? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]


أكيد أن المطلع على اللجنة الجديدة لإصلاح منظومة التعليم  ( المتمثلة في المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي )  سيتأكد من جديد أن مذبحة منظومتنا مستمرة إلى أن يرحمنا رب العالمين.

أولا؛ قد ينخدع المستمع و المشاهد لوسائل الإعلام الرسمي من إعلانها لأسماء الأعضاء و مهامهم أنها تحوي كل أطياف الشعب و أنها تغطي كل القطاعات. و الحال أن اللون الطاغي هو لون البام .. هو لون المتنفذين الذين جاؤوا من غُرف مكيفة ليُناقشوا شؤون الطالب و التلميذ.

ثانيا؛ المرجعية الفكرية المؤطرة لغالبية الأعضاء هي يسارية بالأساس، كأن أغلب المغاربة يدينون بما يدين به اليسار! بل ليسوا حتى من اليسار الذي وُلد  في أحضانه مناضلين كبار تُميزهم الغيرة الوطنية و الولاء للأمة و العداء للاستعمار و التكوين المتين. بل هم
 من اليسار المتهالك الذي صار متنفذا يُراكم الثروات.

ثالثا؛ من المعلوم أن الإصلاح الحقيقي للتعليم يجب أن يكون مبتدؤه و خبره هو : أي تلميذ نريد ؟  و أي مجتمع نريد بعد عشر سنين؟ لكن و الحال أن الخلفية الثاوية وراء تحليلات غالبية أعضاء اللجنة هي خلفية يسارية مادية. فلا حديث عندئذ إلا عن شح التجهيزات و قلة الطباشير و خصاص الأساتذة و المعلمين و ضرورة استعمال " الطابليت" ( اللوحة الالكترونية ) و لا مكان لمناقشة الأسئلة الكبرى و مُدارسة النماذج الثقافية التي نطمح أن يتمثلها مجتمعنا في الغد القريب.

رابعا؛ سُعداء بضَم تلاميذ للجنة بقدر ما  آسفون على منهجية الاختيار: فأي معيار استحق هؤلاء به أن يُمثلوا التلاميذ ؟
كما أننا نتأسف على اختيار جُل التلاميذ من شعبة العلوم الرياضية و التقنية*، كأن هؤلاء هم الأقدر على النقاش و اقتراح البدائل و الأفكار. و هذا لَعمري من أكبر الشائعات غلطا، إن تلميذ شعبة العلوم الرياضية و التقنية تلميذ آلة**؛ أي تلميذ يتعامل بكفاءة عالية مع الأرقام، نعم، مع المبرهنات، نعم، مع القوانين الفيزيائية، نعم.. لكن مع الأفكار و النماذج الثقافية و الحضارية، لا و ألفُ لا..

حاصل الكلام، أن الحاجة من جديد إلى صوت جامع لتلاميذ بمغربنا الحبيب، حاجة مُلحة، لا مفر لنا - كتلاميذ نروم الإصلاح و التغيير- أن نُؤسس لحركة تلمذية مغربية قوية تُبلور ( و تدافع عن ) نموذج التلميذ  المنشود و تُعمق الدراسة في السبل إليه و تتعالى عن الواقع الرديء الموجود و نقاش ترقيعات الإصلاح المزعوم.


 * بالمناسبة كاتب هذه السطور خريج المدرسة المغربية شعبة العلوم الرياضية بثانوية تقنية ..
**  لكن وجب التذكير أن هناك استثناءات لكن الطابع العام يُشكله نموذج التلميذ الآلة.     
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

توفي الأستاذ محمد قطب، صباح يوم الجمعة 04 جمادى الثانية 1435 الموافق ل04 أبريل 2014 بمستشفى المركز الطبي الدولي في مدينة جدة بالسعودية، عن عمر يناهز 95 عاما. 
قرأت الخبر في الشريط ( الملَخص للأنباء المتواترة و الأخبار المستجدة ) الذي يَمر بقناة الأقصى الفضائية. تذكرت الأستاذ محمدا و ما يمثله لأجيال ممتدة في الحركة الإسلامية في الوطن العربي . 
في كل مناسبة تُيسر لي أن نعيد الحديث عن الأستاذ محمد قطب و إلماعاته خصوصا في علم النفس الإسلامي إلا و سارعتُ بالدعاء له بأن يطيل الله عمره. و كنت أتمنى أن تسنح لي الفرصة بزيارته في مكة المكرمة. 
للأستاذ محمد كبير الأثر في تكويني الفكري و العقائدي، فقد قرأتُ له فصل " الإسلام و الرجعية " في كتاب : " شبهات حول الإسلام "، في السنة الثالثة إعدادي ، في محاولة  مني للدفاع عن النفس و تحصينها مما قد يلحق بها من الاضطراب النفسي بسبب النعوت التي تسمُنا ب"الماضوية" و "الرجعية" و "بالعامية: مْعْقْد...".  كما قرأث له كتاب " الإنسان بين المادية و الإسلام"، الذي يمثل الخميرة الأولى لبواكير تأملاته في النفس الإنسانية و التصور القرآني لها، في السنة الثالثة إعدادي. قراءة الكتاب و تلخيص أفكاره و عرضها أمام إخواني شكل مرحلة فاصلة في تكويني الفكري. التحول الجوهري الذي أثاره في نوازع نفسي هذا الكتاب تمثل في إثارته في نفسي سؤال نظرة  الإسلام للكون و الإنسان و الحياة: انتقل بي الكتاب من فهم الإسلام على كونه مجرد إرشادات فيها " افعل، لا تفعل " إلى اعتباره رؤية و منهج شامل للحياة تتجاوز ضيق النظرة المسيحية المتزمتة و الرؤية المادية المعتسفة مما زادني تمسكا بالإسلام كإطار للفكر و الحياة. علاوة على هذا، شَكل لي الكتاب الأول الذي كتبه أستاذنا محمد قطب ( الإنسان بين المادية و الإسلام ) المحطة الأولى  نحو الاهتمام بالقضية الفكرية و الاشتغال بالأسئلة المنهجية الكبرى  ( التي تتناول : الإنسان، الإيمان، الحياة ، الكون ، الدار الآخرة ). 
كتابه الموسوم ب" معركة التقاليد" - على صغر حجمه - أفادني كثيرا في استيعاب مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما بعد، فالفكرة التي يروج لها الأستاذ محمد في الكتاب مفادها أن المعركة المحتدمة  الحامية الوطيس في العالم هي بين أنصار الإنسان- الإنسان و دعاة الإنسان-الحيوان ( و الجسد الشهوان = أتباع الداروينية و الفرويدية ). هي ذات الفكرة التي طورها الدكتور عبد الوهاب المسيري بنَفَس آخر و بمقدرة تحليلية و تفسيرية عالية في مشروعه الفكري الذي يدافع عن الإنسان/ الإنسان ( = الإنسان الرباني ) ضد الإنسان الطبيعي ( = المادي ).
الأستاذ محمد قطب يصغر أخاه الشهيد سيد  ب13 سنة، فهو تلميذه. تخصصه في علم النفس و تزوده من الأدوات التحليلية التي يستعملها سيد في التعامل مع النص القرآني مَكناه من استجلاء دُرر القرآن المرتبطة بموضوع  النفس الإنسانية و تقابلاتها و تأرجحاتها.
رحم الله الأستاذ الكبير، معلم الجيل ، محمد قطب على ما قدمه للمكتبة الإسلامية و للصحوة الإسلامية من جليل الخدمات. فالأستاذ محمد قطب و الشهيد سيد قطب و الأستاذ مالك بن نبي و الدكتور عبد الوهاب المسيري و الشيخ عبد السلام ياسين و الشيخ راشد الغنوشي و الدكتور أحمد الريسوني و الدكتور يوسف القرضاوي و الشيخ محمد الغزالي  و الفيلسوف المسلم طه عبد الرحمان و الفيلسوف الراحل روجي غارودي و غيرهم ؛ رغم المسافة التي تظهر بين مشاريعهم و عطاءاتهم و إسهاماتهم و تفاوت عمق و متانة طروحاتهم إلا أنهم يمثلون لي جميعا بُناة لمعمار فريد يشكل الفكر الإسلامي المعاصر عرف خدوشا و عرف إصلاحات كلها قامت في سبيل شحذ العقل المسلم المعاصر و يقظته. إنهم ينتصرون جميعا ، في نهاية المطاف،  للإنسان الخليفة ( الذي هو قبس من روح الله جل في علاه ) ضدا على نماذج الإنسان الحيوان و الإنسان المادي و الإنسان الآلة التي يُراد لها قسرا الانتشار في عالم اليوم.   
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





لا يرتاب اثنان في كون الخوض في " كيف ؟" بصفة عامة من الأمور العسيرة. و حيث أن " كيف" هنا موضوعها " الدعوة" فالأمر يتعسر  أكثر و يعتاص و لكون المدعو هنا هو " التلميذ " فالصعوبة تزداد أكثر فأكثر ..
خاضت كتابات كثيرة في " كيف ندعو الناس ؟" بصفة عامة ، لكن شحيحة هي الأبحاث و الدراسات التي تتناول سؤال" الكيف" في أوساط التلاميذ . سؤال الكيف يبقى السؤال المؤرق لكل متحسر و متأسف على واقع التلميذ الأليم ، بدءً بالأساتذة و المربين وصولا إلى التلاميذ المهتمين بانتشال إخوانهم من  وهدة  الميوعة و التمييع ، و يرتبط هذا السؤال بموضوعات أخرى منها : من أين نبدأ ؟ ما مواضيع الدعوة الضروري ترسيخها في نفوس المدعوين  ؟ ما هي آليات الدعوة في المجتمع التلمذي؟ ما الوسيلة الأرشد : هل الدعوة الفردية أم الدعوة العامة ؟ من هم الدعاة ، هل هم أساتذة أم تلاميذ ؟
في نقاش مع مجموعة من التلاميذ في إطار  نشاط  تربوي بالثانوية حول "مشكلات الشباب" ، ألح بعض التلاميذ على نفس السؤال : " كيف نُوَعي ؟ ". و بتعبير آخر، ذكر أحد المتدخلين أن الكل يجيد تشخيص الواقع و وصف حالة التردي التي يتسم بها ، لكن ما هو البديل ؟ ما هو الحل لتجاوز هذا الواقع  ؟ ". و في مشهد آخر، كلما عزم أحد الإخوة من التلاميذ على بدء نشاطه الدعوي و الانخراط  في سلك الإصلاح في أوساط زملائه يصطدم بعدم الاستجابة أو السخرية أو  كونه صوتا نشازا .. يستسلم و يستحيل مرة أخرى تلميذا عاديا يخوض معتركه اليومي (  واجباته المنزلية و الفروض المستمرة ...) فتخسر الدعوة الإسلامية  جنديا من جنودها  . كل هذه المشاهد و غيرها دفعتني إلى التفكير في هذا السؤال : " كيف ندعو التلاميذ ؟" .
حينما بدأنا  الدعوة إلى الله تعالى في صفوف التلاميذ – أنا و مجموعة من الإخوة -  قبل حوالي ثلاث سنوات ، اتسمت تلك لمرحلة بنوع من الاندفاعية و " الغوغائية" و الفظاظة ؛ بحيث كنت أرفض الحديث نهائيا مع التلميذات و الأنكى من ذلك أنه كلما حاولت إحدى الزميلات أن تشير لي بخطأ إملائي أو معرفي كتبته  في السبورة لا ألتفت لما تقول.  و أثناء تحضيرنا لعرض حول حول " المرأة في الإسلام "  طلبنا من التلميذات في القسم المحاور التي يريدونها أن تكون مطروحة للنقاش فوجئنا بورقة مكتوب عليها :" لماذا إذا خاطبناكم تدَعوننا  كالسراب ؟! " ، كل هذا تحت مسميات الخوف من الفتنة . و أرُد  هذه السلوكات  الناشزة إلى  ضحالة الزاد الشرعي و الفكري و الاغترار بالتفوق الدراسي و عدم استيعاب المقاصد السامية للعمل الدعوي و عدم الاستنارة بالهدي النبوي ( إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً  ) و عدم الاحتكاك بالواقع و مخالطة دنيا الناس .
أولا/ الدعوة بالقدوة :
إن التلميذ الداعية  لن تنجح دعوته وسط أقرانه إلا إذا كانت دعوة "بالحال" أساسا  ثم بإمكانه إن يدعمها " بالأقوال"، فمجموعة من الأمور التي يدعو إليها المدعوين ( من زملائه التلاميذ ) من الصعب أن يتقبلوها إن لم يروها رأي عينهم في أخيهم و نظيرهم الداعية ، أضف إلى ذلك أنهم سيعتبرون الالتزام بما يدعو إليه مؤجلا إلى سنوات لاحقة ( حتى تمر مرحلة المراهقة عملا بمقولة زائفة : " تْكبرْ أُو تْنْسى !" ) .
1/ الالتزام :
إن أول خطوة في الدعوة بالحال هي ما يصطلح عليه"حركيا" بالالتزام، و هو اسم جامع يشمل اتقاء لحدود الله تبارك و تعالى و نواهيه و طاعة  أوامره و الاعتصام بما جاء في كتابه، فلا بد لمن يسعى بحق لأن يكون " تلميذا داعية" أن يلتزم أولا ليدعو غيره من التلاميذ إلى الالتزام و هو المقصود الأول من الدعوة .
2/ التفوق ( أو السعي إلى التفوق ):
إن الدعوة بالقدوة تستوجب أن يكون " التلميذ الداعية" متفوقا دراسيا ( أو ساعيا إلى التفوق فليس كل الناس متساوين في مداركهم العقلية و مستوياتهم الاستيعابية ) ، طالبا مجتهدا ، عالي الهمة في تحصيل الدرجات العُلى  و حاضرا في ميادين المنافسة على الرتب الأولى . هذا التفوق الدراسي ، أولا استجابة لأمر الله تعالى الذي يحب معالي الأمور كما جاء في الحديث النبوي الشريف : [ إن الله يحب معالي الأمور و يكره سفسافها ] ، ثانيا يعطي صورة مُشرقة عن التلميذ الداعية  و عن المتدين و عن التدين بصفة عامة ، ثالثا يجعل لصاحبه مكانة مُحترمة و صوتا مسموعا في الفصل الدراسي و المؤسسة التعليمية مما يهيئ له مناخا ملائما و خصبا لترويج الرسالة الدعوية و الخطاب الدعوي .
3/ دماثة الخلق :
كما أن دماثة الخلق و المعاملة الحسنة  مع الزملاء التلاميذ بمثابة رسائل دعوية قد يفوق تأثيرها الدعوة بالكلمة و الموعظة . فضلا عن أنها مما يُتوسل به لبلوغ كمالات الإيمان و يعطي صورة حضارية مشرقة للتلاميذ المتدينين أمام الجهاز التربوي للمؤسسات التعليمية  و باقي التلاميذ.
المعاملة الحسنة مع الزملاء بمعنى لين الجانب في التعامل معهم و خفض الجناح لهم و رحابة الصدر في تقبل عثراتهم ؛ فالتلميذ مثلا الذي لا يصلي و يُزَامل التلميذ الداعية في الفصل الدراسي ، لا ينبغي له أن يعامله بفظاظة و تَكَبُر لأنه لا يصلي بل عليه أن يدعوه برفق و حكمة [ كأن يتركه على سبيل المثال ينتظر أمام مسجد المؤسسة ( لتأدية صلاة العصر ) فيحس بالخجل من تلقاء نفسه و الندم على فعلته فيعود تائبا إلى ربه ].و قس على ذلك التعامل مع التلميذة التي لا ترتدي الزي الإسلامي أو التلميذ الذي يغش في الامتحان أو الذي يتلفظ بفحش الكلام.
و من دماثة الخلق كذلك ، مساعدة التلاميذ على فهم دروسهم و مد العون لهم و تنفيس كُربهم و عيادتهم عند المرض فذلك مما يكسب به التلميذ الداعية قلوب مَدْعُويه  حتى قبل أن يتلفَظ بنصيحة أو رسالة دعوية. علاوة على بعض الأنشطة مثل تشجير المؤسسة و القيام بحملات النظافة فيها و تبني قضايا التلاميذ المظلومين .

ثانيا/ موضوعات الدعوة بالمقال في الوسط التلمذي :

هذه الموضوعات يمكن إثارتها بشكل فردي مع التلاميذ من خلال النقاش و المُصاحبة ( أي ما يسمى بالدعوة الفردية). لكن، لا بد للتلميذ الداعية أن يكون نشيطا سواء في الفصل أو المؤسسة بالمشاركة الفاعلة في النقاشات المُثارة بالدفاع عن الطرح الإسلامي و الإنساني لها ( و لن يتأتى له ذلك إلا إذا كان يقرأ و يطالع ، من هنا تكمن أهمية القراءة ) و أهمية البعد الأخلاقي فيها سواء من خلال مداخلاته أو مساهماته ( العروض، كتابات في المجلة الحائطية ). فالإسلام لا يقبل مسلما ينكفئ على خُويصة نفسه لا يخالط الناس بدعوى أنهم غير ملتزمين بل يطلب مسلما مؤثرا لا متأثرا و فاعلا لا منفعلا. و من خلال هذه المداخلات و المساهمات يمكن التأكيد على هذه الموضوعات مما يزيدها رسوخا في أذهان التلاميذ الذين سمعوا بها من قبل من التلميذ الداعية عبر الاتصال الفردي.مع التأكيد دائما على أن الدعوة الفردية هي الأصل ، و من الموضوعات التي أراها – و الله أعلم – أولى بالاهتمام :
1/ قضية الألوهية :
أول موضوع يجب أن تنصب جهود الدعوة لتوضيحه و ترسيخه في المجتمع التلمذي هو " الألوهية" . فاستقرار حقيقة " لا إله إلا الله" في النفوس : الإنسان الذي أقر بها سَلَمَ تسليما مطلقا لله تعالى بالطاعة المطلقة و أنه عبد لله تعالى لا لأحد سواهُ سواء كانت نفسُه التي تطاوعه و هواها أو شهواته أو المال أو الجاه أو أحد من الخلق. إنه بذلك الإقرار أعلن نفسه حرا من كل العبوديات إلا عبودية خالقه الرحمان جل سبحانه و تعَالْ.و بتَمَثُل الشباب لهذه الحقيقة الكبرى يتحرر من ربقة العبودية لشهوة الجنس أو المال أو المخدرات لأنه فَهِمَ فَهْمًا يقينا أنه عبد لله و ليس لأحد من هؤلاء.
2/ الدار الأخرة:
الدنيا ممر و ليست مستقر، الإنسان عابر سبيل في هذه الدنيا، الحياة الحقيقية هي الدار الأخرى التي فيها الجزاء الأوفى، الدنيا اختبار لمدى استجابة الإنسان للمنوط به : عبادة الله تعالى بمفهومها الشامل باعتباره خليفة للواحد الأحد .هذه الحقائق كلها يجب أن تكون من أولى الموضوعات التي يتصدى لها  "التلميذ الداعية " في أنشطته الدعوية سواء الفردية أو العامة.
3/ الإسلام منهج حياة :
الإسلام ليس حقيقة أُنزلت لتقبع في حنايا الضمائر و خفايا القلوب و إنما لتتحول لمنهج حياة . الدعوة في المجتمع التلمذي ينبغي لها أن تعمل على تصحيح مجموعة من المفاهيم المرتبطة بحقيقة الإسلام و الأفكار المغلوطة عنه التي تُلخصه في الشعائر فقط أو تعتبر أن الإيمان يكتفي بمكانه في القلوب  أو تقول إن العمل به ( أي الإسلام )  لا يتعدى أسوار المساجد.
4/ الشباب و مسؤولية المرحلة :
 في هذا الموضوع ينبغي ربط الشاب أولا بهويته الحضارية و استنهاض همته من أجل الذود عن بيضتها و النهوض بأعبائها و تكاليفها ، و ربطه بالجيل القرآني الفريد و الفتية الذين لا تتجاوز أعمارهم 13 و 14 سنة و يتسابقون إلى الرسول صلى الله عيه و سلم لعله يقبل مشاركتهم في الغزوات ( أسامة بن زيد نموذجا) . و من ثَم يعرف أنه امتداد لهذا الجيل القرآني و أنه حفيد أولئك الفتية التي آمنت بربها و اهتدت  و أن مرحلة الشباب ليست كما يزعمون مرحلة مراهقة و جنس و موسيقى صاخبة ، بل مرحلة تحمل مسؤولية البلاغ المبين على هدي النبي الأمين إلى الناس أجمعين  بالعودة إلى هذا الدين للنجاة من السعير و بلوغ مقامات عليين عند رب العالمين.
5/ هموم الأمة الإسلامية :
لا بد للدعوة في المجتمع التلمذي أن تحسس التلميذ المسلم بأنه عضو حي من أعضاء الأمة الإسلامية : يجب عليه أن يهتم بأمرها و أمر إخوانه المسلمين في كل مكان ، و من ذلك أن يُحصن نفسه أولا ضد الغزو الفكري و التطبيع الثقافي ( المتجلي في : اللباس ، الذوق ..) مع أعدائها و خصوصا - حاليا - العدو الصهيوني كي لا يوفر خدمة مجانية لهم ثم يجتهد في دراسته و يكد لينفع أمته بإبداع جديد و تطوير ما هو قديم من كل عُدة يعتد بها في عصرنا هذا .
6/ المستقبل لهذا الدين :
نظرا لانتشار ثقافة الانهزام و الاستسلام و وقائع تزيد من التيئيس من إمكانية النهوض من جديد لهذه الأمة بعد نوم عميق مازالت تغط فيه – و لعل الربيع الديمقراطي دليل على أنها بدأت تفرك عينيها من آثاره  -  و كون فئة التلاميذ بالخصوص إذا بدأت حياتها على أفكار اليأس و القنوط سترسُم صورة قاتمة لمستقبل الأمة . لكل هذا، وجب الاهتمام بموضوع " المستقبل لهذا الدين" لكن ليس بطرح تواكلي بل بطَرْح يُلفت النظر إلى دور السنن الكونية و الشرعية في هذا الأمر . مصداقا لقوله تعالى : " و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ". و يبرز أهمية مجموعة من المفاهيم في البناء لهذا المستقبل كالفعالية و الريادة و الإيجابية .
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

بعد صدور العدد الأول بيوليوز 2012 و العدد الثاني بأبريل 2013، و بعد جهد جهيد و انتظار طويل، أصدر نادي الشباب بجمعية الآفاق الثقافية بتيزنيت العدد الثالث من مجلة الصحوة التلمذية. و يضم هذا العدد مجموعة من المقالات التي تعالج أسئلة الإصلاح و النجاح و الريادة في الساحة التلمذية ( نصائح للنجاح، شخصية التلميذ المعاصر، عن القيادة و سمات الريادة فيها ...) كما تتناول عدة مواضيع تهدف  إلى تنمية الوعي بالانتماء و القضية.
و قد تميز العدد الأخير من " الصحوة" باستضافة إطار تربوي مخضرم هو الدكتور أحمد السيحي مدير المركب التربوي "القلم" بأكادير.
و مما ما جاء في افتتاحية العدد: " إن المواد التي تقدمها المجلة – على تواضعها – لا تتناول تفاصيل الأخلاق و لا جزئيات الأمور التي ترتبط بالصحوة التي نطمح إليها و لا تسرد المعارف العلمية التي يُفترض أن نضطلع بها بعد مرحلة الصحوة، نقصد عصر النهضة. و إنما تضع الأصبع على مكامن الخلل و آفات الطريق المعيقة للصحوة و النهوض، علاوة على فتحها لآفاق التلميذ المغربي نحو الالتحام بقضايا الأمة و همومها؛ إذ يمثل الانشغال بالقضية و معانقة أسئلة المصير خطوة أولى على الطريق."
جدير بالذكر، أن أسرة تحرير المجلة تتوزع على ثانويات و إعداديات مدينة تيزنيت .

بريد المجلة : mag.sahwa@gmail.com
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


تعالت في السنوات الأخيرة بمغربنا الحبيب دعوات من طرف أشخاص، تختلف تخصصاتهم و ميادين عملهم لكنها تشترك في البون الشاسع بينها و بين ما يخوض فيه أصحابها. أقل ما يمكن أن نصف به هذه الدعوات، التي حظيت بسند إعلامي يبعث الارتياب في نفس كل متابع للشأن العام، هو أنها نوع من ممارسة الوصاية على التلميذ المغربي؛ وصاية في مضامين ما يدرس و وصاية حتى في هدفه من الدراسة.
أحد هؤلاء هو الأستاذ أحمد عصيد، الذي دعا  في ندوة في أبريل الماضي ( 2013 ) إلى حذف ما يعتبره تناقضا في المنظومة التربوية بين ما يسميه القيم الكونية و النصوص التي تثوي رسائل إرهابية ( مُمثلا لهذا التناقض برسالة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم  إلى هرقل : " أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين " في كتاب الجذوع المشتركة الخاص بالتربية الإسلامية ).  نحن هنا، لا تهمنا الخلفية العقدية و الفكرية لعصيد ( فهو حر أن يعتقد ما يشاء شرط أن لا يؤذي و يستفز الشعور العام و حر كذلك في قراءة أي نص حسب هواه شرط أن لا يُلزم الآخرين بتأويلاته ) و لا يهمنا كذلك الإشكال اللغوي الذي وقع فيه ؛ بقدر ما لا نقبل ، بأي حال من الأحوال، الوصاية التي سعى ( و يسعى إليها دائما من خلال كتاباته ) لفرضها على التلميذ المغربي ، على هويته على  مرجعيته و على مستقبله. نحن هنا – كأعضاء في المجتمع التلمذي – نرفع التحدي في وجه عصيد ليستفتي الجماهير في الساحة التلمذية ( رغم كل السوء الذي فيها  و رغم كل الوصايات التي مارسها أسلاف عصيد و أمثاله من قبل على المنظومة التربوية ): هل أحسوا – أو يحسون -  بتناقض ما أثناء دراستهم لنص ( كالرسالة النبوية التي تحدث عنها) في مادة التربية الإسلامية أو مادة أخرى مَس بالقيم " الكونية" المتغنى بها ؟ أم أنهم يحسون دائما بأنهم مُمزقي الشعور، هُلاميي الهوية، ضائعي المستقبل لأنه لا يتم ربطهم بوطنهم و أمتهم بقدر ما يتم  ربطهم ب"الآخر" الذي استعمرهم و لأنه يتعذر عليهم العمل إن لم يُلموا بلغة الآخر و لأنهم يقضون اثتني عشرة سنة من الدراسة دون أن يكون لهم أدنى ارتباط بدينهم  بسبب تقزيم ساعات مادة التربية الإسلامية ( ساعة في الأسبوع للشعب العلمية و التقنية  في الباكالوريا  ) و تفريغها من محتواها  ( دراسة الحوار و التواصل و البيئة... – و إن كانت أمور مطلوبة لكنها تُدرس في مواد أخرى: العربية، الاجتماعيات، بعض المواد العلمية – قبل تثبيت أركان العقيدة و مكارم الأخلاق في النفوس) ؟ 
ثاني هؤلاء، هو دَعيُ حب الدارجة المغربية نور الدين عيوش، الذي فاجأ التلاميذ المغاربة بدعواه، الغير المفهومة، المرتبطة بتدريس الدارجة و التدريس بالدارجة. عيوش  رجل الإشهار،  الذي  لا علاقة له بالمجتمع التلمذي و التعليم من قريب أو بعيد، هو الآخر يأتي ليمارس على التلميذ المغربي وصاية من نوع جديد. ربما عيوش توهم أن مشكلته مع اللغة العربية و مع  اللسان العربي  ينسحب على كل التلاميذ المغاربة، و لهذا فسبب مغادرة المقاعد الدراسية هو مشكل اللغة العربية !  صحيح، أن التلاميذ المغاربة قد يعانون من بعض المشاكل في التمكن من ناصية اللغة العربية. لكن أن يكون سبب الانقطاع عن الدراسة هو اللغة العربية فهذا من ضرب أضغاث الأحلام. و الأصح كذلك، أن اللغة العربية تتعرض لتهميش واضح  في التعليم في المغرب حيث أن التلاميذ يبرمجون منذ صغرهم ضدها : العربية  ليست لغة " المهنة في المستقبل" ، ليست لغة الدراسة بعد الباكالوريا ،  ليس من ورائها عائد  للتلميذ ... و بالتالي من الطبيعي أن تكون النتيجة الحتمية لهذه البرمجة السلبية ضد اللغة العربية منذ نعومة أظافر التلميذ هي  توليد نفور تجاهها و من ثمََ ضعف بها ( النفور يُوَلد عدم الاهتمام و عدم الاهتمام يُوَلد الضعف ).
بكلمة، أمام تعالي أصوات، من هنا و هناك،  بعيدة عن المجتمع التلمذي  و أسرة التعليم، تحاول فرض رؤيتها الإيديولوجية المستلبة على التلميذ المغربي . لا يسعنا  إلا أن ننادي بأن الحل هو حراك تلمذي تتعدد تمظهراته من رواج للمجلات و الكتب إلى  فتح نقاشات جادة في باحات المؤسسات تكون من التلميذ إلى التلميذ و يُناقش فيها مصير التلميذ.
...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]



لا شك أن الحدث المصري مازال يلقي بظلاله على الفكر و الثقافة و السياسة في العالم الإسلامي بالخصوص. فقد أعاد إلى الأذهان عدة أسئلة،  كان الزعم قد قال أنها محسومة منذ زمان و أن باب الاجتهاد قد أُقفل فيها منذ "اقتراب" الإخوان من السلطان،
                                                                (1)
لعلي لا أكون مبالغا حينما أقول بأن ما جرى في مصر فيه من الفوائد و العبر للحركة الإسلامية بالخصوص قدر ما فيه من مخاوف على مستقبل الربيع الديمقراطي. فما جرى، من جهة،  سيجعل رواد الحركة الإسلامية  يعيدون النظر في تجربة مشروعهم السياسي بعدما  وُضع على المحك و لأول مرة و لو لفترة قصيرة، بعدما التقطوا أنفاسهم من وراء دوامة معترك التدبير السياسي الذي يُبعد المثقف والداعية – بعدما انخرطا في معترك السياسة - عن الرؤية الواعية و التفكير المتبصر بسبب تناسل الحدث السياسي بوتيرة متسارعة ما يستدعي التعامل مع حدث اللحظة بمنطق اللحظة مما يعيق الرؤية المستقبلية العميقة في التحليل. و ربما أيادي الغدر و الانقلابيين فطنوا لهذا فلم يَدعوا الناس حتى ليلتقطوا أنفاسهم و سارعوا بإدخالهم السجون و الزج بهم في المعتقلات و متابعتهم بالتحقيقات وتلفيق الاتهامات لهم بعد ساعات معدودة من الانقلاب ( اعتقال الدكتور سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية و العدالة نموذجا ). و من جهة ثانية، ما حدث محطة هامة لتمحيص الصف: معرفة الخونة و العملاء من الصادقين و المخلصين و الوطنيين. و من جهة ثالثة، الانقلاب أجلى سرائر الأعداء و ثبت الأصدقاء.

في اعتقادي – و الله أعلى و أعلم – يحتاج العمل الدعوي إلى مزيد من العناية القصوى و يحتاج البناء التربوي و العقائدي إلى الجهد الأقصى. على الدعاة أن يستمروا في مهمتهم و بنفَس أكثر حماسة و أكثر فاعلية و في شرائح المجتمع كلها و خصوصا في أوساط الشباب. و أعتقد أن العمل السياسي، حاليا، لن يضيف للدعوة في المجتمع  مكاسب جديدة، مما يعني أن على المهتمين بالشأن الدعوي في الحركة الإسلامية – و أنا منهم – أن يُشمروا على سواعدهم  و يواصلوا عملهم المتمثل في إشاعة التدين الإيجابي في المجتمع، أقول ما أقول، لأنه بات جليا بعد هذه التجارب القصيرة أن العمل السياسي حاليا ليست معركته دعوية – بالمعنى الصرف للكلمة – وإنما معركته هي تمتين الصرح الديمقراطي  و توسيع الحريات. و أستحضر هنا كلام الأستاذ فهمي الهويدي، نُشر منذ سبعة عشر سنة خلت، جاء فيه: إن أي داخل إلى ميدان تطبيق الشريعة ينبغي أن يبدأ أولا بالحرية و الديمقراطية، حتى يسترد المجتمع عافيته قبل أن يواصل مسيرته و يتقدم باتجاه التطبيق المنشود. و نحن ممن يعتبرون أن انكسار الإسلام بدأ منذ لاحت نذر الاستبداد بين نخبه الحاكمة. من ثم، فإننا ندعو إلى إصلاح ذلك العوج أولا و قبل كل شيء.(كتابه  " المفترون") . أقول هذا الكلام بعدما عاينت فتورا بينا من جانب الدعاة حيث صار الاهتمام بتقلبات المشهد السياسي و معاركه متضخما على حساب قضية دعوة الناس إلى التدين السليم. بكلمة، على الفاعلين في ميدان الدعوة إلى الله أن يُرابطوا في  ثغورهم و يتركوا إخوانهم الفاعلين في السياسة يحققوا النزر اليسير مما يتيسر لهم من الإصلاح.
أما في ما يخص الأطر، فقد بات واضحا أن الحركة الإسلامية تحتاج لسياسة جديدة تُوجه بها دراسة أبنائها نحو الميادين الشاغرة  فترك الأمور هكذا حسب التقديرات الفردية لأبنائها لا يخدم مشروعها بالشيء الكثير. أتحدث هنا عن القاعدة التلمذية و الطلابية للحركة الإسلامية من حيث توجيهها إلى التخصصات المطلوبة في الساحة؛ كل حسب ميوله و إمكاناته سواء الميدان الدعوي أو السياسي أو الاقتصادي أو التقني.
                                                                  (2)
العلاقة بين الإسلاميين و غيرهم من المسائل المطروحة بإلحاح شديد بعد الانقلاب، و لعل السبب " البراني" الثاوي وراء الانقلاب هو  الخلل الكامن في هذه العلاقة. و  أعتقد أن الانقلاب و حيثياته و تداعياته أكد ما كان يدعو إليه الأستاذ فهمي الهويدي منذ تسعينات القرن الماضي من اعتماد التقسيم : وطنيين و لا وطنيين.. حيث قال : ما أريد أن أخلص إليه أن ثنائية الإسلامي و العلماني أضرت بشكل فادح بالصف الوطني في مصر خاصة. من ناحية، لأنها تعبر عن اشتباك حول الأهداف النهائية البعيدة، التي  لا نملك ترف الاختلاف حولها في ظل تحديات مرحلية جسيمة ماثلة أمام الجميع. و من ناحية ثانية لأنها جرتنا إلى صراعات و مواجهات من شأنها إنهاك المعسكرين، و ربما انتحار الجميع في نهاية المطاف، الامر الذي يعد أعظم هدية تقدم للساعين لابتلاع هذه الأمة و تركيعها و بسط الهيمنة عليها.  و من ناحية ثالثة، فإنها تعد قسمة مغلوطة موضوعيا، لأن الصيغة الصحيحة للمواجهة، في نظر أهل العقل و الاعتدال، لا تكون بقسمة الصف إلى إسلاميين و علمانيين، و لكنها ينبغي أن تقوم فقط على التمايز بين الوطنيين و غير الوطنيين.  [كتاب "المفترون". ].

بمعنى أن مقياس التعامل مع " الآخر" داخل الوطن يجب أن يقوم أساسا بناء على وطنيته بغض النظر عن إيديولوجيته و عقيدته السياسية: هل يريد الإسهام في بناء الوطن و النهوض به؟ أم أنه سجين المصالح الذاتية الضيقة و خاضع لأجندات سياسية خارجية (= هناك مثلا أحزاب مرتبطة بالدولار الأمريكي و المشروع الصهيوني، و هناك أخرى مرتبطة بالبترول الخليجي ) ؟
فإذا كان الهدف خدمة الوطن و مصلحته العليا، ستزول عقبات كثيرة في طريق الملتقى بين فُرقاء الوطن، لأن التوجس من "الأخر" و تخوينه يرجع لسببين رئيسيين:
-          اعتقاد كل فريق أن الفريق الآخر يستغل عقيدته السياسية لاستمالة الجماهير و خداعهم ليصوتوا عليه ليصل إلى السلطة و ينتفع منها.
-          التشكيك في نزاهة الأخر و الظن بأنه ما يريد السلطة إلا للانتفاع منها لنفسه و طبقته: التغطية على الريع و الفساد المالي .


على ضوء هذا، يتبين أنه إذا وُجد حزب وطني يسعى فعلا للعمل لمصلحة الوطن سيتبدد الخوف من أنه يستغل الجماهير بشعارات براقة و ينحسر الاعتقاد في أنه ما جاء  إلا للانتفاع؛ و سيكون ذلك تمهيدا لبناء قاعدة صلبة لمشروع وطني . لكن – للأسف – يتبين بعد أحداث ما بعد الانقلاب و من خلال الابتزاز الذي تتعرض له حركة النهضة في تونس أنه لا وجود في أوطاننا لعلمانيين وطنيين شرفاء يبتغون مصلحة الوطن و الأمة – و إن وُجدوا فهم قلة أمثال منصف المرزوقي- ، و بالتالي أمام الحركة الإسلامية صعوبات جمة في  تحديد هذه القلة المخلصة الصادقة و التعاون معها و تلميع صورتها ( و تجربة تعاون الإخوان مع أيمن نور في مصر و تحالف النهضة مع المرزوقي تونس  خطوات على الطريق ).
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






مما لاشك فيه أن حلول ذكرى ( محطة تارخية معينة ) تكون مدعاة  للتوقف و التأمل في ما تحويه الذاكرة من سامق الأحداث و فرصة لتقدير التاريخ النابض المُشكل لحاضرنا  المُعاش و محطة لاستخلاص العبر والقيام بنقد بناء  لما سلف من الأفكار . و إذ تحل اليوم الذكرى السابعة و الأربعين لاستشهاد الأستاذ سيد قطب، أكتب هذه الكلمات عرفانا بالدور الجلي الرائد الذي قامت به كتاباته في مرحلة من المراحل في استنهاض همم الشباب المسلم  نحو قضية الدعوة و الإسلام بل كانت – حسب وقائع و تحليلات – من الأسباب الأولى في بزوغ شمس الصحوة الإسلامية مطلع السبعينيات في أرجاء العالم الإسلامي(1). كما أكتبها تنويها  بما أضافته مدرسة " آل قطب" – الذي يعد الشهيد سيد مؤسسها و أخوه محمد رائدها -  للفكر الإسلامي المعاصر من تناول جديد للتصور الإسلامي للكون و الحياة و الإنسان ( سيد أَصل لهذه القضايا في كتبه : " خصائص التصور الإسلامي" ، " مقومات التصور الإسلامي " ، " في ظلال القرآن " . و محمد فصل و أضاف في كتبه : " الإنسان بين المادية و الإسلام"، " التطور و الثبات في الحياة البشرية" ، " مفاهيم ينبغي أن تصحح " ... ) علاوة على بيانها لطبيعة المعركة في هذه الحياة و أنها بين من ينتصر لحيوانية الإنسان و سلبيته و بين من يريد إنسانا حرا كريما خليفة لله عز و جل في الأرض(2). أكتب أخيرا هذه السطور إيفاءا للشهيد بعضا من حقه بعدما نالته سهام الحيف من إخوانه قبل خصومه . و تعريفا به للأجيال الصاعدة في الحركة الإسلامية.
أولا/ مسار حياة :

·         ولد سيد في قرية من قرى صعيد مصر التابعة لمحافظة أسيوط ( 1324ه/ 1906م )  لأسرة مستورة الحال ماديا و وطنية الانتماء سياسيا ( انتساب والده للحزب الوطني و اشتراكه في جريدته الرسمية )، و لأب كريم الإنفاق، له أراض واسعة نسبيا له بها فلاحون بالأجرة غير أن نفقاته لم تكن تتناسب مع مردود أرضه ، فلا يزال يبيع منها شيئا بعد شيء للوفاء بالديون ( لكثرة إنفاقه ) حتى كانت والدته تخشى أن تنفذ أرضهم المتناقصة باستمرار و ترجو أن يقوم ولدها سيد في المستقبل – حين تفتح له الدنيا أبوابها – بشراء هذه الأجزاء من الأرض التي يبيعها أبوه ...
·         و في السادسة  من عمره سارع والده إلى إدخاله إلى المدرسة الأولية بالقرية التي كانت في بداية عهدها، فأظهر تفوقا في دروسه، و بقي فيها أربع سنوات، حفظ خلالها القرآن الكريم و أتمه في العاشرة من عمره.
·         كان يحب المطالعة مذ كان في القرية، يقرأ كل ما تصل إليه يديه. و لذلك ألف مبكرا ( و عمره 25 سنة ) كتاب " مهمة الشاعر في الحياة".
·         في سنة ( 1921 ) انتقل إلى القاهرة ليتم دراسته الثانوية في رعاية خاله ..و بعد حصوله على شهادة "الكفاءة" اشتغل مدرسا بالمدارس الأولية، و واصل دراسته في " تجهيزية دار العلوم " ثم التحق بمدرسة "دار العلوم العليا" ، و تخرج منها سنة ( 1933) ..
·         انتقل إلى التدريس الابتدائي بدمياط ..فبني سويف..فحلوان .. و في سنة ( 1944 ) أصبح مفتشا بالتعليم الإبتدائي .. ثم انتقل إلى الإدارة العامة للثقافة في سنة ( 1945 ).
·         اتصل بالأستاذ عباس محمود العقاد و بقي تلميذا له زمنا طويلا، يتبنى آراءه و ينافح عنها و يدخل في صراعات أدبية من أجلها، و مع تتلمذه على العقاد و استفادته الكبيرة منه، إلا أنه كان له نوع من الاستقلال إذ نزع إلى الاغتراف من المنابع لا من الأستاذ !
·         و في القاهرة أتقن سيد قطب الإنجليزية، و تأثر بآدابها.. و كانت له موهبة شعرية و فنية و أدبية و ملَكة نقدية فذة، و لعل للعقاد كبير الأثر في ذلك. و لهذا دراسته طيلة هذه الفترة للقرآن الكريم مقتصرة على النواحي الفنية و الجمالية، فنشر في مجلة المقتطف مقالين بعنوان ( التصوير الفني في القرآن الكريم ) في عددي فبراير و مارس سنة 1939 . و في عام 1945 ألف كتابه ( التصوير الفني في القرآن الكريم ) و هو يمثل المنهج الجمالي الفني في القرآن الكريم. و في عام 1947 أصدر كتابه الثاني ( مشاهد يوم القيامة في القرآن ) و هو يتناول التصوير الفني في في مشاهد القيامة في النعيم و العذاب. 
·         في أواخر سنة 1948 سافر إلى أمريكا في مهمة " تربوية" هي " دراسة المناهج التعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية" كخبير في المناهج، و متخصص في البرامج، و باحث في الأساليب. لكن الأستاذ صلاح عبد الفتاح الخالدي صاحب كتاب "أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب " يؤكد أن سيد قطب مغضوب عليه من قبل القصر، و الحكومة نفسها متضايقة من مقالاته و انتقاداته، لذلك تم التفكير في حل يرضي جميع الأطراف. و كان يتمثل في إيفاده – أو إبعاده – إلى أمريكا. و مما تجدر الإشارة إليه هنا أنه في طريقه إلى أمريكا – و السفينة تمخر عباب المحيط إلى نيويورك – حدث أن رأى مبشرا يحاول تنصير المسلمين من ركاب الباخرة فأيقظ ذلك مشاعره الإيمانية و قام في مسلمي السفينة خطيبا و إماما يوم الجمعة فجاءه بعد الصلاة كثير من الركاب من الأجانب يعلنون تأثرهم بصلاتهم و ما فيها من خشوع و نظام و روح. و كانت هذه الرحلة حسب – صلاح الخالدي – بداية الطريق الجديد الذي هداه الله إليه، و وفقه لسلوكه و السير فيه..
·         حين كان في أمريكا، لفت نظره بشدة ما أبدته الصحف الأمريكية. و كذلك الإنجليزية من اهتمام بالغ بالإخوان، و من شماتة و راحة واضحة في حل جماعتهم و ضربها، و في قتل مرشدها. و من حديث عن خطر هذه الجماعة على مصالح الغرب في المنطقة.
·         ساهم في ثورة يوليو سنة 1952 و له علاقات مع رجالاتها ، كُتبه شكلت الوعاء النظري للثورة، و عرفانا بالجميل و تكريما لرائدهم الفكري نظم رجال الثورة حفلا لتكريمه – بعد نجاح الثورة – حضره كبار المثقفين و كبار الضباط حتى الرئيس محمد نجيب كان مقررا أن يقوم بتقديمه لكن حال حائل دون حضوره فأناب عنه أحد الضباط ، و كان من بين الحاضرين الدكتور طه حسين، الذي ألقى كلمة في حق الأستاذ سيد اختتمها بقوله: " إن سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة و القيادة، و كذلك في خدمة مصر و العروبة و الإسلام". كما أن سيد ألقى كلمة مرتجلة و قال عن الثورة: " إن الثورة قد بدأت حقا، و ليس لنا ان نثني عليها؛ لأنها لم تعمل بعد شيئا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة؛ بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام.. ثم قال :  "و لقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة، و ما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا؛ فأنا في هذا العهد مهييء نفسي للسجن و غير السجن أكثر من ذي قبل". و هنا وقف جمال عبد الناصر، و قال بصوته الجهوري ما نصه: " أخي الكبير سيد.. و الله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثا هامدة؛ و نعاهدك باسم الله - بل نجدد عهدنا لك – أن نكون فداء لك حتى الموت..".
·         و صدق حدس سيد فلم يمر على ذلك الحفل إلا أقل من سنة و نصف  حتى تم اعتقاله الأول ( في يناير 1954) و اعتقل للمرة الثانية في أكتوبر من نفس السنة و حُكم عليه بالسجن 15 سنة مع الأشغال الشاقة، تعرض فيها لألوان من التعذيب الرهيب : كان من وسائل تعذيبه كلاب الصيد عليه لنهش جسده و تمزيق لحمه ..
·         مكث في السجن إلى أواخر 1964، حتى تدخل عبد السلام عارف – رئيس جمهورية العراق ذلك الحين نظرا لإعجابه بكتابه "في ظلال القرآن"-  لدى حكام مصر فأفرجوا عنه قبل انتهاء المدة المحكوم عليه بها .و بعد بضعة أشهر ألقي القبض عليه مرة أخرى بتهمة الإعداد لانقلاب مسلح.
·         في 29 غشت  1966 عاجله الأجل فتم تنفيذ حكم الإعدام مع يوسف هواش و عبد الفتاح إسماعيل.   
ثانيا/ مسار مفكر :
أ – ما قبل الاتجاه الإسلامي :
·         تميزت بنهله من الثقافة الأدبية الأوربية ( التي تتسم في القرن 18 و 19 و 20 بالسير نحو الفردية، و تنمية الاستقلال الفكري و النفسي، و إيجاد قيم خاصة، و الخروج على القيم السائدة ...) و تشربه لها من دون ميزان ثابت. مما جعله يتيه في مجاهلها و يضيع في تيار ضلالها، فظهرت عليه أعراضها، فيبدو رجلا بائسا حزينا قلقا يعتبر الحياة تافهة، فليس فيها خير و ليس لها هدف، و يعتبر الفناء غاية الحياة بكل ما فيها من قيم و فكر و موازين و أعمال و مشاعر .. و يتبنى، في نهاية المطاف، روحا عدمية. ساعد على تثبيت هذه المعاني في نفسه فكر العقاد و فلسفته الأدبية من جهة و حالة الضيق المادي التي عانى منها معاناة شديدة و نفسيته الحساسة التي كانت أرضا تستقبل البذور فتنميها إلى مدى بعيد. و من آثاره الدالة على حياته الفكرية و تيهه آنذاك، قوله :
نحن، أم تلك على الأرض ظلال ؟                 و خيال سارب أثر خيال
في متاهات   وجود     لزوال                     كبقايا الخطو في وجه الرمال
                        للزوال .. كل شيء للزول .. !

و قوله كذلك :       كل ما كان و سوف يكون         نأمة تهجس في جوف السكون .. !
·         و رغم تيهه هذا لم يلجأ إلى الإلحاد، كما ذكر هو بنفسه للأستاذ أبي الحسن الندوي ( و حكاه في كتابه "مذكرات سائح في المشرق العربي" ) إذ كان العقاد حاسما في الحيلولة بينه و بين الفكر المادي و تبني الماركسية .
ب – الاتجاه الإسلامي :
·         يعتبر الدكتور منير محمد الغضبان صاحب كتاب : " سيد قطب ضد العنف " أن بروز اتجاهه الإسلامي ابتدأ عام ( 1945)، و في التاسعة و الثلاثين من عمره في كتبه:
1/ التصوير الفني في القرآن ( أبريل/1945 )
2/ مشاهد القيامة في القرآن ( أبريل/1945 )
3/ العدالة الاجتماعية في الإسلام ( أبريل/1947 )
·         من إرهاصات نمو هذا الاتجاه الإسلامي العام لدى سيد قطب : نشأته في أسرة متدينة، و بيئة متدينة ( على خرافة فكرها الديني )، حفظ القرآن في سن مبكرة، أثر العقاد ( دفاعه عن الإسلام رغم عدم تدينه ).
·         تأثر سيد في اتجاهه الإسلامي بمدرسة رشيد رضا التي تشكل امتدادا لمدرسة محمد عبده.
·         من أهم القضايا التي كان يتبناها في هذه المرحلة: الدفاع عن الفلاح المصري ضد الإقطاع: كتاب : معركة الإسلام و الرأسمالية (نُشر في فبراير/1951 ).
·         أصدر مجلة الفكر الجديد بتمويل من أحد الإخوان المسلمين و هو الحاج محمد حلمي المنياوي، صاحب دار الكتاب العربي، و لقد ضاقت بها الحاشية الملكية لهجومها على الإقطاع، و الباشوات و الرأسمالية، و على أصحاب النفوذ جميعا، فأغلقتها الحكومة المصرية بعد صدور اثني عشر عددا منها.
·         أصدر كذلك كتابه : السلام العالمي في الإسلام ( أكتوبر/1951 ).
·         بدأ في إصدار كتبه ( في ظلال القرآن ) بمقالات في مجلة ( المسلمون ) التي كانت تصدر شهريا برئاسة سعيد رمضان – صهر الإمام حسن البنا و أب المفكر الكبير طارق رمضان - في نهاية عام 1951.
·         أصدر سنة 1953 كتابه: دراسات إسلامية، الذي ضم بين دفتيه مجموعة من المقالات عن مجموعة من القضايا و تعليقات رصينة عن أحداث تلك المرحلة.
·         بعد توقف التعذيب البدني في السجن بدأ يعيد النظر في المحن التي يتعرض لها الإسلاميين. يقول في هذا :  "الإخوان المسلمون تدبر لهم المذابح في حادث المنشية و حادث طرة.. جمعية الفلاح عن طريق أعضائها القريبين من رجال الثورة، تشحن الجو بالتوتر و المخاوف، و تعمل على توسيع الهوة و تعميقها.. التعذيب   و القتل والتشريد ينال الألوف من العناصر المتدينة المتمسكة بالأخلاق، المخلصة الأمينة، و بيوتهم و أطفالهم و نسائهم إلى آخر هذه الصورة المفزعة الكئيبة؛ هذه هي الحصيلة التي تجمعت لدي فيما بين سنة (1954)  و سنة (1962). ليس معنى ذلك أنه لم تكن هناك أخطاء إطلاقا في حركة الإخوان؛ و لكنها إلى جانب تلك الحصيلة ضئيلة". " إن الحركة الإسلامية يجب أن تستمر، إن القضاء عليها في مثل تلك الأحوال يعد عملا فظيعا جدا، يصل إلى حد الجريمة.. إن الأخطاء الحركية يمكن أن تستبعد و يمكن الاستفادة من التجربة في تجنبها". و أخذ يطرح أسئلة من قبيل: لماذا يتنكر الحكام للمخلصين الصادقين و يتحالفون مع المخالفين و الكذابين؟ ! لماذا تسكت الجماهير بل يساق فريق منها للهتاف و التصفيق للطغاة و الجلادين؟ ! فأعاد قراءته للقرآن الكريم بهذه الخواطر و الاهتمامات، و قارن بين طبيعة الخلاف و الصراع بين الإسلام و الجاهلية خلال حياة الأنبياء والرسل، فكان منهجه الأخير في الظلال، و في معالم في الطريق، يركز هذا المنهج على الصراع بين الأنبياء و الرسل و بين الملأ من الجاهليين في عصور التاريخ. و يتكلم عن الجماعة المسلمة و تصورها و مواجهتها للجاهلية. و يتكلم عن الأمة الإسلامية و مواقفها من المجتمع الجاهلي. و يؤكد أن أعداء الإسلام يحاربونه في معاركهم الثقافية و الحركية من خلال تجمع حركي و ليس من خلال شتات و تفرق. لهذا يجب الاسترشاد بموقف الصحابة و حركتهم بالقرآن الكريم في مكة و المدينة؛ ليعاد صياغة الجماعة المؤمنة و الأمة الإسلامية من جديد. يقول الأستاذ سالم البهنساوي - صاحب كتاب " أضواء على معالم في الطريق" -  و هو في هذه المصطلحات كلها لا يصدر أحكاما بالكفر و الإيمان على المسلمين القاعدين أو المنافقين، و لا يعني بالجماعة إلا مجتمع المسلمين أو الأمة الإسلامية تحت قيادة حاكم مسلم يلتزم بإسلامه. إنه يدعو- في ظلاله – الأمة الإسلامية إلى التميز بخصائصها و مميزاتها التي بينها القرآن، و إلى أن تكون صورة عملية واقعية لمبادئ القرآن و قيمه، و إلى أن تقوم بمسئوليتها، و تؤدي مهمتها التي رسمها القرآن، و إلى أن تبوء مكانتها القيادية في واقع البشرية. ففي الظلال في مقدمة الطبعة المنقحة بين أهم نتيجة خرج بها من حياته في ظلال القرآن، و هي: " لا صلاح لهذه الأرض، و لا راحة لهذه البشرية، و لا طمأنينة لهذا الإنسان، و لا رفعة و لا بركة و لا طهارة، و لا تناسق مع سنن الكون و فطرة الحياة.. إلا بالرجوع إلى الله..".
·         في عام 1957، بعد وقوع مذبحة سجن ليمان طرة التي ذهب ضحيتها واحد و عشرين من الإخوان، تأثر سيد – المرهف الحس، الرقيق المشاعر – بما حدث فقام بتشخيص الواقع و دراسة واقع الإخوان المسلمين مع يوسف هواش – ثالث ثلاثة أعدموا في سنة 1966 -، فبرزت عناصر ثلاثة تمثل الفكر الحركي الجديد لسيد قطب:
-          العنصر الأول: التشابه بين الحركة اليوم، و موقفها من مجتمعاتها شبيهة بالحالة في العهد المكي.
-          العنصر الثاني: التشابه من حيث الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، و ليس فقط البعد عن النظام الإسلامي و الشريعة الإسلامية.
-          العنصر الثالث: وجود المعسكرات المعادية للإسلام في الواقع اليوم و الواقع في العهد المكي.
       هذه الأفكار التي تبلورت لدى الشهيد سيد في آخر حياته هي التي دفعت خصوم الحركات الإسلامية إلى وصمه بأنه أمير الدم و منظر للتطرف و العنف و الإرهاب – و هي اتهامات مجانية غالبا ما تكون صادرة عن سوء نية -. كما أنها كانت مثار نقد العديد من المفكرين الإسلاميين – مع احتفاظهم بالأدب مع الشهيد – و لا ضير في هذا فكل واحد يؤخذ من كلامه و يُرد إلا صاحب هذه الروضة الشريفة – كما قال الإمام مالك – مع العلم أن الشهيد كان رجاعا للحق؛ يحكي الأستاذ فريد عبد الخالق – أحد قيادات الإخوان من الرعيل الأول – في شهادته على العصر  في برنامج أحمد منصور بقناة الجزيرة أنه لما تحدث مع الشهيد سيد عن بعض ما يعتري كتاباته الأخيرة من ملاحظات و عن مآلات سوء الفهم لها تأثر بذلك، هذا فضلا عن أخذه بعين الاعتبار ما قيل له من أخطاء في الطبعة الأولى لبعض أجزاء الظلال أثناء تنقيحه لها، علاوة على تقدير الظروف التي مر بها : رهافة حسه و رقة مشاعره أمام الاضطهاد الذي يتعرض له أمامه الدعاة لا لشيء إلا لأنهم يقولون ربنا الله و ممن من طرف أصدقائه القُدامى بل من أخيه الصغير الذي جدد عهده له على الموت فداء له  ( جمال عبد الناصر، الذي قال له في الحفل المذكور آنفا،:أخي الكبير سيد ...نجدد عهدنا لك – أن نكون فداء لك حتى الموت..) . كل هذا يجعلنا نعتقد بأن الشهيد لو طال به العمر في مناخ يحترم أدنى شروط الآدمية لغَير جملة من الأفكار .
ثالثا/ من إلماعاته و إضاءاته :
·         لماذا يُواجه هذا الدين ؟   ( الظلال :الجزء10  )
يُواجهُ هذا الدين بوصفه إعلانا عاما لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطان غير سلطان الله.           
·         القلوب القادرة على حمل الأمانة   ( معالم في الطريق )
لقد كان القرآن الكريم ينشئ قلوبا يعدها لحمل الأمانة، و هذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة و القوة و التجرد بحيث لا تتطلع – و هي تبذل كل شيء و تحتمل كل شيء – إلى شيء في هذه الأرض، و لا تنظر إلا إلى الآخرة، و لا ترجو إلا رضوان الله. قلوبا مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب و شقاء و حرمان و عذاب و تضحية حتى الموت، بلا جزاء في هذه الأرض قريب، و لو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة و غلبة الإسلام و ظهور المسلمين، بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين .. حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطي بلا مقابل – أي مقابل – و أن تنتظر الآخرة وحدها موعدا للفصل بين الحق و الباطل – حتى إذا وجدت هذه القلوب، و علم الله منها صدق نيتها على ما بايعت و عاهدت – آتاها النصر في الأرض، و ائتمنها عليه، لا لنفسها، و لكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي و هي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من الدنيا تتقاضاه، و لم تتطلع إلى شيء في الأرض تعطاه، و قد تجردت لله حقا يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه.
كيف نقدم الإسلام للناس؟   ( معالم في الطريق )
حين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو، فإن هذا الإدراك – بطبيعته – سيجعلنا نخاطب الناس و نحن نقدم لهم الإسلام في ثقة و قوة، و في عطف كذلك و رحمة. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق، و أن ما عليه الناس هو الباطل، و عطف الذي يرى شقوة البشر و هو يعرف كيف يسعدهم، و رحمة الذي يرى ضلال الناس و هو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى ! .. هكذا ينبغي أن نخاطب الناس و نحن نقدم لهم الإسلام، لأن هذه هي الحقيقة، و لأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة، سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم، أم في أي مكان خاطب الناس فيه. نظرا إليهم من عل، لأن هذه هي الحقيقة، و خاطبهم بلغة الحب و العطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته .
القرآن الكريم، لمن يمنح كنوزه؟ و لماذا جاء؟   ( معالم في الطريق: 18 )
 إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المنشئة للعمل. إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي، و لا كتاب أدب و فن، و لا كتاب قصة و تاريخ، و إن كان هذا كله من محتوياته، إنما جاء ليكون منهاج حياة.
عقوبة الفطرة   ( الإسلام و مشكلات الحضارة )
إن الذين يخالفون عن قانون الفطرة لا يمكن أن يمضوا بلا عقاب .. و هو عقاب رهيب و لو تفتحت عليهم أبواب كل شيء من خيرات الأرض، و رخاء العيش، و مضاعفة الدخل، و الضمانات المالية الخيالية، فللحياة الإنسانية قوانينها الفطرية الصارمة التي لا تجامل و لا تلين.. و لقد حذر الله عز و جل عباده عواقب التعرض للخلاف عن هذه القوانين ( القوانين الطبيعية الفطرية ) و ذلك حين يعرضون عن منهج الله، و هُداه، المتمشي مع سنته في الكون، فلا تكون لهم من عواقبها نجاة: [ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقُطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين ]. ( سورة الأنعام:44-45 ). [ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ]. ( سورة يونس: 24 ).
آثار الترويج للإنسان الحيوان  ( الإسلام و مشكلات الحضارة )
ظهرت آثار التوجيه المتواصل إلى حيوانية الإنسان و ماديته و سلبيته، و إطلاق شهواته و غرائزه من كل ضابط.. ظهرت في صورة الانحلال، و اللامبالاة، و السلبية، و قبول الديكتاتوريات، و حياة القطيع التي لا هدف لها إلا السفاد و اللقاح و الطعام و الشراب.
هذا الدين يتحقق بجهد البشر  ( هذا الدين )
إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية، يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، و في حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة، و يبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها حينما يتسلم مقاليدهم، و يسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، و بقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة .. و ميزته الأساسية أنه لا يغفل لحظة، في أية لحظة و في أية خطوة، عن فطرة الإنسان و حدود طاقته و واقع حياته المادي أيضا.
في وظيفة الإسلام    ( معالم في الطريق )
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس و واقعهم فحسب، و لكن كانت وظيفته كذلك أن يغير منهج تفكيرهم، و تناولهم للتصور و الواقع.
الإيمان بالحتميات الآلية : أحط عبودية يتصورها خيال !  ( مقومات التصور الإسلامي)
فمن رحمة الله بعباده أن يجعل للكون سننا ثابتة و قوانين دائمة يستطيعون كشفها و إدراكها و التعامل معها تعاملا ثابتا. و لكن من رحمته بهم كذلك ألا يجعلهم عبيدا لحتميات آلية في نظام الكون، إنما يعلق قلوبهم بإرادته هو و قدره مباشرة، و ينقذ أرواحهم من العبودية لغيره، حتى و لو كانت السنن الكونية من خلقه.. فما بال الذين يقولون بالحتمية الآلية في نظام الكون، و في نظام الحياة، و في نظام المجتمع، دون أن يكون وراء هذه الحتميات الآلية كلها إله ؟ ! إنهم يُسَلمُون " الإنسان" لأحط عبودية يتصورها خيال !
بين العقل البشري و التصور الإسلامي   ( مقومات التصور الإسلامي)
 محاكمة التصور الإسلامي أو محاكمة مقوماته التي يقوم عليها و منها ما هو غيب، كالملائكة، الجن، القدر، يوم القيامة، الجنة و النار إلى العق البشري و مقرراته الذاتية منهج غير إسلامي. و هذا لا يعني أن التصور الإسلامي مناقض أو مصادم للعقل البشري فإن مقرراته كلها نوعان: نوع الإدراك البشري قادر على تصوره عند تلقيه من المصدر الرباني – و نوع هو غير قادر على إدراكه و لكن منطقه ذاته يُسَلم بأن طبيعته أكبر من حدود إدراكه، و أن " وجود" ما هو أكبر من حدود إدراكه داخل قدرة الله تعالى، و أن إخبار الله عن وجوده هو بذاته برهان هذا الوجود، و برهان صحة الأخبار .. و من ثم لا يقع التناقض أو التصادم أبدا، متى استقام العقل البشري و التزم حدوده !
مقومات التصور الإسلامي و نشدان "الإنسان الجديد": الإنسان الحر    ( مقومات التصور الإسلامي )
 هذه المقومات.. التي جاء ليطبعها في الضمير البشري، و ليقيم عليها منهجه الواقعي، و نظامه العلمي، و ليحول بها خط سير التاريخ الإنساني، و ليعلن بها ميلاد " الإنسان الجديد" إذ يعلمه إلغاء عبودية الإنسان للإنسان كما يعلمه إلغاء عبودية الإنسان للأشياء و الأحياء، في كل صورها و أشكالها، و ذلك بإعلان عبودية الإنسان لله وحده بلا شريك.
سر قوة الكلمة   ( دراسات إسلامية )
إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات و موسيقى العبارات، إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات، و ما وراء الكلمات. إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية... في هذا يكمن سر الكلمة، و في شيء آخر؛ في استمداد الكلمات من ضمائر الشعوب، و من مشاعر الإنسان و من صرخات البشرية، و من دماء المكافحين الأحرار. إنه ليس كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها، و تجمعها و تدفعها ! إنها الكلمات التي تقطر دماء؛ لأنها تقتات من قلب إنسان حي ! كل كلمة عاشت قد اقتات قلب إنسان. أما الكلمات التي تلد في الأفواه، و قذفت بها الألسنة، و لم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي فقد ولدت ميتة، و لم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام، إن أحدا لن يتبناها؛ لأنها ولدت ميتة. إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كبيرا، و لكن بشرط واحد؛ أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم و دمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، و يقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق ! إن أفكارنا و كلماتنا تظل جثثا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية و عاشت بين الأحياء...و الكلمة ذاتها – مهما تكن مخلصة و صادقة – فإنها لا تستطيع أن تفعل شيئا قبل أن تستحيل حركة، و أن تتقمص إنسانا. الناس هم الكلمات الحية التي تؤدي معانيها أبلغ أداء.
في استعمال المفاوضات مع الاستعمار   ( دراسات إسلامية )
إن هذه الشعوب لأذكى، و أشد حمية، من أن ترضى لنفسها الهوان؛ و لكنها تلك الحفنة من ساسة الماضي في مصر و البلاد العربية؛ تلك الحفنة الرخوة المسنة الضعيفة المتهالكة، المهدودة الأعصاب. لا تقدر على الكفاح، و لا تدع الشعوب تكافح؛ لأن أنانيتها الآثرة تمسكها عن الانسحاب من الميدان و تركه للقادرين.. هذه الحفنة من ساسة الجيل الماضي هي التي اخترعت المفاوضات و المحادثات و المؤتمرات.. لماذا ؟ لأنها وسيلة لا تكلف شيئا؛ و تضمن الكراسي و السلطة لفترة من الزمن. و كلما همت الشعوب أن تسلك طريقها، و أن تواجه المستعمرين بذاتها؛ حال هؤلاء بينها و بين المستعمرين، و وقفوا من دونهم يصارعون الشعوب و تصارعهم الشعوب، فإذا أتعبهم الصراع مع شعوبهم راحوا يبثون في الأمة روح الثقة بالمستعمرين و راحوا يشيعون الآمال الخادعة لهذا الضمير المدخول.
الخط الرئيسي للتربية الخلقية  ( دراسات إسلامية)
إن الخط الرئيسي في أية محاولات للتربية الخلقية، ينبغي أن يكون هو ربط الضمير الإنساني بأفق أعلى من الذات المحدودة و المصلحة القريبة؛ أفق يستعذب التضحية في سبيله و يستسهل الصعب في الارتقاء إليه، فماذا يكون هذا الأفق العالي الجذاب؟ لقد يرى بعضهم أن يكون هو العزة القومية، و لقد يرى بعضهم أن يكون هو الأخوة الإنسانية؛ و كلاهما أفق كريم وضيء يمكن أن يرفع مشاعر الفرد من أفق المنفعة القريبة و اللذة الحاضرة. أما أنا فأوثر أن أربط ضمير الفرد بأفق أعلى من هذه الآفاق جميعا، أفق تنطوي فيه هذه الآفاق جميعا، أوثر أن أربطه بالله خالق الأوطان و خالق الإنسان..
سر الابتلاء كامن في حرية العقيدة و الاختيار  ( مقومات التصور الإسلامي )
و لو شاء الله لقهر الناس كلهم على الهدى، فلا يكون هناك مجال لابتلاء، غير أن الله سبحانه شاء أن يودع فطرة الإنسان الاستعداد المزدوج للهدى و الضلال، و أعطاه البصيرة يدرك بها، و العقل يميز به، و أرسل إليه الرسل يبينون له..ثم يختار..و في هذا كان الابتلاء. فإذا اختار لنفسه الهدى أعانه الله عليه، و كان ما شاء الله، و إذا اختار الضلالة مد له الله في الغي. و كان ما شاء الله. لأن هذه مشيئته منذ الابتلاء.. و إلى هذا تشير الآيات: [ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن و إن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فو شاء لهداكم أجمعين قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم و لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا و الذين لا يؤمنون بالآخرة و هم بربهم يعدلون ].
البلاء طريق الدعاة   ( الظلال: الجزء4 )
[ و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ] . إنها متاع، و لكنه ليس متاع الحقيقة، و لا متاع الصحو و اليقظة.. إنه متاع الغرور المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعا، أو المتاع الذي ينشئ الغرور و الخداع ! فأما المتاع الحق. المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله.. فهو ذلك..هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة من النار. و عندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس قد أخرجت من حسابها حكاية الحرص على الحياة – إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال – و أخرجت من حسابها حكاية متاع الغرور الزائل..عندئذ يُحدث الله المؤمنين بما ينتظرهم من بلاء في الأموال و الأنفس. و قد استعدت نفوسهم للبلاء: [ لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ]. إنها سنة العقائد و الدعوات. لا بد من بلاء، و لا بد من أذى في الأموال و الأنفس و لا بد من صبر و مقاومة و اعتزام. إنه الطريق إلى الجنة. و قد حفت الجنة بالمكاره بينما حفت النار بالشهوات. ثم إنه الطريق الذي لا طريق غيره،
فاعلية المسلم المتلقي للعقيدة السليمة   ( معالم في الطريق )
إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة و ينطوي على نفسه..إنه سينطلق بها..هذه طبيعتها..طبيعة الحركة الحية..إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتما ! ..إن الدفعة الحية التي وصلت بها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قُدما.
خاتمة:
إذا عدنا إلى عدد من المصطلحات التي نحتها المفكر الكبير مالك بن نبي - رحمة الله عليه – من قبيل الأفكار الميتة و الأفكار الأصيلة و الأفكار الفعالة، يمكننا التعامل على ضوئها مع التراث الفكري للشهيد سيد قطب. ففي هذا التراث من الأفكار الميتة التي تجاوزها الفكر الإسلامي في العقود الأخيرة و تجاوزتها الأحداث المتناسلة على مدار خمسة عقود. و فيه أفكار أصيلة طلائعية، ينبغي أن يُشهد لصاحبها – رحمه الله – بالريادة و قصب السبق فيها، و هي بالخصوص الأفكار الواردة في كتابيه: خصائص التصور الإسلامي و مقومات التصور الإسلامي، ففي هذين الكتابين تأصيل دقيق لخصائص التصور الإسلامي الذاتية ( الإيجابية، الربانية، الشمول، التوازن..) فصل فيها الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه: الخصائص العامة للإسلام، و أصبحت معتمدة حتى في المناهج الدراسية ( مادة التربية الإسلامية للجذع المشترك العلمي نموذجا). علاوة على  تناولها  لمقومات التصور الإسلامي للكون و الحياة و الإنسان بمنهج، قال فيه صاحبه: منهجنا يحاول أن يجعل النص القرآني هو الأصل الذي يتولى تقرير الحقائق التي يتألف منها البحث، و أن يجعل عبارتنا البشرية مجرد عامل مساعد، يجعل النص القرآني مفهوما – بقدر الإمكان – للقارئ. إننا نريد أن نعقد الألفة بين قارئ هذا البحث و بين القرآن ذاته في النهاية. نريد لهذا القارئ أن يتعود التعامل مع القرآن ذاته تعاملا مباشرا.
كما أن التراث الفكري للشهيد ينطوي على أفكار فعالة وردت في ثنايا العديد من كتبه؛ مقالات في " دراسات إسلامية" ، الإشارات اللطيفة إلى دور رصيد الفطرة و رصيد التجربة في إنجاح التجارب الدعوية المعاصرة كما جاء في كتابه " هذا الدين"، نعم المستقبل لهذا الدين نظرا لخصائصه الذاتية التي لا يملكها دين آخر أو أي منهج آخر ( هنا التمييز بين منهج الحياة و الدين للتوضيح فقط. أما الشهيد ففي مقدمات كتابه:المستقبل لهذا الدين. تأكيد دائم على أن كل دين منهج حياة و على أن كل منهج حياة هو دين )، المستقبل لهذا الدين نظرا كذلك لملحاحية حاجة البشرية إلى دين بمثل تلك المواصفات لكن ضروري ليكون المستقبل لهذا الدين أن يرتفع أصحابه إلى مستوى حقيقته، كما جاء في كتابه " المستقبل لهذا الدين". هذا فضلا عن ورودها في مجموعة من كتاباته المؤصلة للعدالة الاجتماعية في الإسلام. و أخيرا، لا يجادل أحد في أن ما اشتهر به الشهيد من تراث هو تفسيره " في ظلال القرآن" الذي فيه إيحاءات قوية و إثارة لأبعاد عميقة في ما جاء في الآيات الكريمة بلغة رصينة.  
لعلنا لا نجد خاتمة أحسن مما كتبه المفكر الإسلامي الكبير – الخبير بالمفكرين الإسلاميين المعاصرين ومشاريعهم الفكرية – عن الشهيد سيد قطب: ( لقد كان سيد قطب – على امتداد حياته الفكرية – نموذجا "للجهاد الفكري" الذي جمع بين الوطنية.. و الإسلامية.. و الإنسانية.. لكن الظلم الطاغي، و الطغيان الظالم، الذي وضعه – و هو الأديب المرهف الأحاسيس – على " المحرقة" قد أفرز في مسيرته الفكرية " جملة معترضة ".. تمثلت في " الزفرة" التي عبر عنها، عندما رأى الجماهير تصفق للظلم الذي وضعه على "المحرقة"؛ فقال: " إن وجود الأمة الإسلامية يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة.. لقد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا.. و لذلك؛ فالمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر و إيمان، مسألة شرك و توحيد، مسألة جاهلية و إسلام، و هذا ما ينبغي أن يكون واضحا... ". و سواء اعتبرنا هذا " الاجتهاد الخاطئ": " زفرة مظلوم مكظوم" وضعه " الظلم على المحرقة" وسط تصفيق الجماهير !.. أو أخذنا بشهادات: إخوانه - الذين زاملوه بالسجن في أيامه الأخيرة – و الذين أكدوا نفيه ما فهم و ما يفهم من هذه العبارات – الأمر الذي يجعلنا أمام " تأويل" يدرأ هذه الأحكام التي قطعت بانقطاع أمة الإسلام منذ قرون - .. أو وضعنا هذه العبارات و أحكامها في إطار " الجملة المعترضة"؛ فسيظل سيد قطب "المفكر..المجاهد".. الذي قُتل مظلوما.. فانتشر فكره و ضرب بجذوره في العقول و القلوب على امتداد العالم، كما لم يحدث لمفكر آخر في القرن العشرين .. ).(3)
**********
الهوامش:
(1)   من زاويته " نقطة مضيئة" في العدد 51 في جريدة الراية سنة 1993 : كتب الأستاذ عبد الإله بنكيران: ( أنا أومن بقوله تعالى: [ و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين ].سورة الأنفال:30. و يقول سبحانه: [ و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ].سورة الأنفال:63. إن الإيمان بهذه الطريقة يصبح جسما قويا يسير في الطريق، و لا يمكن القضاء عليه، اللهم إلا بإبادته كاملا، و ساعتها تكون قد أبادته لتغرس بذورا كثيرة في الأرض تنبت بعدها، حيث أنه لما قتل سيد قطب رحمه الله في سبيل الله بسبب كتابيه " في ظلال القرآن" و "معالم في الطريق"، انتشر الكتابان في الأرض ما لم ينتشر كتاب من قبل، و كان ذلك من بعض أسباب الصحوة الإسلامية. )
(2)   بعد قراءتي لمجموعة من كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، لاحظتُ أن المعركة بين من يروج للإنسان الطبيعي (الإنسان السلبي الخاضع لقوانين الطبيعة ) و بين من يريد الإنسان الإنسان ( أو الإنسان الرباني )؛ و التي تناولها الدكتور عبد الوهاب بشكل عميق .  هي نفس المعركة التي تلح عليها مدرسة " آل قطب" من خلال مفهوم " العبيد " لدى سيد قطب و من خلال كتابات محمد قطب ( معركة التقاليد )، و إن كان تناول "آل قطب" ليس بالمستوى التحليلي العميق – كتحليل المسيري – لكنه لفت النظر إلى طبيعة المعركة.
(3)   انظر: تقديم الدكتور محمد عمارة. لكتاب: "سيد قطب ضد العنف ".
المراجع:

للأمانة أغلب ما نقلناه عن حياته كإنسان أو كمفكر، أخذناه مع تصرف طفيف، من المراجع التالية:

-          محمد توفيق بركات ملا حسن، كتاب: " سيد قطب: حياته، منهجه في التغيير و النقد الموجه إليه".الطبعة الأولى1998. دار البيادق.
-          منير محمد الغضبان، كتاب:" سيد قطب ضد العنف ".الطبعة الأولى 2010. دار السلام .
-          سالم البهنساوي، كتاب:" أضواء على معالم في الطريق". الطبعة الثالثة2007. دار الوفاء.
-          صلاح عبد الفتاح الخالدي، كتاب: " أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب ".الطبعة الثالثة 1987.دار الوفاء و دار المنارة.
-          سيد قطب، كتاب : " مقومات التصور الإسلامي".الطبعة الرابعة 1993. دار الشروق.
...تابع القراءة