وتتقصد تعميم التعليم لتوسيع دائرة الطبقات الوسطى المتعلمة وترنو إلى ترجمة الأشواق التحررية للمثقفين المتمثلة في استكمال مسار التحرر العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي.   
في المحاولة الثانية، كان الفشل حليف النسخة الثانية من الحركة الاتحادية عام 1998. إذ جاءت هذه المحاولة في سياق مثقل بالانكماش الاقتصادي ومرهق بالاضطهاد السياسي وفي سياق رهين لاعتماد مخطط التقويم الهيكلي ولانطلاق مسلسل خوصصة المؤسسات العمومية  من طرف الدولة للتخفيف من عبء المديونية واختلال التوازنات الماكرو اقتصادية. هذا السياق، جعل التجربة الاتحادية الثانية في موطن بعيد عن مطامح الطبقات الوسطى التي تعبر عنها والتي علقت عليها آمالا ممتدة طوال عقود من الزمن، ولهذا لم تدم أكثر من أربع سنوات لأن الحواضن الاجتماعية كانت تبحث عن حامل حزبي جديد أكثر صدقية في التعبير عن مطالبها الاجتماعية ومطامحها الثقافية.
جاءت العشرية الثانية من الألفية الثالثة وهي حبلى بمحاولة ثالثة لا تختلف عن سابقاتها في المآل ولكن تتباين عنها في المضمون. حملت الطبقات الوسطى المتأثرة بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ل2008-2009 والراغبة في تحصين وضعها الاعتباري وتحسين وضعها الاجتماعي وتمنيع إطارها الثقافي حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة. غير أن السلوك السياسي للحكومة كان نازعا إلى صيانة مكاسب الطبقات العليا وتحسين بعض هوامش الطبقات الدنيا (المنح، الأرامل، التغطية الصحية).
 كانت النتيجة هي التراجع المتسارع للطبقات الوسطى على مستوى القدرة الشرائية وعلى مستوى المكاسب الاجتماعية والثقافية (رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية في إطار إصلاح صندوق المقاصة، رفع أسعار المحروقات بفعل تحريرها، تراجع الوضع الاعتباري لرجال التعليم – وهم العمود الفقري للطبقات الوسطى - بسياسة "التعاقد"، تراجع مكانة اللغة العربية في التعليم، تراجع مكانة المدرسة العمومية، الاتجاه نحو إقرار رسوم للدراسة في التعليم العمومي، الاتجاه نحو خوصصة بعض المؤسسات العمومية لمعالجة اختلال التوازنات الماكرو اقتصادية). ولهذا، لن يكون مآل العدالة والتنمية مختلفا عن أسلافه.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الأحزاب في المغرب (الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، العدالة والتنمية) عندما تصل إلى موقع السلطة التنفيذية لا تكون وفية للعمق الاجتماعي الذي كان حاضنا لها؟ الجواب الأول الذي يلوح في الأفق هو أن هذه الأحزاب لم تكن أصلا تمتلك السلطة التنفيذية ولم تكن أصلا تحوز القرار السياسي. فالقرارات الكبرى (التقويم الهيكلي، خوصصة المؤسسات العمومية، التراجع عن مسار تعريب التعليم العالي بل فرنسة التعليم الإعدادي والثانوي، الباكالوريا "الدولية"، إقرار رسوم للولوج إلى المدرسة العمومية، وحتى قرار إضافة الساعة ضدا على مصالح المواطنين خاصة مصالح الطبقات الدنيا والوسطى)، هذه القرارات حملت الحكومات - التي يقودها أحزاب يعبرون عن جزء كبير من الإرادة الشعبية - أوزارها، في حين أنها قرارات مصنوعة من طرف جهات أخرى.
منذ بداية الألفية الثالثة وتصاعد الحديث عن العولمة، ظهرت كتابات رصينة وجادة ترصد حالة اختناق الديمقراطية في ظل تراجع دور الدولة وتصاعد دور الشركات في صناعة القرار السياسي للأمم؛ منها كتاب "السيطرة الصامتة: الرأسمالية وموت الديمقراطية" (لصاحبته الباحثة الاقتصادية "نورينا هرتيس" الصادر عام 2002 والمنشور في سلسلة عالم المعرفة عام 2007)، وكتابات أخرى كثيفة.
الفكرة المركزية التي تود هذه الكتابات لفت الانتباه إليها هي أن العالم الجديد الذي تَخَلق وتشَكَل منذ وصول ريغان وتاتشر إلى موقع القرار في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة منذ مطلع الثمانينيات والذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتوطيد أركان نظام جديد يلغي بشكل صامت العقد الاجتماعي. في هذا العالم صارت: الشركة الضخمة هي الملك، والدولة رعيتها، والمستهلكون هم المواطنون. في 2000-2001 أُحصيت 100 شركة متعدية الجنسية تتحكم في نحو 20% من الأصول المالية العالمية، فضلا عن كون أكبر 51 مؤسسة مالية في العالم في حيازة الشركات في مقابل 49 مؤسسة مالية تمتلكها الدول.
تتحدث نورينا عن تغول الشركات واختراقها لتفاصيل الحياة اليومية للناس أمام تراجع دور الدولة مبينة أن جميع ما نشتريه أو نستخدمه من بضائع (بترولنا والأدوية التي يصفها لنا الأطباء العموميون، والأشياء الضرورية مثل الماء ووسائل المواصلات والصحة والتعليم وحتى حواسيب المدرسة الجديدة والمزروعات التي تزرع في الحقول المحيطة بمجتمعاتنا)، كل هذه البضائع وهذه الأمور يزداد يوما بعد يوم تحكم الشركات فيها، وهذه الشركات – وبحسب هواها – قد تغذينا أو تدعمنا أو تخنقنا.
المستخلص هنا هو أن الشركات المتعدية على الجنسيات هي صاحبة القرار السياسي في نهاية المطاف في عالم يسود فيه نظام السوق في أدق تفاصيل النظام الاجتماعي. تكفي الإشارة إلى أن نجاح الحملات الانتخابية الأمريكية رهين بهذه الشركات، أما صعود "ترامب" فهو تحصيل حاصل وتتويج لهذا المسار المُدشن منذ أزيد من عقدين وتعبير جاحظ العينين عن ما وصلت إليه "الديمقراطية" في العالم.
إن امتلاك القرار السياسي يعني قدرة الحزب السياسي (من الناحية الموضوعية وليس الذاتية) زمن وصوله إلى السلطة على الوفاء بالتزاماته تجاه ناخبيه (=عمقه الاجتماعي). لا شك أن قدرة الأحزاب السياسية في الدول العريقة في الديمقراطية على هذا الفعل صارت أضعف مما كانت من ذي قبل. ولهذا ليس غريبا في ظل هذا الوضع العالمي، أن نجد العزوف عن المشاركة السياسية في الانتخابات يكون سيد الموقف تدريجيا مادام أن هناك عجزا لدى الأحزاب على تمثيل القوى الاجتماعية الحاضنة لها ومادام أن برامجها متشابهة ومادام أن سلوكها السياسي متماثل أثناء الحكم في أغلب النقط والإجراءات؛ فلم المشاركة وما فائدة التصويت وما جدوى الترجيح بين كيانات سياسية ستقوم بتفعيل سياسات واحدة؟
نحن إذن أمام ظاهرة عالمية تفيد بأن القرار السياسي يُصنع – المقصود هنا طبعا هو القرارات الاستراتيجية وليس القرارات التدبيرية العادية - خارج المُنتخب بل خارج الدولة. غير أن الوضع المغربي أضاف إلى الوضع العالمي عقبة أخرى أمام اتخاذ القرار السياسي بشكل ديمقراطي مُعَبر عن تطلعات قطاعات مقدرة من المواطنين.
هذه العقبة تتمثل في الازدواجية القائمة في النظام السياسي، في قوة سلطة "المعين" أمام سلطة "المنتخب" على كل المستويات، في وجود مؤسسات معينة محظية بوضع دستوري اعتباري وتضع البرامج والمخططات ولا يحاسبها أحد (=المجالس العليا: في التعليم والاقتصاد والبيئة والجالية و... إلخ) مكان الوزارات التي من المفترض أن القائمين عليها يعبرون ولو بشكل نسبي محدود عن إرادة العديد من المواطنين.
الخلاصة؛ في ظل هذا الوضع (العالمي والمغربي) يتعذر من الناحية الموضوعية على أي فاعل مهما بلغت درجة حنكته السياسية ومعرفته الموسوعية أن يقوم بوضع سياسات كبرى لها وقع استراتيجي حقيقي (وليس الاستراتيجية المكرورة في الخطاب الرسمي) في السياسة الاقتصادية والاجتماعية وفي ميدان التعليم والثقافة.
ولكن، أسوء عمل يمكن القيام به في هذه المرحلة هو تزييف وعي الناس وإيهامهم بغير الممكن. وعملية التزييف يشترك فيها أطراف عدة قد يكونون ضمن دائرة الحكومة أو ضمن دائرة المعارضة بكل أطيافها (الحزبية، الجمعوية، المثقفين، الصحفيين... إلخ) حينما يتحدثون عن أحلام وطموحات ضخمة من الصعب أن ترى النور في عالم مركب يحكم فيه الخارج قبل الداخل، ولا صوت يعلو فيه على صوت "رأس المال"،
 ما العمل في ظل هذا الوضع؟ سؤال مشروع تماما، لكن لننتبه أن فهم ما يجري وتدقيق الفهم أولى الأولويات، لأننا أمام وضع غير مسبوق من عدة نواحي. فأن تحُل الشركات محل الدول، وأن يسود منطق السوق الربحي ويخترق بشكل مكشوف كل القيم والأعراف والعلاقات والبنيات، وأن تتعرى كل الإيديولوجيات الملهمة لحركة الناس بشكل مكشوف، فهذا أمر جديد. والأهم هو أن "العمل" رهين تحولات عالمية كبرى تهب رياحها تلقائيا على الداخل. وأول خطوة مفيدة في إطار جواب "ما العمل" هي وقف مسلسل التزييف وفضح المُغرض منه.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 5 التعليقات ]




تجمع "التنظيمات" نخبة من أبناء المجتمع، قد لا تحتل الصدارة في الميادين العلمية المرموقة، ولكنها تتميز عن القاعدة الواسعة من أبناء المجتمع المتقاعسة عن كل حركة اجتماعية أو فكرية. في السطور أدناه، لا يهمنا لون التنظيم بقدر ما تهمنا الخصائص المشتركة لدى كل التنظيمات.
تفرض "التنظيمات" إيقاعا "موضوعيا" خاصا على عناصرها. في غالب الأحيان، تسير سَيْر "أوسط" أعضائها (من حيث القدرات الذهنية والتقنية). ولهذا قد تجد "تنظيما" يشمل صفوة الصفوة من المثقفين (على سبيل المثال، اتحاد كتاب المغرب)، ولكن في مقرراته وفي ميثاقه الجماعي لا يمكن أن يعبر على أفكار مثقف واحد "استثنائي" (قادر على مستوى عال من التجريد والتنظير)، بل لا بد أن يجد كل عضو ذاته في الانتماء إلى هذا "التنظيم الثقافي".
ولهذا، نلفي النبهاء الكبار الذين يتميزون بلياقة ذهنية حادة جدا، لا يجدون لأنفسهم صدى كبيرا داخل أي "تنظيم". فتراهُم يحسون ب"غربة" ملموسة بشكل أو بآخر، مردُها إلى أن المُخاطَبين من داخل البنية التنظيمية يضيق أفقهم عن استيعاب مرامي خطابهم وآفاق أفكارهم.
هكذا، يجدون أنفسهم أمام خيار صعب، وهو إطلاق العنان للتفكير ولكن في "إطار" وفي "أفق" وفي "نسق" التنظيم. إذا حدث وأن دفعتهم الشروط التي يتحركون فيها لقبول سقف "النسق" كأفق للتفكير والتجديد والتنظير، فالنتيجة معروفة: سيكون ذلك مدعاة للراحة النفسية من زاوية معينة، إذ سيكونون أمام جمهور (أعضاء التنظيم) يستَحْلون كلامهم  ويطالبونهم بالمزيد (المزيد من التنظيرات التي تسمح بتثبيت النسق وبث الأمل في الأفق).
غير أن ازدهار الفرد النابه من زاوية أخرى، كفرد يتحدد وجوده الحقيقي ضمن معادلة مجتمع مفتوح وليس ضمن معادلة تنظيم محصور، لن يتأتى داخل "إطار" التنظيم. فمن أجل التألق الذهني والوجداني يحتاج إلى "الانطلاق" و"التحليق" بعيدا.  ولهذا، فوجود هؤلاء الأفراد الذين يفقسون "بيضة" البنية الفكرية والمذهبية للتنظيم داخله، مدعاة إلى تفجير تناقضات حادة.
إن وجودهم داخل التنظيم واختلاطهم بالأعضاء وتأطيرهم للنقاش في السر والعلن مدعاة لإشاعة رؤى متباينة ووجهات نظر متمايزة وأحيانا مرجعيات متناقضة. إن التنظيم، قبل كل شيء، هو فعل وحركة وعمل على الأرض (نشاط، تظاهرة، مظاهرة،... إلخ). ولهذا، فمنطق التنظيم يتضايق من منطق الفرد الذي يقول لنظرائه "تريثوا.. لا تتحركوا، حتى ندقق الوجهة والمسير على المستوى النظري أولا".
إن التنظيم لا يحتمل، بطبيعته، أفرادا يتجاوزون أفقَه ويستخفون بشعاراته ويستهينون ببرنامجه. إن وجود هؤلاء الأفراد في "الهوامش" مدعاة لتمزيق "المركز"، فالسرعة التي يسيرون بها لا طاقة للتنظيم بها، ولهذا فهي قاتلة.
وجبت الإشارة إلى أن النبهاء (المقصودين في السطور أعلاه) هم قلة قليلة جدا بالنظر إلى الشريحة الواسعة من أفراد المجتمع التي بالكاد يقترب تعاطيها الذهني مع الشأن العام والوجدان الخاص مع المستوى "الأوسط" للتنظيمات. فمستوى أفراد المجتمع في عمومه، مع استحضار كل الطبقات خاصة الدنيا دون المستوى الذهني الذي تروج له التنظيمات.      
لم تحتمل جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي فقيها نبيها مثل الشيخ محمد الغزالي، ولهذا غادرها وانطلق خارجها وقام بالتأثير الإيجابي على أعضائها. ولم تحتمل حركة النهضة في تونس منذ نهاية السبعينيات قامة علمية ساطعة من طينة الأستاذ حميدة النيفر، ولهذا غادرها رغم أنه كان من أبرز مؤسسيها. ولم تحتمل حركة التوحيد والإصلاح في المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة الآفاق البعيدة لرجل من أنجب أبنائها، هو الأستاذ إبراهيم أمهال، ففصلته رغم أنه من أشد المخلصين لروحها ورسالتها القيمية المفارقة. ولم تحتمل مؤسسة علمية وبحثية من طينة "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" أسئلة عقل نادر المثيل، هو أبو القاسم الحاج حمد، ولهذا لم تستنكف من محاكمته "المعنوية" وإدارة الظهر لاتجاهه الفكري العميق.
إن التناقض القائم بين رغبات "الفرد" ورغبات "التنظيم" هو تناقض موضوعي مفهوم. إن التنظيم، بطبيعته، جسم حركي ديناميكي لا يحتمل التأني والتمهل قبل المبادرة إلى الفعل. بينما الفرد، بطبيعته، يرغب في تمحيص الحقائق وتدقيق الاختيارات وتصحيح عقد الازدياد وإعادة النظر في الأوراق على ضوء الآفاق المعرفية الجديدة، ولهذا فهو يعطل مبرر وجود التنظيم أي "الحركة" على الأقل أو يمزقه في حال ما صارت أفكاره قوة مادية في شخص مجموعة متماسكة من داخل جسم التنظيم.
الواقع الموضوعي بدوره يتطلب "تنظيمات" قوية ومتماسكة وفاعلة وغير مترهلة وغير مترددة في فعلها وحركتها، ولكن في نفس يتطلب أن تسير هذه "التنظيمات" على هدي المعرفة العلمية وأن تخوض المعاركة الحقيقية وأن تعيَ التناقض الرئيس من التناقض الثانوي وأن تميز الخطوة "التكتيكية" من الخطوة "الاستراتيجية"... إلخ، وهي مسائل بحثية وعلمية لا يمكن أن ينهض بأعبائها إلا الأفراد الذين يتمتعون بلياقة ذهنية غير مألوفة.
هي معادلة موضوعية صعبة ومعقدة، يبدأ حلها من إشاعة المناخ العلمي في صفوف المجتمع الذي يعيد إنتاج أمراض "التنظيمات"، حتى تتسع القاعدة العريضة للأفراد: المتفهمين لمسألة تحرير "النظر" قبل الانطلاق في "العمل"، والمعانقين لنتائج البحث العلمي في كل القضايا الاجتماعية المطروحة، والمخلصين للقيم المتجاوزة المفارقة للذوات والأنانيات الضيقة. طبعا اتساع هذه القاعدة، سينعكس على مستوى القيادة سواء المحلية أو المركزية، وبالتالي سيخفف من حدة التناقض الموضوعي القائم بين رغبات "الفرد" في الازدهار ورغبات "التنظيم" في الامتداد.

في النهاية، التنظيمات هي التجسيد المادي للأفكار (أفكار الأفراد النبهاء). ف"الأفكار" لا قيمة لها في حد ذاتها إن لم تتحرك في نفوس الأفراد وسلوك المجتمعات، وصلة الوصل الكفيلة بإنجاز ذلك حتما هي "التنظيمات". كما أن "التنظيمات" لا معنى إن كانت مجرد تجمع بشري يلتئم حول قضايا زائفة ويوفر ملاجئ اجتماعية ويهيئ مسكنات نفسية ويخدم حق الارتقاء الاجتماعي المشروع لبعض أعضائه.

...تابع القراءة

| 2 التعليقات ]



رأس الأدواء التي تعتورنا كمجتمع، هو الشرود عن طبائع الأشياء الموضوعية والذهول عن قوانين الطبيعة وسنن النفس وقواعد الاجتماع. بعبارة بسيطة، مازالت "المعرفة" بعيدة أن تكون مرشدة خطواتنا وملهمة برامجنا، ومازال "العلم" بمختلف المسائل كما هي كائنة في الواقع بعيدا عن أخذ مواقع "الإيديولوجيا" حيث نتصور المسائل الاجتماعية كما يحلو لنا وكيفما اتفق.
 مازلنا نتصور التاريخ باعتباره ركاما من الوقائع والأشخاص والأحداث بلا خيط ناظم، ومازلنا نرى في العلاقات بين البشر انعكاسات لرغباتنا بلا التفات لمحركاتها البنيوية، ومازلنا نقرأ النفس البشرية على أساس خلفيات ساذجة. ولعل من الأجدى ومن باب تجديد الأمل الإشارة إلى أن تصوراتنا للمسائل الطبيعية (بخلاف الاجتماعية) قد انزاح عنها على العموم ما كان يُقيدها في السابق من نظرات أسطورية وخرافات لا تستقيم، ولم تبق إلا بعض القضايا المحدودة التي تمس نشأة الإنسان وانبثاق الكون.

إن "المؤسسات" (البرلمان، الحكومة، المجالس المنتخبة، الحزب، النقابة... إلخ) و"المفاهيم" (الدولة، الحرية، العدالة، الديمقراطية التمثيلية، الديمقراطية التشاركية، الملكية الدستورية، الملكية البرلمانية... إلخ) ليست "مقتنيات" تنتقى في المحلات التجارية، وإنما هي نتاج لسيرورة تاريخية بل وصيرورة من التحولات الاجتماعية العميقة. ولهذا لا يجوز أن نتعامل معها بمنطق "المشتري" الذي ينتقي ما يريد في "اللحظة" التي يريد وفي "المحل" الذي يريد. 
إن الحقيقة التي لم تصبح بعدُ ثقافة راسخة في بنياتنا الذهنية، هي أن الحياة بكل حذافيرها (طبيعة النفس البشرية، طبيعة العلاقات الاجتماعية، طبيعة الكون الفيزيائية) لا تسير وفق ما نشتهي ولا تتساوق مع رغباتنا. فالحياة تهتدي بمنطق موضوعي خارج إرادتنا، وتبعا لمنطلقاتنا الإيمانية فإن الله جل في علاه هو الذي قال لذات المنطق "كن" ف"كان".
إن دورنا في هذا الإطار هو أن نبحث وأن نكتشف المنطق الذي يحكم الأشياء والحقائق والطبائع كما هي كائنة في الواقع. فاكتشاف منطق الطبيعة الفيزيائية مدعاة لتسخيرها لتحسين معاش المجتمع. وأما معرفة طبائع النفس والاجتماع البشريين، فهو أمر جدير – في المنطلق – بالدلالة على أرشد السبل لتنزيل "القيم" و"الغايات" و"رغباتنا المثالية" و"ما نريد أن يكون" على الاجتماع البشري (سياسة، قانونا، اقتصادا... إلخ). إذن، قبل الخوض فيما نريد لا بد أن نفهم الأمور كما تجري في الواقع، وإذ ذاك لا ضير في أن نعود إلى خبرتنا الدينية والفلسفية حتى ندقق القيم التي نتغيا أن تسود في حياتنا وعلاقاتنا وهياكلنا الاجتماعية والاقتصادية.
تعد "التنظيمات" إحدى الوحدات الاجتماعية التي كانت من ثمار الثورة البرجوازية في أوروبا. فبعد أن كان الأفراد ينتظمون في "قبائل" و"زوايا" وطوائف" في العهد الإقطاعي، صارت "التنظيمات" ملاذهم الجديد في العصر الحديث. هكذا، صارت الأحزاب والجمعيات والنقابات أبرز الأشكال التنظيمية التي صاحبت بالدرجة الأولى مرحلة امتداد "الرأسمالية الصناعية".
لعبت التنظيمات طيلة مسيرتها أدوارا طلائعية استكملت فيها المجتمعات التي نعمت بوجودها مسار التحرر من كل أشكال التخلف الاجتماعي السائدة من قبل. اليوم، تعاني التنظيمات من شبح الانقراض وهي معاناة موضوعية مفهومة لأنها متصلة بانتقال هياكل العالم - الذي أفرز "التنظيمات" - من مرحلة سيادة "الرأسمال الصناعي" إلى مرحلة سيادة "الرأسمال المالي".  
إن مرحلة "الرأسمال المالي أو الخدماتي" حيث يهيمن الاقتصاد الافتراضي، ألقت بظلالها الكثيفة على كينونة "التنظيمات" التي صار وجودها وتأثيرها على المحك. ولا يمكن استيعاب التحول الذي أحدثته "التنظيمات الافتراضية" في شبكات التواصل الاجتماعي إلا في هذا الإطار. بل وما التأثير الذي قادته لإشعال احتجاجات ميدانية، إلا دليل واحد من جملة الأدلة القائمة على أن "التنظيمات الافتراضية البديلة" تفرض نفسها بقوة.  بالمقابل، تتراجع "التنظيمات الكلاسيكية"، ومنها على سبيل المثال "النقابات"، حيث نجد نسبة التنقيب في مختلف دول العالم دالة للغاية.
ولكن ثمة مزلق نظري كبير وجب التنبيه إلى ضرورة الحذر من تبعاته. نعم، إن المرحلة الرأسمالية الصناعية التي أوجدت "التنظيمات الكلاسيكية" انتهت أو على وشك الانتهاء. ولكن، مهلا! إن هذه المرحلة انتهت فقط بالنسبة للعالم الغربي الرأسمالي الذي أفرزها وفق صيرورة موضوعية.
أما فيما يخصنا كمجتمع نامي، فمرحلة الرأسمالية التجارية أصلا كان مرورنا منها قسريا وعابرا، إذ كنا فيها مرتبطين بالسوق الأجنبية الخارجية أكثر من ارتباطنا بتنشيط السوق الداخلية، في النصف الثاني من القرن 19. وأما مرحلة التصنيع فمن الواضح أننا مازلنا نخطو فيها خطوات محدودة للغاية بسبب عوامل موضوعية (موازين القوى التي ليست مطلقا في صالحنا) وبسبب عوامل ذاتية (رخاوة عزيمتنا وهو ما يتجلى في ميلنا إلى انتظار الآخر للاستهلاك عوض المبادرة إلى الإنتاج، علاوة على استمرار الطابع الريعي لاقتصادنا).
إذن، فكما أن استنفاد عالم "الشمال" لبرنامج "الحداثة" على الصعيدين الفلسفي والقيمي وانشداده إلى "ما بعد الحداثة" لا يعني أن واجب الوقت هو أن نحذو حذوه. فكذلك، تفجُر تناقضات الرأسمالية الصناعية وانبثاقها في صيغة رأسمالية مالية مضارباتية لا يعني أن ندير الظهر لبرنامج التصنيع الوطني المستقل (طبعا، بعد استدماج الأفق الجديد للصناعة المعاصرة: النانوتكنولوجيا..). وكذلك، اتجاه السياسات العمومية نحو الارتكاز على "الديمقراطية التشاركية" في الغرب الرأسمالي لا يعني أن نغلق قوس السعي والوعي ب"الديمقراطية التمثيلية" بدعوى أنها متجاوزة.   
على هذا الأساس، لا يجوز لنا أن نتجاوز "المؤسسات" الاجتماعية التي ارتبطت بعصر "الحداثة" الفكري ومرحلة "التصنيع" الاقتصادي. وتنقسم هذه المؤسسات إلى قسمين؛ مؤسسات الدولة: الحكومة، البرلمان، جماعات ترابية... إلخ، ومؤسسات المجتمع: الأحزاب، الجمعيات، النقابات.
طبعا، المسألة ليست إرادوية بل فيها قدر كبير من الموضوعية. فثورة الاتصالات جعلت بالفعل العالم قرية صغيرة ذات مناخ فكري واحد وذات اقتصاد تبادلي عابر للحدود. مما يعني أن المجتمع الذي أمامنا هو الذي يهرب من "التنظيمات" تأثرا بالمناخ العالمي وبالانقلابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الرأسمالية المعولمة.   
نحن أمام تناقض موضوعي: من جهة، حاجتنا إلى "التنظيمات" (الأحزاب والنقابات بدرجة أولى) هي حاجة موضوعية لتحقيق الانتقال الديمقراطي وتحصين وضعية الطبقة الوسطى. ومن جهة أخرى، التوجه نحو "التنظيمات الافتراضية" باعتبارها بدائل هو تيار موضوعي عالمي يجرف ما هو محلي.
للأسف، نؤدي اليوم ضريبة تراكمات التأخر (وكلما تباطأنا كلما صار الاستدراك صعبا). ولهذا نعيش وضعا يتميز بهجانة لا حدود لها. على الصعيد الفكري: نعاني من رواسب التقليد الراكد، ومن النزوعات الما بعد حداثية الشاردة الوافدة (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة في الفكر غير هذه ولا تلك). على الصعيد الاقتصادي: نعاني من بنيات ريعية تقليدية، ومن نزوعات رأسمالية خدماتية ومضارباتية غير منتجة (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة  في الاقتصاد غير هذه ولا تلك). على الصعيد السياسي: نعاني من عزوف عن السياسة يتغذى على الجهل والتقليد، ومن رسوبنا في امتحان "الديمقراطية التمثيلية" واستعاضتنا عنها رسميا بالحديث عن محاسن "الديمقراطية التشاركية" وآفاقها الواعدة بالنسبة لجمعيات المجتمع المدني (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة في السياسة لا يمكن أن تتحقق  لا بهذه ولا بتلك). على الصعيد الاجتماعي: نعاني من استمرار البنيات الذهنية المنغلقة والعشائرية والقبلية، ومن كفر بالتنظيمات الاجتماعية الحديثة يقابله إقبال قياسي على "التنظيمات الافتراضية" في شبكات التواصل الاجتماعي (في حين أن حاجاتنا الموضوعية في الاجتماع لا يمكن أن يتحقق لا بهذه ولا بتلك).
إنها وضعية مضطربة تنفلت أمام كل تحليل نمطي ميكانيكي. هي محصلة صيرورة تاريخية لعب الأجانب فيها دورا لا بأس به منذ واقعة تطوان عام 1859-1860. وتبعا لذلك، موازين القوى الحالية لا تسمح لنا بنشدان تغييرات استراتيجية. ولكن ما نتحمل فيه المسؤولية ويقع تحت أيدينا يبدأ  أولا بالخطوة العاجلة المتمثلة في ضرورة الحسم مع معركة إدراك الطابع الموضوعي للأشياء (التنظيمات كانت مثالا في هذا المقال) من حولنا حتى نتصرف تصرفات مفيدة تسمح لنا بالانعتاق من هذه الحفر المظلمة.

...تابع القراءة

| 3 التعليقات ]





قد ينتبه المتتبع أو لا ينتبه لمسألة تداول الاستقالة أو الانسحاب من العدالة والتنمية والتنظيمات الشريكة في الفترة الأخيرة. بيد أن  المسألة، على حد علمي المتواضع، ليست عابرة وإن كانت لا ترقى إلى أن تكون ظاهرة. خاصة وأن المنسحبين ليسوا من طينة شائعة بل  هم مناضلون من الطراز الرفيع: خلقا، أدبا، كفاءة، ثقافة، نضالية، ومصداقية.
أغلب دفوعات المنسحبين تنصب على أن الهيئات التي ينخرطون فيها لا تقدم أداء مفيدا للمجتمع (سواء في السياسة أو الثقافة أو على مستوى تجديد الوعي الديني). ويضيفون أن تفطنهم لهذا الخلل قادهم إلى التفكير –عن غيرة- (بعد التأمل أو القراءة) في بدائل/مقترحات عملية لتجويد الأداء الاجتماعي لهذه الهيئات، ولكنهم يجدون الابواب مقفلة دون أي تفاعل يُذكر مع مبادراتهم التصحيحية.
(1)
في السياسة؛ يرى المنسحبون أن الحزب عليه أن يتعامل في تسييره للجماعة مع المواطنين بالخطة الفلانية، وقبل ذلك عليه أن يتعامل مع منتخبيه بالمسطرة الحازمة، وقبل هذا وذاك عليه أن يتفاعل مع أعضائه وأنصاره ومتعاطفيه بالشكل التالي. أما على صعيد الحكومة، فالتمثلات النقدية التي يحملها معظم المنسحبين تحبذ وصفة "بنكيران" كحد أدنى على مستوى تمنيع الخطاب والممارسة الحكوميين.  
يتقدم المنسحبون (أو الذين يفكرون في الانسحاب) بهذه الأفكار البسيطة ولكن التي تبدو عسيرة في التنزيل العملي على المستهدفين بها من مسؤولي الهيئات. يرافع الأخ من أجل مقترحه/تصوره/خطته في لقاء أو لقاءات أو قد يهمس به في أذن المعني به أو في أذن المقربين منه. لا يجد الأخ تفاعلا يذكر، فيلوم الجميع، ويفكر في مغادرة التنظيم.
بعد استبعاد وصفة "بنكيران" قسرا في الحكومة، فكر أصحاب التمثلات النقدية (وهم للإشارة أكثر حيوية ونشاطا ونضالية مع التحفظ على الإطلاقية والتعميم) في طريقة للتعويض النفسي والسياسي والنضالي عن غياب تلك الوصفة؛ فلم يجدوا أمامهم من حل سوى التفكير في تعديل القانون الداخلي مما يسمح له بولاية ثالثة على رأس الحزب تتيح له الحضور السياسي المفيد للمشهد الديمقراطي (الذي يحتاج لأحزاب ونخب قوية ومستقلة تناضل باستماتة واستبصار) وتفتح له إمكانية تجديد الوصفة بنكهة أقوى في حكومات لاحقة (بعد الحفاظ على الحزب كأداة قوية للإصلاح وتقوية فرص تصدره للمشهد الانتخابي في انتخابات سابقة لأوانها أو في انتخابات عادية).
خابت آمال المنسحبين، بعد التصويت برفض التمديد في القانون الداخلي في الحزب بفارق بسيط جدا. وظنوا بأن الرفض وراءه أياد خفية، فصاروا يحسون بالإحباط والاغتراب داخل الحزب لأن معيار الفائدة في الأداء الحكومي، في الفترة الراهنة على الأقل، هو تنزيل وصفة بنكيران، وهو ما يغيب بسبب غياب صاحب الوصفة. الحل هو المغادرة الطوعية وأحيانا المغادرة القسرية (بعد صراع في لقاء مفتوح أو مؤتمر تنظيمي مع مسؤول محسوب على الخط الرافض للتمديد لبنكيران  ويستغل صلاحياته أبشع استغلال).
 في الثقافة؛ تنبثق عند الأخ ميولات جادة نحو القضايا الفكرية والثقافية، فيجد نفسه وهو ابن أم هيئات العدالة والتنمية وحيدا أو على الأقل مع قلة قليلة من المهتمين بذات القضايا. فالغالبية العظمى تنخرط في نقاش التدبير اليومي (في السياسة، والتنظيم) وتتيه في متابعة اللقاءات التنظيمية الراتبة وتكرر نفس العبارات والأفكار والجمل والتوجيهات... إلخ. فيتساءل مع نفسه، ما الجدوى من الاستمرار في ذات التنظيمات أو الهيئات خاصة وأنه حاول أن يقترح برنامجا تكوينيا جديدا فتم رفضه وحاول أن يقترح موضوعات وكتابات ومؤطرين جدد فصُدت عنهم الأبواب؟!
يحاول المهموم بالثقافة الذي صار يؤمن بأن المدخل الحقيقي للتغيير وإفادة المجتمع هو بث الوعي. يحاول أن يجد صلة بين ما يؤمن به حديثا وما راكمه من أفكار وقناعات، فتراه يحاول التوفيق بين شعار "ترشيد التدين" الذي ترفعه الأم وبين أولوية تجديد الوعي الديني (فيبحث عن مسوغات لذلك منها أن المصطفى بدأ بزرع العقيدة أي قلب الوعي أولا قبل الحديث عن السلوك والممارسات والشعائر... إلخ). تتطور لديه هذه الأفكار فيرى بأن وظيفة الحركة الحقيقية هي الإصلاح الديني، وما أعظمها من وظيفة إذ كانت أيضا منطلق أوروبا في الترقي! لكن سرعان ما يقطع حبل الحلم فيجد أن الحركة في الواقع غارقة في جلسات رتيبة (على أهميتها بالنسبة للأطفال والفتيان) ولقاءات تنظيمية مثقلة بالبيروقراطية (على أهمية التنظيم في تدبير شؤون الهيئات) وحملات (يُختلَفُ في تقدير فائدتها عدا أنها لا تخدم مشروع الإصلاح الديني وإن كانت لا تتناقض معه).
يناقش هذه الأفكار بالهمس والإشارة والتلميح في البداية، لكن قطار التفكير لا يعرف محطة للتوقف، تخونه العبارة في لقاء مفتوح، يُقدم مقترحاته في نقاشات حميمية. يتأكد من أن النسق عصي على استيعاب ما يؤمن به. يهرب من النسق حيث يمكن أن يجد الهواء الكفيل بإنعاشه وهو يضم إلى صدره بقوة تلك الأفكار ويستمر في قطار التفكير (وربما الكتابة والتأليف في أحسن الحالات).
(2)
القاسم المشترك بين المغادرين الذين سبقت الإشارة إليهم أعلاه هو؛ الحيرة أمام غياب أداء يفيد المجتمع من ناحية الإصلاح الديني أو الثقافي أو السياسي، والغيرة على الجهد النفسي والبدني والمالي الضائع (على المستوى الفردي) الذي  يُظَن أنه يمكن أن يُوَظَف بشكل إيجابي لصالح المجتمع.
على المستوى السياسي؛ من البديهيات أن الإصلاح على هذا المستوى يحتاج إلى الانخراط في حزب. فالحلم بمجتمع كريم ووطن عزيز ينعم مواطنوه بالحريات الديمقراطية وتخف فيه الفوارق الاجتماعية ويتمتع بمنظومة تعليمية منتجة لمواطن قادر على التمييز (وقول: لا في الوقت المناسب، ونعم متى استحق القيل أو الفعل ذلك) ومعطاء في مجاله العلمي ومساهم في حلقة التنمية والإضافات المفيدة للمجتمع. إن هذا الحلم لن يتحقق عمليا إلا عبر بوابة العمل السياسي والانخراط الحزبي في تدبير السياسات العمومية.
الاستقالة من الحزب والمغادرة الطوعية بسبب استعصاء تنزيل الرؤى الشخصية (محليا وحكوميا) يَلزَم فاعله التفكير مليا في أحلامه السياسية والتنموية.
في التاريخ السياسي للمغرب المعاصر دروس بهذا الصدد؛ في أواسط ستينيات القرن الماضي لما استاء التلاميذ والطلاب والشباب عامة من الخط السياسي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الذي كان بالمناسبة أمل تلك المرحلة كما هو الشأن بالنسبة للعدالة والتنمية في النصف الأول من هذا العقد). إذ كان قد مضى على الاستقلال السياسي عقد من الزمان دون أي تململ ملحوظ في المشهد التنموي والديمقراطي. ففكروا في فتح النقاش مع أقرانهم في شبيبة الحزب.
فتحوا النقاش بشكل محدود، وكان شعار دفوعاتهم النقدية هو غياب الوضوح الإيديولوجي في مشروع الاتحاد. طبعا، كان معروفا أن الاتحاد يعرف انقساما على صعيد قيادته بين جناح المهدي بنبركة (الذي لم يحتمل الخلاف ففضل المنفى الاختياري إلى أن تعرض للاختطاف يوم 29 أكتوبر 1965 رحمه الله) وجناح عبد الله إبراهيم (الذي تدعمه نقابة الاتحاد المغربي للشغل بزعامة المحجوب بنصديق). ظهر الخلاف في المؤتمر الثاني عام 1962 حينما تم رفض ورقة "الاختيار الثوري" للمهدي بنبركة وعرض ورقة "التقرير المذهبي" لعبد الله إبراهيم.
أجل، لقد كان المهدي بنبركة زعيم المرحلة، وهو الدينامو الذي جمع الشتات الذي أنشأ الحزب، وكان ملهم الشباب بخطاباته ورؤاه الثاقبة حول مستقبل المغرب المستقل. صحيح كان عبد الله إبراهيم أيضا زعيما في أوساط الخلايا المراكشية منذ نعومة أظافره، وكان مثقفا لا يشق له غبار جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وكان مناضلا نقابيا وسياسيا يجذب النقابيين. لكن المهدي اختارته الأقدار واختاره الناس وخاصة الشباب ليكون زعيما شعبيا وأمميا فريدا في تلك المرحلة.
في النصف الأول من عقد الستينيات، تم إحداث أول دستور (كيفما كان التقييم، وبغض النظر عن كونه دستورا ممنوحا، فالعديد من الباحثين يشيرون إلى أنه متقدم بالمقارنة مع الدساتير التي تلته وبالمقارنة أيضا مع سياق المرحلة) عام 1962، وتم تنظيم انتخابات ديمقراطية نزيهة (سمحت للمعارضين بإحراز مقاعد مهمة مجموعها 69 مقعد، منها 28 مقعد خاصة بالاتحاد؛ وجدير بالذكر أن الاتحاد لم يحصل على هذا العدد من المقاعد حتى في سنة 1977 أي بعد المصالحة مع القصر على إثر قضية الوحدة الترابية، إذ كان مجموع المقاعد المحصل عليها آنذاك في حدود 15 مقعد بسبب التزوير) وتم تدشين أول تجربة نيابية ديمقراطية قوية لعبت فيها المعارضة الوطنية أدوارا طلائعية انهارت معها مكونات الأغلبية المصنوعة مرارا.
لكن للأسف تم الانقلاب على هذه التجربة الديمقراطية الناشئة وتم إعدام الحياة الدستورية الفتية بإعلان حالة الاستثناء في سنة 1965. وتم الانخراط في مسلسل من التراجعات لم يفق منه المغرب إلا عام 1998. اكتمل المسلسل بالاغتيال المادي لزعيم المرحلة في 29 أكتوبر 1965، بعد اغتياله رمزيا من طرف أشقائه في الحزب.
وقف الشباب أمام هذه الانقلابات دون أن يجدوا أجوبة من طرف قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان في حكم المُصاب بالشلل. تلا ذلك نكوص إقليمي بهزيمة 1967.
ولى الشباب وجهته نحو الاتحاد السوفياتي الذي دعم بعض الحركات التحررية، وانبهروا بالثورة الثقافية في الصين عام 1966، فانكبوا على الحرف والقراءة وصاروا مؤمنين بأنه لا خلاص سياسي ينتظرنا من دون تطبيق وصفات الماركسية اللينينية. فكانوا يحلمون بالحزب الثوري الذي يقوده العمال ويفجر الثورة التي ستكون –حسب تحليلهم- منطلق برنامج اقتصادي واجتماعي وعلمي ثوري. طبعا، لم يكن العمال في مستوى هذه الطموحات. لكن، هربرت ماركوز أحد الماركسيين النجباء اقترح حلا واقعيا وهو اعتبار الطلاب بمثابة طليعة تكتيكية للثورة في انتظار طليعتها الاستراتيجية (العمال).
هكذا، غادر الشباب حزب الاتحاد، ولجأوا إلى الساحة الجامعية، وكان المنطلق "ظهر المهراز" بفاس، لإعداد الطليعة التكتيكية (الطلاب). من حسن حظهم، أن المحيط السياسي والفكري كان مناسبا لأنه يغلي. ولهذا سرعان ما استحوذوا على الإطار الطلابي في ظرف سنوات قليلة واكتسحوا جماهير الاتحاد بل وحصلوا على رئاسة المنظمة الطلابية (أوطم) عام 1972.
قمة ما يمكن أن يفكر فيه الفرد في مناهج التغيير السياسي هو (الثورة)، فكر فيها أولئك الشباب بعد تراكم إحباطات ما بعد الاستقلال. أدوا الثمن غاليا، اعتقلوا ونُفوا وعُذبوا. في السجن قاموا بمراجعات وتأملات. خرجوا من السجن فأسسوا حزب "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" عام 1983. اشتغلوا بالحزب 13 سنة. انشق الحزب وتمخض "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" الذي اندمج من جديد في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2006/2007.
هؤلاء الشباب استقالوا لأنهم رأوا أن الحزب لا يقدم أداء مفيدا في المشهد السياسي بعد مرحلة نكوص إقليمية ومحلية. فانخرطوا في نقاشات وقراءات أوصلتهم إلى الإيمان بطرق ظنوا أنها أفيد في التغيير، فسلكوها بصدق، وأدوا الضريبة غاليا. فعادوا تدريجيا إلى حزبهم الأول بعد 40 سنة أي بعد ميلاد جيل كامل!
لماذا؟ لأن التأثير في المشهد السياسي المغربي يحتاج إلى حزب يحمل اسما كبيرا ويقف على إرث عريق ويتمتع بقيادة نفاذة وذات مصداقية لا تُخلف المواعيد مع التاريخ. ربما دخولهم من جديد إلى الحزب جاء متأخرا إذ وجدوه طريح الفراش ولا أمل في العلاج. هنا، يَهُم الدرس الكبير وهو أن الطواف الذي دام 40 سنة قاد المغادرين الأوائل إلى العودة بعد تجريب خيارات ومسارات أخرى.
الشق الثاني من حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي المنشق عام 1996، تحالف مع المغادرين الجدد لحزب الاتحاد الاشتراكي غضبا من مسار "التناوب التوافقي" باعتباره غير مفيد لمسيرة النضال الديمقراطي، فأنشأ التحالف الجديد حزبا جديدا هو "اليسار الاشتراكي الموحد" تطور إلى تحالف أكبر هو "فيدرالية اليسار الديمقراطي". طبعا، هذه الفيدرالية تضم طاقات كبيرة وتروج لمشروع طموح. لا يسع أي ديمقراطي غيور إلا أن يتمنى لها النجاح. ولكن في نهاية المطاف، ليست سوى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي (عمر بلافريج ليس سوى فتح الله ولعلو حينما كان رئيسا للفريق البرلماني للحزب).    
(3)
فيما يخص المغادرين المهمومين بأسئلة الثقافة والمهجوسين برهانات بث الوعي. طبعا، سؤال الثقافة يمكن حمله بشكل فردي بخلاف سؤال السياسة. بمعنى أن الخروج من التنظيم ومغادرة هيئاته، إذا كان فعلا سيوفر الجهد والوقت على صاحبه ليقدم عملا أهم وأفيد للمجتمع كتدبيج مؤلفات وتوسيع شبكة العلاقات وإطلاق العنان للاجتهاد وتنويع فضاءات التأطير (الندوات والمحاضرات مع مختلف المؤسسات). فالمغادرة مفيدة لأن تكاليف البقاء فيها خسارة نفسية ومادية ملموسة.
أما إن كان سبب المغادرة عدم قيام الحركة بوظيفتها المفترضة؛ "الإصلاح الديني". فمؤسسات الدولة الرسمية لا تقوم بهذا الدور. ولا يمكن لبضعة أفراد أن يعوضوا عمل المؤسسات الشعبية أو الرسمية. ولهذا فالاشتغال بشكل فردي أو العمل على فتح نواة (في حدود 10 أفراد) عبر البحث والنشر والإسهام في النقاش العمومي عبر الوسائط الإعلامية المُتاحة يمكن أن يشكل مقدمة لاتجاه عام أو نَفَس يعيد الاعتبار لجوهر الدين ويحرره من الزوائد التي لحقت به. إلا أن المؤسف هو أن المناخ المجتمعي غير قادر على إنجاب تنظيمات جديدة في ظل النزعة الاستهلاكية والسلبية والسيولة المنتشرة.
وهذا ما يحيل على التوكيد على أن القيام بشكل فردي بالحد الأدنى من تجديد الوعي الديني في المستويات الدنيا وسط التنظيم في أوساط التلاميذ أو في جلسات الشباب الشاردة في حي من الأحياء عمل أفيد من الانسحاب بشكل كلي بدون الانخراط في بدائل منسجمة مع حلم تجديد الوعي الديني.
(4)
على سبيل تلخيص الخلاصات؛ يمكن القول:
-          إن الانسحاب مسألة شخصية متروكة أسبابها لرهانات الفرد وأهدافه في الحياة وأحلامه تجاه المجتمع.
-          إن التنظيمات تستعصي على التغيير السريع، ولا تقبل الجديد إلا على مضض، ولا يمكن لإرادة فرد أن تغير المنحى العام.
-          إن التاريخ لا يتحرك بالرغبات (رغبات الأفراد)، بل تحكمه سنن تؤطر صراع الإرادات.
-          إن السياسة، سواء في بعدها التنموي على المستوى المحلي أو في بعدها الديمقراطي على المستوى الحكومي، لا يمكن تقديم إضافة فيها تفيد المجتمع خارج الاحزاب. واليوم الحزب الأقوى، رغم كل شيء، هو العدالة والتنمية. ومن الصعب بناء حزب في حجمه (على علاته)، وبالتالي من الصعب التفكير خارج إطار النضال من داخله عبر تقوية الشق الإصلاحي فيه الخادم للمجتمع.
-          إن قضايا الفكر والبحث العلمي تحتاج إلى تركيز وجهد استثنائي لإنتاج ما يفيد المجتمع. لهذا فالانسحاب ينفعها، غير أن تعميم نتائج البحث وتحويلها إلى ثقافة في أوساط المجتمع أي بث وعي جديد يحتاج بالضرورة إلى مؤسسات شعبية تحتضن هذه الافكار وتنشر هذه الثقافة.
-          إن قضايا تجديد الوعي الديني متصلة بالاشتغال على ثقافة المجتمع بهدف تحريكها وهو ما يتطلب جهدا أكثر من فردي. ولهذا فاليأس من تحويل التنظيم إلى حركة إصلاح ديني لا يمنع من تشكيل أنوية وخلايا للعمل على هذا المشروع المفيد للمجتمع خارج التنظيم.
-          الأساسي هو أن يكون الفرد فعلا طامحا إلى إفادة المجتمع. أما إن كان حريصا على إفادة نفسه فقط فحضوره في التنظيم وغيابه سيان، وإن كان تكاثر أمثال نموذجه عنوان الانهيار.  

...تابع القراءة

| 2 التعليقات ]






في كتابه العمدة (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وبالتحديد في فصل "الاستبداد والتخلص منه"، أفرد عبد الرحمان الكواكبي فقرات خاصة عبارة عن توجيهات عملية دقيقة موجهة للشاب(ة) "الراغب في نهضة قومه" لكي يهيئ نفسه ويزن استعداده؛ قائلا: إني أنبه فكر الناشئة العزيزة على أن من يرى منهم في نفسه استعدادا للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا الآتية:

1-      أن يجتهد في ترقية معارفه مطلقا، لا سيما في العلوم النافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي.. فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه بالتلقي، وإن تعذر فبالمطالعة مع التدقيق.
2-      أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعا محترما وعلميا مخصوصا كعلم الدين والحقوق، أو الإنشاء، أو الطب.
3-      أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة، ولو أن فيها بعض أشياء سخيفة.
4-      أن يقلل اختلاطه مع الناس، حتى مع رفقائه في المدرسة، وذلك حفظا للوقار وتحفظا من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعا لسقوط صاحب له.
5-      أن يتجنب كليا مصاحبة الممقوت عند الناس، لا سيما الحكام، ولو كان ذلك المقت بغير حق.
6-      أن يجتهد ما أمكن في كتم مزيته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم. لأجل أن يأمن غوائل حسدهم. إنما عليه أن يظهر مزيته لبعض من هم فوقه بدرجات كثيرة.
7-      أن يتخير له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: ألا يكثر التردد عليه، ولا يشاركه في شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتم في نسبته إليه.
8-      أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه، وألا تؤخذ عليه تبعة رأي يراه أو خبر يرويه.
9-      أن يحرص على أن يُعرف بحسن الأخلاق، لا سيما الصدق والأمانة والثبات على المبادئ.
10-   أن يظهر الشفقة على الضعفاء، والغيرة على الدين، والعلاقة بالوطن.
11-   أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن به فظائع شرهم إذا كان معرضا لذلك (دار الشروق، الطبعة الأولى، 2007، ص:135-136).
هي دروس/وصايا/نصائح/توجيهات هامة، يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

-          الاطلاع على الحد الأدنى من المعارف (لمحة عن كل شيء) في الفلسفة/الفكر، في تاريخ الوطن وأحزابه وحركاته ورموزه، الاقتصاد/القانون/السياسة.
-          الاطلاع على "كل شيء" في علم من العلوم، بمعنى إتقان تخصص من التخصصات العلمية سواء في العلوم البحتة الطبيعية/الفيزيائية/التقنية أو في العلوم الاجتماعية أو في العلوم اللغوية أو في العلوم الدينية.
-          مصاحبة الكبار على كل المستويات القيمية والإيمانية والعلمية والسياسية والاستنارة بتجاربهم الوجدانية/الإيمانية، الفكرية/العلمية، السياسية/النضالية.
-          احترام تقاليد الوسط الاجتماعية ومخاطبة الناس على قدر عقولهم.
-          الحرص على جمالية التدين ودماثة الخلق ومعاني الوطنية ونصرة المستضعفين والانحياز إلى المواطنين، والابتعاد ما أمكن عن دوائر المستبدين.
تبقى الحاجة إلى صناعة مناخ اجتماعي وثقافي يسمح بنمو المواهب الشابة التي تتقن تخصصاتها مع انفتاح واع على الميادين المعرفية الحيوية (التاريخ، الفلسفة، الاقتصاد، القانون، السياسة) من ألح الأولويات في وطننا. إن درس الكواكبي مهم لتدقيق ملامح النموذج/الموهبة المطلوب. إنه النموذج الذي يصنع مجدا حقيقيا يعود بالنفع على المجتمع وبالتبع على الفرد.

...تابع القراءة