? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]





حسن البنا، رجل لا يمكن ذكر القرن العشرين بدونه، داعية لا يمكن لكل من خالطه إلا أن يحبه، أحيى سنة حميدة في العمل الإسلامي هي العمل الجماعي المنظم. كُتبت عنه صفحات عديدة، فما الداعي للكتابة عنه في ذكراه السادسة و الستين؟
هي دروس منسية من تراثه الدعوي الثري، فيها نَفَس التجديد بحاجة لاستذكارها لإضاءة  العمل الإسلامي من جديد. فوائد عظيمة ذات صلة  بالرفق بالناس و سعة النظر و الالتفات للوسائل الحيوية لخدمة الرسالة  (الفن) علاوة على إدمان القراءة في العلوم الإنسانية لتجويد العمل و الارتقاء بالوسيلة.

1.سعة النظر و الرفق بالناس:

" ذهب الأستاذ البنا إلى مديرية البحيرة (بمصر) في إحدى رحلاته المتواصلة و استضافه أحد الأثرياء في تلك المديرية و أحد وجهائها، و ما كان له به سابق علم. فلما جلس إليه و استمع منه، قال: إن ما تحدثني به شيء جميل و إني لرجل خير، أحسن إلى الفقير و أساعد المحتاج و أصلي و أصوم و لكن فيَ عيب كبير أظن أنني لا أستطيع الإقلاع عنه.
قال الأستاذ: و ما هو العيب الذي لا تستطيع الإقلاع عنه؟
قال الثري: إني أشرب الخمر أحيانا، و هذا ما يمنعني من الانضمام إلى الجماعة.
قال له الأستاذ: تعال إلينا، إننا نقبلك بحالتك. فذُهل الرجل.
ليس معنى هذا أن الإمام الشهيد يقر الرجل على شرب الخمر، كلا و لكنه كان ينظر إلى بعيد. لو ترك الرجل على حاله لاستمر في شرب الخمر و استمرأه. و لكنه إذا انضم إلى الجماعة و خالط أفرادها رأى نكر ما يفعل، فالبيئة الصالحة و الكلمة الحسنة و النصيحة الهادفة الهادئة، كفيلة بأن يقلع الرجل عن ذلك. و هذا ما حدث.(عمر التلمساني، ذكريات.. لا مذكرات. ص:274)
إنه الموقف الرزين، الذي على الدعاة و عموم المسلمين أن يقفوه في كل عصر و حين، يُذَكر بالمشاهد الجليلة التي تعامل فيها رسولنا الكريم بالحكمة و الموعظة الحسنة مع المتعثرين في تفعيل مقتضيات الإسلام في سلوكهم و من ذلك الصحابي (مدمن الخمر)  الذي شهد له المصطفى أمام الصحابة بأنه يحب الله و رسوله. إنها الرحمة بالضعف البشري مع الحرص على عدم فقدان أي منتسب لدائرة هذا الدين.
هذه المعاني الموحية بحقيقة سمت هذا الدين هي التي تُغيظ "داعش" و أمثالها و لا يريد لها المستفيدون من تشويه صورة الإسلام بتسليط الأضواء على "جرائم إسلام داعش" أن تُعرف و تُذاع خصوصا هواة الإقصاء و الاستئصال؛ لأنها تعبر عن الإسلام الحق الذي أنزل الله و جاء به محمد صلى الله عليه و سلم.

2. الفن في خدمة الرسالة:

يحكي الدكتور محمود عساف: في يوم من أيام صيف عام 1945، ذهبتُ إلى الأستاذ الإمام كعادتي كل يوم.. قال لي: قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حسابا للإخوان هناك. إذ لم يكن للإخوان حساب بأي بنك حتى ذلك الوقت.
توجهنا إلى مكتب رئيس البنك و كان يتبع سياسة الباب المفتوح للعملاء، و يستطيع أي عميل أن يدخل إليه بغير استئذان، دخلنا و ألقينا السلام، و جلسنا على أريكة مواجهة للمكتب، و كان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب و ظهره منحرف نحونا، و كان يتحدث مع رئيس البنك و في انتظارنا صامتين إلى أن تنتهي تلك المقابلة، فاجأنا رئيس البنك بقوله: "أهلا و سهلا" بصوت عال جعل الجالس إلى مكتبه ينظر نحونا، و إذ بذلك الجالس ينتفض واقفا و يهتف: حسن بك؟ أهلا و سهلا يا حسن بك، ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام ثم إياي. ثم جلس على مقعد مجاور للإمام و قال:" أنا أنور وجدي.. المشخصاتي.. يعني الممثل.. طبعا أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم، في حين أني و الله أقرأ القرآن و أصلي كلما كان ذلك مستطاعا".
قال له الأستاذ البنا: "يا أخ أنور أنتم لستم كفرة و لا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، و لكنه حرام إذا كان موضوعه حراما. و أنت و إخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام و مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ و أئمة المساجد. إني أرحب بك و آمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة و الدعوة إلى الله".
عندما سمع أنور وجدي هذا الرد الجميل من الأستاذ البنا بكى و قبَل يده و رأسه. بعدها رأينا لأنور وجدي "ليلى بنت الفقراء". (عصام تليمة، حسن البنا و تجربة الفن، مكتبة وهبة. الطبعة الأولى: 2008. ص: 39-40).
حسن البنا لم يقف عند حدود ربط علاقات طيبة مع الفنانين بل حرص على اقتحام هذا المجال الحيوي (الفن) و إنشاء مجموعة من فرق المسرح منذ الثلاثينات التي نشطت و قدمت عددا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، و منها ما هو خلقي، و معظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي. (نفس المرجع. ص: 7).
اليوم، بعدما بات واضحا المقدار الذي يساهم به الفن في تشكيل وجدان الإنسان و أحلامه و اختياراته، يمكن الجزم بأن العمل الإسلامي لا يمكنه بلوغ مراميه إلا باقتحام الساحة الفنية و الانخراط  في عملية إيجاد البدائل لما هو موجود من منتجات فنية رديئة المبنى و المعنى.

3. إدمان القراءة في العلوم الإنسانية:

 المجددون – عادة - لا يكتفون بتخصص واحد (العلوم الشرعية) بل يغرفون من كل العلوم قدر المستطاع للاستفادة من الحكمة البشرية و بالخصوص في العلوم الإنسانية قصد تجويد الخطاب الدعوي و تجديده باستمرار. و الأستاذ حسن البنا، باعتباره من أبرز حملة لواء التجديد في القرن العشرين، لم يشذ عن ديدن المجددين.
ألمح الأستاذ أبوزيد المقرئ الإدريسي في محاضرة (منشورة على اليوتوب) حول الخطاب الدعوي عندما تناول أهمية البعد التجديدي فيه، إلى أن أول رسالة جامعية (الماجستير) كُتبت عن الأستاذ حسن البنا سنة 1952 من طرف الباحث يحيى حقي جاء فيها أن الأستاذ البنا كان يواظب على التردد باستمرار على المكتبة لتلقف جديد المترجمات إلى العربية  في العلوم الإنسانية  (لأنه كان يتقن لغة واحدة هي اللغة العربية) و كان يلتهم ما يجده ليلتها.  
حرصُ الأستاذ البنا على قراءة ما تصل إليه يده من كتابات في العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع..) يعكس إيمانه القوي بأهمية توظيف معطيات هذه العلوم في فهم أعمق للمجتمع و نفسيات أفراده و الآليات المُمَكنة من النفاذ إلى أعماقه أي الاستفادة من إضاءاتها المتعلقة بكيفية التعامل مع الناس قصد التأثير فيهم إيجابا. و في هذا درس بليغ للدعاة المعاصرين يؤكد أن لا نجاح للخطاب الدعوي اليوم إلا بعد القيام بتجديده و تجويده  و أن ذلك لن يتأتى ذلك إلا بالاستفادة من الخبرة البشرية  في مجال العلوم الإنسانية طبعا دون إغفال المرجعية القرآنية و الهدي النبوي.

بعد مرور ستة و ستين سنة على اغتيال الأستاذ حسن البنا ( في 12  فبراير 1949 )، نثير من جديد هذه الإشارات اللطيفة من سيرته و مسيرته الدعوية خصوصا بعدما تميع المشهد الإسلامي بحركات استخباراتية إرهابية متطرفة تنسف المعمار الذي بناه الدعاة و المصلحون طيلة العقود الماضية و تشوه دعوة الإسلام السمحة، إشارات تؤكد كلها أن رسالة الحركة الإسلامية المعاصرة منذ المؤسس الأول (حسن البنا) أشرف و أنبل من أن تخوض  معارك وهمية و تستعدي كل الإنسانية.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




محور تجديد الوسائل في العمل الإسلامي يكمن في ذلك البحث الدائب عن كل جديد مفيد لبث الرسالة في أوساط أكبر عدد ممكن من الناس. و الدعاة الصادقون، الذين يغارون على الرسالة، يؤرقهم دائما سؤال تجديد الوسائل.
أحد هؤلاء، الشيخ راشد الغنوشي دائما ما يدعو الشباب الغيور على العمل الإسلامي إلى اقتحام شعب العلوم الإنسانية و الاجتماعية (علم النفس، علم الاجتماع، علم الاقتصاد) لاستخدام آلياتها المهمة في فهم أعمق و تحليل أدق لطبيعة مجتمعاتنا، لتوظيف هذه التحليلات في اختيار الوسائل الأنجع للتدسس بلطف إلى نفوس الناس و التأثير في حياتهم إيجابا. يقول الأستاذ راشد: "بعد انتهاء الحرب الباردة أصبح الاقتصاد يمثل أهم ميدان في الصراع الدولي، و هذا ما يجعل الشباب الإسلامي مدعًوا لأن يتجه إلى الميدان الاقتصادي الحر بتأسيس الشركات و التعاونيات، و أن يعتبر هذا الميدان من ميادين الجهاد الإسلامي المعاصر".( مسيرة الصحوة الإسلامية: نقد و تقويم. ص: 22. الطبعة الأولى. مركز الراية.  2005 ).
"من مظاهر القصور في استيعاب الواقع المحلي و الدولي ضعف تخصصات الإسلاميين في المجالات العلمية المتعلقة بتشخيص الظواهر الإنسانية كالاقتصاد و السياسة و الاجتماع و الصحافة و الفلسفة و التاريخ و الجغرافية و علم النفس و التربية و الأنتربولوجيا و السينما و الآداب و الفنون، مقابل إقبالهم على العلوم التطبيقية التي – على أهميتها – تغوص في الجزئيات و لا تسعف كثيرا في رسم الاستراتيجيات الكبرى". (ص:94)
"إنه لمكسب عظيم أن تربي –الحركة الإسلامية- الشباب الصالح في مجتمع يزخر بالإغراءات و لكن هذه التربية نفسها ينبغي ألا تكون معزولة عن استراتيجية الحركة الإسلامية في التغيير في المجتمع.(ص:196) خذ مثلا الطلبة المنتمين إليها، فهي لا توجههم إلى اختيارات و تخصصات محددة لخدمة خطتها. و آية ذلك ما ترى عليه الإسلاميين من إقبال على الكليات العلمية و التخصصات الطبية و الهندسية، لسبب واحد هو الإغراءات المالية التي تقدمها للخريجين و تضاءلت بذلك العناصر الإسلامية في الكليات الأدبية و التخصصات الإنسانية". (ص:197)
 واضح من كلام رئيس أكبر حركة إسلامية بتونس الشقيقة، أن  ضعف الاشتغال على الآليات الحديثة في العمل الإسلامي يشكل حجر عثرة يعيق وصول الرسالة إلى أفئدة أكبر فئة ممكنة من الناس. فالفتوحات المهمة التي شهدتها العلوم الإنسانية منذ القرن الأخير، كفيلة بتمتيع الحركة الإسلامية بنظرة أجود لطبيعة المشكلات الحقيقية التي تعاني منها مجتمعاتنا و من ثَم طبيعة الحلول المقترحة لمقاربة هذه المشاكل.
 من الدعاة الموفقين -كذلك- الذين يحملون هَمَ التجديد في الخطاب الدعوي، الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد الذي طالما نادى بدوره إلى توظيف البدائل الجديدة في خدمة واجب تذكير الناس بربهم.
"أجمع الفقهاء في أسلوب انتقادهم في منابر الوعظ، على الحديث عن فساد الزمان و الحديث عن كل الحركات الباطلة و المبطلة، التي تقوم هنا و هناك، فتجد الفقيه على منبره مرة يرد على هذه الصحيفة الاشتراكية، و مرة يواجه هذه الاستمارة النسوية، و مرة يرد على هذا المذيع التلفزيوني، و مرة ينبه الناس إلى كتاب ظهر لسلمان رشدي أو لغيره.. طبعا هذا شيء من المدافعة المطلوبة شرعا، و هذا باب من أبواب الجهاد عظيم. و لكن متى يفكر الداعية التقليدي قبل أن يكتب سلمان رشدي رواية فاجرة و يقوم هو بلعنها على المنبر و تحريم قراءتها على المسلمين، متى يفكر أن يفكر أن ينشئ ناديا فكريا، و أن يحتضن فيه شباب الأدب و هم مازالوا مراهقين عندما يكون عند الشباب الاستعداد المفتوح لأن يحتضن من أي منبر، ثم ينظم ندوات أدبية، ثم يتعاون بالمال الذي يجمعه لإنشاء مطبعة، ثم يقوم بطباعة هذه الأعمال الأدبية، ثم يراعي هؤلاء الشباب حتى يصبحوا عندما يصلون إلى سن اشتداد العود و نضج التجربة الأدبية مبدعين يكتبون الروايات، يملؤون بها الساحة و يقدمون بها البديل؟ و الشاب الذي لا بد له أن يقرأ الرواية، و الفتاة المراهقة التي لا بد لها أن تقرأ الرواية، لا بد لهما  من شيء من الخيال و الهيمان، لا يستطيعان أن يقرآ كتابا فكريا جادا، فيجدان  هذه الرواية، يستغنيان بها عن أمثال سلمان رشدي". (المقرئ الإدريسي أبوزيد، "الحركة الإسلامية بين الفكر و الواقع"، ص:23).
دعوة الأستاذ أبي زيد الدعاة و المصلحين إلى طرح البديل و استخدام الأدب و كتابة الروايات، دعوة جد معقولة؛ خصوصا و أن أي حركة اجتماعية تحمل هَما إصلاحيا و مشروعا مجتمعيا و تطمح إلى تأطير وجدان الناس و توجيههم نحو القيم التي تؤمن بها لا بد لها من مناشير أدبية و ثقافية تُلهم أحلام الناس و تداعب خيال الأطفال و تغذي فكر الكبار و ترسم خيوط حياة الإنسان المنشود. فأوروبا لم تنجز ثورة قيمية و لا ثورة صناعية و لا ثورة تقنية معلوماتية أي باختصار لم تًنَزل مشروع الحداثة على الأرض إلا بعد أن رست معالم المشروع الثقافي و النموذج الحضاري المُراد في العديد من الإنتاجات الأدبية و الفكرية لكبار الأدباء و المفكرين الأوروبيين.
قيم العدل و العفة و الطهارة الأخلاقية و الإحسان في العمل و المعاملة و الارتباط بالصلاة و الدار الآخرة و غيرها من العناوين التي تُبشر بها الحركة الإسلامية لا يمكن- إذن- أن تنتشر و تنتصر في أوساط المجتمع إلا بعد أن تُترجم في منتجات فنية و أدبية و فكرية ليصل صداها إلى المهووس بالسماع للأغنية و محب مشاهدة الفيلم و المسرحية و قارئ القصة و الرواية و المتلقف للكتب الفكرية.
إن الدعوة إلى الاهتمام بالعلوم الإنسانية و استخدام الوسائل الفنية و الأدبية في خدمة الدعوة و المشروع و الرسالة جديرة بأن تُحتضن بقوة من طرف أبناء الحركة الإسلامية  خصوصا في المرحلة الراهنة.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





من المعاني الجليلة، المفروض علينا اعتناقها بقوة، الصدق في المواقف و الثبات على المبدأ و الوفاء للخط و القيم.. و هي معان لا يحملها إلا الكبار عبر التاريخ بدءا بالأنبياء و المرسلين و انتهاءا بمن ينهل من ذات المعين من رجالات العمل الوطني و الإسلامي الصادقين..
هو خط، إذن، يعكس إنسانية الإنسان و كونه قبسا من روح الله؛ إذ يترفع المرء عن المصالح الضيقة العاجلة و المغانم القريبة و يتيقن من الثمار اليانعة و النتائج المشرقة لخط الصدق و مسار الوفاء للقيم.
إنه نموذج، يوجه ضربات قاصمة و ردودا قوية لنموذج يراد له الانتشار بين البنين و البنات؛ نموذج الذل، نموذج يبيح للإنسان خذلان القيم و الجرأة على الكذب و بيع الضمير في سبيل نجاح زائف..
إنه برهان ساطع، يُؤكد أن لا خوف من شيء في الدنيا قبل الآخرة، إذا ثبت الإنسان على الحق و كان ديدنه الصدق. لا خوف من المستقبل و إن لاح برهة مظلما، فالمستقبل، في نهاية المطاف، للقابضين على الجبر و الثابتين على الخط و الأوفياء للقيم؛ فالحياة خلقها من اسمه "الحق" و لا هناء فيها – نفسيا على الأقل – إلا لمن عانق الصدق و الحق..
  هنا، سنعرض  لموقفين من مواقف رمزين وطنيين كبيرين في شبابهما المبكر يعكسان بقوة ما ذهبنا إليه من كون الصدق و الوفاء للقيم خط كله خير.

. موقف التلميذ محمد عابد الجابري:

الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله، من رجالات هذا الوطن الكبار على الأقل في الفكر، حريٌ بنا – نحن الطلبة و التلاميذ – الاطلاع على سيرته ومسيرته عسانا نقتفي آثاره في بعض المواقف و المشاهد.
هو من مواليد أواخر سنة 1935 بمدينة فجيج، تنقل بين عدة مناهل للتعلم؛ من المسيد إلى مدرسة في فجيج إلى مدرسة وطنية "النهضة المحمدية" في ذات المدينة إلى مدرسة إعدادية في وجدة ثم استقر به الحال في مدرسة وطنية بالدار البيضاء. في سنة 1953 كان الصدام قد بلغ نقطة "اللاعودة" بين الاستعمار و الإرادة الوطنية، تم خلالها نفي أساتذة المدرسة الوطنية و اضطهاد أطرها مما أدى إلى توقيف الدراسة في هذه المدرسة. فاضطر التلميذ محمد عابد للاشتغال مع عمه الخياط. لكن هذا الشاب كانت نفسه تطفح تحديا للواقع.
"فكان القرار الحاسم الذي اتخذه صاحبنا هو ترك الخياطة و مواصلة الدراسة، و هكذا فما أن بدأت المدارس تفتح أبوابها في أكتوبر 1953 حتى قصد صاحبنا مدير "الثانوية الإسلامية" و هي الثانوية الرسمية التابعة للتعليم الفرنسي بالمغرب و الخاصة بالمغاربة المسلمين وحدهم – بالدار البيضاء – بينما كانت "ثانوية اليوطي"  مخصصة أساسا لأبناء الجالية الفرنسية.
استقبل هذا المدير الفرنسي صاحبنا ذات صباح بوجه بشوش و أجرى معه محادثة بالفرنسية كان ينوي اختبار مستواه فيها، و ذلك بعد أن اطلع على دفتره المدرسي كأحد المتفوقين في اختبارات السنة الخامسة ( الثانية إعدادي ) و في نهاية المقابلة قال المدير لصاحبنا: " أنا أتفهم وضعيتك و لا أرى مانعا في التحاقك بالسنة الرابعة عندنا ( الثالثة إعدادي ) و لكن لا بد من أستشير الأساتذة. عد عندي بعد أيام". و بعد أسبوع عاد صاحبنا يطلب مقابلة المدير فاستقبله لبرهة من الزمن قائلا: "لم أتمكن بعد من أخذ رأي الأساتذة، عد بعد أيام". و بعد أيام عاد صاحبنا ليتلقى نفس الجواب من المدير.
ثم إن صاحبنا التقى صدفة بتلميذ كان قد التحق بالثانوية المذكورة، في الفترة نفسها، قادما من مدرسة ثانوية رسمية من مدينة أخرى، و حكى له مماطلة المدير و تسويفه، فما كان من ذلك التلميذ إلا أن ابتسم ابتسامة من يخاطب شخصا أخطأ الطريق و قال له: "إنك تتعب نفسك. اذهب و اشتر ديكين روميين من السوق المركزي (سوق خاص بالجالية الفرنسية) و احملهما إلى دار المدير و ادفعهما للحارس مع ورقة فيها اسمك، ثم عد إلى المدير بعد ذلك بيوم أو يومين و معك أدواتك المدرسية". ثم أضاف التلميذ: "ذلك ما فعلته أنا، و فعله من نصحني بذلك و أنا أنصحك بدوري".
"ديكين روميين"... رشوة.. إلى مدير فرنسي !
أحس صاحبنا بأصوات الرفض تنبعث فيه من كل جانب: من قلبه و عقله.. و أبيه، من الحاج محمد، من السي بوشتى.. من كل ما يمثل في كيانه الكرامة و الحق و الوطنية. و بدأ يحس بصراع في داخله و بنوع من القلق يدب في نفسه فقرر الحسم في الأمر حسما تاما و نهائيا..
و هكذا صرف النظر عن الالتحاق بتلك المدرسة و عقد العزم على أن يدرس بنفسه برنامج الشهادة الثانوية (الإعدادية) و يهيئ نفسه بنفسه للتقدم إلى امتحاناتها كطالب حر." ( محمد عابد الجابري. حفريات في الذاكرة. ص:181-182-183).
إن هذه القصة تستحق حقا  ذيوع الصيت خصوصا في أوساط الأجيال الصاعدة (التلاميذ و الطلبة ) خاصة و أن التلميذ الذي عاشها هو فيما بعد المفكر الكبير محمد عابد الجابري الذي أطبقت شهرته في الآفاق. إنها تذكرة بالأصوات المطلوبة: رفض الظلم و الرشوة و الفساد.. إنها قصة تؤكد مرة أخرى أنه لا خوف من الوفاء للقيم.
ذوو الرؤية القصيرة سيهتفون للشاب محمد عابد؛ ما المشكلة، يا أخي، "ديكين روميين" فقط ! و تعود إلى مقاعد الدراسة و تؤمن مستقبلك. لكن الشاب أجاب عبر سلوكه: بئس المصلحة إن كانت خيانة للقيم و المبادئ ! بئس النجاح إن كان على حساب الصدق في الخط و الوجهة !
أنا لأحد من التلاميذ و الطلبة أن يقول بعد قراءة هذا المشهد: لا مفر من استعمال وسائل الغش للنجاح و التفوق بدعوى شيوع ظاهرة الغش في أوساط جل المتعلمين. أنا لهم أن يقولوا هذا، و قد رأوا الشاب محمدا عابد الجابري انقطعت به السبل و مستقبله الدراسي كله مهدد، لكنه صمد و احتسب و وفى بالعهد و ثبت على القيم..
إن الرسالة واضحة، هنا، إن هذا الكون يسير بمشيئة الله جل علاه، يسير بمن اسمه "الحق". و بالتالي لا خوف عليك، إن كنت صاحب حق و ثابتا على عهد و مستمرا على خط الصدق و رفض الرشوة و كل ألوان الفساد.. الخوف – كل الخوف – على مسارك، إن خذلت القيم و أصررت على خذلانها و جانَبتَ الصدق في المواقف التي وقفت عليها و اتخذت الغش مطية لتحقيق نجاحاتك.

2. موقف التلميذ المهدي المنجرة:


 رجل، غادرنا في صمت في يونيو الماضي، صدق في الموقف و ثبت على الخط و انحاز للوطن و كتب "قيمة القيم"، هو الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله.
 ولد المهدي بمدينة الرباط سنة 1933، تابع دراسته بالمسيد و مدرسة غورو. بعد الحصول على الشهادة الابتدائية التحق بليسي "ليوطي"، و المثير أنه كان يحصل كل سنة على التوبيخ، و هو ما دفع بهذه المؤسسة إلى طرده بحيث كان من غير الممكن نهائيا أن يعود إلى هذا الليسي، مما دفع بوالده إلى اتخاذ القرار بأن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. سبب غضب مؤسسة "ليوطي" يتعلق بتوبيخات سياسية في الحقيقة، ذلك أن المهدي كان يحصل دائما على نقط دون المستوى في مادتي الفرنسية و التاريخ، لا لضعفه اللغوي و التعبيري، بل لأن أحد أساتذة اللغة الفرنسية كان يشترط للحصول على نقطة جيدة الإشادة بالعلاقات الفرنسية-المغربية.
يقول المهدي معلقا على هذه الذكرى: "إنني حين أتذكر مثل هذه الوقائع أشعر باعتزاز عميق، إذ على المرء ألا يكبت انفعالاته، و ألا يستسلم لقبول الأوضاع كما هي، و عليه أن يحرص على معانقة التساؤل المستمر".( محمد بهراجي و حسن نجمي، المهدي المنجرة: مسار فكر، ص: 16).
إنه  الموقف الكبير المتعلق برفض بيع الضمير و تزييف التاريخ من طرف التلميذ المهدي، كلفه ذلك الطرد من مؤسسة كبيرة في وقتها "ليسي ليوطي". لكن نزاهة الضمير أولى و الوفاء للذاكرة أقوى عند التلميذ المهدي. إن الاستعمار استغلال للعمران و تحطيم للإنسان؛ فما الفائدة من الكذب و الإشادة بالعلاقات المغربية-الفرنسية؟  هكذا ينطق الوعي المبكر للشاب المهدي.
إن التلميذ المهدي ضحى بالنقط في سبيل الفكرة الوطنية التي يعتنقها، في سبيل الصدق. فماذا وقع له بعدئذ ؟ هل الطرد من ليسي "ليوطي" معناه الفشل، معناه أن التاريخ انتهى؟
كلا ! فالتلميذ المهدي يسر له الله سبحانه و تعالى الذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته سنة 1948  حيث ألقى هناك عدة عروض أمام زملائه الأمريكيين حول عدة قضايا من بينها عرض حول "التاريخ الأمريكي" يُلفت فيه النظر إلى ظاهرة الامبريالية. فالقضية التي يحملها على عاتقه؛ الصدق مع الوطن و معاداة الاستعمار و الامبريالية و التي بسببها طُرد من "ليوطي" لم يفارقها حتى في أمريكا. و بعد ذلك صار البروفيسور المهدي من كبار المفكرين المعادين للامبريالية و الاستعمار الجديد في المؤسسات الدولية (اليونسكو التي اشتغل بها).

إن هذه أمثلة فقط. أما مواقف رجالات هذا الوطن الكبار منذ مرحلتهم التلمذية و الطلابية فهي منارات بحق للأجيال الصاعدة (التلاميذ و الطلبة)، وجب تسليط الضوء عليها لنستفيد منها و نقتفي أثرها. فهي تؤشر على أن الصدق في المواقف و الثبات على المبدأ و الوفاء للقيم وجهة صحيحة تحمل الإنسان دائما إلى بر الأمان.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






الحركة الإسلامية المعاصرة، منذ ميلادها في العقود الأولى من القرن الماضي حملت أشواق إخراج الأمة من حالة التيه. تناسلت عدة أحداث بعد النشأة و الميلاد و اشتداد العود حتى وصلنا إلى مرحلة المد و الجزر بين بذور الانتفاضة و جذور الاستبداد.. السؤال الذي يبقى دائما متجددا، ما الذي بقي من دور للحركة الإسلامية  في المرحلة الراهنة ؟
شعار "إقامة الدولة الإسلامية"، من المؤكد أنه بات مهلهلا. فخطاب الحركة الإسلامية الناضجة استبعد هذا الشعار. تحرير فلسطين، لا ريب، أن الحركة الإسلامية المقتدرة "حماس"( و معها حركة "الجهاد" أيضا) مازالت وفية لخط الكفاح و ثابتة على هدف التحرير الشامل، و غير خاف، أن كل الحركات الإسلامية على ذات المساق.. 
لكن القضية الجديدة، التي تشكل تحديا واضحا للحركة الإسلامية، هي التغول السافر للنزعة الاستهلاكية في أوساط مجتمعاتنا. هذه النزعة التي تحطم الإنسان و استعداداته للعطاء؛ تشكل خطرا يفوق، في تقديري، التحدي الفكري الذي واجهته الحركة الإسلامية في العقود الماضية. لأن هذا التحدي الفكري ( سواء الماركسي أو الليبرالي ) ساهم بطريقة أو بأخرى في تنضيج خطاب الحركة الإسلامية. أما التحدي الجديد، فخطبه أشد لأنه، من جهة، يقتل قابلية التضحية من أجل المجتمع و الأمة في نفوس الأفراد بل يسهم في فتور جاهزية أبناء الحركة الإسلامية للعطاء بلا أخذ و خدمة الناس بلا طمع..
المسلم المعاصر أمام هجمة موجة الاستهلاك يفقد كليته الإنسانية و بوصلته القيَمية  و بالتالي يحتاج إلى عقيدة صافية نقية تستند إلى المرجعية القرأنية (لا تعقيدات في فهمها و لا حاجة لاستحضار الجدالات التي دارت بشأنها في القرون الأولى في "علم الكلام") كما يحتاج إلى حاسة قوية "التقوى"  تكبح المنزع الاستهلاكي أو على الأقل تهذبه.
من هنا، الحركة الإسلامية من واجبها في المرحلة الراهنة، أن تنحو منحى التبسيط من غير إخلال في خطابها، تُذكر بقيمتين إسلاميتين خالدتين كفيلتين بمجابهة السيولة الاستهلاكية.
-          قيمة "التقوى": هي إبداع إسلامي خالص، تشير لشعور دفين في أعماق وعي المسلم تجاه كل سلوك مناف للشرع و كل تساهل في القيام بالواجب. تُشكل  حصنا منيعا للمُتشبث بها أينما كان. هي المَقود الذي يقود المسلم إلى الإحسان في المعاملة و العمل و نبذ الغش و الكذب. هي الحاجز النفسي الذي يدفع عنه نزوعات التهام كل الأطعمة و ارتداء كل الألبسة  و امتلاك مختلف الهواتف الذكية و الالتصاق بجديد السيارات الفارهة و اللهث وراء ألوان مساحيق التجميل المُزينة.. 
-          قيمة "التحرر": هي التحرر من كل المعبودات من دون الله جل في علاه. تفوق أهميتها من وجهة نظر إسلامية المعاني التي تُلبس لها من اليسار عموما. لأنها رفض للضيم و الاستبداد، نعم، مواجهة للظلم و الطغيان، نعم، حرب على الاستغلال و الاستعمار، نعم.. و تهذيب راشد لنوازع النفس المادية أيضا و الاستهلاكية منها خصوصا. هي ذات القيمة التي تحرك أبطال المقاومة في غزة العزة إذ يكتفون في مشهد مهيب و في شهر عظيم (رمضان) بالفطور بنصف ثمرة بعدما انقطعت بهم السبل في عملية بطولية (المكوث في الأنفاق ما يقارب العشرين يوما).

أمام الحركة الإسلامية، الصادقة في خدمة الدين و الأمة و الوطن، رهانات كثيرة في المرحلة الراهنة. عموما هذه الرهانات تنحو إلى اتجاهين؛ اتجاه تصفية الأفكار و القيم الميتة، التي تفرز ظاهرة "الداعشية" و "الجهاد بلا بوصلة" أي الإرهاب بصفة عامة و قتل الأبرياء و التي تؤدي أيضا إلى  التضخم الشكلاني في التدين و التطرف السلوكي و معاداة الاختيار الديمقراطي و استعداء أفراد المجتمع و تكريس الطائفية فيه. و الاتجاه الثاني يصب في إطار تصفية الأفكار و القيم القاتلة، التي تدعم النزعات الاستهلاكية الجارفة  و تروج للقيم المادية المسمومة و تقتل حس الانتماء للوطن و الأمة و تعادي خيار التحرر و المقاومة في القضايا المصيرية كالقضية الفلسطينية.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





إن مشكلة المعنى في وجدان الإنسان المعاصر إذا لم نلتفت إليها بشكل جدي، فحتما لن نجد حلولا للانحرافات الاجتماعية التي نواجهها. هذه المقالة محاولة أولية لمقاربة سؤال: كيف نحس بالمعنى؟ أي كيف نستعيد الذاكرة و نؤمن بالقضية؟

1-      التأمل و التفكير الناقد:

إن التفكير الناقد و التساؤل المستمر و القراءة المتدبرة مدخل ضامن لولوج عالم المعنى: عالم الإنسان الحقيقي المحفوف بالأسرار و الحكم. كما أنه محاربة لتبلد الحس و إزاحة للركام العالق بالفطرة و الاستغراق المُشين للإنسان في حمأة المادية.
    
إن التجربة الإيمانية للأنبياء سلام الله عليهم تؤكد أنهم – خصوصا في بداياتهم -  في رحلة ممتدة عبر الزمان و المكان للتأمل في معنى الحياة و  استكناه عميق لرسالة الإنسان. فهذا خليل الرحمان يتأمل في سر الحياة و خالقها و يحاول أن يتلمحه في الشمس و القمر.. إلى أن وجد الرحمان. و هذا رسولنا الكريم يختلي مرارا بنفسه في غار حراء قُبيل البعثة لعله يرمق الفجر من بعيد..
كما أن التجربة الفكرية للفلاسفة و المفكرين لصيقة بالتأمل في كنه و معنى الحياة. فهذا سقراط يقضي ساعات طويلة تحت الشمس اللافحة (من الفجر إلى الظهيرة) يستغرق في التأمل. و هذا ديكارت لم يخرج من خلوته ( في قرية  بألمانيا ) في إحدى أيام نونبر سنة  1619 ( عمره آنذاك 23  سنة ) إلا بعد أن بزغ له الصبح و اتضحت له معالم المنهج بعد كبد التأمل؛ إذ كان يقضي اليوم كله وحده منصرفا إلى التفكير. و هذا نيتشه لم يخرج بإعلانه الشهير في صورة" زرادشت": لقد ماتت جميع الآلهة، و نريد الآن أن يعيش الإنسان الأعلى (السوبرمان). لم يخرج معلنا المعنى الذي لاح له في الحياة إلا بعد عزلة تأملية في قمم جبال الألب..

2-      قراءة سير المناضلين من أجل القيم الشامخة:

من الوسائل الرائدة في توجيه الإنسان – خصوصا في مطلع شبابه – إلى استعادة المعنى؛ إدمان قراءة السير و التراجم.
 و البداية، من الأهمية بمكان، أن تكون مع الأنبياء و المرسلين حملَة قيم التحرر و رسالة التحرير للعالمين و على رأسهم محطم الطواغيت رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم. فالاطلاع على مسيرة تحملهم للضيم في سبيل دعوة الناس للتحرر من الدينونة للآلهة الزائفة و توحيد رب العالمين، تدفع الإنسان لاستصغار نفسه؛ إذ تلوح له حقارة اهتماماته و تفاهتها أمام الانشغالات الحقيقية التي ينبغي أن يعانقها من تذكير الناس بربهم و النضال من أجل تحررهم..
إلى جانب الصفحات المشرقة للأنبياء و المرسلين، تأتي سير الصحابة (و الصحابيات) و سير الصالحين  (و الصالحات) لتعمق بدورها القيم الشامخة المطلوبة في وجدان الإنسان  خصوصا عندما لا يزال متمتعا بقابلية التغيير في مطلع شبابه.
 إضافة إلى  سير رموز الحركة الوطنية و الإسلامية و الأمازيغية التي تنضح بالإشارات اللطيفة للآثار الإيجابية المستقاة من اعتناق قضية  و الفناء من أجل الفكرة و النضال من أجل الهوية و الكرامة و الحرية. هي شهادات بشرية حية تحطم ادعاءات الذين يقولون للشباب (طلبة و تلاميذ): حذار من الانتماء إلى فكرة أو التحيز لمشروع و رؤية.. !
إن سير هؤلاء تؤكد أن خط التفاني من أجل الفكرة و القضية ( و أشرف به من خط ! إن كان خط تذكير الناس بربهم و رسالتهم و المنافحة عن حريتهم و حقوقهم) و خط الاقتدار العلمي: خطين متوازيين.. يتساوقان.
إنها سير منيرة حقا تشير إلى أن التلميذ و الطالب اللذان لم يحددا انتماءا إلى فكرة و لا ولاءا لقضية و لا وفاءا لمشروع و لا اعتقادا بمبدأ ( نقصد هنا الولاء و الاعتقاد النسبي. و عادة  ما ينزع الإنسان في بداية رحلته الفكرية  نحو الإطلاقية و الوثوقية و كلما قرأ أكثر و تأمل في الحياة ارتقى نحو الإيمان بنسبية الأفكار و الرؤى و المشاريع و نحو العض بالنواجذ على المقولة المالكية الذهبية: "كل يؤخذ من كلامه و يُرد إلا صاحب هذه الروضة الشريفة: روضة الرسول صلى الله عليه و سلم "). إنه ما لم يعانق قيمة معنوية و استرخص حياته من أجلها، من اليقين  أنه سيفتقد معنى الحياة و لذة النضال على درب الكبار..

بكلمة، بالتأمل و الخروج من الألفة الغافلة و قراءة سير ذوي المعادن الأصيلة من البشر،  يحاول الإنسان أن يصل إلى معناه و ينسحق من عالم المادة الأملس و يتيقن أنه إنسان !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]







سبق في مقالة "لماذا ينحرف الناس؟" أن أشرنا إلى أن منشأ الانحرافات السلوكية يعود بالأساس إلى فقدان المعنى. هنا في هذه المقالة، سنتوقف على خلفيات هذا الفقدان، أو قل معاني فقدان المعنى..
تطفح صحة مجتمعنا بعدة أمراض اجتماعية فتاكة تعيق مسيرة النهوض، لا بد من تسليط الضوء عليها للحد من انتشارها و الحيلولة دون انتقالها إلى الأجيال الصاعدة. أبرز هذه الأمراض: مرض فقدان الذاكرة و مرض فقدان القضية.  كلها تؤدي إلى الإصابة بفقدان المعنى في الحياة.

1.     فقدان الذاكرة:

من الأمراض التي تشل وجود الإنسان؛ مرض فقدان الذاكرة. هذا مرض معروف في الميدان الطبي. لكن ثمة أناس كُثر، مازالوا في ريعان شبابهم، يحتفظون بذاكرتهم: يعرفون أسماءهم، أسماء الأماكن و الأشياء، يميزون أقاربهم و معارفهم... لكنهم، مع الأسف، يعانون من فقدان الذاكرة العمودية و ذاكرة الوطن و ذاكرة الأمة و الذاكرة الإنسانية..
الذاكرة العمودية، تعبير للدكتور طه عبد الرحمان، يشير إلى العلاقة مع الله جل في عُلاه. الإنسان يفقد هذه الذاكرة، رويدا رويدا، حينما يغوص في أوحال الذنوب دون محاولة أوبة، حينما يقطع الصلة العميقة المتمثلة في الصلاة، حينما يتبلد حسه و يغرق في الألفة الغافلة فيعدم التأثر و الانفعال و التساؤل حول فرادة  خلقته و عظمة تكوينه و سعة العالم من حوله و أسرار الموت الذي يخطف الأرواح غيلة و ما بعد الموت من رحلة..
و من الطبيعي أن فقدان هذه الذاكرة العظيمة، التي توجه الإنسان في مسيرة الكدح في هذه الدنيا "حتى لا يطغى"،  يؤدي إلى فقدان ذاكرات أخرى: ذاكرات الهوية و الانتماء؛ ذاكرة الوطن و ذاكرة الأمة و ذاكرة الإنسانية.. فالله جل في علاه هو القائل: (و لا تكونوا كالذين نسُوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون). سورة الحشر:19؛ محذرا المؤمنين – على إيمانهم - من الإصابة بمرض فقدان الذاكرة العمودية، مرض نسيان رب العالمين. هذه الآية الكريمة (19 من سورة الحشر) مسبوقة بآية أخرى تحدد المعنيين بالتوجيه. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). سورة الحشر:18.
نسيان الله، إذن، مدعاة لنسيان النفس. و النفس هنا، قد تكون موحية بمعنى عام؛ الفرد نفسه، انتماؤه الوطني، عمقه الحضاري: الأمة الإسلامية.. فالذي فقد ذاكرته العمودية، من السهل أن ينخرط في عملية انتحار بطيء: تناول المخدرات و المسكرات و السجائر.
 الذاكرة الوطنية، هي حاضنة لملاحم و سير رموز الوطن المخلصين (على اختلاف مشاربهم و ألوانهم الفكرانية) في التفاني في بنائه و العمل على نهضته. فهي ذاكرة، واجب على الإنسان، منذ مطلع شبابه؛ أن يعمل على شحذها. لأنه بالالتحام، مع هذه الذاكرة و مناراتها و فضاءاتها، يحدد المرء بوصلته و موقعه ضمن ذات حلقة البناء: بناء الوطن. و هذا الالتحام وحده قمين بدفعه للترفع عن الدنايا و سفاسف الاهتمامات.. و بالمقابل فقدان هذه الذاكرة، واضح أنه فقدان لمعنى الانتماء لهذا الوطن، فقدان لمعنى الحياة على الأرض، فقدان لعبق التاريخ.. سقوط في الأنانية، و الدوران حول اللذة و المادة.. حرمان ذاتي من معنى معانقة قيمة الوطنية و حمل هموم و تطلعات الكبار: الكبار في صدقهم و إخلاصهم للوطن و أبناء الوطن..
و ذاكرة الوطن جزء من ذاكرة الأمة الواسعة، و الالتحام بالأولى لا يُغني عن الاغتراف من معين الثانية. محور دوران ذاكرة الأمة قائم على تاريخ الصعود و الأفول في محاولات القيام بواجب الشهادة و النهوض علاوة على قضايا الطريق كقضية فلسطين.
الاحتفاظ بالذاكرة الإنسانية، هو الانتفاع من كدح الإنسان الفكري و جهده في الإجابة عن القلق الوجودي؛ من ذلك معرفة سير عظماء المفكرين و العباقرة و قادة الحركات التحررية و كل من أفنى عمره في خدمة البشرية و الترفع عن الأنانية و اللذة الشخصية، مع اطلاع حسب المُتاح على زبدة أفكارهم و خلاصات بحوثهم و اكتشافاتهم.
حاصل الكلام، هنا، إن معاول الهدم و التخريب وجهتها الأولى هي تعميق الهُوة بين الإنسان و ذاكرته بمختلف أبعادها. و بالتالي لا مفر من جعل صيانة هذه الذاكرة، بمختلف أبعادها دائما، من أوكد الواجبات.

. فقدان القضية:

من الأمور المساهمة بقوة، في تقديري، في فقدان المعنى في الحياة و الارتماء في سخافة الاهتمامات مرض "فقدان القضية" و هو نتيجة طبيعية و تلقائية للمرض الأول "فقدان الذاكرة".
فقدان القضية؛ فقدان للرسالة، فقدان للانخراط في معالجة أي إشكال، فقدان لحمل أي هَم، فقدان للذة النضال من أجل قيمة من القيم أو ملف من الملفات، فقدان لطمأنينة خدمة الناس بلا أخذ و راحة العطاء و البذل بلا مقابل. مرض كهذا، هو سجن حيثُ العذابات النفسية و الراحة السطحية المتصنعة، أسرٌ في ظلال تفكير مهووس بالسيارة الفارهة و المنزل الفخم و الهاتف الذكي و الزوجة (أو الخليلة) الحسناء. إنه مرض مثيل للموت، أو قل إنه الموت؛ فماذا تعني حياة التفاهة؛ تكرار عمل يومي رتيب بلا روح و لا إبداع و تزود من السوق و أكل و نوم و هكذا دواليك.. هكذا بدون حمل قضية أو اعتناق فكرة أو الدفاع عن قيمة مطلقة.. ماذا تعني هذه الحياة، غير البؤس و الشقاء و الموت؟
القضايا، المقصودة هنا، لها صلة قوية بأبعاد الذاكرة التي سبق الحديث عنها.
فمن عانق قضية الذاكرة العمودية بصدق، استشعر أن واجبه هو تذكير الناس بربهم، و من ثم عليه الاجتهاد قدر المستطاع في تجديد الوسائل للقيام بذلك.
و من التحم بالذاكرة الوطنية، اتضح له أن قضيته هي تعريف الأجيال الصاعدة برموز وطنهم و زعاماته ( الدعوية، الفكرية، العلمية، السياسية) أولى الأولويات حتى يتعلقوا بالقدوة الصالحة المنيرة.
و من التفت إلى ذاكرة الأمة و الإنسان، جعل قضيته الأولى هي العمل على بلورة وعي جمعي في محيطه – على الأقل- وعي تحرري حضاري و حس يقظ تجاه قضايا الأمة و وعي متبصر تجاه أسئلة الإنسان الوجودية و الفكرية مع التعريف دائما بسير رموز الأمة و كل الذين قدموا خدمة غالية للإنسانية. 
و نحن – كمجتمع  مغربي بعمقه الحضاري الإسلامي - في هذه المرحلة التاريخية في حاجة إلى كل هؤلاء، إلى كل من يقتطع من وقته و يضحي من أجل الجماعة، إلى كل من لم يفقد المعنى و يغار عليه، إلى من يُذَكرنا بربنا حق تذكير و يبصرنا بدورنا و يسلط الضوء على سير رموزنا و جهد الإنسانية من أجل حل مشكلاتها.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




المتأمل في السلوكات النشاز (دينا و عقلا و قانونا) التي يقوم بها الناس، لا شك أنه سيتلمح خيطا وراءها يفسر لماذا يلجأ الناس إليها.
صنم كرة القدم، إله أرضي يحظى بعبادة منقطعة النظير في العقود الأخيرة؛ يتسمر الإنسان (سواء كان شابا أو كهلا) أمام الشاشة أو مباشرة في الملاعب ساعات، و يتابع بحماس "هستيري" المباراة، قد يُضحي بكل شيء من أجل هذه المتابعة. عينُه على المرمى: متى تُقذف الكرة فتخترق الشباك ! ينفعل وجدانيا مع نتائج المباراة بشكل مثير، يصفق، يصرخ، يحزن.. ! يضمر هذا الانفعال و يغيب تجاه قضايا الوطن و الأمة و المصير..
ألا يؤشر هذا الفعل ( المتابعة المتلهفة، التضحية بأوقات غالية، لرؤية (كرة !) تتلاعب بها الأقدام في انتظار اختراقها للشباك)، حقيقة على أزمة فقدان المعنى لدى هذا المتابع ؟
هنا، لا نتحدث عن الكرة كرياضة من شأنها صقل الجسم بل نقصد رأسا هذه المتابعة غير العادية لمختلف البطولات و الأندية و المباريات.
أعتقد، أن هذا المتابع  فقد المعنى في الحياة  و صار يتابع وهم المباريات لعله يجد معنىً في الهدف الذي يُسدد صوب المرمى بعدما فقد الهدف الحقيقي في الحياة.
المُسكرات و المخدرات و كل ما من شأنه تغييب العقل و الوعي، آلهة لها سدنة كُثُر. لماذا؟ باختصار، لأن الإنسان تلوح له الحياة و كأنها استنفذت أغراضها و لا معنى فيها؛ فيستقر تفكيره على أن المعنى: ربما، هناك في المخدر !
الموسيقى الصاخبة، التي تثوي دعوة إلى العبث و التفاهة و الرائجة في العُلب الليلية؛ من الواضح أن أصحابها فقدوا ذات المعنى في الحياة و صاروا يتلمحون التفاهة في قالب موسيقي مجسدة لهذا الغائب (أي المعنى). أتحدث عن أمثال on va danser. C’est la vie. La. La. أما الفن عموما ( و منه الموسيقى ) فهو تعبير أصيل عن أشواق  الإنسان و كبده المستمر بحثا عن المعنى.
التعامل غير اللائق و غير المناسب مع القرآن الكريم، من طرف بعض الناس ( الصراخ في قراءته و التغني بألفاظه )، لا يؤشر – ربما – سوى على بؤس معنى القرآن الكريم لدى هؤلاء الناس؛ فقد تحول من منارة هادية تجعل الإنسان يرنو ببصره إلى بعيد و يتطلع لرضوان رب العالمين إلى ألفاظ يُصرخ بقراءتها.
التضخم الشكلاني الذي يبديه بعض المتدينين، يعكس فقدانهم للمعنى العميق للانتماء لهذا الدين(= سبر أغوار معاني الاستخلاف و العبودية)؛ إذ صارت علامات التدين مختزلة في قوالب و صور معينة.

بكلمة، إن مشكلة المعنى هي أم المشكلات. و فقدان المعنى هو منشأ الانحرفات السلوكية بالأساس. و عالم اليوم، عالم ما بعد الحداثة، يوجه الإنسان لهذه الوهاد بإغراقه في الاستهلاك و إفراغه من كل معنى و انتماء.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




الدكتور علي شريعتي، في نقطة  منهجية ذكية و مهمة، يعتبر أن فهم دين معين (أو أي منهج حياة) و سبر خصائصه ينطلق من معرفة واستيعاب : الإله المقصود بالعبادة في ذلك الدين، كليات كتابه المرجعي المؤسس، صفات المُبشر بالدين و حامل رسالته، سمات الطليعة الأولى المؤمنة بالدين و الساعية لنشره..
من هذا المنطلق المنهجي نتعامل مع الإسلام، في محاولة لاستجلاء إحدى الخصائص التي يريد أن تتمكن من نفوس معتنقيه.
أكيد أن الله الذي جاء الإسلام  داعيا إلى توحيده؛ هو رحمان، رحيم، رؤوف، كريم.. لكنه كذلك، جبار شديد العقاب يُذل المتكبرين و الظالمين، يأنف من رؤية الظلم ينتشر و ينتصر فيمهل فقط و لا يهمل.. ( كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز). سورة المجادلة: 20.
واضح أن القرآن العظيم لكونه كلام الإله الواحد الأوحد القوي المتين، فإن خطابه ينضح بالتحدي.. ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) واليقين .. ( فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار ). سورة البقرة:22-23.
و إذا كان الكتاب المرجعي المؤسس ( القرآن العظيم) يفيض بمعاني العزة و الأنفة ( مع التذكير بالتواضع دائما للمتواضعين : أشداء على الكفار رحماء بينهم ) و يوجه خطابه الممتد زمانا و مكانا للمؤمنين برسالته: (فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين). سورة آل عمران: 175 .
فلا ريب أن يكون رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم أول المناضلين ضد الظلم و التكبر و الإهانة و أول  الداعين إلى القيم التحررية و المنتصرين لفضائل العزة و الأنفة.. من المرويات الشهيرة في هذا الصدد؛ أن الرسول صلى الله عليه و سلم لما رأى عمرا بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صحيفة "التوراة"، استشاط غضبا و قال (أو ما معناه): و الله لو كان موسى حيا ما حق له إلا أن يتبعني. لعلها الأنفة هي التي حركت وجدان المصطفى. فعمر رضي الله عنه يعيش مع المصطفى و شهد بعينه ربما حتى بعض لحظات نزول الوحي و على الأقل حضور جبريل في درسه التعليمي ( في حديث جبريل المشهور في الأربعين النووية) و  مجموعة من المشاهد التي يتضح فيها تأييد الله للجماعة المؤمنة ( في غزوة بدر مثلا)، و مع ذلك يتلمس جديدا في التوراة المُحرف المنسوخ..
حُق للمصطفى أن يغضب و يأنف من أن يتشوف  صحابته الكرام جديدا في الكتب المحرفة المنسوخة مع أن بينهم نورا مبينا (القرآن العظيم).
  جلي كذلك، أن الطليعة الأولى التي حملت لواء هذا الدين تمتلئ بفُيوضات قيم العزة و الأنفة و التحرر، نقف هنا عند مشهدين:
مشهد عمر رضي الله عنه إذ تسقط له دُرته و هو يمتطي دابة، فيأنف أن يناوله إياها أحد..
مشهد مكرور في الكتب و القصص، مشهد ربعي إذ يتكلم بكل عزة و ثقة و امتلاء عن زبدة الإسلام: ثورة تحررية و تحريرية شاملة..
حاصل الكلام، إن الله القوي المتين قاهر الجبارين و مذل المتكبرين الذي أرسل القرآن العظيم على رسوله  محارب الظالمين المتجبرين و قدر أن تتعاون معه عصبة مختارة رحيمة بينها شديدة على عتاة الكافرين الظالمين المتكبرين؛ إن الله جل و علا – و هو هذا – جاء بالإسلام لإيجاد مسلمين لا جبناء ( بتعبير الأستاذ بيغوفيتش )..
مسلمون أقوياء الصلة بالقوة المطلقة ( الله ) لا يكُفون عن الاستمداد منها، لا يحنون الجبهة لغيره جل في عُلاه.. يرفضون الظلم و التسلط و لو كان مثقال ذرة ( لأن ربهم يهتف: إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، يأنفون من الخنوع لأي استبداد أو غطرسة، يموتون من أجل الحرية و الكرامة..
و التاريخ يشهد لسنة لا تبديل لها: الحق يُنتزع و لا يعطى ! و بالتالي لا مفر من النضال من أجل استكمال انعتاقنا.
و للنضال ساحات، أولى ميادينه  العقول، أي النضال من أجل بناء وعي حضاري تحرري يمتاح من القيم التحررية الإسلامية الخالدة يلفت النظر إلى طبيعة الرحلة: رحلة الكدح إلى الله..
و له ميدان لا يقل أهمية، هو ميدان المعرفة و العلم، فبقدر علمك بقدر تحررك.. ( و اليوم في إطار مجتمع المعرفة: بات البقاء للأكثر إنتاجا و معرفة ).
و له ميدان هو المظاهرة، الوقفة، الاعتصام، الحلقية، الكلمة الحرة، و هو ميدان كذلك لا ينبغي التخلي عنه.. لأنه بقدر ما تضغط أكثر تنل حقك و تُصن كرامتك..
فلازم.. لازم النضال
مناسبة هذا الحديث، أحد أقربائي ( يحمل شهادة عليا)، اختار أن يقول لي ناصحا (بالأمازيغية ) : " حرش، أتكت زوند باك أتبنوت تكمي زوند نتان.. فتساع إنضال.. فتساع إنضال..  "..
منطوق كلامه: "اجتهد لتكن مثل أبيك؛ تبني منزلا مثله.. ابتعد عن النضال.. ابتعد عن النضال" ..
هذا الكلام، كثيرا ما قيل لي بصيغ متعددة، من طرف بعض الأساتذة و الأقارب، بعدما حصلت على شهادة الباكالوريا.
و هنا، أقول لهذا القريب – و من يفكر تفكيره – شكر الله سعيك و قبل نصيحتك. فنحن، لا نتكبر عن السماع لمن طرق بابنا ناصحا. و لكن لا نقبل من أحد، الوصاية على اختياراتنا.
و إذا كان بناء المنزل غاية غاياتك. فبصفتي إنسانا، هناك بعض المُثل التي تتحكم في أفعالي و توجه أحكامي، لأنني لم أعتبر أبدا المتعة و السعادة كغاية في حد ذاتهما، و أترك هذا النوع من الاستمتاع للأفراد الذين يحصرون حياتهم في غرائز الجماعة. و بالمقابل هناك مُثل أثارت مجهوداتي و مكنتني من أحيا، و هي الخير و الجمال و الحقيقة. و إذا لم أعاند من دون هوادة في تقفي أثر هذه المُثل؛ فإن الحياة عديمة المعنى بالنسبة لي. و الحال أن البشرية تثير شغفا بغايات مثيرة للسخرية، و هي الغنى و المجد و الترف، و كلها أشياء أمقتها.(1)
و في الختام، النضال ( و الجهاد ) الفكري من أجل البحث عن الحقيقة و المعنى و كنه الجمال، إلى أن نلقى الرحمان جل في علاه، ديدُنا. و النضال من أجل إشاعة الخير (المعروف )، مهمتنا. و النضال من أجل انتزاع الحق و احترام الكرامة و الذب عن الحرية و ترسيخ الديمقراطية في بلادنا، واجباتنا. و لا يعني هذا بأي حال من الأحوال، التهور في فعلنا أو تحوير سلم أولوياتنا ( الاجتهاد في التعامل مع ما تجود به منظومتنا التعليمية ) . لأنه اختيار واع مبني عن قناعة، و ما الأسطر أعلاه إلا شذرات لتأطير هذه القناعة و توضيح أصولها الفكرية.

(1) إنشتاين، كيف أرى العالم. ص: 7 8  . مطبعة النجاح الجديدة: البيضاء. الطبعة الثانية: 2012


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




لا ينكر الدور الكبير الذي قامت به الحركة الأمازيغية في المغرب إلا جاحد. فهي كحركة اجتماعية ذات بعد ثقافي، أسهمت إلى جانب حركات اجتماعية أخرى، في كتابة تاريخ مغرب ما بعد السبعينيات. و من الإنصاف، بصدق،  أن يُنعت قيدومها الأستاذ ابراهيم أخياط – شافاه الله و أطال عمره - بأحد أعلام المغرب المعاصر. 
الحركة الأمازيغية هي التي أعادت الحياة ل"الأمازيغية" ( قضية، إنسانا، لسانا، أدبا ..).
هي التي خلقت دينامية جديدة في المشهد الثقافي المغربي و أثارت أسئلة جديدة، أحرجت مجموعة من الفاعلين و المثقفين؛ حاول بعضهم التفاعل الإيجابي معها: تحدُث الدكتور المهدي المنجرة عن الأمازيغية و دعوته إلى العناية باللغة الأم منذ 1976 و اعتباره أن من باب الحرام منع الطفل من التواصل بلغة كان يسمعها في بطن أمه. الدكتور محمد جسوس أبدى مواقف أيجابية في إحدى ندوات دورات جمعية الجامعة الصيفية أواخر الثمانينات..
الحركة الأمازيغية أسهمت في خلق حس المواطنة لدى فئة من المواطنين: محاربة الأمية و تنمية الوعي في صفوف التجار في بداياتها. كما أنها التفتت بشكل جدي للمسألة الاجتماعية  في أبرز محطاتها؛ على سبيل المثال تأسيس جمعية الجامعة الصيفية جاء بعد ذهاب الأستاذ ابراهيم أخياط في صيف 1979 رفقة أسرته الصغيرة لمدينة أكادير قصد قضاء العطلة الصيفية هناك، و تأثره بالوضعية المزرية التي تسم المدينة و ما أصاب شبابها من ضياع..
الحركة الأمازيغية هي التي لها الفضل الأكبر في إقرار الحماية الدستورية للأمازيغية باعتبارها لغة رسمية في دستور 2011..  
الحركة الثقافية الأمازيغية هي إحدى المكونات الطلابية القليلة التي مازالت، نسبيا، تثير النقاش الفكري الجاد في رحاب الجامعة المغربية حول أسئلة الهوية و الثقافة و اللغة..
هذه حسنات الحركة الامازيغية التي لن تُخرم  بإساءات بعض المنتفعين من القضية الأمازيغية، أدعياء النضال من أجلها و المرتزقين حقيقة من الوهج الذي حظيت به في العُشرية الأخيرة.

لكن رغم هذه الإنجازات غير المنكورة للحركة الأمازيغية، هناك مشكل عويض تعاني منه القضية. فالحماية الدستورية و انتشار الكتابات عن الأمازيغية و أدبها و شعرها مكتسبات مهمة غير أن نسب التواصل باللغة الأمازيغية أكيد في تراجع و الواقع خير شاهد على ذلك. و بالتالي فشبح الانقراض مازال يهدد اللغة الأمازيغية. و إذا استمرت الأمور على هذه الحال، فلا قدر الله ستتحول الأمازيغية – مستقبلا – إلى لغة تراثية؛ تكون في خبر كان: و يتحدثُ آنذاك عن أدب مضى و شعر ولى يعبر عن تطلعات إنسان بلغة في عداد المنقرضين !
لا نتمنى ذلك، للغتنا الأم التي عاشت سنينا طوال و تعد بحق – كسائر الألسنة و اللغات – آية من آيات الله.   
مناسبة هذا الحديث؛ الامتعاض الذي يحس به – كاتب هذه السطور  – من قلة المتحدثين بالأمازيغية في العاصمة (الرباط)  بعدما جاء إليها لإتمام دراسته الجامعية قادما من مدينة تيزنيت. لدرجة أن أحد أصدقائه الذي ينحدر من ذات المدينة، و الذي يدرس في غير المؤسسة التي يتابع دراسته بها، عبر لأحدهم قائلا: ألتقي بصديقي (أيوب) لأتحدث معه بلغتي التي كدتُ أن أنساها من فرط عدم استعمالها في أوساط طلبة المؤسسة التي أدرس بها !

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]














تنزيلا لما آمنت به منذ اليوم الاول أصدرت هيئة تحرير مجلة الصحوة العدد الرابع . و يضم العدد مجموعة من المحتويات التي تواصل المسيرة و الرسالة التي اعتنقتها و ناضلت من اجل شيوعها ..منذ ولادة الفكرة.
و تجدر الاشارة الى أن دورية الصحوة واجهة اعلامية لعمل ثقافي يروم صحوة راشدة في الساحة التلمذية تعيد طرح سؤال هوية التلميذ المغربي و تعمل على خلخلة وعيه و نفض الغبار عن الركام الذي علق بفكره.
و يحوي هذا العدد باقة من المواد التي تستحث همم التلاميذ نحو القمم، منها : التلميذ بين الوعي و النسيان، التلاميذ و السياسة ، لا للغش ، تطورات القضية الفلسطينية في ظل الربيع الديبمقراطي ، الى متى سنظل في بلد " باك صاحبي" ـ علاوة على حوار مع احد الطلبة القدماء النشطاء سابقا بثانوية الحسن الثاني في مدينة تيزنيت.


للتواصل مع إدارة المجلة:  mag.sahwa@gmail.com
...تابع القراءة