? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]



قضيتُ يوما متعبا مع والدتي -أطال الله عمرها- في تنظيف و "إعادة تهيئة" المسكن والفضاء الذي نعيش فيه. طيلة أشغال التنظيف راودتني أسئلة كان قطب رحاها السؤال التالي: الأشغال الشاقة، في حياة الإنسان الفرد والمجتمع، من سيتحملُ أثقالها؟
كان سؤالي نابعا من قناعة  تؤطرني مفادها أن البشرية، عبر تاريخها، تتغيى إنزال المشقة عن الإنسان وتيسير شؤونه وإسعاده على الأقل في الجوانب المادية. من هذا المنطلق، كانت روائح المشقة التي شممتها في تلك الأشغال مدعاة للتساؤل ومبعث للقلق على المعذبين في الأرض (المرأة، عمال البناء و النظافة، المشتغلون في حمل و نقل الأثقال، المتسمرون في  الشمس الحارقة..).
ربما الآباء حينما يحملون هاجس المستقبل المادي والمهني لأبنائهم، بشكل مَرضي، ينطلقون من الشعور الذي يتملكهم حينما يتصورون ابنا لهم أو ابنة وهو يكابد طعنات الدهر وشقاء الحياة. الكل، إذن، يريد أن يكون ابنه طبيبا أو مهندسا أو محاميا أو أستاذا.. و هذا حق مشروع بل واجب مفروض. لكن، لا ينبغي أن ننسى –أتحدث هنا باسم أهل الفكر والثقافة المهمومين بأمر مشروع المجتمع الذي نريد- أن هناك أعمالا لا تقوم الحياة بدونها والحاجة دائمة إليها (البناء، النظافة...)، مازالت أكلافها وتكاليفها (الإنسانية والاجتماعية بالدرجة الأولى) غالية، ولن يكون ضحية لها سوى أحد من إخوتنا و أبنائنا. قد يُقال إن المعني بالأمر هو المسؤول فهو الذي كان متهاونا في صباه في الدراسة لهذا فهو حاصد ثمار الشقاء لا محالة جزاء عمله. نعم، جزء من هذا صحيح. غير أن الفرص المتاحة أمام الجميع في الصبا و الطفولة في التعلم و الدراسة غير عادلة بحكم الظروف الاجتماعية الخارجة عن إرادة المعني بالأمر. و بعد، فهذا ليس موضوعنا و لا مقصودنا، إن الفكرة التي أريد التصريح بها هنا هي أنه إذا افترضنا أن الجميع يدرس لغاية الطب والهندسة والمحاماة والصيدلة –و هذا هو السبيل الذي نحن ننتظم في إطاره-، فهناك مشاغل أخرى لا بد من قائم بها وأكيد انه سيكون أحد الخافقين، لسبب أو لآخر، في السباق نحو الغاية المذكورة.
نظرا لاطلاعي الشحيح والمعدوم على تجارب الدول و الأمم الأخرى في هذه المسألة، فإني سأكتفي بالإشارة إلى كون المشكلة هي إنسانية وكونية وليست مشكلة محلية. لأن البشرية، في تاريخها، تتقصد ترسيخ قيم ثلاث هي العدل والحرية والمساواة. ولا شك أن الوضع الذي يُجيز وجود فئة تعاني الأمَرين في أعمال شاقة وفئة أخرى تعمل في الغرف المكيفة و بكبسات الزر في الحاسوب، ليس وضعا عادلا و لا موحيا بمساواة إنسانية.
إنه لا مناص بمنطق قيم العدل و الحرية و المساواة التي تقرها و تدعو إليها كل الشرائع، من التفكير في سبل تدبير الأشغال الشاقة: سبُل تؤكد إنسانية الإنسان القائم بها وتغرس فيه أحاسيس العزة والكرامة وشعور القائم بمهام التعليم والهندسة والمحاماة.
فلنعد إلى قصتنا، التصور الذي يرى  بأن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة فيه عدل ومساواة ورحمة (باعتبار متاعب خارج البيت من نصيب الرجل و مشاغل داخل البيت من حظ المرأة)، تصور يبدو محدودا ولا أثر له في الواقع. لأن الاتجاه العام لطبيعة الأعمال الخارجية، بات يومئ إلى أن العمل بات مريحا و ميَسرا إلى حد ما، باستثناء الأشغال الشاقة التي وقفنا عندها. أما الأشغال المنزلية، ففي فضاء محدود: من وحي التجربة (تجربة والدتي) نقول إنها متعبة حقا و ظالمة صدقا، ناهيك عن الفضاءات الفسيحة، ولا يمكن لأي عاقل(ة) إلا أن يُفضل العمل الذي يقوم به خارج البيت –باستثناء الأشغال الشاقة- بل لا يمكنه إلا أن يُفضل أضعافه في مقابل الانسلاخ من هوية الأشغال المنزلية الرتيبة و المُملة.
كيف ستُدبر، إذن، الأشغال المنزلية في جو تُصان فيه إنسانية ربة البيت ورب البيت؟ هذا هو السؤال الذي شغلني حينها. فهناك من يقول بجلب "الخادمات".. يبدو أن المؤمن بكرامة الإنسان –أي إنسان- سينفر فورا من هذا الخيار لأن الخادمة في نهاية المطاف امرأة أيضا مثل الأم والأخت والزوجة. والنظام العادل الذي يرمقه كل حر لا وجود فيه لمسمى "الخادمات". نعم، قد يعتبر بعضهم هكذا كلام بأنه غرق في عالم المُثل. قد يكون كذلك، لكن المعروف أن المتصدي لأدواء الإنسان والمجتمع لا يبرر الظلم مهما كان الثمن ومهما كانت العاقبة. صحيح، بالإمكان الحديث عن مربية للأطفال في غياب بسبب العمل عن المنزل، لكن القول بأن جلب "الخادمة" للعناية حصرا بالأشغال المنزلية اليومية من تنظيف و كنس و طهي و .. يبدو مردودا.
ربما في انتظار مزيد من التأمل في السؤال والاطلاع على تجارب غيرنا من بني الإنسان، أسوق جواب والدتي أسعدها الله دنيا و آخرة: بالتعاون، بالتعاون، يا بني، تهون كل المصاعب وتنهار كل المشاق..

  

...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]



ماركس.. لا مفر لابن الحركة الإسلامية، في بداياته، من تشييد علاقة متشنجة معه. قصتي مع ماركس تبدأ من التعاطي الإيجابي الذي قابلتُ به محاولات مدرسة آل قطب الرد على "اليهود الثلاثة" (ماركس، فرويد، دوركايم) في مجموعة من الكتابات. مرور العناوين التالية : "ماركس" و"الماركسية" و"الحركة الماركسية اللينينية" يتردد باستمرار على ذهنيتي. وأكيد أن تمثُلي لماركس وبقية هذه العناوين كان طافحا بالاختزال والاجتزاء والأحكام الفارغة من أي برهان.
مدرسة آل قطب التي لها أفضال لا تقدر بأي ثمن علي وعلى جمهور عريض من أبناء الحركة الإسلامية، لن أتهمها بالاتهامات المجانية (أي بعد أن "اقتربتُ" من إنسانية ماركس: سألعن مدرستي الأولى و سأتهمها بتعمُد تزييف وعيي). لكن، نذهب مذهب القائلين إنها تجربة بشرية محكومة بسياقات أواخر الخمسينات والستينات حيث اشتد الشد والجذب بين معسكر الشرق (الاتحاد السوفياتي: الذي يزعم أنه حامل لإرث "الماركسية") ومعسكر الغرب الذي يحمل لافتة أخرى. وكان معسكر الشرق بمثابة قطب جذب لجماهير واسعة من الشباب القاطن في الوطن العربي والإسلامي نظرا لتظاهره بالانحياز للعالم الثالث ومناهضة الامبريالية وتغوُل المعسكر الغربي علاوة على احتفاظ الفكر الماركسي ببريق خاص لارتباطه بإثارة المسألة الاجتماعية وقضايا المستضعفين. ومن المفهوم أن نجد أي متصد لرد الفعل، عاكفا على تسفيه أحلام وخطاب صاحب الفعل. و لما بات الفعل هو استقطاب معسكر، يقدم نفسه على أنه حاضن للفكر الماركسي، لشباب الوطن فإن رد الفعل كان هو الانتفاض والنهوض بعزم وإصرار لنقض هذا الفكر بالعودة إلى اختزال رائده في ثياب "اليهودية" أو ثياب "الإلحاد". فإعلان الاتحاد السوفياتي: الإلحاد دينا رسميا للدولة زاد من حدة رد الفعل ومن سواد الزاوية التي يُرى منها ماركس.
اختيار "الاقتصاد" كتخصص مدرسي كان من بين أهدافه الانطلاق نحو إعادة التعرف على ماركس. و تيسر لي بفضل المولى جل و علا الاطلاع على نُثارات من كتابات ماركس (الإيديولوجية الألمانية، المسألة اليهودية، كتابات عن حياته وفكره وهمومه).
كانت أولى المشاهد المضيئة في حياة ماركس التي أثارت انتباهي، وطالما رددتها لزملائي، هو ماركس المهموم بالإنسان والإنسانية جمعاء. ماركس الذي تيقظ وعيه الإنساني المرهف منذ سنينه الأولى وشبابه الباكر. حوالي سنة 1835-1836 وعمره 17 ربيعا (للإشارة فهو من مواليد 1818)، طلب الأستاذ من التلاميذ تحديد متمنياتهم المهنية في المستقبل، أجاب الإنسان ماركس: لا تهمني إطلاقا طبيعة عملي. ما يهجسني ويؤرقني هو أن أعمل ما أقدمه به خيرا وإضافة للإنسانية جمعاء. ذلك هو عهد الكبار أينما كانوا وكيفما كانت ملتهم. لم يلتهوا أبدا بأفق ضيق أو ثراء شخصي وإنما كانت وجهتهم ماثلة نحو خدمة الإنسانية من أي سبيل. فالمقصد هو إسعاد بني الإنسان والطريق غير هام فملامحه ستتجلى بعد حين. وكما يقول أحدهم، لولا هؤلاء لضاقت بنا الحياة.
كانت ثاني الملاحظات التي رفعت عني غشاوة إيديولوجيا العداوة لماركس ذات صلة وثيقة بالبيت القصيد إنها رسالة عبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب". وعمره 26 ربيعا أي في سنة 1844، في إحدى مخطوطاته، كتب ماركس في نص ينطق بما مفاده أن الدين تعبير على تُعاسة الإنسان واحتجاج على هذه التعاسة، قبل أن يتحدث على أن الدين الموَظف لإسكات الحركة الاحتجاجية و مناهضة الظلم الاجتماعي أفيون ومخدر معيق لحركة الإنسان والمجتمع. إذن، سياق إيراد العبارة الشهيرة سياق تشريف للدين باعتباره عنوان المقاومة والاحتجاج والنضال ضد كل أشكال الظلم والطغيان.
أما ثالث محطة أبرزت لي ماركسا "جديدا" كانت مع مفهومه الشهير بل نظريته المركزية أي "الألينة: الاستلاب، الاغتراب.." حينما كان يصدح إن العامل مغترب عن عمله و عن السلعة التي أنتجها. هنا تجلى ماركس المنافح عن حرية الإنسان الرافض لخضوعه للاستعباد من طرف سلعة صماء أفنى فيها قوة عمله فحُرم من قيمة عمله في نهاية المطاف. إن رحلة ماركس بمثابة مرافعة علمية للدفاع عن حرية وكرامة الإنسان-العامل ضد مساعي تشييئه و استلاب حريته.
كانت رابع الإشارات اللطيفة في مسار ماركس هو وفاؤه للعهد الذي أخذه على نفسه حينما كان تلميذا أي توسل أي طريق لخدمة الإنسانية جمعاء. هنا يظهر ماركس الإنسان من جديد الذي يحترق من أجل الآخرين، والذي بإمكانه أن يعيش حياة كبار أهل الفكر المُترفين لكنه اختار شظف العيش ليذوق مرارة حياة كل المقهورين، هنا يبرز ماركس الذي يعيش على الاستدانة و مساعدات صديقه إنجلز..
إن ماركس الذي في خاطري يُذكرني بالخالق الباري. إن عكوف ماركس، هذا مع "رأس المال" فحسب، 23 سنة منقطعة للبحث والقراءة والحفر المعرفي من السابعة صباحا إلى السابعة مساء  في المكتبة الوطنية لأكبر دليل في نظري على القبس الإلهي المُتضمن في تكوين كل إنسان ابن آدم. فأن ينقطع المرء للمعرفة والبحث عن المعنى ويزهد في الدنيا وملذاتها لأقوى برهان على أننا كائنات ليست ترابا فقط بل موجودات كريمة بروح المولى جل في عُلاه. إننا في معركتنا اليوم ضد نزوعات ما بعد الحداثة غير الإنسانية التي تُروج لإنسان استهلاكي أولا و أخيرا وتختزله  في الجسد بل في عضوه التناسلي. إن  معركتنا لاستعادة إشراقات عهد التنوير بصيغة جديدة فيها جرعات هامة من لفت الانتباه إلى ازدواجية الإنسان تبدأ من تسليط الضوء على إلماعات إنسانية كل عظماء التاريخ أمثال ماركس و غيره الذين اكتووا بالنار ليعيش الآخرين في أجواء العدل والحرية والسلام.  


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في سنوات السلك الثانوي، كنت أعيش قلق التلاميذ و قلبي هناك مع الطلبة في الجامعة. لذلك لا تفوتني عطلة دون زيارة أجواء الطلاب خاصة في أكادير. كنت أرنو بشكل متحمس إلى ذلك اليوم الذي أكون فيه طالبا و ألتحق بركب التجديد الطلابي. و الأمر الذي كان ينغص عليَ معيشتي ويشوش على حلمي هو كوني منتسبا إلى شعبة العلوم الرياضية التقنية؛ شعبة لم تكن لتُخيرني في شأن مستقبلي، فقد كانت وجهتها إلى تأهيل "المهندسين" صارمة. لذلك كنت طيلة الثانوي أحاول أن أعَوض ما سأفتقده في الأقسام التحضيرية أو معاهد المهندسين. كنت أحاول أن أعيش "الجامعة" في "الثانوية". و ما شجعني على المُضي في ذلك مطالعات يسيرة عن أجيال من التلاميذ المغاربة كانوا يعيشون جو النقاش و التفاكر في فضاءات الثانوية. و إن كنت أنسى لحظات جميلة قضيتها بهوية "تلميذ"، فلن أنسى الأيام الأخيرة التي هددني فيها المدير (حسب كلامه، فالتهديدات جاءت من السلطة المحلية) و ترجاني –بلغته- في والديَ أن أُوقف نقاشا بسيطا و دردشة متواضعة مع التلاميذ في وقت الاستراحة، قائلا: يا بني، دع النقاش.. إلى الجامعة.
كان من مفاجآت الأقدار أن حقق المولى جل و علا الحلم الكبير و جئت إلى الجامعة بعد حنين سنين و سنين. لكن، مع الأسف الشديد لم يكتمل الحلم بل اصطدم بصخرة الواقع الأليم و استحال سرابا لا يسُر الناظين. إذ وصلتُ إلى الجامعة وهي بالكاد منسلخة من أدوارها الاجتماعية و الثقافية والاحتجاجية ناهيك عن العلمية. وصلتُ إلى جامعة العاصمة فوجدتها صحراء قاحلة. وصلتُ إلى الجامعة و لست مبالغا إن قلت إن التجارة السائدة فيها هي تجارة "الغش" في الامتحانات. وصلت إلى الجامعة بعد طول أمل وعناء فإذا بي أمضي كل وقتي خارجها. وصلتُ إلى الجامعة لأعيش فترة القلق و الأرق و النقد و التساؤل و النقاش في كل لحظة لحظة، فإذا بي أجد نفسي بحاجة إلى البحث عن ملاذ آخر لأحلامي خارج الجامعة (مراكز الأبحاث ومؤسسات ثقافية و علمية أخرى..).
لكن انتمائي لركب اسمه التجديد الطلابي مازال يثير بصيص أمل في نفسي (لا بد من تسجيل تقديرينا الكبير للحركة الثقافية الأمازيغية: لكن للأسف فهي غائبة في جامعة محمد الخامس بالرباط على الرغم من كون أغلب مؤسسي الحركة الأمازيغية المعاصرة انطلقوا من هذه الجامعة في أواخر ستينيات القرن الماضي: الصافي مومن علي، علي صدقي أزايكو، بوكوس..).
و التجديد الطلابي التي في خاطري، هي التي نقول في إطاراتها و لا نجد غضاضة في ذلك و لا أحد يمنعنا و هذا من سعة أفقنا: إن الشهيد عمر بنجلون شهيد الشعب المغربي (رغم أن عمر لو طال به العمر يمكن أن يحسبنا ضمن الصف الرجعي و يمكن أن يسلك مسلك زميله المناضل الوطني الكبير محمد اليازغي الذي انسحقت نضاليته و وطنيته في لحظة المطالبة بحل الحزب سنة 2003). إن الشهيد عمر مفخرة حقا و صدقا لنا كمغاربة و ينبغي للشباب و الطلاب المغاربة أن يتخذوه منارة ضمن القدوات المشرقة: فهو في أقل من 24 سنة من عمره القصير كان رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا و كان متفوقا في تخصصَيه (المدرسة العليا للبريد، و القانون العام). و ذاق الأمرين لكي يوفر مستلزمات دراسته حين كان تلميذا، بائعا للبيض المسلوق في القطار.. وكان مناهضا للظلم و الظالمين، على المستوى المحلي (المغرب) و على المستوى الإقليمي (العدو الصهيوني) و على المستوى الدولي (الامبريالية و الاستعمار الجديد).
التجديد الطلابي التي في خاطري، لا نخاف في مقراتها أن نصدح بما يعن لنا من  ملاحظات حول أفكار يابسة. هي التي ندافع في فضاءات انشطتها عن الغائبين الذين يستحقون إنصافا. هي التي نقول في محضنها إن الأستاذ ابراهيم أخياط علم من أعلامنا وكبير من أكابرنا و فاضل من فضلاء وطننا. هي التي نقول فيها باطمئنان إن أحمد عصيد مثقف من مثقفينا قد يحيف، نعم، ويتحامل علينا.. لكن خطابه مهم لتحديث نظامنا و ذهنية مواطنينا. هي التي لا نهاب أن نقول في إطاراتها إن نظرتنا إلى الغرب في حاجة إلى مراجعة و تصويب دون أن نُتَهم بعمالة أو تمييع.
إن التجديد الطلابي التي في خاطري، انعكاس لإرادة التفاؤل و عنوان الصمود وسط الإعصار. إنها وسيلة لكي لا ننسى أننا كائنات عمودية موصولة بالسماء و منفوخة بروح رب الأرباب. و إطار كذلك لإثارة أسئلة العمران و التعايش بين بني الإنسان.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





بوح لا بد منه. لا أدري لماذا هذا الوقت بالذات. لكنه إحساس يغشاني دائما. يا سادة !مدرستنا عظيمة. و عظمة مدرستنا و تميزها لا أنسبه، لما قد يعنُ لبعض الأفاضل من تميز في انتهاج منهج "وسطي" أخرج البلاد من الانسداد. كلا! فرادة مدرستنا ترجع إلى كونها كانت المحضن الأول –و مازالت- لمجموعة مُقدرة من الفاعلين؛ هي التي تساهم بقدر هام و جليل في تحريك المشهد المغربي الفسيح. دعونا من السياسة فمساهمة خريجي مدرستنا فيها لا يخفى حتى على الأطفال في الشارع. فالمقصود هنا –بالتأكيد- المشهد الثقافي و الفكري و الإعلامي و العلمي.
لا يهمُني أن يكون هؤلاء الفاعلون من الباقين أو المغادرين لقطار المدرسة. نعم، قد يكون بعضهم منتسبا حاليا إلى جوقة المتحاملين و الحاقدين. لكنه، على أية حال، موقف أخلاقي و الإنسان حر في نهاية المطاف. رغم أني، أُرجح كون التحامل و البغضاء أمر راجع غالبا لسلوكات غير أخلاقية أيضا نابعة من أبناء المدرسة الذين يتزيدون في الحرص عليها و الغيرة على مشروعها و يتوسلون إلى ذلك حدة في الخطاب.
نعم، إني أعتز حقا إن مدرستنا كانت يوما محضنا للدكتور عبد الرحيم العلام على سبيل المثال. واضح أن الرجل له مواقف مغايرة تماما لخط مدرستنا في المسألة السياسية و النظام السياسي بالأساس، و التي قد لا أتفق معها بدوري إجمالا لكني أسجل تعاطفا مع بعض جوانبها. لكن هذا لا ينفي أنه باحث شاب مقتدر و متمكن و واعد في الفكر السياسي و العلوم السياسية و حالة خاصة في العطاء غزا المنابر الإعلامية في زمن قياسي و آراءه بات يتلقفها الشباب الذي يشترك معه في الموقف من النظام السياسي. إن آراءه و أطاريحه، و هذا هو بيت القصيد، غنية و مطلوبة و الحاجة إليها قوية. لأن التاريخ لا يمكن أن يسير بل سيركد إذا قاده فقط و بارتياح أصحاب أطروحة المحافظة السياسية (أي المهادنة المطلقة مع النظام). لأنه لا مفر لنا من الملكية البرلمانية في يوم من الأيام.
إن المتتبع المدرك لمراكز الأبحاث و الدراسات السائدة في الوطن، لا شك أنه لن يخطئ كون جل القائمين عليها و المشتغلين في إطارها من الذين خرجوا من رحم مدرستنا. إنه لأمر يبعث على السرور بالنسبة للمنتسب الواسع الأفق الغيور على هذا الوطن المحبوب. أؤمن دائما أن الهام هو أن يكون الإنسان صادقا (أقصد الصدق في تحري الصواب: و هذا أمر لا يدريه إلا ربنا جل في عليائه) و جادا في بحثه. و ليقل ما يشاء، لأن الله حسيبي و حسيبه (على ما لا نعلمه). . إن الدكتور مصطفى بوهندي –على سبيل المثال كذلك- الذي اثارت آراؤه عجيجا و ضجيجا (لم يتيسر لي أن أقرأ له إلا كتاب "نحن و القرآن") إن بوهندي؛ فخر لمدرستنا أنها كانت  مأوى أسئلته الأولى. و الحركة الثقافية و العلمية، مرة أخرى، لن تتحرك في بلدنا إلا بوجود بوهندي و نقيضه؛ و ربما لنا الشرف أن نُخرجهما معا: و نحن حركة اجتماعية دورنا في هذا البعد هو تحريك المشهد و إدارة عجلة التاريخ. و أعجبُ للذي يضيق حنقا بوجود بوهندي و من على شاكلته (رغم أني لا أشايعهم): إن وجود بوهندي هو الذي خلق لك وجودا قوامه "التصدي لتشغيباته"!
جريدة مدرستنا (التجديد) أسهمت في تخريج كوكبة من الإعلاميين المتميزين (عليموسى، الكنبوري، حمودي،...) انتقلوا إلى الصحف الوطنية الكبرى (المساء، أخبار اليوم..). إنه لأمر يبعث على الاعتزاز بمدرستنا أيضا.
كبار المتصدين للشأن العلمي في بلدنا مروا من مدرستنا. قادة الرابطة المحمدية للعلماء (أحمد العبادي، عبد السلام الطويل..). رئيس جامعة القرويين ( الدكتور الروكي). المجلس العلمي الأعلى (المرحوم فريد الأنصاري، الدكتور مصطفى بنحمزة..). الشيخ الزمزمي و الشيخ عبد الله نهاري؛ جميعا يساهمون في قلقلة أركان الخطاب الديني في بلدنا. لا يُهمني هنا التوقف على موقفي من آرائهم و مفارقاتها بقدر ما يؤرقني تقريب فكرة "كوننا مدرسة استثنائية" أبناء مدرستنا هم الذين يحركون الرأي العام الديني أيضا.
كثيرون هم أبناء مدرستنا (سواء الأوفياء أو العاقين: ربما كانوا ضحية لسلوك غير أخلاقي-إشكال نفسي أو اختاروا  الانسحاب. و الإنسان حر في قناعاته يا سادة. المرفوض هو التحامل المجاني) الذين يسجلون حضورا نوعيا في النخبة المؤثرة في بعد من أبعاد المشهد المغربي الراهن. منهم  كوكبة منيرة من أبناء الجنوب؛ و أعتز في هذا السياق أن من بين أنجب عناصرهم أبناء مدينتي تيزنيت.
في المسألة الفكرية و العلمية أنجبت مدرستنا أنجب التلاميذ بل قل الأساتيذ. أن يكون الأفاضل امحمد جبرون و الطيب بوعزة و رشيد الراضي و محمد همام.. ضمن قطارنا فهذا أمر حميد. و قد نختلف معهم و هو حق أكيد.
في هذه العُجالة التي جاءت بعد انفعال نفسي مع الأم (=مدرستنا). لم أقصد أن أذكُر مواليد مدرستنا الذين مازالوا يشتغلون تحت يافطتها و لهم آثار طيبة في أوساط المجتمع و هم فضلاء كُثر (و على رأسهم: الدكتور سعد الدين العثماني، الأستاذ عبد الإله بنكيران، الدكتور أحمد الريسوني، الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد)، و قد يأتي يوم نزور فيه تقديرنا لهم و ما يبدو لنا في آرائهم. و إنما قصدي التعريج على بعض من لم يُشتهر في أوساط القواعد أنه كان هنا. و هذه الفئة شقت طريقا متميزا في المشهد المغربي في ناحية من نواحيه، حق لنا أن نفتخر بها مهما اختلفنا معها إن كنا واسعي الأفق و من أهل رحابة الصدر.
إن الحركات الاجتماعية المتغلغلة في الشعب ليس غريبا و لا عجبا أن تكون مأوى بل دافعا –و لو بشكل غير مباشر- لتشكُل النخب و الصفوة القائدة للمشهد الوطني.  و عظمة حركتنا الرائدة (التوحيد و الإصلاح) تتجلى في أنها كانت مدرسة خرجت قادة الشعب المغربي، على أني أسجل في هذا الصدد أننا مازلنا في المرحلة الموالية للبداية يعني مازلنا نتحمل شرف و مسؤولية إيواء النخب و تخريجها (خاصة في المجال الفكري و الفني الذي أصبنا فيه بشبه تعقيم فيما مضى و بدأنا نتعافى منه).  
إن المدرسة التي تستدعيها ذاكرتي دوما حين أذكر مدرستنا هي المدرسة الاتحادية التي لا تُقدر أفضالها على الشعب المغربي بثمن. إن المدرسة الاتحادية مدرسة الشهداء (المهدي، عمر..) و العمالقة (الجابري، العروي..)  هي التي تغزو منتوجات خريجها الأسواق الثقافية المغربية. إنها ذات المدرسة التي قبضت على جمر "الإصلاحية" في زمن العنفوان الثوري في 1975 و لولاها بصدق لعشنا تاريخا آخر: و دائما أقدر أن مدرستنا تنحو نفس منحى المدرسة الاتحادية؛ تقبض على جمر الخط "الثالث"، تقديرا لمصلحة الوطن (و هو مجرد اجتهاد سياسي قابل لأخذ و الرد)، في زمن الحماس الثوري مع 2011. غير أن مدرستنا مازالت بحاجة إلى اختراق السوق الثقافي (و هناك مبشرات تعكسها أجيال شابة أغلبها خريجة العمل الطلابي لكنها مازالت محدودة بالنظر إلى المطلوب، أما بالمقارنة مع ما سبق فهي قفزة بلا شك) لتكون الوريثة بحق للمدرسة الاتحادية في انتظار وليد جديد و مدرسة أخرى. و هنا أُسجل أن الحركة الأمازيغية بدورها مدرسة و مازالت ببريقها ساهمت أيضا في تخريج  قادة في المشهد المغربي الراهن (على سبيل المثال؛ الأستاذ أحمد عصيد استقطب في نشاط ثقافي سنة 1982 و سنه 22 سنة: لا ريب أننا نختلف معه و قد نتفق معه في كثير من القضايا لكنه يبقى مساهما من المساهمين في صياغة المشهد المغربي المعاصر: نريد مغربا للجميع و لا يمكن إلا أن يكون كذلك و إلا سيتوقف التاريخ).
باختصار؛ إن المدارس الكبيرة من الحركات الاجتماعية هي التي تُخرج نُخب حقيقية. و مدرستنا (التوحيد و الإصلاح، و ما يدور في فلكها) مدرسة استثنائية معطاءة. علينا أن نتخفف من أثقال التاريخ المثخن بانفعالات نفسية لا غير، لنعتز بأبنائنا (على عقوق بعضهم لنا: لعله خير). والفكرة الجوهرية التي ينبغي أن يلتقطها الذي من مازال يقبل -على مضض- بالآخر المُختلف مفادها أن وجود المُختلف: العلام، بوهندي، عصيد.. هو سبب وجودي، و إذا انتفى هؤلاء و انعدم بعض المختلفين الآخرين، فما مبرر وجودي و ما مصيري سوى التهلكة ! إن التاريخ يعلمنا درسا بليغا: إنه يسير بفعل التفاعل بين المختلفين و "المتصارعين" و إلا فالحياة ستقف و ستصير بدون معنى. فالمختلف معي يُسدي لي خدمة جليلة في الحقيقة. و الله يتولى السرائر و هو حسيبنا نسأله الفردوس الأعلى  لنا جميعا.





...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في صيف (2014) الذي تلا تَخرجنا من المدرسة بشهادة الباكالوريا، صادفتُ أحد الأصدقاء الذي جَايَلني و زاملني في الابتدائي و حصل على شهدة الباكالوريا من تخصص تقني. كان معي كتاب عن العمل النقابي الطلابي.  انغمرنا معا في نقاش حول رحلة ما بعد الباكالوريا، بعدها تذَكر صاحبي أن معي كتابا فرام أن يكتشفه. لكن ما إن قرأ العنوان و أدرك المضمون و طبيعة الموضوع حتى راح يلقي موعظة حول أهمية انتقاء الكتب المقروءة مؤكدا أنه لن يقرأ ذات كتاب و لن يُضيع "وقته" في هكذا موضوع. ربما أسرف صاحبي في شفافيته ! لكن ما عساني فاعلا فقد ختم آخر عهد لي به بتلك الموعظة التي لم و لن أنساها !
دائما عندما تُذكَر القراءة للتلاميذ و الطلاب؛ يستهدف المُبشرون بفوائدها عادة "اكتساب الأسلوب للإجابة بإجادة على الإنشاء" و قلما تجاوزوا هذه الفائدة. و مؤخرا، مع تنامي المدارس الخاصة و ضعف مكانة اللغة العربية في المنظومة التعليمية، صار أولياء التلاميذ و المُتصدون لتوجيه الطلاب يركزون في دعوتهم إلى القراءة على "المطالعة باللغة الفرنسية فقط"، لهذا تصاعدت أسهم "باولو كويهلو" مثلا في أوساط الشبيبة المغربية في الآونة الأخيرة. على كل حال فالدعوة إلى القراءة بالفرنسية كان وراءها حقيقة تخترق الواقع المغربي مفادها أنه لا مستقبل دراسي لأي تلميذ أو طالب بدون الفرنسية (أي، ابتداء، القدرة على التحرير و الإنشاء بالفرنسية).
في ظل هذا المناخ، معدل القراءة مازال منعدما. المستوى الفكري و الثقافي لأغلب الطبقات الاجتماعية (سواء المعدومة، أو المتوسطة، أو المُترفة) يكتسحه شلل شبه كلي بنسب متفاوتة. الناس يلهثون وراء "اليومي". بعد نيل "كسرة الخبز" يشرعون في البحث عن معنى آخر في الحياة، عن توازن مفقود، عن شيء خاف معدوم. أما غير الحاصلين على "الخبز" فحلمهم و معنى الحياة بالنسبة لهم، طبعا، هو "الخبز".
دعوى حصر فوائد القراءة في التمكن من تدبيج الإنشاء سواء بالعربية أو الفرنسية، لم تأت من فراغ. فالآباء و الأولياء و المتصدون لتوجيه الطلاب و التلاميذ جزء من نسق اجتماعي همُه، كما سبق، هو "الخبز" و الرغبة في تأمين حصول الأبناء على "الخبز". و هو أمر طبيعي. و "الخبز" لن يتم توفيره بدون المرور من مسطرة تتطلب إجادة الإنشاء بالفرنسية أولا و العربية قليلا.
بالكاد يُفلح هذا الخطاب المُبشر بالقراءة في استقطاب الشبيبة (الطلاب و التلاميذ). حتى و إن نجح، فاجتياز الشبيبة لكل محطات المسطرة بنجاح يدفعها نحو تطليق "القراءة" (هذا في حالة الزواج !) لأنها استنفذت أغراضها. هكذا لأن الفائدة المرتجاة من القراءة تم قصرها على بُعد مادي نفعي براغماتي مؤقت. و موعظة صاحبي الذي امتعض من كتابي جاءت في هذا المساق و هي محكومة بنفس السياق و بذات الدلالات.
لقد اتضح بالأرقام، أن القنوات الفعالة من قبل في عملية القراءة لم تعد مؤثرة. فلم تعد لدى المواطن القارئ نفس الحوافز. و بذلك لم تعد هناك قراءة تقوم على الحوافز الفردية و المصالح الحزبية و الرغبة في حل القضايا و الإشكاليات العامة من وجهة النظر الحزبية و الإيديولوجية أو البحث عن مميزات شخصية في سياق التنافس النضالي. (أحمد الرضواني. القراءة العمومية بالمغرب. العدد 73. مجلة فكر و نقد. نوفمبر 2005).
إذن ، في السابق، ظلت الفئات القليلة المحظوظة، بفضل تسَيُسها، مشدودة إلى القراءة. و منذ مطلع التسعينات، و السياسة تفقد بريقها لصالح النهج التقنوي المتواطئ مع حسابات البنك الدولي. و كانت النتيجة اللاحقة انسحاب المُسيسين و الطامعين في الانتساب إلى عالم الفكر و الثقافة أو تدجين بعضهم و احتواؤه ضمن التكنوقراط. اليوم، بعد أحداث 2011 و الخُطى الأولى في استعادة الأمل و استرداد السياسة و استعمال "الفايسبوك"، ثمة انتعاش في مستوى تسيُس الجماهير لكنه مازال مصحوبا بالشلل الفكري. لهذا يلزم مصاحبة هذا الانتعاش بالإقبال على القراءة و البداية من هذه الموضوعات المثيرة للسجال (التاريخ السياسي للوطن بعد استقلال 1956، طبيعة النظام السياسي، الحقبة الاستعمارية و ما دار في أطوائها من مقاومة و نضالات وطنية، تاريخ الأحزاب السياسية و الحركات الاجتماعية القائمة في المجتمع المغربي، تاريخ الإصلاحات التعليمية، مسار التحديث..).  

نستجمع الكلام؛ إن أزمة القراءة مرتبطة أولا بأزمة الخطاب المُبشر بأدوار القراءة. فتضخيم المنافع المادية المؤقتة و إغفال الأدوار "المعنوية" الأكثر أهمية هو أول الأدواء، وجب علاجه أولا. إن هذه المرحلة التاريخية الثقيلة (التي يحتدم فيها "الشذ" و "الجذب" بين نزوع التسيس و نزوع التقننة) التي نمُر بها فرصة هامة لغرس "كنه" القراءة العميق في ذهنية الشبيبة المغربية.  إن "كنه" القراءة، الذي غفل عنه صاحبي، هو أن تفهم الحياة و تدرك المحيط الذي تتحرك فيه و تعرف سبب ما يعتمل في وسطك من"عجيج" و "ضجيج". و إذا استبطن المرء هذا المعنى، فلا خوف عليه حينئذ: في المدرسة، أو أمام الإنشاء، أو من ضرورة الأسلوب، أو القابلية للاستبداد، أو الخضوع للتدجين و الاستيلاب.. إن "كنه" القراءة هو الرغبة في إسقاط الأفكار اليابسة العالقة بأذهاننا و الاستعداد الدائم لصدمات كهربائية معرفية عن عالم الإنسان و الحياة اللذين تغشاهما الأسرار بلا انقطاع. إن "كنه" القراءة هو السعي لإيجاد ذلك التوازن المفقود بعد الاستجابة للمطالب المادية في الإنسان (الخبز..)، إنه الانشداد إلى حياة أخرى (بتعبير العقاد).


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





ثمة "شبه" إجماع على أننا متخلفون. ما إن أن يبدأ الإنسان في وطننا –و أمتنا- في فرك عينيه من نوم أيام الصبا و يُقبل على عهد وهج السؤال مع شغب الفتوة و الشباب الباكر؛ ما إن يصل إلى هذا الخط حتى ينتبه لإعلان الواقع: إننا متخلفون !
و لعل كل المشاريع و الكتابات التي تبحث سؤال "التقدم" و "النهضة" منذ أزيد من قرن و نصف تتفق حول كوننا نعيش مرحلة استدبرنا فيها ما  يسمى ب"عصور الانحطاط و الانقباض" لكننا مازلنا نئن تحت وطأة "التخلف" و لهذا أصلا جاءت هذه الكتابات لالتماس محاولات للإجابة على سؤال "كيف" الخروج من مأزق التخلف. لكن، هذا الاتفاق حول سمة الحالة التي نتخبط فيها لا يقابله التفاهم حول المقصود تحديدا ب"التخلف". و لعل هذا "الخلاف" في المعنى الذي تأخذه "حالة التخلف" هو الذي أدى –و مازال يؤدي- إلى انفجار "الخصام" بين بعض هذه المشاريع الكبرى التي أفنى  أصحابها أعمارهم في بنائها. و المعضلة لا تكمن هنا، بل تتجلى في كوننا لم نخرج –بعد كل هذا الكلام- من دائرة "التخلف"، و صرنا مضطرين، نحن أحفاد أبناء أصحاب هذه المشاريع، إلى "الاقتراب" مجددا من مقاربة موضوعة "التخلف" رغم أنه كان من المفترض أن نتناول أسئلة أهم و أدق بعيدة عن "عموميات" يستمر تردادها بدون جدوى. و ربما المأزق في كل هذا التأخر المبين هو أن ثمة تخلفا ما في استكناه "حالة التخلف".
ليس هناك من أمر دال على عمق مأساة "التخلف" الذي نرتع فيه من أن نلفي أحد الذين يتصدون لتوجيه "الرأي العام" في المجتمع، و هو خطيب الجمعة، معتبرا نسبة حالتنا الاجتماعية و الاقتصادية أو التاريخية بشكل عام إلى "التخلف" كلاما فارغا و أكذوبة مُضللة.
فالخطيب، الذي سبق ذكر مضامين خطبته في ذكرى ميلاد المصطفى، شذ إدراكه للواقع عن مشاعر الناس بل تفوه بأحكام قيمة ليس فقط ضد من يعتبر أن وضعنا التاريخي "وضع متخلف" بل أيضا ضد من يرى -بناء على معايير موضوعة لأجل هذا- أننا "دولة في طريق الدول الصاعدة".
لا شك أن المستوى الفكري محدد في فهم إشكالية "التخلف". فجدتي، مثلا، التي سلخت من عمرها ثمانين سنة؛ لن تعتبر الوضع الذي نعيش فيه اليوم (انتشار الكهرباء، الماء الصالح للشرب، وسائل العلاج، أدوات الاتصال و التواصل، وسائل التنظيف..) سوى جنة تداعب خيالها أيام زهرة شبابها. لكن لو اتسع أفقها لإجراء مقارنة بين الأوضاع العالمية و وضعنا لتبينت، بدون أدنى ريب، أننا متخلفون. و لو تمكنت من قراءة خلاصة عن التاريخ الذي مضى لتعجبت من كون ما ترفل فيه اليوم من خيرات و حريات و تسهيلات استمتع بها جناح كبير من أجنحة العالم منذ مدة. 
و إذا كان خطيب الجمعة –الخطيب المذكور، و التعميم مرفوض فهناك خطباء  نبهاء مدركون-  يُنكر أننا متخلفون، بسبب عمى إيديولوجي، و إذا كانت الجدة تحس أننا متقدمون، بسبب كونها ضحية أمية قاسية و جهل أقسى، فإن ثمة إنسانا آخر لا يحس بتاتا بأنين التخلف. إنه ذلك الذي يعيش عالَما ينفصل عن واقع باقي المواطنين. إنه يعيش داخل الوطن، نعم، لكنه مغترب في عالمه الخاص: كل همه هو السعي للاستزادة من نعيم حضارة العالم المتقدم، و هذا من حقه إن اختار هذا السبيل. لكنه إذ يغط في استهلاكيته الجارفة ينسى أن واقع وطنه "متخلف" و لا يسُر الناظرين. لهذا، فالوطن يخسره؛ إذ بإمكانه أن يُسهم في الإنتاج –إن أدرك حاجة الوطن إليه- و أن يُخفف من فاتورة استهلاكيته (أما حريته الشخصية في الاستهلاك فلا جدال حولها). هذا الطراز يُشكل إفرازا طبيعيا لمناهج التعليم التقنوية في المعاهد و المؤسسات؛ حيث يتعامل الإنسان مع "تقنيات" -مصنوعة مسبقا- لا تطرح له إلا مشكل (كيفية التشغيل)، و حيث تُنعت الأفكار و النظريات في هذه الأوساط، كما في غيرها، ب"blabla" في إشارة سافرة إلى تواطؤ مستتر لاحتقار "الفكري" و "الثقافي": و الذي، لا يمكن بسواهما، النفاذ إلى مراكز ثقل موضوعة "التخلف".

إن الواقع الموضوعي بأسئلته الموجعة يدفعنا إلى اللجوء إلى نصيحة غرامشي –التي طالما رددها المنجرة- و مفادها أنه علينا "التسلح بعقلانية التشاؤم و تفاؤل الإرادة" في النظر إلى مشكلاتنا. نعم، إن التحليل العقلاني يقود في غالب الأحيان إلى الخروج بأحكام قاسية ضد كل شيء، خصوصا إذا وقفنا على نموذجين من أبناء الوطن (حامل الخطاب الديني، و حامل التقنية العصرية: أما الجدة فلم يعد لها تأثير كبير على مسار الأجيال الصاعدة) لم يدركا بعد أن هناك مشكلة عنوانها "التخلف" تنتظر أن ينخرطا فيها معا بكليتهما، كل من زاويته.. لكن إرادتنا التي تروم النهوض، ينبغي أن تبقى متحررة من تشاؤم العقل، لأنه في نهاية المطاف لا خيار لنا إلا أن "نطوي" صفحة "التخلف". و لعل أهم خلاصة نخرج بها في هذا الصدد، هي ضرورة الالتفات إلى البعد الفكري و المسألة الثقافية في "تأخر" الوعي ب"التخلف". إن الحرارة التي نتناول بها دور العامل السياسي (الاستبداد: و هو أبهى تجليات "التخلف") في تكريس "التأخر" ينبغي أن تمتد لتشمل الفكري و الثقافي؛ فهما متداخلان أصلا. فإذا كانت حالة (الاستبداد) تتقصد و تؤدي إلى اغتيال الرباعي (العقل-النقد-الفكر-الثقافة)، فإن سبيل توهج "النقد" و تنوير الفكر و سعة الثقافة (=اشتعال العقل)  هو وحده الطريق الآمن و الضامن للانعتاق من حالة (الاستبداد) لكن –طبعا- بمزاوجة ذلك مع العمل النضالي المدني على الأرض؛ فالواقع: لا يكفي تفسيره فقط -كما قال ماركس- و إنما ينبغي العمل على تغييره.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






تأتي ذكرى ميلاد المصطفى و الوطن مع مجموع الأمة يمران في لحظة من أحرج اللحظات، مع تباين حدة و درجة الحرج حسب هذا القطر أو ذاك. تأتي هذه الذكرى لتسجل شهادة جديدة على التشوهات المزمنة التي تعتور حالتنا الروحية و خطابنا الديني بشكل عام. تأتي هذه الذكرى لتستدعي سؤالا جوهريا متجددا: كيف حال إسلامنا قياسا إلى الإسلام الذي بُعث من أجله المصطفى و دعا إليه الناس  و أرشد الرعيل الأول إلى بلاغاته و مضامينه و معانيه؟
كيف سنقيس حرارة إسلامنا، كيف سنقيس المسافة بينه و بين إسلام محمد صلى الله عليه و سلم. ذاك هو السؤال الأول الذي تقتضيه خطوات الإجابة على سؤالنا الهام. فلتكن خطبة الجمعة باعتبارها تجسيدا ساطعا للخطاب الديني الرسمي، ذلك المقياس !
كانت مضامين خطبة الجمعة في مسجد الحي الجامعي السويسي بمدينة العرفان بعاصمة المملكة، في الموعد، مع الذكرى المشرقة البهية !
أسهب الخطيب في سب و لعن "الغرب و الصهاينة" الذين ابتدعوا ثنائية: الإسلام المتطرف، و الإسلام المعتدل. قائلا: إن الإسلام واحد، و إنما هناك مسلمون متطرفون و مسلمون معتدلون. لا بأس !
استمر الخطيب في صب غضبه على "الغرب": نحن، إسلامنا طاهر. و هم يعيشون في الظلمات.
لا تقف الحكاية عند هذا الحد، فالخطيب يُصر على إثبات وجود عقدة نقص لدى "المسلم" تجاه "الغربي" كما إنه حريص على إيقاظ نوازع و أحاسيس "الاعتزاز" لدى "المسلم" فيقول له ناصحا: قل له أيها "الوسخ"، "المتعفن"... و يستدرك الخطيب على مقولة ذائعة الصيت مخافة أن تخترق أذهان جموع الطلاب الحاضرين في المسجد:  يقولون لكم نحن "دولة متخلفة" أو "دولة أقل صاعدة" و هم "دول متقدمة".. لا أيها "المسلم" لا تصدق هذه الأكذوبة.. أنت الصاعد دوما.. و هم "نازلون" حتى و إن  وصلوا إلى القمر !
تذكر الخطيب فجأة "الثورة الشيوعية" معلقا بصراخ: و يتحدثون عن "البروليتاريا" و " البيروقراطية" (هكذا !). و هي كلها مصطلحات مادية. و يتحدثون عن الأنوار.. يا "جهلة" ! أنتم لا تعرفون رسول الله.
إنها مضامين ناطقة بدون تعليق. خطاب تغشاه المفارقات و المغالطات حتى النخاع. رسائل تشد أي مستمع، فاقد لحاسة النقد، إلى مزيد من التطبيع مع التخلف، إلى حب البقاء في حفرة الحرمان و الضياع التي رمينا فيها أنفسنا.
إن الذاكرة، هنا، تستدعي النقد الماركسي للمثالية الهيجلية. حينما دندن هيجل مرارا حول اكتفاء الفكر بذاته: وجود الفكر المشرق يعني أن الواقع كذلك. أو بتعبير هيجل الشهير (كل ما هو عقلي فهو واقعي و كل ما هو واقعي فهو عقلي). و جاءت صرخة ماركس الصامدة: لا ينبغي الاكتفاء بتفسير الواقع (أو العالم) بل ينبغي العمل على تغييره. إن ذات العمل  النقدي هو أول الطريق.. طريق تنوير الخطاب الديني. أن يفهم القائمون على ترويج هذا الخطاب أن انتسابنا إلى الإسلام لا يعني البتة أننا متحضرون أو متقدمون أو زعماء العالم و أولياء على البشر و الناس أجمعون. بل المطلوب منا أن نتعلم و نتتلمذ لنكون في المستوى المأمول.
إن اللغة الموظفة في الخطاب التي تنضح بآفة الاستعلاء و الافتراء و الاحتقار بناء على الانتماء. إنها لغة تُفرز سلوكات تشذ عن روح السلم و التعايش و قبول الآخر –كما هو و كيفما كان- بل إنها – و دون قصد صاحبها، مع الأسف الشديد- تعطي للمُتلقف المغفل الذي سيستبطن منطقها الحدي الثنائي (نحن و هم: هم لا يؤمنون بما نؤمن؛ إذن فهم يكرهوننا، إذن هم كفار، هم جهلة، إنهم يعكسون العفن..) مشروعية الانتقال إلى الدم و الإرهاب. و هذا فحوى كلام  فولتير: إن الإنسان الذي يقول لي: آمن كما أؤمن و إلا فإن الله سيعاقبك، سيقول لي الآن آمن كما أؤمن و إلا سأغتالك. (ول ديورانت. "قصة الفلسفة". ص:184. مكتبة المعارف، بيروت)
إذا كانت خطبة الجمعة قد ساقت ذات خطاب في سياق ذكرى ميلاد المصطفى. فإن الإسلام الحق الذي جاء به المصطفى قد تم اختطافه. إنه لا سبيل للوقوف على حقيقة الإسلام إلا بالعودة لفهم الرعيل الأول له في بواكيره الأولى. إن الإسلام الحق لم يكن مهجوسا بشتم الآخر، لمجرد أن له رأيا مختلفا، بل كان معنيا أساسا بخلخلة بنية الظلم و الطغيان إن كان الآخر محاميا لها، كان مهموما ببناء نموذج مفارق سام في  العلاقات الاجتماعية. بكلمة، إنه كان مشدودا إلى بناء خُلقية إسلامية إنسانية تقوم على العدل أولا و أخيرا، و تكون الشعائر التعبدية لها بمثابة حصن يقوم بتمنيعها و تعميقها في نفوس الذين اختاروا اعتناقها.     
لنقف على ماذا فهم الرعيل الأول من دروس معلمهم في  دار الأرقم بن أبي الأرقم، عند إسلامنا البهي إسلام الصفاء، قبل أن تظهر أي سلطة أو مغنمة، قبل أن يُختطف ! بعدما هاجر المسلمون الهجرة الثانية إلى الحبشة، لعله في أواخر السنة الخامسة من البعثة، لحق بهم سفيري قريش (عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة) ليطلبوا من النجاشي أن يردهم.
 أبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون، و بعث في طلبهم، فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا به ديني و لا دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، قال:
" أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسيء الجوار و يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه، فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده، و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه، من الحجارة و الأوثان.
و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنات، و أمرنا أن نعبد الله و لا نشرك به شيئا.
و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام – و عدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه به و اتبعناه على ما جاء به من الله". (محمد حسين هيكل. "حياة محمد". ص:136. الطبعة العشرون. دار المعارف.)


إنها عبارات تختزن كنوز الإسلام و تختزل دروس خير الأنام: إن إسلامنا البهي، كما قال سيدنا جعفر، هو أن تكون مُوحدا للرحمان و موصولا بأشواق و مواجيد الارتباط برب السماء و متعلقا بحميد الأخلاق و الخصال. و لكي يربو فيك ذاك و لا يذبل: عليك بالشعائر و العبادات. 


...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]






أكرمني المولى جل و علا بزيارة كريمة من طرف جدتي –والدة والدي:أطال الله عمرها- لمسكني بالعاصمة. هي امرأة شابت و شارفت الثمانين. قضيتُ معها كل طفولتي و فُتُوتي. تربطني معها علاقة خاصة؛ إذ يطلق علي العارفون بطبيعة تلك العلاقة "إويس نجداس" (ابن جدته) !
هذا الكلام، حتى لا يكون حشوا، وطأنا به لحديث طريف لجدتي: عميق في دلالاته الفكرية؛ وددتُ أن أشتركها مع القارئ.
فوجئت جدتي بكون الغرفة التي أستقر بها "جذابة"  و "مغرية" بالنسبة للنفايات و الأزبال. يمكن أن تنظفها، لكن بعد برهة و بعد تحرك يسير: يعود "التلوث" لسطح أرضها. و للإشارة، فسطح أرض الغرفة معد ب"الزليج" المُشع.
أعتذر مسبقا للقارئ على فقر معجمي الخاص بعالم "العقار" و آليات "البناء" و معداته.. و نظرا لذلك سأستدعي لغتي الأم لتسعفني في إيصال فكرتي.
القصة لا تنتهي هنا. بل إن مدار مقالي يكمن في الآتي: تتحدث جدتي لقريبة لي لا تقل عنها طعنا في السن عن حال غرفتي. فتقول بسأم: "الزليج" الذي يكسو سطح غرفته قابل بشكل متعب لجمع الأزبال. و ما على المرء إلا أن يجعل بجانبه المكنسة باستمرار.
اسمعوا يا سادة ! ماذا تقترح جدتي لكي لا يكون سطح الغرفة مأوى جاذبا للأزبال ! إنها تتمنى –لأن حدسها يدرك أن مقترحها يندرج ضمن الأماني و لا أثر له في الواقع- لو تم "تبليط" الغرفة بما نطلق عليه بالأمازيغية (البُوصلان) !
تخيلوا فحوى اقتراح جدتي: إنها تحن ل"سطح"؛ الأرجح أنه كان يُدثر باحات منزلنا في النصف الأول من السبعينات بعدما نزحت الأسرة من القرية إلى مدينة تيزنيت. و أكيد أن سطح المنزل الذي استقرت فيه من الثمانينات إلى اليوم؛ انتقل من الاكتساء ب(لاموزيك) إلى (الزليج) و لا مكان فيه ل(البوصلان).
أُقدر أن الرسائل الثاوية وراء قصة جدتي و حديثها عميقة جدا. هي تؤشر بجلاء إلى أزمة الفكر التقليدي.
إنه النظر إلى مشكلة مستحدثة أفرزتها الحياة الحديثة بعيون قروسطوية. إنه الغرق في الماضي و الاستنجاد الدائم به لحل مشكلات الحاضر.
إن التاريخ يسير و لا ينتظر و سننه لا تحابي و لا ترحم !
الإنسان راكم تجربة مهمة في تحسين شروط عيشه و تجويد الراحة التي يوفرها مسكنه؛ انتقل، بعد بذل جهد جهيد، من (البوصلان) إلى (لاموزيك) إلى (الزليج) إلى (الرخام).. و لا عودة – على الأقل: على المستوى النفسي و التفضيلي- من الزليج أو الرخام إلى (البوصلان) في عالم "العقار و البناء".. و إذا حصل أن أفرز هذا التطور آثارا جانبية سلبية؛ فلا ينبغي أن نستسلم لها، نعم، و لكن.. ينبغي أن نلتمس حلا لها انطلاقا من المعطيات الموجودة و الآليات الجديدة و الوسائل الحديثة..  
هذه الفكرة كفيلة بتحرير العقل المسلم اليوم من مجموعة من المشاهد "المخدوشة" التي تحرمه من رؤية سليمة للحياة المعاصرة و الحديثة.
إن المشاكل الاجتماعية و الأخلاقية التي أفرزتها الحياة العصرية هي واقع لكن حلها أو التماس حلول لها لا يكون بالتمني و الحنين إلى مجتمع الماضي لأنه ببساطة الشروط الموضوعية تغيرت..
مثلا: قضية الزي. لا ريب أن مجتمعنا يعيش انقلابا على مستوى القيم المؤطرة لسلوك الناس في اختيار الأزياء التي يشاؤون. و لا شك أن بعض الصادقين و الصادقات ممتعضون من اختيارات الناس على مستوى الزي و اللباس. لكن الأمر الذي ينبغي وعيه بجدية هو إن أي تفكير في حل مشكلة "انفلات" زي الأجيال الصاعدة لا بد أن يستحضر اللحظة التي نمر بها و الزمن الذي نعيش فيه و المناخ الذي نتنفس فيه: لحظة ما بعد الحداثة على المستوى العالمي، زمن الدعاية و الإعلام و الإقناع و مناخ الحرية و حقوق الإنسان..
إن الذي ينطلق حقا من غيرة حارة على مستقبل الأجيال الصاعدة هو الذي يفكر في الحلول في خضم هذه الشروط و هذه المناخات. إن زمن الإكراه و توجيه اختيارات الناس بالسلطة الدينية هو زمن يحتضر !
إن المدخل الجديد الذي يستثمر المعطيات الموضوعية الجديدة هو الذي ينطلق من فكرة "الحرية" ذاتها ! إنه الاستماتة في الدفاع عن حرية الإنسان و درء كل راغب في التحكم و الاستتباع.. إنه الانطلاق في توسيع أمداء هذه الحرية افقيا و عموديا: حرية الإنسان على الأرض و حريته الحق المتجلية في التحرر من كل الأوثان و الأهواء و العبوديات و الوصايات ليتوجه بالدينونة و الإخبات و الخنوع له وحده: جل في علاه.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



غالبا ما يتم النزوع – أثناء الوقوف  عند أداء الحركات الاجتماعية – إلى تحليلات غير جادة  بالأحرى هي انطباعات نفسية ظرفية. فالمتأمل في ما يقوله، مثلا، أبناء الحركة الإسلامية عن أدائها يلحظ نَفَس التشاؤم و علامة الاستياء. بخلاف، ما يذهب إليه جل القادة و المسؤولين من استبشار و تفاؤل و ارتياح. في نفس السياق،  طيف واسع من الشباب المتحمس لهويته الأمازيغية يتحدث بعدمية عن غياب الأمازيغية في الحياة العامة، في حين يتفق رواد الحركة الأمازيغية  على النجاحات المتعددة (التي تبقى منقوصة) التي كانت ثمار نضالات عقود من الزمن. 

 1-أداء الحركة الإسلامية:

لا جدال في أن الحركة الإسلامية، بعد مسيرة عقود من العمل الجاد الدؤوب، نجحت في إزاحة خصومها (الذين كان عملهم سببا مباشرا في نشأتها) من تصدر ميدان المجتمع و ساحات الجماهير؛ خصوصا اليسار الجذري و الحركة الماركسية اللينينية. كما أفلحت في إثارة قضية الإسلام و استعادة بعض المظاهر الإسلامية المفقودة. إلى جانب كسب رهان بناء تنظيمات قوية. لكن، هل المطلوب من حركة – هي بمثابة بعثة تجديدية في الأمة- مجرد هذه الأهداف؟
المفروض في الحركة الإسلامية، كحاملة لواء التجديد، أن تصرف جهودها في اتجاهين: أولا: : التمكين لشعور خشية  الله جل في علاه و رجاء رضاه لبلوغ المقامات العُلا في الدار الآخرة. فهذه هي الصناعة الثقيلة بحق. ثانيا: تعميق خيار التحرر في الأمة؛ أي تثبيت الانعتاق السياسي و العدل  الاجتماعي و الخروج من نفق التأخر التاريخي.
دعونا نتساءل: كيف تعاملت الحركة الإسلامية مع المطلوب منها؟
للإنصاف، تعرضت الحركة الإسلامية –كما تعرض غيرها من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، لكن بحجم أكبر- للحرمان من حقها في المشاركة السياسية. و بالتالي، فإن تعاملها مع قضية "التحرر" في جوانبه السياسية و الاجتماعية على الأقل لم يدُم طويلا و مازال الوقت مبكرا لتقييم أدائها فيه (للإشارة: بعض خصوم الحركة الإسلامية؛ منهم الأستاذ عبد الإله بلقزيز –في مقال منشور بجريدة وطنية-: سارع بعد مُضي لأشهر معدودة ليحكم على الحركة الإسلامية بالفشل بل ب"إفشال" باقي ما أنجزته القوى "التقدمية" في الفترة السابقة !). لكن من المهم التذكير بأن الحركة الإسلامية  كانت تغط إلى عهد قريب في الحلم ب"الدولة الإسلامية"؛ و هو حلم صار بلا معنى، سواء لمن تصدى للشأن العام من أبنائها أو بالنسبة للمحللين و المفكرين الذين يرصدون تجربتها. بل  صارت هذه الدولة –حسب أحد الباحثين- "دولة مستحيلة". و على العموم؛ فالحركة الإسلامية تشتغل بجد في مسألة التحرر السياسي -في الآونة الأخيرة- و مازالت الإطارات النظرية المواكبة لتأصيل هذه المسألة مشتغلة. بخلاف مسألة الخروج من التأخر التاريخي أو ما يسمى في أدبيات الحركة بإنتاج "الفعل الحضاري" أو تحقيق "النهضة" فواضح للمتتبع أن الخطاب الإسلامي مازال قاصرا و عائما في تناول هذه المسألة بالجدية اللازمة.
أما بخصوص تقييم أداء الحركة في تثبيت أركان "التقوى" في أوساط الناس. فلا يخفى أن  الحركة أفلحت إلى حد كبير في تشييد صرح هذه القيمة في صفوف أبنائها. لكنها مازالت بعيدة جدا عن هدف التمكين ل"التقوى" في صفوف الناس.

 2-أداء الحركة الأمازيغية:

الحركة الأمازيغية حركة وطنية كبيرة قامت برسالة ثقافية معتبرة في تاريخ المغرب المعاصر. هي الحركة التي ورثت حركة اليسار و بالخصوص الحركة الاتحادية (على الرغم من طابعها السياسي) في منافسة الحركة الإسلامية على النفاذ إلى الجماهير الشعبية. تعتبر الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي (التي تأسست بتاريخ 10 نونبر 1967 بالرباط) أول نواة قوية للحركة. وضعت الجمعية المذكورة  منذ ذلك التاريخ نُصب عينيها الأهداف التالية:
-          تعميق الوعي بالذات الأمازيغية لدى كافة المغاربة.
-          تحقيق و ترسيخ المنظور الوحدوي للأمازيغية.
-          دسترة و ترسيم الأمازيغية.
-          تحديث الثقافة الأمازيغية.
-          تعميم و تعليم الأمازيغية الموحدة في جميع أسلاك التعليم و مؤسسات تكوين الأطر.
-          تطوير و تعميم الإعلام السمعي البصري الوطني العمومي بالأمازيغية.
-          اعتماد الأمازيغية في التوعية الدينية، خطب الجمعة، القضاء، و كافة المرافق العمومية. ( 40 سنة من النضال الأمازيغي، منشورات الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي، الطبعة الأولى 2007، ص: 15).
واضح أن  الحركة الأمازيغية (سواء بفضل المجهودات الجبارة للجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي أو بنضالات أطراف جمعوية أو فردية  ظهرت في الساحة لاحقا) نجح أداؤها في الدفع بعجلة الأهداف الموضوعة منذ اليوم الأول إلى الأمام. فلا شك أن قطاعات واسعة من الشباب الجامعي تم تعميق وعيها بالذات الأمازيغية. كما إن الثقافة الأمازيغية تعرضت لعمليات جادة للتحديث و العصرنة و كانت أهم خطوة في ذلك عملية جمع و تدوين التراث الشفوي و الانتقال بالشعر الأمازيغي إلى مستوى العصر سواء من حيث الأغراض أو الأسلوب (مع الشاعر محمد مستاوي). بالإضافة إلى ذلك تم  تطوير الفن الامازيغي و خصوصا في شقه الموسيقي؛ و لا أدل على ذلك من الواقع الذي يرصد ذيوع الصيت الذي يلقاه هذا المنتوج الفني الأمازيغي (منذ "أوسمان"، و "إزنزارن"..) في أوساط الناس. و تم تتويج هذا المسار النضالي بالنجاح في توفير حماية دستورية للأمازيغية بترسيمها في 2011.
بخصوص هدف "تحقيق  و ترسيخ المنظور الوحدوي للأمازيغية"؛ الأكيد أن الجمعية التي وضعت هذا الهدف ما فتئت تدافع عنه في شتى المعارك الثقافية و اللغوية بالخصوص. غير أن الواقع يؤكد أنه، إلى اليوم، مازال مشكل المعيرة حاضرا و مازال اتجاه "اللهجات" مستمرا و أمامنا القناة الأمازيغية الثامنة مثال صارخ لذلك؛ نشراتها الإخبارية يتعذر و يصعب على الأمازيغ المنحدرين من سوس –مثلا- متابعتها بسبب هيمنة "لهجة" معينة على النشرات. فلو كانت هناك لغة موحدة لما كانت الصعوبة بهذه الدرجة لأن اللغة الموحدة قاموسها يغرف من كل اللهجات. بخصوص تعميم تعليم الأمازيغية؛ هذه المسألة تعاني تعثرا لافتا لكن المسؤولية تتحملها الجهات التي تقف على أجرأة البرامج (وزارة التعليم، المعهد الملكي للثقافة الامازيغية و ما يدور في فلك السلطة) و ليس الحركة الأمازيغية.
ثمة منجز هام ساهمت الحركة الأمازيغية في تحقيقه بشكل كبير يتعلق الأمر بإمداد الساحة الفكرية المغربية  بجرعات من النسبية و القبول بالرأي الآخر و إيجاد مساحة للاختلاف و الانتفاض ضد الإطلاقية و الدوغمائية و التشبع بثقافة التساؤل و كسر الطابوهات..
لكن، أمام هذا الأداء المتميز للحركة الأمازيغية الذي يتجسد في الوفاء للأهداف المرسومة و تحقيقها بنَفَس تراكمي. ثمة قضية تطفو على السطح بقوة خصوصا مع بداية الألفية الثالثة و هو الخطر الذي يتهدد الأمازيغية  المُتَمثل في الانقراض على المستوى الشفهي. هذه المرة، الخطر يأتي من ضرة حقيقية هي "الدارجة المغربية" التي يراد تدرسيها من طرف بعض الجهات ! (و ليست الضرة هي اللغة العربية كما يتوهم بعض المنتسبين إلى الحركة الأمازيغية) و التي طالما تفاخر المناضلون الأمازيغيون من جيل التأسيس بكونها أمازيغية القالب. و المثير للتساؤل حقا هو وجود بعض المناضلين في الحركة الأمازيغية يستسهلون هذه القضية و يُرَبُون أبناءهم على الحديث بلغة أجنبية (الفرنسية) أو الدارجة فيفقدون لغة أمهم التي من الصعب أن يتداركوا تعلم الحديث بها إن أخطأوا الموعد معها في الصغر و الطفولة بخلاف الدارجة أو اللغات الأخرى التي تُتعلم عاجلا أو آجلا. و قد سبق للناشطة الأمازيغية مريم الدمناتي أن أشارت إلى خطر الموت البطيء على مستوى التداول الاجتماعي  في ندوة وطنية حول الأمازيغية في أبريل 2015 بالمكتبة الوطنية بالرباط. و الخطير في هذا هو أن كل المكاسب التي أنجزت طيلة عقود لصالح الأمازيغية في الميادين الفنية و الأدبية و الحقوقية و الإعلامية في طريقها لأن تُضرب في الصفر ! لأن الناس إذا فقدوا القدرة على التواصل بالأمازيغية لن يحسوا  بجمالية المنتوج الأدبي و الفني الأمازيغي و بالتالي لن يشجعوه مما يهدده بالفناء. فإعداد الإنسان الذي يحمل اللغة هو أهم حلقة في النضال من أجل قضية اللغة؛ فإذا فُقد هذا الإنسان لن يعود  الحديث عن اللغة و لا تمجيدها و لا توفير كلمات في حقها في ديباجة الدستور شيئا ذا بال.   

إن تقييم أداء الحركتين الاجتماعيتين القويتين اللتين تستأثران باهتمام المنخرطين في العمل الثقافي و السياسي المغربي يروم أساسا تسليط الدور على حلقة مفقودة في التحليل المُقدم لهذا الأداء. تتجسد هذه الحلقة في نسيان المهمة الأصيلة التي تشكل مبرر وجود هذه الحركات مع توالي السنين بفعل الانخراط في معارك يفرضها التاريخ بالإضافة إلى المراجعات الفكرية التي تستهدف تسديد و تجويد عمل هذه الحركات.
فإذا كانت الحركة الإسلامية قد قامت أساسا لإعادة الاعتبار للإسلام في الحياة فإن هذه الرسالة تقتضي العمل بشكل فعال من أجل تربية الفرد المشبع بمعاني "التقوى"؛ و لا ينبغي أن تنسيها القضايا الراهنة التي تعمل لها (أي قضية التحرر السياسي) هذه المهمة الأصيلة. فقضية التحرر السياسي محو مشترك مع كل الفضلاء الديمقراطيين من شتى المشارب و التوجهات لكن مهمة إرشاد الناس لبناء أركان التقوى هي عنوان وجود الحركة الإسلامية وحدها و من العسير أن تضطلع بها حركة اجتماعية أخرى. فضلا عن أن تشييد صرح التقوى هو بمثابة إقامة للتحرر على المستوى النفسي مما يهيئ مناخا ملائما للتحرر السياسي: فطالما ردد المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه (تأملات) ما مفاده أن الإسلام بدعوته المنتسبين إلى رسالته لنفي كل شعور بالاستعلاء على الناس أو انزلاق نفسي نحو قبول العبودية لحساب آخرين فإنه بذلك يرسخ أقدام الشعور الديمقراطي في نفوس المسلمين. فضلا عن هذه المسألة، أبناء الحركة ملزمون في هذه المرحلة بخوض غمار النزال المعرفي بأدواته المعروفة للإسهام في الإجابة عن الأسئلة التاريخية التي مازالت معلقة.
كما إن الحركة الأمازيغية؛ إذا كانت قد حددت غاية غاياتها في صيانة حق البقاء و النماء للأمازيغية فإن الوفاء لهذا الهدف الطموح ينبغي أن يبدأ من الحرص على استدامة التداول الاجتماعي للأمازيغية خصوصا و أن الحقائق لا تبشر بمستقبل سار للأمازيغية على المستوى الشفهي ذلك أن هناك دراسات تقول بأن تصاعد "التمدين" يقابله تراجع في التواصل بالأمازيغية في الحياة اليومية. من هنا على الحركة الأمازيغية أن لا تنسى أن النجاحات الرمزية التي حققتها الأمازيغية تُخفي خطرا داهما هو الانقراض الشفهي للأمازيغية. و يمكن لإدماج حقيقي للأمازيغية في التعليم أن يُخفض درجة الخطر لا إبعاده نهائيا.




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




كلما قرأ المغربي التاريخ السياسي لبلده إلا و يقف مشدوها لكثرة الفرص المضيعة أمام تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي منذ ستينيات القرن الماضي. و كلما كان واعيا  بطبيعة الحركات السياسية و الاجتماعية الوطنية التي تتحرك في المسرح منذ الاستقلال و كلما كان مطلعا على المناورات المعمول بها للتشويش على مسار هذه الحركات. كلما كان متسلحا بسلاح المعرفة ذاك؛ تجلت له الحقائق ناصعة و مدلولات الوقائع ساطعة.
لنعد إلى الذاكرة السياسية المغربية؛  لنقف على وجه الشبه بين ما جرى في أول انتخابات جماعية بالمغرب سنة 1960 و ما وقع في الانتخابات الجماعية لسنة 1976  و بين ما يجري في الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
انتخابات 1960 أقيمت بعد أسبوع واحد من إقالة حكومة عبد الله إبراهيم. و هذا يُلمح أيضا لما كان وراء مساع خائبة كانت ترمي لإسقاط حكومة عبد الإله بنكيران منذ سنته الثانية 2013 و ما وراء مسلسل تأجيل الانتخابات الجماعية (إلى حين سقوط الحكومة أو انتظار تآكل شعبيتها !).
على كل حال، لم تؤثر إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في معنوية المناضلين الاتحاديين فقد تجندوا لتعبئة الجماهير فكانت النتيجة أن فاز مرشحو الاتحاد، عندما أعلنت النتائج يوم 30 ماي 1960، بأغلبية ساحقة في أغلب المدن و القرى. لقد حصل مرشحو الاتحاد على أرقام قياسية في البيضاء و الرباط و طنجة و الجديدة و القنيطرة و غيرها. من بين النتائج التي كان لها وقع المفاجأة العظمى في الداخل و الخارج انهزام السيد محمد الدويري الذي عين وزيرا للمالية في حكومة ولي العهد (الحسن الثاني) في الرباط أمام مرشح الاتحاد الحاج محمد بنعلال العوينات، و كان يكسب قوت يومه من بيع الفحم (الفحام). (في غمار السياسة: فكرا و ممارسة- الكتاب الأول، محمد عابد الجابري. الشبكة العربية للأبحاث و النشر. الطبعة الأولى 2009. ص: 262)
و بانتباه بسيط نجد أن ذات السيناريو هو الذي تحقق في 4 شتنبر 2015؛ إذ أسقطت الجماهير الشعبية مرة أخرى العديد ممن تربع على كرسي الوزارة و قادة الأحزاب (بلخياط، أوزين، شباط، الباكوري..). و بخصوص اكتساح الاتحاد للقرى آنذاك و غيبة وريث الاتحاد (العدالة و التنمية) عن هذه المناطق اليوم؛ المسألة تبين، من جهة، أن الاتحاد كان ملتحما مع الجماهير الشعبية في كل الأوساط و "العدالة و التنمية" مازال في بدايات اقتحامه لهذه الأوساط. و من جهة ثانية، يواجه حزب العدالة و التنمية حزبا من أذكى (و أشرس) أحزاب السلطة على مر تاريخها هو حزب الأصالة و المعاصرة  استغل بشكل لافت وضعية الجماهير في القرى، بينما حزب "البام" الأول (أي جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) بزعامة كديرة لم يكشر عن أنيابه إلا في سنة 1963 و ربما كانت نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 1960 هي السبب !
مرت التجربة الديمقراطية الأولى للانتخابات الجماعية كأحسن ما تمر الانتخابات في البلدان المتقدمة التي قطعت أشواطا كبيرة في الحياة الديمقراطية. و إذا كانت هذه النتائج قد أظهرت بوضوح مدى انتصار التقدمية و اندحار الرجعية حيث اكتسح الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اكتساحا عظيما هائلا، في جميع نواحي البلاد. و قد نجح الاتحاد الوطني نجاحا هائلا مؤيدا بالأرقام و الأسماء، آن أن ننصرف جميعا إلى ما هو أهم، إلى بناء مستقبل البلاد، واضعين ثقتنا الكاملة في الجماهير الشعبية التي برهنت عن وعيها و نضجها و رشدها. و الخطر كل الخطر هو السقوط مع الرجعية الفاشلة في مجادلات كلامية دائمة لأن الاستعمار، حليف الرجعية، يريد أكثر من هذا. يريد أن نبقى في مجادلات فارغة مع القوى الرجعية، ليتفرج هو، و يستغل انصرافنا عن أهدافنا الوطنية فيثبت أقدامه و يوطد ركائزه في حين أن المعركة القائمة في المغرب هي معركة ضد الاستعمار و بقايا الاستعمار، معركة من أجل الديمقراطية و التحرر و التقدم المطرد. لذلك يجب أن ننصرف للعمل من أجل مستقبل البلاد.
"نعم لقد انتصرنا اليوم و علينا أن نعمل لننتصر غدا. هذا شعارنا، و على ضوئه سنسير واثقين من أنفسنا و من قوتنا كشعب مناضل مكافح. فلنسر جميعا معززين بانتصارنا، فلنسر جميعا و الله معنا، و النصر لنا". هكذا ختم الأستاذ محمد عابد الجابري تعليقه على نتائج الانتخابات الجماعية الأولى في المغرب التي أُجريت سنة 1960. (المرجع السابق، ص:263-264)
و ليس بعيدا أن يظن أي قارئ لهذا النص أن قائله أحد قادة العدالة و التنمية قاصدا بدعاة الرجعية أصحاب المشروع السلطوي (حزب الأصالة و المعاصرة) الذين يحملون بحق أفكارا  في منتهى الرجعية من قبيل استئصال إحدى أكبر الحركات الاجتماعية بالمغرب و احتضان السلطوية و حماية المفسدين و رعاية السعاة لإعاقة مشروع الانتقال الديمقراطي في هذا الوطن علاوة على الحنين إلى سلب إرادة الجماهير و التحكم في المشهد بالهواتف و ألوان الوعيد.
لننتقل إلى الانتخابات الجماعية لسنة 1976. فقد جرت كما كان مقررا في 12 نونبر بعد حملة انتخابية واسعة خاضها مناضلو الاتحاد في كل مكان، فجاءت النتائج كما كانوا يتوقعون. لقد أسفرت نتائج التصويت التي أعلنت عن "فوز الاتحاد بالأغلبية في أهم المدن و المراكز الحضرية و القروية: في الرباط و فاس و طنجة و أكادير و تارودانت و سيدي قاسم و صفرو". كان الاتحاد يستحق هذه النتائج، فلقد كانت حملته الانتخابية ذكية و قوية، و قد قام المرحوم عبد الرحيم بوعبيد فيها بدور هام، إذ زار كثيرا من المدن و ترأس عدة مهرجانات خطابية في جو من الحماس يذكر بذلك الذي عاشه الاتحاديون في حملاتهم الانتخابية في أوائل الستينات. و لكن دار لقمان تأبى إلا أن تبقى على حالها. لقد تدخلت أيدي التزوير لتغير نتائج مكاتب التصويت و لتعلن وزارة الداخلية عن نتائج أخرى في كثير من المناطق. و بدأت المحرر (جريدة حزب الاتحاد الاشتراكي) بالتشهير بالتدخل الذي حصل فكتبت تقول بعناوين كبيرة: "رغم نزول خصوم الديمقراطية بكامل ثقلهم، و رغم التزوير و طبخات آخر ساعة، الاتحاد الاشتراكي ينتزع أغلبية المقاعد و الأصوات في أهم المدن و المراكز. تدخلات آخر ساعة حرمت الاتحاد من عشرات المقاعد بفارق يتراوح ما بين صوتين أو ثلاثة أصوات". "عملية انتزاع الأغلبية من الاتحاد مستمرة بمختلف الوسائل... و ممارسة الضغط على الناجحين الاتحاديين لإعلان حيادهم و التعاون مع من يسمون ب"الأحرار". و كان هو حزب عصمان الذي خلف حزب كديرة. (في غمار السياسة: فكرا و ممارسة-الكتاب الثالث، محمد عابد الجابري. الشبكة العربية للأبحاث و النشر. الطبعة الأولى 2010. ص:33)
قراءة هذا التاريخ خصوصا في هذه المرحلة من أوكد الواجبات لأنه ثري بالدروس الملهمة لنا لإنجاح هذه الفرصة التي أمام مشروع الانتقال الديمقراطي الذي تم تأجيله من بداية الستينات !
رغم اكتساح الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لنتائج الانتخابات الجماعية الأولى لسنة 0196، إلا أن مشروع البناء الديمقراطي تعرض لإجهاض سريع و ضُيعت فرصة تاريخية لإنشاء دستور ديمقراطي. فإثر هذه النجاحات على مستوى الاستشارات الشعبية؛ يقول الأستاذ الجابري: أدرك خصوم الاتحاد، و على رأسهم كديرة و جماعته، أنه إذا أجريت انتخابات مجلس تأسيسي لوضع الدستور سيكون حظ الاتحاد فيه كحظه في انتخابات الغرف و البلديات، و بالتالي سيكون الدستور الذي سيضعه هذا المجلس في صالح ملكية دستورية ديمقراطية حقيقية. من أجل ذلك انطلقوا في حملة من الوشاية الكاذبة ضد الاتحاد قصد التأثير في جلالة المرحوم محمد الخامس، و قد أسسوا حملتهم على القول إن الاتحاد الوطني بمطالبته بالمجلس التأسيسي إنما يريد الإطاحة بالملكية كما حدث حين الثورة الفرنسية عندما اجتمع مجلس تأسيسي سنة 1789 و قرر إلغاء الملكية. (في غمار السياسة: فكرا و ممارسة-الكتاب الأول، ص:264). و سرعان ما انزلق المغرب، بسبب تلك الوشايات المغرضة، نحو ما تسميه الأدبيات الاتحادية ب"الحكم الفردي" بُعيد وفاة الراحل محمد الخامس ذلك الحكم الذي تم تأطيره بدستور 1962. و بذلك تم إجهاض مشروع الديمقراطية الأول في المغرب المستقل و الإجهاز على إرادة الشعب المغربي في التغيير بإنشاء أول نسخة من لون "الأصالة و المعاصرة" باسم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية.
في الانتخابات الجماعية لسنة 1976؛ الاتحاد الاشتراكي يفوز بثقة الجماهير من جديد. لكن هواة الإجهاز على إرادة الشعب  يحرصون على الولادة الميتة للمشروع الديمقراطي الثاني في المغرب المستقل. و يدفعون بالنسخة الثانية من لون "الأصالة و المعاصرة" تحت اسم التجمع الوطني للأحرار الذي تأسس رسميا سنة 1977 و وُلد بملعقة من ذهب إذ حصل على الأغلبية مباشرة في الانتخابات و زعيمه هو الوزير الأول عصمان !
اليوم في الانتخابات الجماعية 2015، بدأ نفَس الاستبشار بنجاح المشروع الديمقراطي الرابع في المغرب المستقل (فالمشروع الثالث كان مع اليوسفي، لكن مع الأسف تم إجهاضه كذلك !) يسري في أوساط العديد من الناس، منطلقين من حدث 4 شتنبر الذي تحررت فيه إرادة الشعب  و استعاد فيه المبادرة. إذ اكتسح فيه الوريث الطبيعي لنضالات و خط الحركة الاتحادية في نسختيه (الاتحاد الوطني، و الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) المدن و المراكز الكبرى؛ فكما وقف الاتحاد الوطني أمام النسخة الأولى من "البام" التي تزعمها كديرة تحت عنوان (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) في الستينات، و وقف أمام النسخة الثانية من "البام" التي تزعمها عصمان بعد منتصف السبعينات تحت يافطة (التجمع الوطني للأحرار)، ها هو حزب العدالة و التنمية يقف بثبات أمام  النسخة الثالثة من "البام" المسماة (الأصالة و المعاصرة) التي يتزعمها إلياس العمري !
لن نفهم ما يجري اليوم في المشهد السياسي المغربي إن لم نعي أن حزب العدالة و التنمية ليس حزبا كأيها الأحزاب. لن نتمكن من فك مغالق المناورات حول التحالفات في الأيام المنصرمة إلا بعد أن ندرك أن حزب العدالة و التنمية: يعد واجهة سياسية لفكرة إصلاحية تتغيا تخليق الحياة السياسية المغربية. لن نستوعب طبيعة الخناق الذي يضرب على الحزب على المستوى الإعلامي إذا لم نلحظ بذكاء أنه امتداد لحركة وطنية إصلاحية مجيدة؛ حركة كان عنوانها حزب الاستقلال (من 1943 إلى 1958: مع حكومة بلافريج) و كان أملها "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (من 1959 إلى 1972) و كان تألقها في "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" (من 1975 إلى 2002 ! ). لن ننتهي إلى مفهوم للحرب المعلنة من طرف "الدولة العميقة" على هذا الحزب إلا حينما نفهم أنه في طليعة القوى الديمقراطية الصلبة التي تعاند بلا هوادة  المشاريع السلطوية الاستبدادية البائدة.
باختصار؛ لن نتمكن من إدراك صحيح لما يجري في المشهد السياسي المغربي إلا إذا ضممنا إلى بنيتنا الذهنية ما يلي: حزب العدالة و التنمية واجهة لمشروع وطني تحرري يروم استكمال بناء المغرب المستقل مسترشدا بتراكمات و تضحيات كل الحركات الوطنية المناضلة.
صحيح أنه مشروع مازال يتلمس بنيانه الفكري الراشد. لكنها طبيعة المشاريع الإصلاحية تستهدي و  تستفيد من التجربة و الممارسة لنفض الغبار عن الأخطاء و العثرات و لفظ كل ما هو عتيق غير مفيد من الأفكار. فأمامنا الحركة الاتحادية مرت في فكرها من "التقرير المذهبي" للرئيس عبد الله إبراهيم في المؤتمر الثاني (سنة 1962) و عرجت على "الاختيار الثوري" للزعيم المهدي بنبركة الذي كانت له أصداء واضحة في "التقرير الإيديولوجي" الذي صاغه المفكر محمد عابد الجابري في المؤتمر الاستثنائي (سنة 1975).
إن درس التاريخ السياسي يقول إن الإيمان بالديمقراطية و الانشداد إلى إرث الحركة الوطنية يقتضي الاعتراف بأن حزب العدالة و التنمية يمثل طليعة القوى الديمقراطية الإصلاحية (التي فيها قوى أخرى: حزب التقدم و الاشتراكية و فيدرالية اليسار الديمقراطي) في هذه المرحلة. و أيُ اعتداء غير مشروع على حق الحزب في التسيير و المشاركة في أركان الحياة السياسية هو اعتداء ينذر بإجهاض الانتقال الديمقراطي الرابع الذي حقق أشواطا مهمة لم يسبق لها مثيل. إنها معادلة ينبغي أن تكون واضحة لدى كل الديمقراطيين و كل الوطنيين و كل الغيورين. فدرس التاريخ الاتحادي أثبت أن الاستهداف غير الأخلاقي للاتحاديين، باعتبارهم آنذاك عنوان الإرادة الشعبية، كان استهدافا للمشروع الديمقراطي في المغرب برمته.



...تابع القراءة