? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]






الحركة الإسلامية المعاصرة، منذ ميلادها في العقود الأولى من القرن الماضي حملت أشواق إخراج الأمة من حالة التيه. تناسلت عدة أحداث بعد النشأة و الميلاد و اشتداد العود حتى وصلنا إلى مرحلة المد و الجزر بين بذور الانتفاضة و جذور الاستبداد.. السؤال الذي يبقى دائما متجددا، ما الذي بقي من دور للحركة الإسلامية  في المرحلة الراهنة ؟
شعار "إقامة الدولة الإسلامية"، من المؤكد أنه بات مهلهلا. فخطاب الحركة الإسلامية الناضجة استبعد هذا الشعار. تحرير فلسطين، لا ريب، أن الحركة الإسلامية المقتدرة "حماس"( و معها حركة "الجهاد" أيضا) مازالت وفية لخط الكفاح و ثابتة على هدف التحرير الشامل، و غير خاف، أن كل الحركات الإسلامية على ذات المساق.. 
لكن القضية الجديدة، التي تشكل تحديا واضحا للحركة الإسلامية، هي التغول السافر للنزعة الاستهلاكية في أوساط مجتمعاتنا. هذه النزعة التي تحطم الإنسان و استعداداته للعطاء؛ تشكل خطرا يفوق، في تقديري، التحدي الفكري الذي واجهته الحركة الإسلامية في العقود الماضية. لأن هذا التحدي الفكري ( سواء الماركسي أو الليبرالي ) ساهم بطريقة أو بأخرى في تنضيج خطاب الحركة الإسلامية. أما التحدي الجديد، فخطبه أشد لأنه، من جهة، يقتل قابلية التضحية من أجل المجتمع و الأمة في نفوس الأفراد بل يسهم في فتور جاهزية أبناء الحركة الإسلامية للعطاء بلا أخذ و خدمة الناس بلا طمع..
المسلم المعاصر أمام هجمة موجة الاستهلاك يفقد كليته الإنسانية و بوصلته القيَمية  و بالتالي يحتاج إلى عقيدة صافية نقية تستند إلى المرجعية القرأنية (لا تعقيدات في فهمها و لا حاجة لاستحضار الجدالات التي دارت بشأنها في القرون الأولى في "علم الكلام") كما يحتاج إلى حاسة قوية "التقوى"  تكبح المنزع الاستهلاكي أو على الأقل تهذبه.
من هنا، الحركة الإسلامية من واجبها في المرحلة الراهنة، أن تنحو منحى التبسيط من غير إخلال في خطابها، تُذكر بقيمتين إسلاميتين خالدتين كفيلتين بمجابهة السيولة الاستهلاكية.
-          قيمة "التقوى": هي إبداع إسلامي خالص، تشير لشعور دفين في أعماق وعي المسلم تجاه كل سلوك مناف للشرع و كل تساهل في القيام بالواجب. تُشكل  حصنا منيعا للمُتشبث بها أينما كان. هي المَقود الذي يقود المسلم إلى الإحسان في المعاملة و العمل و نبذ الغش و الكذب. هي الحاجز النفسي الذي يدفع عنه نزوعات التهام كل الأطعمة و ارتداء كل الألبسة  و امتلاك مختلف الهواتف الذكية و الالتصاق بجديد السيارات الفارهة و اللهث وراء ألوان مساحيق التجميل المُزينة.. 
-          قيمة "التحرر": هي التحرر من كل المعبودات من دون الله جل في علاه. تفوق أهميتها من وجهة نظر إسلامية المعاني التي تُلبس لها من اليسار عموما. لأنها رفض للضيم و الاستبداد، نعم، مواجهة للظلم و الطغيان، نعم، حرب على الاستغلال و الاستعمار، نعم.. و تهذيب راشد لنوازع النفس المادية أيضا و الاستهلاكية منها خصوصا. هي ذات القيمة التي تحرك أبطال المقاومة في غزة العزة إذ يكتفون في مشهد مهيب و في شهر عظيم (رمضان) بالفطور بنصف ثمرة بعدما انقطعت بهم السبل في عملية بطولية (المكوث في الأنفاق ما يقارب العشرين يوما).

أمام الحركة الإسلامية، الصادقة في خدمة الدين و الأمة و الوطن، رهانات كثيرة في المرحلة الراهنة. عموما هذه الرهانات تنحو إلى اتجاهين؛ اتجاه تصفية الأفكار و القيم الميتة، التي تفرز ظاهرة "الداعشية" و "الجهاد بلا بوصلة" أي الإرهاب بصفة عامة و قتل الأبرياء و التي تؤدي أيضا إلى  التضخم الشكلاني في التدين و التطرف السلوكي و معاداة الاختيار الديمقراطي و استعداء أفراد المجتمع و تكريس الطائفية فيه. و الاتجاه الثاني يصب في إطار تصفية الأفكار و القيم القاتلة، التي تدعم النزعات الاستهلاكية الجارفة  و تروج للقيم المادية المسمومة و تقتل حس الانتماء للوطن و الأمة و تعادي خيار التحرر و المقاومة في القضايا المصيرية كالقضية الفلسطينية.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





إن مشكلة المعنى في وجدان الإنسان المعاصر إذا لم نلتفت إليها بشكل جدي، فحتما لن نجد حلولا للانحرافات الاجتماعية التي نواجهها. هذه المقالة محاولة أولية لمقاربة سؤال: كيف نحس بالمعنى؟ أي كيف نستعيد الذاكرة و نؤمن بالقضية؟

1-      التأمل و التفكير الناقد:

إن التفكير الناقد و التساؤل المستمر و القراءة المتدبرة مدخل ضامن لولوج عالم المعنى: عالم الإنسان الحقيقي المحفوف بالأسرار و الحكم. كما أنه محاربة لتبلد الحس و إزاحة للركام العالق بالفطرة و الاستغراق المُشين للإنسان في حمأة المادية.
    
إن التجربة الإيمانية للأنبياء سلام الله عليهم تؤكد أنهم – خصوصا في بداياتهم -  في رحلة ممتدة عبر الزمان و المكان للتأمل في معنى الحياة و  استكناه عميق لرسالة الإنسان. فهذا خليل الرحمان يتأمل في سر الحياة و خالقها و يحاول أن يتلمحه في الشمس و القمر.. إلى أن وجد الرحمان. و هذا رسولنا الكريم يختلي مرارا بنفسه في غار حراء قُبيل البعثة لعله يرمق الفجر من بعيد..
كما أن التجربة الفكرية للفلاسفة و المفكرين لصيقة بالتأمل في كنه و معنى الحياة. فهذا سقراط يقضي ساعات طويلة تحت الشمس اللافحة (من الفجر إلى الظهيرة) يستغرق في التأمل. و هذا ديكارت لم يخرج من خلوته ( في قرية  بألمانيا ) في إحدى أيام نونبر سنة  1619 ( عمره آنذاك 23  سنة ) إلا بعد أن بزغ له الصبح و اتضحت له معالم المنهج بعد كبد التأمل؛ إذ كان يقضي اليوم كله وحده منصرفا إلى التفكير. و هذا نيتشه لم يخرج بإعلانه الشهير في صورة" زرادشت": لقد ماتت جميع الآلهة، و نريد الآن أن يعيش الإنسان الأعلى (السوبرمان). لم يخرج معلنا المعنى الذي لاح له في الحياة إلا بعد عزلة تأملية في قمم جبال الألب..

2-      قراءة سير المناضلين من أجل القيم الشامخة:

من الوسائل الرائدة في توجيه الإنسان – خصوصا في مطلع شبابه – إلى استعادة المعنى؛ إدمان قراءة السير و التراجم.
 و البداية، من الأهمية بمكان، أن تكون مع الأنبياء و المرسلين حملَة قيم التحرر و رسالة التحرير للعالمين و على رأسهم محطم الطواغيت رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم. فالاطلاع على مسيرة تحملهم للضيم في سبيل دعوة الناس للتحرر من الدينونة للآلهة الزائفة و توحيد رب العالمين، تدفع الإنسان لاستصغار نفسه؛ إذ تلوح له حقارة اهتماماته و تفاهتها أمام الانشغالات الحقيقية التي ينبغي أن يعانقها من تذكير الناس بربهم و النضال من أجل تحررهم..
إلى جانب الصفحات المشرقة للأنبياء و المرسلين، تأتي سير الصحابة (و الصحابيات) و سير الصالحين  (و الصالحات) لتعمق بدورها القيم الشامخة المطلوبة في وجدان الإنسان  خصوصا عندما لا يزال متمتعا بقابلية التغيير في مطلع شبابه.
 إضافة إلى  سير رموز الحركة الوطنية و الإسلامية و الأمازيغية التي تنضح بالإشارات اللطيفة للآثار الإيجابية المستقاة من اعتناق قضية  و الفناء من أجل الفكرة و النضال من أجل الهوية و الكرامة و الحرية. هي شهادات بشرية حية تحطم ادعاءات الذين يقولون للشباب (طلبة و تلاميذ): حذار من الانتماء إلى فكرة أو التحيز لمشروع و رؤية.. !
إن سير هؤلاء تؤكد أن خط التفاني من أجل الفكرة و القضية ( و أشرف به من خط ! إن كان خط تذكير الناس بربهم و رسالتهم و المنافحة عن حريتهم و حقوقهم) و خط الاقتدار العلمي: خطين متوازيين.. يتساوقان.
إنها سير منيرة حقا تشير إلى أن التلميذ و الطالب اللذان لم يحددا انتماءا إلى فكرة و لا ولاءا لقضية و لا وفاءا لمشروع و لا اعتقادا بمبدأ ( نقصد هنا الولاء و الاعتقاد النسبي. و عادة  ما ينزع الإنسان في بداية رحلته الفكرية  نحو الإطلاقية و الوثوقية و كلما قرأ أكثر و تأمل في الحياة ارتقى نحو الإيمان بنسبية الأفكار و الرؤى و المشاريع و نحو العض بالنواجذ على المقولة المالكية الذهبية: "كل يؤخذ من كلامه و يُرد إلا صاحب هذه الروضة الشريفة: روضة الرسول صلى الله عليه و سلم "). إنه ما لم يعانق قيمة معنوية و استرخص حياته من أجلها، من اليقين  أنه سيفتقد معنى الحياة و لذة النضال على درب الكبار..

بكلمة، بالتأمل و الخروج من الألفة الغافلة و قراءة سير ذوي المعادن الأصيلة من البشر،  يحاول الإنسان أن يصل إلى معناه و ينسحق من عالم المادة الأملس و يتيقن أنه إنسان !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]







سبق في مقالة "لماذا ينحرف الناس؟" أن أشرنا إلى أن منشأ الانحرافات السلوكية يعود بالأساس إلى فقدان المعنى. هنا في هذه المقالة، سنتوقف على خلفيات هذا الفقدان، أو قل معاني فقدان المعنى..
تطفح صحة مجتمعنا بعدة أمراض اجتماعية فتاكة تعيق مسيرة النهوض، لا بد من تسليط الضوء عليها للحد من انتشارها و الحيلولة دون انتقالها إلى الأجيال الصاعدة. أبرز هذه الأمراض: مرض فقدان الذاكرة و مرض فقدان القضية.  كلها تؤدي إلى الإصابة بفقدان المعنى في الحياة.

1.     فقدان الذاكرة:

من الأمراض التي تشل وجود الإنسان؛ مرض فقدان الذاكرة. هذا مرض معروف في الميدان الطبي. لكن ثمة أناس كُثر، مازالوا في ريعان شبابهم، يحتفظون بذاكرتهم: يعرفون أسماءهم، أسماء الأماكن و الأشياء، يميزون أقاربهم و معارفهم... لكنهم، مع الأسف، يعانون من فقدان الذاكرة العمودية و ذاكرة الوطن و ذاكرة الأمة و الذاكرة الإنسانية..
الذاكرة العمودية، تعبير للدكتور طه عبد الرحمان، يشير إلى العلاقة مع الله جل في عُلاه. الإنسان يفقد هذه الذاكرة، رويدا رويدا، حينما يغوص في أوحال الذنوب دون محاولة أوبة، حينما يقطع الصلة العميقة المتمثلة في الصلاة، حينما يتبلد حسه و يغرق في الألفة الغافلة فيعدم التأثر و الانفعال و التساؤل حول فرادة  خلقته و عظمة تكوينه و سعة العالم من حوله و أسرار الموت الذي يخطف الأرواح غيلة و ما بعد الموت من رحلة..
و من الطبيعي أن فقدان هذه الذاكرة العظيمة، التي توجه الإنسان في مسيرة الكدح في هذه الدنيا "حتى لا يطغى"،  يؤدي إلى فقدان ذاكرات أخرى: ذاكرات الهوية و الانتماء؛ ذاكرة الوطن و ذاكرة الأمة و ذاكرة الإنسانية.. فالله جل في علاه هو القائل: (و لا تكونوا كالذين نسُوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون). سورة الحشر:19؛ محذرا المؤمنين – على إيمانهم - من الإصابة بمرض فقدان الذاكرة العمودية، مرض نسيان رب العالمين. هذه الآية الكريمة (19 من سورة الحشر) مسبوقة بآية أخرى تحدد المعنيين بالتوجيه. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). سورة الحشر:18.
نسيان الله، إذن، مدعاة لنسيان النفس. و النفس هنا، قد تكون موحية بمعنى عام؛ الفرد نفسه، انتماؤه الوطني، عمقه الحضاري: الأمة الإسلامية.. فالذي فقد ذاكرته العمودية، من السهل أن ينخرط في عملية انتحار بطيء: تناول المخدرات و المسكرات و السجائر.
 الذاكرة الوطنية، هي حاضنة لملاحم و سير رموز الوطن المخلصين (على اختلاف مشاربهم و ألوانهم الفكرانية) في التفاني في بنائه و العمل على نهضته. فهي ذاكرة، واجب على الإنسان، منذ مطلع شبابه؛ أن يعمل على شحذها. لأنه بالالتحام، مع هذه الذاكرة و مناراتها و فضاءاتها، يحدد المرء بوصلته و موقعه ضمن ذات حلقة البناء: بناء الوطن. و هذا الالتحام وحده قمين بدفعه للترفع عن الدنايا و سفاسف الاهتمامات.. و بالمقابل فقدان هذه الذاكرة، واضح أنه فقدان لمعنى الانتماء لهذا الوطن، فقدان لمعنى الحياة على الأرض، فقدان لعبق التاريخ.. سقوط في الأنانية، و الدوران حول اللذة و المادة.. حرمان ذاتي من معنى معانقة قيمة الوطنية و حمل هموم و تطلعات الكبار: الكبار في صدقهم و إخلاصهم للوطن و أبناء الوطن..
و ذاكرة الوطن جزء من ذاكرة الأمة الواسعة، و الالتحام بالأولى لا يُغني عن الاغتراف من معين الثانية. محور دوران ذاكرة الأمة قائم على تاريخ الصعود و الأفول في محاولات القيام بواجب الشهادة و النهوض علاوة على قضايا الطريق كقضية فلسطين.
الاحتفاظ بالذاكرة الإنسانية، هو الانتفاع من كدح الإنسان الفكري و جهده في الإجابة عن القلق الوجودي؛ من ذلك معرفة سير عظماء المفكرين و العباقرة و قادة الحركات التحررية و كل من أفنى عمره في خدمة البشرية و الترفع عن الأنانية و اللذة الشخصية، مع اطلاع حسب المُتاح على زبدة أفكارهم و خلاصات بحوثهم و اكتشافاتهم.
حاصل الكلام، هنا، إن معاول الهدم و التخريب وجهتها الأولى هي تعميق الهُوة بين الإنسان و ذاكرته بمختلف أبعادها. و بالتالي لا مفر من جعل صيانة هذه الذاكرة، بمختلف أبعادها دائما، من أوكد الواجبات.

. فقدان القضية:

من الأمور المساهمة بقوة، في تقديري، في فقدان المعنى في الحياة و الارتماء في سخافة الاهتمامات مرض "فقدان القضية" و هو نتيجة طبيعية و تلقائية للمرض الأول "فقدان الذاكرة".
فقدان القضية؛ فقدان للرسالة، فقدان للانخراط في معالجة أي إشكال، فقدان لحمل أي هَم، فقدان للذة النضال من أجل قيمة من القيم أو ملف من الملفات، فقدان لطمأنينة خدمة الناس بلا أخذ و راحة العطاء و البذل بلا مقابل. مرض كهذا، هو سجن حيثُ العذابات النفسية و الراحة السطحية المتصنعة، أسرٌ في ظلال تفكير مهووس بالسيارة الفارهة و المنزل الفخم و الهاتف الذكي و الزوجة (أو الخليلة) الحسناء. إنه مرض مثيل للموت، أو قل إنه الموت؛ فماذا تعني حياة التفاهة؛ تكرار عمل يومي رتيب بلا روح و لا إبداع و تزود من السوق و أكل و نوم و هكذا دواليك.. هكذا بدون حمل قضية أو اعتناق فكرة أو الدفاع عن قيمة مطلقة.. ماذا تعني هذه الحياة، غير البؤس و الشقاء و الموت؟
القضايا، المقصودة هنا، لها صلة قوية بأبعاد الذاكرة التي سبق الحديث عنها.
فمن عانق قضية الذاكرة العمودية بصدق، استشعر أن واجبه هو تذكير الناس بربهم، و من ثم عليه الاجتهاد قدر المستطاع في تجديد الوسائل للقيام بذلك.
و من التحم بالذاكرة الوطنية، اتضح له أن قضيته هي تعريف الأجيال الصاعدة برموز وطنهم و زعاماته ( الدعوية، الفكرية، العلمية، السياسية) أولى الأولويات حتى يتعلقوا بالقدوة الصالحة المنيرة.
و من التفت إلى ذاكرة الأمة و الإنسان، جعل قضيته الأولى هي العمل على بلورة وعي جمعي في محيطه – على الأقل- وعي تحرري حضاري و حس يقظ تجاه قضايا الأمة و وعي متبصر تجاه أسئلة الإنسان الوجودية و الفكرية مع التعريف دائما بسير رموز الأمة و كل الذين قدموا خدمة غالية للإنسانية. 
و نحن – كمجتمع  مغربي بعمقه الحضاري الإسلامي - في هذه المرحلة التاريخية في حاجة إلى كل هؤلاء، إلى كل من يقتطع من وقته و يضحي من أجل الجماعة، إلى كل من لم يفقد المعنى و يغار عليه، إلى من يُذَكرنا بربنا حق تذكير و يبصرنا بدورنا و يسلط الضوء على سير رموزنا و جهد الإنسانية من أجل حل مشكلاتها.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




المتأمل في السلوكات النشاز (دينا و عقلا و قانونا) التي يقوم بها الناس، لا شك أنه سيتلمح خيطا وراءها يفسر لماذا يلجأ الناس إليها.
صنم كرة القدم، إله أرضي يحظى بعبادة منقطعة النظير في العقود الأخيرة؛ يتسمر الإنسان (سواء كان شابا أو كهلا) أمام الشاشة أو مباشرة في الملاعب ساعات، و يتابع بحماس "هستيري" المباراة، قد يُضحي بكل شيء من أجل هذه المتابعة. عينُه على المرمى: متى تُقذف الكرة فتخترق الشباك ! ينفعل وجدانيا مع نتائج المباراة بشكل مثير، يصفق، يصرخ، يحزن.. ! يضمر هذا الانفعال و يغيب تجاه قضايا الوطن و الأمة و المصير..
ألا يؤشر هذا الفعل ( المتابعة المتلهفة، التضحية بأوقات غالية، لرؤية (كرة !) تتلاعب بها الأقدام في انتظار اختراقها للشباك)، حقيقة على أزمة فقدان المعنى لدى هذا المتابع ؟
هنا، لا نتحدث عن الكرة كرياضة من شأنها صقل الجسم بل نقصد رأسا هذه المتابعة غير العادية لمختلف البطولات و الأندية و المباريات.
أعتقد، أن هذا المتابع  فقد المعنى في الحياة  و صار يتابع وهم المباريات لعله يجد معنىً في الهدف الذي يُسدد صوب المرمى بعدما فقد الهدف الحقيقي في الحياة.
المُسكرات و المخدرات و كل ما من شأنه تغييب العقل و الوعي، آلهة لها سدنة كُثُر. لماذا؟ باختصار، لأن الإنسان تلوح له الحياة و كأنها استنفذت أغراضها و لا معنى فيها؛ فيستقر تفكيره على أن المعنى: ربما، هناك في المخدر !
الموسيقى الصاخبة، التي تثوي دعوة إلى العبث و التفاهة و الرائجة في العُلب الليلية؛ من الواضح أن أصحابها فقدوا ذات المعنى في الحياة و صاروا يتلمحون التفاهة في قالب موسيقي مجسدة لهذا الغائب (أي المعنى). أتحدث عن أمثال on va danser. C’est la vie. La. La. أما الفن عموما ( و منه الموسيقى ) فهو تعبير أصيل عن أشواق  الإنسان و كبده المستمر بحثا عن المعنى.
التعامل غير اللائق و غير المناسب مع القرآن الكريم، من طرف بعض الناس ( الصراخ في قراءته و التغني بألفاظه )، لا يؤشر – ربما – سوى على بؤس معنى القرآن الكريم لدى هؤلاء الناس؛ فقد تحول من منارة هادية تجعل الإنسان يرنو ببصره إلى بعيد و يتطلع لرضوان رب العالمين إلى ألفاظ يُصرخ بقراءتها.
التضخم الشكلاني الذي يبديه بعض المتدينين، يعكس فقدانهم للمعنى العميق للانتماء لهذا الدين(= سبر أغوار معاني الاستخلاف و العبودية)؛ إذ صارت علامات التدين مختزلة في قوالب و صور معينة.

بكلمة، إن مشكلة المعنى هي أم المشكلات. و فقدان المعنى هو منشأ الانحرفات السلوكية بالأساس. و عالم اليوم، عالم ما بعد الحداثة، يوجه الإنسان لهذه الوهاد بإغراقه في الاستهلاك و إفراغه من كل معنى و انتماء.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




الدكتور علي شريعتي، في نقطة  منهجية ذكية و مهمة، يعتبر أن فهم دين معين (أو أي منهج حياة) و سبر خصائصه ينطلق من معرفة واستيعاب : الإله المقصود بالعبادة في ذلك الدين، كليات كتابه المرجعي المؤسس، صفات المُبشر بالدين و حامل رسالته، سمات الطليعة الأولى المؤمنة بالدين و الساعية لنشره..
من هذا المنطلق المنهجي نتعامل مع الإسلام، في محاولة لاستجلاء إحدى الخصائص التي يريد أن تتمكن من نفوس معتنقيه.
أكيد أن الله الذي جاء الإسلام  داعيا إلى توحيده؛ هو رحمان، رحيم، رؤوف، كريم.. لكنه كذلك، جبار شديد العقاب يُذل المتكبرين و الظالمين، يأنف من رؤية الظلم ينتشر و ينتصر فيمهل فقط و لا يهمل.. ( كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز). سورة المجادلة: 20.
واضح أن القرآن العظيم لكونه كلام الإله الواحد الأوحد القوي المتين، فإن خطابه ينضح بالتحدي.. ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) واليقين .. ( فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار ). سورة البقرة:22-23.
و إذا كان الكتاب المرجعي المؤسس ( القرآن العظيم) يفيض بمعاني العزة و الأنفة ( مع التذكير بالتواضع دائما للمتواضعين : أشداء على الكفار رحماء بينهم ) و يوجه خطابه الممتد زمانا و مكانا للمؤمنين برسالته: (فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين). سورة آل عمران: 175 .
فلا ريب أن يكون رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم أول المناضلين ضد الظلم و التكبر و الإهانة و أول  الداعين إلى القيم التحررية و المنتصرين لفضائل العزة و الأنفة.. من المرويات الشهيرة في هذا الصدد؛ أن الرسول صلى الله عليه و سلم لما رأى عمرا بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صحيفة "التوراة"، استشاط غضبا و قال (أو ما معناه): و الله لو كان موسى حيا ما حق له إلا أن يتبعني. لعلها الأنفة هي التي حركت وجدان المصطفى. فعمر رضي الله عنه يعيش مع المصطفى و شهد بعينه ربما حتى بعض لحظات نزول الوحي و على الأقل حضور جبريل في درسه التعليمي ( في حديث جبريل المشهور في الأربعين النووية) و  مجموعة من المشاهد التي يتضح فيها تأييد الله للجماعة المؤمنة ( في غزوة بدر مثلا)، و مع ذلك يتلمس جديدا في التوراة المُحرف المنسوخ..
حُق للمصطفى أن يغضب و يأنف من أن يتشوف  صحابته الكرام جديدا في الكتب المحرفة المنسوخة مع أن بينهم نورا مبينا (القرآن العظيم).
  جلي كذلك، أن الطليعة الأولى التي حملت لواء هذا الدين تمتلئ بفُيوضات قيم العزة و الأنفة و التحرر، نقف هنا عند مشهدين:
مشهد عمر رضي الله عنه إذ تسقط له دُرته و هو يمتطي دابة، فيأنف أن يناوله إياها أحد..
مشهد مكرور في الكتب و القصص، مشهد ربعي إذ يتكلم بكل عزة و ثقة و امتلاء عن زبدة الإسلام: ثورة تحررية و تحريرية شاملة..
حاصل الكلام، إن الله القوي المتين قاهر الجبارين و مذل المتكبرين الذي أرسل القرآن العظيم على رسوله  محارب الظالمين المتجبرين و قدر أن تتعاون معه عصبة مختارة رحيمة بينها شديدة على عتاة الكافرين الظالمين المتكبرين؛ إن الله جل و علا – و هو هذا – جاء بالإسلام لإيجاد مسلمين لا جبناء ( بتعبير الأستاذ بيغوفيتش )..
مسلمون أقوياء الصلة بالقوة المطلقة ( الله ) لا يكُفون عن الاستمداد منها، لا يحنون الجبهة لغيره جل في عُلاه.. يرفضون الظلم و التسلط و لو كان مثقال ذرة ( لأن ربهم يهتف: إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، يأنفون من الخنوع لأي استبداد أو غطرسة، يموتون من أجل الحرية و الكرامة..
و التاريخ يشهد لسنة لا تبديل لها: الحق يُنتزع و لا يعطى ! و بالتالي لا مفر من النضال من أجل استكمال انعتاقنا.
و للنضال ساحات، أولى ميادينه  العقول، أي النضال من أجل بناء وعي حضاري تحرري يمتاح من القيم التحررية الإسلامية الخالدة يلفت النظر إلى طبيعة الرحلة: رحلة الكدح إلى الله..
و له ميدان لا يقل أهمية، هو ميدان المعرفة و العلم، فبقدر علمك بقدر تحررك.. ( و اليوم في إطار مجتمع المعرفة: بات البقاء للأكثر إنتاجا و معرفة ).
و له ميدان هو المظاهرة، الوقفة، الاعتصام، الحلقية، الكلمة الحرة، و هو ميدان كذلك لا ينبغي التخلي عنه.. لأنه بقدر ما تضغط أكثر تنل حقك و تُصن كرامتك..
فلازم.. لازم النضال
مناسبة هذا الحديث، أحد أقربائي ( يحمل شهادة عليا)، اختار أن يقول لي ناصحا (بالأمازيغية ) : " حرش، أتكت زوند باك أتبنوت تكمي زوند نتان.. فتساع إنضال.. فتساع إنضال..  "..
منطوق كلامه: "اجتهد لتكن مثل أبيك؛ تبني منزلا مثله.. ابتعد عن النضال.. ابتعد عن النضال" ..
هذا الكلام، كثيرا ما قيل لي بصيغ متعددة، من طرف بعض الأساتذة و الأقارب، بعدما حصلت على شهادة الباكالوريا.
و هنا، أقول لهذا القريب – و من يفكر تفكيره – شكر الله سعيك و قبل نصيحتك. فنحن، لا نتكبر عن السماع لمن طرق بابنا ناصحا. و لكن لا نقبل من أحد، الوصاية على اختياراتنا.
و إذا كان بناء المنزل غاية غاياتك. فبصفتي إنسانا، هناك بعض المُثل التي تتحكم في أفعالي و توجه أحكامي، لأنني لم أعتبر أبدا المتعة و السعادة كغاية في حد ذاتهما، و أترك هذا النوع من الاستمتاع للأفراد الذين يحصرون حياتهم في غرائز الجماعة. و بالمقابل هناك مُثل أثارت مجهوداتي و مكنتني من أحيا، و هي الخير و الجمال و الحقيقة. و إذا لم أعاند من دون هوادة في تقفي أثر هذه المُثل؛ فإن الحياة عديمة المعنى بالنسبة لي. و الحال أن البشرية تثير شغفا بغايات مثيرة للسخرية، و هي الغنى و المجد و الترف، و كلها أشياء أمقتها.(1)
و في الختام، النضال ( و الجهاد ) الفكري من أجل البحث عن الحقيقة و المعنى و كنه الجمال، إلى أن نلقى الرحمان جل في علاه، ديدُنا. و النضال من أجل إشاعة الخير (المعروف )، مهمتنا. و النضال من أجل انتزاع الحق و احترام الكرامة و الذب عن الحرية و ترسيخ الديمقراطية في بلادنا، واجباتنا. و لا يعني هذا بأي حال من الأحوال، التهور في فعلنا أو تحوير سلم أولوياتنا ( الاجتهاد في التعامل مع ما تجود به منظومتنا التعليمية ) . لأنه اختيار واع مبني عن قناعة، و ما الأسطر أعلاه إلا شذرات لتأطير هذه القناعة و توضيح أصولها الفكرية.

(1) إنشتاين، كيف أرى العالم. ص: 7 8  . مطبعة النجاح الجديدة: البيضاء. الطبعة الثانية: 2012


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




لا ينكر الدور الكبير الذي قامت به الحركة الأمازيغية في المغرب إلا جاحد. فهي كحركة اجتماعية ذات بعد ثقافي، أسهمت إلى جانب حركات اجتماعية أخرى، في كتابة تاريخ مغرب ما بعد السبعينيات. و من الإنصاف، بصدق،  أن يُنعت قيدومها الأستاذ ابراهيم أخياط – شافاه الله و أطال عمره - بأحد أعلام المغرب المعاصر. 
الحركة الأمازيغية هي التي أعادت الحياة ل"الأمازيغية" ( قضية، إنسانا، لسانا، أدبا ..).
هي التي خلقت دينامية جديدة في المشهد الثقافي المغربي و أثارت أسئلة جديدة، أحرجت مجموعة من الفاعلين و المثقفين؛ حاول بعضهم التفاعل الإيجابي معها: تحدُث الدكتور المهدي المنجرة عن الأمازيغية و دعوته إلى العناية باللغة الأم منذ 1976 و اعتباره أن من باب الحرام منع الطفل من التواصل بلغة كان يسمعها في بطن أمه. الدكتور محمد جسوس أبدى مواقف أيجابية في إحدى ندوات دورات جمعية الجامعة الصيفية أواخر الثمانينات..
الحركة الأمازيغية أسهمت في خلق حس المواطنة لدى فئة من المواطنين: محاربة الأمية و تنمية الوعي في صفوف التجار في بداياتها. كما أنها التفتت بشكل جدي للمسألة الاجتماعية  في أبرز محطاتها؛ على سبيل المثال تأسيس جمعية الجامعة الصيفية جاء بعد ذهاب الأستاذ ابراهيم أخياط في صيف 1979 رفقة أسرته الصغيرة لمدينة أكادير قصد قضاء العطلة الصيفية هناك، و تأثره بالوضعية المزرية التي تسم المدينة و ما أصاب شبابها من ضياع..
الحركة الأمازيغية هي التي لها الفضل الأكبر في إقرار الحماية الدستورية للأمازيغية باعتبارها لغة رسمية في دستور 2011..  
الحركة الثقافية الأمازيغية هي إحدى المكونات الطلابية القليلة التي مازالت، نسبيا، تثير النقاش الفكري الجاد في رحاب الجامعة المغربية حول أسئلة الهوية و الثقافة و اللغة..
هذه حسنات الحركة الامازيغية التي لن تُخرم  بإساءات بعض المنتفعين من القضية الأمازيغية، أدعياء النضال من أجلها و المرتزقين حقيقة من الوهج الذي حظيت به في العُشرية الأخيرة.

لكن رغم هذه الإنجازات غير المنكورة للحركة الأمازيغية، هناك مشكل عويض تعاني منه القضية. فالحماية الدستورية و انتشار الكتابات عن الأمازيغية و أدبها و شعرها مكتسبات مهمة غير أن نسب التواصل باللغة الأمازيغية أكيد في تراجع و الواقع خير شاهد على ذلك. و بالتالي فشبح الانقراض مازال يهدد اللغة الأمازيغية. و إذا استمرت الأمور على هذه الحال، فلا قدر الله ستتحول الأمازيغية – مستقبلا – إلى لغة تراثية؛ تكون في خبر كان: و يتحدثُ آنذاك عن أدب مضى و شعر ولى يعبر عن تطلعات إنسان بلغة في عداد المنقرضين !
لا نتمنى ذلك، للغتنا الأم التي عاشت سنينا طوال و تعد بحق – كسائر الألسنة و اللغات – آية من آيات الله.   
مناسبة هذا الحديث؛ الامتعاض الذي يحس به – كاتب هذه السطور  – من قلة المتحدثين بالأمازيغية في العاصمة (الرباط)  بعدما جاء إليها لإتمام دراسته الجامعية قادما من مدينة تيزنيت. لدرجة أن أحد أصدقائه الذي ينحدر من ذات المدينة، و الذي يدرس في غير المؤسسة التي يتابع دراسته بها، عبر لأحدهم قائلا: ألتقي بصديقي (أيوب) لأتحدث معه بلغتي التي كدتُ أن أنساها من فرط عدم استعمالها في أوساط طلبة المؤسسة التي أدرس بها !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]














تنزيلا لما آمنت به منذ اليوم الاول أصدرت هيئة تحرير مجلة الصحوة العدد الرابع . و يضم العدد مجموعة من المحتويات التي تواصل المسيرة و الرسالة التي اعتنقتها و ناضلت من اجل شيوعها ..منذ ولادة الفكرة.
و تجدر الاشارة الى أن دورية الصحوة واجهة اعلامية لعمل ثقافي يروم صحوة راشدة في الساحة التلمذية تعيد طرح سؤال هوية التلميذ المغربي و تعمل على خلخلة وعيه و نفض الغبار عن الركام الذي علق بفكره.
و يحوي هذا العدد باقة من المواد التي تستحث همم التلاميذ نحو القمم، منها : التلميذ بين الوعي و النسيان، التلاميذ و السياسة ، لا للغش ، تطورات القضية الفلسطينية في ظل الربيع الديبمقراطي ، الى متى سنظل في بلد " باك صاحبي" ـ علاوة على حوار مع احد الطلبة القدماء النشطاء سابقا بثانوية الحسن الثاني في مدينة تيزنيت.


للتواصل مع إدارة المجلة:  mag.sahwa@gmail.com
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


أكيد أن المطلع على اللجنة الجديدة لإصلاح منظومة التعليم  ( المتمثلة في المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي )  سيتأكد من جديد أن مذبحة منظومتنا مستمرة إلى أن يرحمنا رب العالمين.

أولا؛ قد ينخدع المستمع و المشاهد لوسائل الإعلام الرسمي من إعلانها لأسماء الأعضاء و مهامهم أنها تحوي كل أطياف الشعب و أنها تغطي كل القطاعات. و الحال أن اللون الطاغي هو لون البام .. هو لون المتنفذين الذين جاؤوا من غُرف مكيفة ليُناقشوا شؤون الطالب و التلميذ.

ثانيا؛ المرجعية الفكرية المؤطرة لغالبية الأعضاء هي يسارية بالأساس، كأن أغلب المغاربة يدينون بما يدين به اليسار! بل ليسوا حتى من اليسار الذي وُلد  في أحضانه مناضلين كبار تُميزهم الغيرة الوطنية و الولاء للأمة و العداء للاستعمار و التكوين المتين. بل هم
 من اليسار المتهالك الذي صار متنفذا يُراكم الثروات.

ثالثا؛ من المعلوم أن الإصلاح الحقيقي للتعليم يجب أن يكون مبتدؤه و خبره هو : أي تلميذ نريد ؟  و أي مجتمع نريد بعد عشر سنين؟ لكن و الحال أن الخلفية الثاوية وراء تحليلات غالبية أعضاء اللجنة هي خلفية يسارية مادية. فلا حديث عندئذ إلا عن شح التجهيزات و قلة الطباشير و خصاص الأساتذة و المعلمين و ضرورة استعمال " الطابليت" ( اللوحة الالكترونية ) و لا مكان لمناقشة الأسئلة الكبرى و مُدارسة النماذج الثقافية التي نطمح أن يتمثلها مجتمعنا في الغد القريب.

رابعا؛ سُعداء بضَم تلاميذ للجنة بقدر ما  آسفون على منهجية الاختيار: فأي معيار استحق هؤلاء به أن يُمثلوا التلاميذ ؟
كما أننا نتأسف على اختيار جُل التلاميذ من شعبة العلوم الرياضية و التقنية*، كأن هؤلاء هم الأقدر على النقاش و اقتراح البدائل و الأفكار. و هذا لَعمري من أكبر الشائعات غلطا، إن تلميذ شعبة العلوم الرياضية و التقنية تلميذ آلة**؛ أي تلميذ يتعامل بكفاءة عالية مع الأرقام، نعم، مع المبرهنات، نعم، مع القوانين الفيزيائية، نعم.. لكن مع الأفكار و النماذج الثقافية و الحضارية، لا و ألفُ لا..

حاصل الكلام، أن الحاجة من جديد إلى صوت جامع لتلاميذ بمغربنا الحبيب، حاجة مُلحة، لا مفر لنا - كتلاميذ نروم الإصلاح و التغيير- أن نُؤسس لحركة تلمذية مغربية قوية تُبلور ( و تدافع عن ) نموذج التلميذ  المنشود و تُعمق الدراسة في السبل إليه و تتعالى عن الواقع الرديء الموجود و نقاش ترقيعات الإصلاح المزعوم.


 * بالمناسبة كاتب هذه السطور خريج المدرسة المغربية شعبة العلوم الرياضية بثانوية تقنية ..
**  لكن وجب التذكير أن هناك استثناءات لكن الطابع العام يُشكله نموذج التلميذ الآلة.     
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

توفي الأستاذ محمد قطب، صباح يوم الجمعة 04 جمادى الثانية 1435 الموافق ل04 أبريل 2014 بمستشفى المركز الطبي الدولي في مدينة جدة بالسعودية، عن عمر يناهز 95 عاما. 
قرأت الخبر في الشريط ( الملَخص للأنباء المتواترة و الأخبار المستجدة ) الذي يَمر بقناة الأقصى الفضائية. تذكرت الأستاذ محمدا و ما يمثله لأجيال ممتدة في الحركة الإسلامية في الوطن العربي . 
في كل مناسبة تُيسر لي أن نعيد الحديث عن الأستاذ محمد قطب و إلماعاته خصوصا في علم النفس الإسلامي إلا و سارعتُ بالدعاء له بأن يطيل الله عمره. و كنت أتمنى أن تسنح لي الفرصة بزيارته في مكة المكرمة. 
للأستاذ محمد كبير الأثر في تكويني الفكري و العقائدي، فقد قرأتُ له فصل " الإسلام و الرجعية " في كتاب : " شبهات حول الإسلام "، في السنة الثالثة إعدادي ، في محاولة  مني للدفاع عن النفس و تحصينها مما قد يلحق بها من الاضطراب النفسي بسبب النعوت التي تسمُنا ب"الماضوية" و "الرجعية" و "بالعامية: مْعْقْد...".  كما قرأث له كتاب " الإنسان بين المادية و الإسلام"، الذي يمثل الخميرة الأولى لبواكير تأملاته في النفس الإنسانية و التصور القرآني لها، في السنة الثالثة إعدادي. قراءة الكتاب و تلخيص أفكاره و عرضها أمام إخواني شكل مرحلة فاصلة في تكويني الفكري. التحول الجوهري الذي أثاره في نوازع نفسي هذا الكتاب تمثل في إثارته في نفسي سؤال نظرة  الإسلام للكون و الإنسان و الحياة: انتقل بي الكتاب من فهم الإسلام على كونه مجرد إرشادات فيها " افعل، لا تفعل " إلى اعتباره رؤية و منهج شامل للحياة تتجاوز ضيق النظرة المسيحية المتزمتة و الرؤية المادية المعتسفة مما زادني تمسكا بالإسلام كإطار للفكر و الحياة. علاوة على هذا، شَكل لي الكتاب الأول الذي كتبه أستاذنا محمد قطب ( الإنسان بين المادية و الإسلام ) المحطة الأولى  نحو الاهتمام بالقضية الفكرية و الاشتغال بالأسئلة المنهجية الكبرى  ( التي تتناول : الإنسان، الإيمان، الحياة ، الكون ، الدار الآخرة ). 
كتابه الموسوم ب" معركة التقاليد" - على صغر حجمه - أفادني كثيرا في استيعاب مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما بعد، فالفكرة التي يروج لها الأستاذ محمد في الكتاب مفادها أن المعركة المحتدمة  الحامية الوطيس في العالم هي بين أنصار الإنسان- الإنسان و دعاة الإنسان-الحيوان ( و الجسد الشهوان = أتباع الداروينية و الفرويدية ). هي ذات الفكرة التي طورها الدكتور عبد الوهاب المسيري بنَفَس آخر و بمقدرة تحليلية و تفسيرية عالية في مشروعه الفكري الذي يدافع عن الإنسان/ الإنسان ( = الإنسان الرباني ) ضد الإنسان الطبيعي ( = المادي ).
الأستاذ محمد قطب يصغر أخاه الشهيد سيد  ب13 سنة، فهو تلميذه. تخصصه في علم النفس و تزوده من الأدوات التحليلية التي يستعملها سيد في التعامل مع النص القرآني مَكناه من استجلاء دُرر القرآن المرتبطة بموضوع  النفس الإنسانية و تقابلاتها و تأرجحاتها.
رحم الله الأستاذ الكبير، معلم الجيل ، محمد قطب على ما قدمه للمكتبة الإسلامية و للصحوة الإسلامية من جليل الخدمات. فالأستاذ محمد قطب و الشهيد سيد قطب و الأستاذ مالك بن نبي و الدكتور عبد الوهاب المسيري و الشيخ عبد السلام ياسين و الشيخ راشد الغنوشي و الدكتور أحمد الريسوني و الدكتور يوسف القرضاوي و الشيخ محمد الغزالي  و الفيلسوف المسلم طه عبد الرحمان و الفيلسوف الراحل روجي غارودي و غيرهم ؛ رغم المسافة التي تظهر بين مشاريعهم و عطاءاتهم و إسهاماتهم و تفاوت عمق و متانة طروحاتهم إلا أنهم يمثلون لي جميعا بُناة لمعمار فريد يشكل الفكر الإسلامي المعاصر عرف خدوشا و عرف إصلاحات كلها قامت في سبيل شحذ العقل المسلم المعاصر و يقظته. إنهم ينتصرون جميعا ، في نهاية المطاف،  للإنسان الخليفة ( الذي هو قبس من روح الله جل في علاه ) ضدا على نماذج الإنسان الحيوان و الإنسان المادي و الإنسان الآلة التي يُراد لها قسرا الانتشار في عالم اليوم.   
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





لا يرتاب اثنان في كون الخوض في " كيف ؟" بصفة عامة من الأمور العسيرة. و حيث أن " كيف" هنا موضوعها " الدعوة" فالأمر يتعسر  أكثر و يعتاص و لكون المدعو هنا هو " التلميذ " فالصعوبة تزداد أكثر فأكثر ..
خاضت كتابات كثيرة في " كيف ندعو الناس ؟" بصفة عامة ، لكن شحيحة هي الأبحاث و الدراسات التي تتناول سؤال" الكيف" في أوساط التلاميذ . سؤال الكيف يبقى السؤال المؤرق لكل متحسر و متأسف على واقع التلميذ الأليم ، بدءً بالأساتذة و المربين وصولا إلى التلاميذ المهتمين بانتشال إخوانهم من  وهدة  الميوعة و التمييع ، و يرتبط هذا السؤال بموضوعات أخرى منها : من أين نبدأ ؟ ما مواضيع الدعوة الضروري ترسيخها في نفوس المدعوين  ؟ ما هي آليات الدعوة في المجتمع التلمذي؟ ما الوسيلة الأرشد : هل الدعوة الفردية أم الدعوة العامة ؟ من هم الدعاة ، هل هم أساتذة أم تلاميذ ؟
في نقاش مع مجموعة من التلاميذ في إطار  نشاط  تربوي بالثانوية حول "مشكلات الشباب" ، ألح بعض التلاميذ على نفس السؤال : " كيف نُوَعي ؟ ". و بتعبير آخر، ذكر أحد المتدخلين أن الكل يجيد تشخيص الواقع و وصف حالة التردي التي يتسم بها ، لكن ما هو البديل ؟ ما هو الحل لتجاوز هذا الواقع  ؟ ". و في مشهد آخر، كلما عزم أحد الإخوة من التلاميذ على بدء نشاطه الدعوي و الانخراط  في سلك الإصلاح في أوساط زملائه يصطدم بعدم الاستجابة أو السخرية أو  كونه صوتا نشازا .. يستسلم و يستحيل مرة أخرى تلميذا عاديا يخوض معتركه اليومي (  واجباته المنزلية و الفروض المستمرة ...) فتخسر الدعوة الإسلامية  جنديا من جنودها  . كل هذه المشاهد و غيرها دفعتني إلى التفكير في هذا السؤال : " كيف ندعو التلاميذ ؟" .
حينما بدأنا  الدعوة إلى الله تعالى في صفوف التلاميذ – أنا و مجموعة من الإخوة -  قبل حوالي ثلاث سنوات ، اتسمت تلك لمرحلة بنوع من الاندفاعية و " الغوغائية" و الفظاظة ؛ بحيث كنت أرفض الحديث نهائيا مع التلميذات و الأنكى من ذلك أنه كلما حاولت إحدى الزميلات أن تشير لي بخطأ إملائي أو معرفي كتبته  في السبورة لا ألتفت لما تقول.  و أثناء تحضيرنا لعرض حول حول " المرأة في الإسلام "  طلبنا من التلميذات في القسم المحاور التي يريدونها أن تكون مطروحة للنقاش فوجئنا بورقة مكتوب عليها :" لماذا إذا خاطبناكم تدَعوننا  كالسراب ؟! " ، كل هذا تحت مسميات الخوف من الفتنة . و أرُد  هذه السلوكات  الناشزة إلى  ضحالة الزاد الشرعي و الفكري و الاغترار بالتفوق الدراسي و عدم استيعاب المقاصد السامية للعمل الدعوي و عدم الاستنارة بالهدي النبوي ( إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً  ) و عدم الاحتكاك بالواقع و مخالطة دنيا الناس .
أولا/ الدعوة بالقدوة :
إن التلميذ الداعية  لن تنجح دعوته وسط أقرانه إلا إذا كانت دعوة "بالحال" أساسا  ثم بإمكانه إن يدعمها " بالأقوال"، فمجموعة من الأمور التي يدعو إليها المدعوين ( من زملائه التلاميذ ) من الصعب أن يتقبلوها إن لم يروها رأي عينهم في أخيهم و نظيرهم الداعية ، أضف إلى ذلك أنهم سيعتبرون الالتزام بما يدعو إليه مؤجلا إلى سنوات لاحقة ( حتى تمر مرحلة المراهقة عملا بمقولة زائفة : " تْكبرْ أُو تْنْسى !" ) .
1/ الالتزام :
إن أول خطوة في الدعوة بالحال هي ما يصطلح عليه"حركيا" بالالتزام، و هو اسم جامع يشمل اتقاء لحدود الله تبارك و تعالى و نواهيه و طاعة  أوامره و الاعتصام بما جاء في كتابه، فلا بد لمن يسعى بحق لأن يكون " تلميذا داعية" أن يلتزم أولا ليدعو غيره من التلاميذ إلى الالتزام و هو المقصود الأول من الدعوة .
2/ التفوق ( أو السعي إلى التفوق ):
إن الدعوة بالقدوة تستوجب أن يكون " التلميذ الداعية" متفوقا دراسيا ( أو ساعيا إلى التفوق فليس كل الناس متساوين في مداركهم العقلية و مستوياتهم الاستيعابية ) ، طالبا مجتهدا ، عالي الهمة في تحصيل الدرجات العُلى  و حاضرا في ميادين المنافسة على الرتب الأولى . هذا التفوق الدراسي ، أولا استجابة لأمر الله تعالى الذي يحب معالي الأمور كما جاء في الحديث النبوي الشريف : [ إن الله يحب معالي الأمور و يكره سفسافها ] ، ثانيا يعطي صورة مُشرقة عن التلميذ الداعية  و عن المتدين و عن التدين بصفة عامة ، ثالثا يجعل لصاحبه مكانة مُحترمة و صوتا مسموعا في الفصل الدراسي و المؤسسة التعليمية مما يهيئ له مناخا ملائما و خصبا لترويج الرسالة الدعوية و الخطاب الدعوي .
3/ دماثة الخلق :
كما أن دماثة الخلق و المعاملة الحسنة  مع الزملاء التلاميذ بمثابة رسائل دعوية قد يفوق تأثيرها الدعوة بالكلمة و الموعظة . فضلا عن أنها مما يُتوسل به لبلوغ كمالات الإيمان و يعطي صورة حضارية مشرقة للتلاميذ المتدينين أمام الجهاز التربوي للمؤسسات التعليمية  و باقي التلاميذ.
المعاملة الحسنة مع الزملاء بمعنى لين الجانب في التعامل معهم و خفض الجناح لهم و رحابة الصدر في تقبل عثراتهم ؛ فالتلميذ مثلا الذي لا يصلي و يُزَامل التلميذ الداعية في الفصل الدراسي ، لا ينبغي له أن يعامله بفظاظة و تَكَبُر لأنه لا يصلي بل عليه أن يدعوه برفق و حكمة [ كأن يتركه على سبيل المثال ينتظر أمام مسجد المؤسسة ( لتأدية صلاة العصر ) فيحس بالخجل من تلقاء نفسه و الندم على فعلته فيعود تائبا إلى ربه ].و قس على ذلك التعامل مع التلميذة التي لا ترتدي الزي الإسلامي أو التلميذ الذي يغش في الامتحان أو الذي يتلفظ بفحش الكلام.
و من دماثة الخلق كذلك ، مساعدة التلاميذ على فهم دروسهم و مد العون لهم و تنفيس كُربهم و عيادتهم عند المرض فذلك مما يكسب به التلميذ الداعية قلوب مَدْعُويه  حتى قبل أن يتلفَظ بنصيحة أو رسالة دعوية. علاوة على بعض الأنشطة مثل تشجير المؤسسة و القيام بحملات النظافة فيها و تبني قضايا التلاميذ المظلومين .

ثانيا/ موضوعات الدعوة بالمقال في الوسط التلمذي :

هذه الموضوعات يمكن إثارتها بشكل فردي مع التلاميذ من خلال النقاش و المُصاحبة ( أي ما يسمى بالدعوة الفردية). لكن، لا بد للتلميذ الداعية أن يكون نشيطا سواء في الفصل أو المؤسسة بالمشاركة الفاعلة في النقاشات المُثارة بالدفاع عن الطرح الإسلامي و الإنساني لها ( و لن يتأتى له ذلك إلا إذا كان يقرأ و يطالع ، من هنا تكمن أهمية القراءة ) و أهمية البعد الأخلاقي فيها سواء من خلال مداخلاته أو مساهماته ( العروض، كتابات في المجلة الحائطية ). فالإسلام لا يقبل مسلما ينكفئ على خُويصة نفسه لا يخالط الناس بدعوى أنهم غير ملتزمين بل يطلب مسلما مؤثرا لا متأثرا و فاعلا لا منفعلا. و من خلال هذه المداخلات و المساهمات يمكن التأكيد على هذه الموضوعات مما يزيدها رسوخا في أذهان التلاميذ الذين سمعوا بها من قبل من التلميذ الداعية عبر الاتصال الفردي.مع التأكيد دائما على أن الدعوة الفردية هي الأصل ، و من الموضوعات التي أراها – و الله أعلم – أولى بالاهتمام :
1/ قضية الألوهية :
أول موضوع يجب أن تنصب جهود الدعوة لتوضيحه و ترسيخه في المجتمع التلمذي هو " الألوهية" . فاستقرار حقيقة " لا إله إلا الله" في النفوس : الإنسان الذي أقر بها سَلَمَ تسليما مطلقا لله تعالى بالطاعة المطلقة و أنه عبد لله تعالى لا لأحد سواهُ سواء كانت نفسُه التي تطاوعه و هواها أو شهواته أو المال أو الجاه أو أحد من الخلق. إنه بذلك الإقرار أعلن نفسه حرا من كل العبوديات إلا عبودية خالقه الرحمان جل سبحانه و تعَالْ.و بتَمَثُل الشباب لهذه الحقيقة الكبرى يتحرر من ربقة العبودية لشهوة الجنس أو المال أو المخدرات لأنه فَهِمَ فَهْمًا يقينا أنه عبد لله و ليس لأحد من هؤلاء.
2/ الدار الأخرة:
الدنيا ممر و ليست مستقر، الإنسان عابر سبيل في هذه الدنيا، الحياة الحقيقية هي الدار الأخرى التي فيها الجزاء الأوفى، الدنيا اختبار لمدى استجابة الإنسان للمنوط به : عبادة الله تعالى بمفهومها الشامل باعتباره خليفة للواحد الأحد .هذه الحقائق كلها يجب أن تكون من أولى الموضوعات التي يتصدى لها  "التلميذ الداعية " في أنشطته الدعوية سواء الفردية أو العامة.
3/ الإسلام منهج حياة :
الإسلام ليس حقيقة أُنزلت لتقبع في حنايا الضمائر و خفايا القلوب و إنما لتتحول لمنهج حياة . الدعوة في المجتمع التلمذي ينبغي لها أن تعمل على تصحيح مجموعة من المفاهيم المرتبطة بحقيقة الإسلام و الأفكار المغلوطة عنه التي تُلخصه في الشعائر فقط أو تعتبر أن الإيمان يكتفي بمكانه في القلوب  أو تقول إن العمل به ( أي الإسلام )  لا يتعدى أسوار المساجد.
4/ الشباب و مسؤولية المرحلة :
 في هذا الموضوع ينبغي ربط الشاب أولا بهويته الحضارية و استنهاض همته من أجل الذود عن بيضتها و النهوض بأعبائها و تكاليفها ، و ربطه بالجيل القرآني الفريد و الفتية الذين لا تتجاوز أعمارهم 13 و 14 سنة و يتسابقون إلى الرسول صلى الله عيه و سلم لعله يقبل مشاركتهم في الغزوات ( أسامة بن زيد نموذجا) . و من ثَم يعرف أنه امتداد لهذا الجيل القرآني و أنه حفيد أولئك الفتية التي آمنت بربها و اهتدت  و أن مرحلة الشباب ليست كما يزعمون مرحلة مراهقة و جنس و موسيقى صاخبة ، بل مرحلة تحمل مسؤولية البلاغ المبين على هدي النبي الأمين إلى الناس أجمعين  بالعودة إلى هذا الدين للنجاة من السعير و بلوغ مقامات عليين عند رب العالمين.
5/ هموم الأمة الإسلامية :
لا بد للدعوة في المجتمع التلمذي أن تحسس التلميذ المسلم بأنه عضو حي من أعضاء الأمة الإسلامية : يجب عليه أن يهتم بأمرها و أمر إخوانه المسلمين في كل مكان ، و من ذلك أن يُحصن نفسه أولا ضد الغزو الفكري و التطبيع الثقافي ( المتجلي في : اللباس ، الذوق ..) مع أعدائها و خصوصا - حاليا - العدو الصهيوني كي لا يوفر خدمة مجانية لهم ثم يجتهد في دراسته و يكد لينفع أمته بإبداع جديد و تطوير ما هو قديم من كل عُدة يعتد بها في عصرنا هذا .
6/ المستقبل لهذا الدين :
نظرا لانتشار ثقافة الانهزام و الاستسلام و وقائع تزيد من التيئيس من إمكانية النهوض من جديد لهذه الأمة بعد نوم عميق مازالت تغط فيه – و لعل الربيع الديمقراطي دليل على أنها بدأت تفرك عينيها من آثاره  -  و كون فئة التلاميذ بالخصوص إذا بدأت حياتها على أفكار اليأس و القنوط سترسُم صورة قاتمة لمستقبل الأمة . لكل هذا، وجب الاهتمام بموضوع " المستقبل لهذا الدين" لكن ليس بطرح تواكلي بل بطَرْح يُلفت النظر إلى دور السنن الكونية و الشرعية في هذا الأمر . مصداقا لقوله تعالى : " و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ". و يبرز أهمية مجموعة من المفاهيم في البناء لهذا المستقبل كالفعالية و الريادة و الإيجابية .
...تابع القراءة