? أيوب بوغضن
| 0 التعليقات ]





كنت جالسا وصديقي الأثير أمام الحديقة بعد صلاة العشاء في "القامرة" بالعاصمة. لم ننتبه هذه المرة إلى أن المكان الذي نقتعده هو ملجأ أهل الدعارة. كنا نعلم أنه كذلك إلا أن انتباهنا –آنذاك- لهذا الأمر تأخر. فجأة بدت تلك التي ألفناها، تترنح بجانبنا وحولنا من شدة السكر. في الحقيقة امتعضنا لوجودها لأنها أفسدت علينا اللحظة وقد كنا نتغيى الاستمتاع بالجو الصيفي في هذا الفضاء الحيوي. لكنها طلبت منا "درهما" بأدب واعتذرت  عما صدر منها من إزعاج!
هي أم عازبة (وطالما كنت أُثرب على مستعملي هذا التعبير أيام مرحلة الثانوي –نسأل الله المغفرة- لكوني أعتقد أنهم يخلطون الأوراق ولا يودون تسمية الأمور بمسمياتها: داعرة، عاهرة... غفر الله لنا اندفاعنا وقسوتنا غير المفهومة)، شهدنا وعايننا، في السنة الماضية، الأيام التي كانت فيها حبلى بابنتها الثانية.
بعدما أفسدت علينا صاحبتنا اللحظة بهذيانها وكلامها الساقط وبعدما أخذ منها الخمر مأخذا عظيما، هممنا بمغادرة مجلسنا. فوجئنا بعد هنيهة بكونها  تستعيد أنفاسها وتحاول أن تسترد هدوءها لتجلس بجوارنا (فوقع مكان جلوسها بيني وبين شاب آخر يُرجح أنه بائع مخدرات).
أخذت هذه المسكينة تحكي ضميرها وتستنطق حالها، فدعُونا نستمع لها:
" أنا.. تعذبتُ كثيرا بل احترقتُ بالعذابات. لم أعش طفولة تُذكر ولا حياة تُشكر. يا الله. لو انبعث والديَ الآن لقبلتُ أظافرهما. كان الحرمان سيد الموقف طيلة حياتي.
أنا.. نعم تعذبتُ وحرمتُ من الحياة الكريمة. نعم أنا الآن سكيرة ومخمورة. لكن ثقوا أني لن أترك ابنتاي تكرران نفس السيناريو. أنا حُرمتُ من الدراسة لكني أدَرسُ ابنتي. لن تعيش ابنتي ما عشت من عذابات. سأُضحي من أجل ابنتاي بأعز ما أملك.
الآن ابنتي طريحة الفراش في المستشفى، عمرها 15 ربيعا: سأموت كي تحيا ابنتي أياما جديرة باسم "الحياة". في جيبي 6 (ستة) دراهم (أخذت  تداعب بأصابعها دراهمها المعدودة)؛ هي كل رأسمالي، سأجوع كي لا تجوع ابنتي.
تشردتُ منذ أن كان عمري 11 سنة. 24 سنة من التشرد والحرمان والبؤس. في هذه الأيام سأطفئ شمعتي 35 بمرارة وقد أصبح عمري 35 ربيعا".   
.. (تدخل الشاب الذي يُرجح أنه بائع مخدرات) ملوحا بوجهه تجاهي، طالبا شهادة مني تعزز كلامه: كلنا سنموت ("ياك أخُويا")، كلنا سائرون، كلنا إلى زوال. الجميع سيرحل من هنا.
عادت المسكينة التعيسة: الأيام تتكرر لكن الصحة تتبدد. السنة تدور لكن رأسمال الصحة يبور.
"آه كم تعذبتُ.. لكن عزائي في ابنتاي أن أربيهما وأدرسهما لتكونا صالحتين عسى ربي يكتب لهما "ولد الناس" زوجا.
تلظيتُ بلظى الحرمان والبؤس والتشرد و"الصعلكة" والضياع.. لكن اللهم لك الحمد (وأخذت تضغط بسنها على الحمد)".
"لا أحد يعرف معنى الوالدين إلا من فقدهما. لا أحد يعرف معنى الأمومة إلا من عاش تجربتها. أنا تماهيتُ مع وظيفة الأمومة. الأم هي منبع الحنان هي التي تحس بالإنسان. أما الرجل (الأب) فلا اهتمام يبديه ولا شوق يحرقه تجاه مستقبل أبنائه! ".
بينما كنا جلوس وكأن على رؤوسنا الطير لا نلوي على شيء نُصغي باهتمام للمرافعة البليغة التي قدمتها هذه المسكينة؛ أخذ التأثر لحالها يغشانا وأخذ الامتعاض من سابق حكمنا عليها يتملكُنا، خاصة وأنها تحكي وكأنها حمل وديع ترسل دموعها وتتنهد المرة تلو الأخرى.
لم يجد صديقي بُدا من أن يقول: إن هذه المحرومة تُلقننا دروسا في علوم التربية، لو تيسر لها أن تكتب تأملاتها لنافست "جان جاك روسو" على ما سطره في كتابه الكلاسيكي "إميل".
"هل هذه المسكينة ستُعيد تجربة الجحيم في الآخرة؟ إن الجحيم في أبهى حلة هو ما عاشت فيه طوال حياتها".
"هل رأيت كيف أنها موصولة بالمولى وتجدد حمده وتعيد شكره رغم أن وضعها يحمل في طياته عوامل إشعال فتيل التمرد والتمزق والرفض والجحود والكفر والإنكار؟"
" .. لا نزكيها على الله.. لعلها تستحق أن تكون في الفردوس الأعلى !".

يكفينا درسا أننا تعلمنا في مجلسنا مدى ضآلة إنسانيتنا ودرجة انطماس بصيرتنا وفتور علاقتنا بالمولى جل وعلا. يكفينا درسا أنه ينبغي أن نتواضع لأن هناك من هم أنبل منا ومن هم أكثر إنسانية منا ومن هم أقوى صلة بالله جل في علاه منا، طالما حسبنا أنفسنا في صفوف متقدمة على صفوفهم !


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




على مائدة الغداء، تجاذبتُ أطراف الحديث مع والدي حول مواقف ووقائع تؤشر على أن القضية الأمازيغية مازالت بحاجة إلى من يُجدد بطاقة تعريفها بشكل جيد في زمن الرداءة وسيادة طاحونة الطائفية والحسابات التقنوقراطية الضيقة.
كان الموقف الأول ما عبر عنه أحد أقاربي بعدما سألته عن سبب إصراره على الحديث مع صغيره –الذي سلخ سنة وشهرين من عمره- بالدارجة المغربية وهو الأمازيغي الذي يخاطب زوجته بالأمازيغية إلى جانب أهله وذويه. كان رده عجيبا: "اذكر لي فائدة واحدة من فوائد "تشلحيت" أو الأمازيغية". لم أرد في الحقيقة أن أدخل معه في "البوليميك" الفارغ  غير أني وقفت عند سؤال استنكاري لم أجد مهربا من طرحه: إذا تعاملنا مع الخيرات الرمزية التي تشكل لُحمة وسدى المجتمع بهكذا منطق براغماتي مادي نفعي لاهث وراء الفائدة المادية الملموسة المرئية، فإننا سنسقط العديد من الأمور الأخرى.. وآنذاك سنتسلم شهادة الانخراط بامتياز في حزب الرياح؟!
كانت الواقعة الثانية قد جرت في يونيو-رمضان المنصرم أمام إحدى المدارس الابتدائية بالرباط. بينما كان أب يرافق صغيرته إلى المدرسة صاحت الابنة بعدما اقتربت من صديقاتها منبهة والدها إلى ضرورة ذهابه عاجلا، فلم يكن من الوالد – مستغربا- إلا أن قال (بعدما تأكد أن ليس هناك داع حقيقي لهذا التوتر الذي برز على وجه صغيرته): هل خفت يا ابنتي أن يعلموا أنك "تاشلحيت" (أمازيغية)؟...
كانت الصغيرة المسكينة تخاطب والدها طيلة الطريق إلى المدرسة بلغة أمها (الأمازيغية) بشكل تلقائي وعفوي دونما عقدة نقص. لكن بعدما رأت زميلاتها راودها شعور يفيد اغتراب الأمازيغية عن ذاك الفضاء فقدرت ورجحت أن تكون محاسن وفضائل التستر عن هويتها أمام زميلاتها أقوى وأفضل من إبراز لسانها وعمقها الأمازيغي بشكل عفوي..
ما إن تلفظتُ بكلام الصغيرة حتى قفزت جدتي من مكانها قائلة: "إسراسبين أكايو: هل سيُقطعون لها رأسها إن أعلنت أنها أمازيغية"، مضيفة: "حتي الأصل أيكا يان: الأصل هو الأصل".
لم يجد والدي بُدا من أن يصفق بحرارة لجدتي قائلا: "حتى الأصل أيكا يان أيمي..: نعم، الأصل هو الأصل يا أمي".
لا شك أن الموقف الأول هو موقف أي رجل تقني، تقنوقراطي، إداري قصير النظر وضيق الأفق يحسب الحياة معادلات وحسابات وأرقام وفوائد وأرباح فقط ويعتقد أن الصراع اقتصادي-تقني بحت.
ولا ريب أن الواقعة الثانية دلالة على فشل جزء من استراتيجية بعض الأطياف المنضوية تحت لواء الحركة الامازيغية القائمة على تدويل القضية والاستقواء بالعدو (الصهيوني) وخوض معارك زائفة غير مفيدة للأمازيغية عوض العمل الميداني الذي ينبغي أن يتقصد المجتمع (لأن الحركة اجتماعية أساسا وإن كانت بصبغة ثقافية وبرهانات سياسية) وأن ينظف النفايات التي تركتها سياسات متراكمة لعقود في وعي المواطنين كرست إقصاء الامازيغية وجعلت الانتساب إليها تهمة وعارا ودونية. فلا عيب أكبر من أن نجد طفلة أمازيغية في زهرة الحياة تستبطن وعيا مفاده أن من العار الحديث بالأمازيغية في مؤسسة عمومية في مغرب 2016 وفي عاصمة دولة إحدى لغاتها الرسمية اللغة الأمازيغية. 
إن أكبر خطأ يسقط فيه المراقبون الغيورون على أوضاع مجتمعنا المختلفة هو التمسك برؤية تقتصر على إدانة الدولة ومؤسساتها الفوقية. إن من يحمي الخيرات الرمزية ويرعى قضايا القيم والهوية هو المجتمع بالدرجة الأولى وما الحماية القانونية والدستورية التي توفرها الدولة سوى دعامة إلى جانب دعامات تخص المجتمع بقصد صون الوجود والكينونة. وما المجتمع سوى قواه الحية وحركاته النشطة العاملة من أجل قضاياه الحيوية.
هكذا، فالانتفاض ضد الانتقاص من مكونات الهوية من مهام المجتمع وهو فعل تلقائي دال على درجة حرارة فكرة الأصالة فيه. إذ إن هذه الفكرة تظهر في المجتمعات البشرية كلما ظهر الوعي أو الإحساس بأن هناك شيئا يطوف حول هذا المجتمع للنيل من هويته الفكرية والحضارية، فترتفع أصوات الوعي من داخل المجتمع وكأنها صيحات إنذار أو إفرازات واقية قصد حماية هذا المجتمع من أن يلحق به هذا السوء. (1) 
إن قضية الاعتزاز بالأبعاد المعنوية والرمزية لمجتمعنا مدخل هام لتعزيز التماسك الاجتماعي وتقوية الالتحام بهذه الأرض فلا ينبغي أن تكون مجالا للمزايدة أو التوظيف المغرض أو الحسابات التقنية.
إن الأصل هو الأصل يا سادة. ولا يمكن لمجتمعنا أن يعطس بين المجتمعات بأنف شامخ إذا اختار أن ينضم إلى حزب الرياح حيث لا جذور ولا طعم ولا رائحة ولا رأس ولا رجلين.. لوجوده!

(1)  إبراهيم أخياط، الأمازيغية: هويتنا الوطنية، الطبعة الأولى 2007، ص:11.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





نظم حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي جلسة افتتاحية لمؤتمره الوطني يوم الجمعة 27 ماي المنصرم بالمدرسة الوطنية للصناعة المعدنية بالرباط. سجلتُ حضوري فيها بمعية بعض الإخوة الأفاضل (قيادات محلية لمنظمة التجديد الطلابي بالرباط) مدفوعا بإيماني الكبير بأنه مازال هناك أمل مشرق في بيت اليسار؛ أمل يُحيل على ولادة جيل يحمل مشعل الوفاء للديمقراطية بصلابة والانحياز للمسألة الاجتماعية بحكمة والمواجهة المتبصرة لخطوط الاستبداد والمخزنة.
سجلتُ حضوري في هذه الجلسة للتعبير من جديد على تقديري لفيدرالية اليسار الديمقراطي ولمكوناته الحزبية. كما سجلته للتأكيد كذلك على أنه لا مشكلة لنا مع اليسار ومرحلة الشباب لا طعم لها أصلا بدون فكرة اليسار وبدون روح الاحتجاج ونفَس الانتفاض في وجه الظلم والطغيان؛ ولترسيخ معنى هام مفاده أن الرفاق بحق هم "رفاق الشهداء" الطليعيون وأمثالهم، أما العصابات الإرهابية المتياسرة  (النهج الديمقراطي القاعدي البرنامج المرحلي ومن يدور في هذا الفلك) التي عاثت في الجامعة (وعاث نسلها في الحياة السياسية عبر المسخ المسمى "الأصالة والمعاصرة") إجراما وفسادا وذبحا وتقتيلا، فمكانها الطبيعي وراء القضبان.  غير أنني –للأسف الشديد- خرجتُ من الجلسة وأنا متيقن من أنه لا أمل في بعث يسار قوي ينهض بأعباء النضال من أجل مغرب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في سنة 2016، على الأقل، وما يليها! خرجتُ من الجلسة وأنا متشوف إلى القلم لأعبر من خلاله عن تعازي الحارة لكل محب لليسار الوطني، لكل مؤمن بالمقارعة النبيلة للمستحيل التي ينوء بحملها المناضلون تحت مظلة اليسار، ولكل عاشق للحركة الاتحادية وذكراها الطيبة في هذا الوطن.
ولكنني بعد تقليب النظر في النزعة الإقصائية لليسار بعد استجماع حوادث متفرقة وقريبة اتضح لي أن اليسار لا يستحقون العزاء باستثناء  ثلة قليلة. لأن من لا يقبل بوجود الآخر لا يستحق الاحترام بله العزاء.
أنشدنا، بألم، مع "رفاق الشهداء" نشيدهم الذي يحمل حمولة رمزية ثقيلة. صرخنا معهم؛ أي نعم، "نعم، هم مجرمون قتلة بنجلون". عجبنا لهوية الحزب القومية الشديدة التي دعته لأن يجعل أغلب فقرات جلسته الافتتاحية عن فلسطين من منطلقات عربية بحتة (الكلمات في المنصة، الشعارات، العلم الفلسطيني...). عجبنا وتعجبنا إلى كون أماني مناضلي الطليعة أو "رفاق الشهداء" لا تنصرف إلى سحق الصهيونية بل إلى "سحق الرجعية" (ولا شك أننا نحن أبناء الحركة الإسلامية مخصوصون بهذا النعت).  تذكرتُ حينها الحركة الأمازيغية وما تشُنه بعض أصواتها الناشزة من قصف متواصل على الحركة الإسلامية بداعي أنها "عروبية" المنشأ والهوى؛ فقلت لنفسي: صحيح أن هناك تبرما من جدوائية الأمازيغية على المستوى التنموي لدى بعض أبناء الحركة الإسلامية المنحدرين من مناطق غير ناطقة بالأمازيغية. لكن الصورة ليست مكتملة بهذا المعطى؛ فالحال أن أبناء الحركة الإسلامية الناطقين بالأمازيغية في تزايد ووعيهم بعدالة القضية الأمازيغية يتسع ويتوازى – ولا يتعارض- مع تنامي وعيهم بمعارك الهوية والديمقراطية وهم في تدافع مستمر -عبر قناة الحوار- مع إخوانهم لتقريبهم من القضية. تذكرتُ هذا الأمر، فقلت: أين حزب الطليعة وأحزاب اليسار التي على شاكلته من هذا القصف الجوي والبري والبحري الذي تشنه بعض الخطوط الشاردة في الحركة الأمازيغية. وأنا على يقين من أن أفق الطليعيين أضيق أضعافا  مضاعفة من أفق أبناء الحركة الإسلامية بخصوص مسائل عديدة ومنها المسألة الأمازيغية.
اندهشنا لأمر آخر؛ إنها الموسيقى.. التي طالما تم ثلب الحركة الإسلامية على معاكستها للحياة الجميلة وللأصوات الندية الشجية؛ لأنها تُخاصمها. فإذا بالحركة الإسلامية تعتمل في أحشائها تحولات نوعية وإذا بحزب خرج منها يضفي على أنشطته المفتوحة والداخلية نكهة خاصة بتوظيفه للموسيقى المعبرة والموحية والجميلة ويحرص دائما على استدعاء الفرق الفنية المحترفة في أعراسه النضالية. إن حزب الطليعة أتحفنا بجو بئيس يعكس بجلاء أزمة اليسار. إنها أجواء المأتم والعزاء. حتى تسيير الجلسة عرف ارتباكا واضحا؛ إذ تناوب العديد من الشباب والشابات على التسيير. وكم عجبنا للمسير صاحب النوبة الأخيرة إذ حمل محفظته وقفل مغادرا قاعة الجلسة قبل أن تنتهي أشغالها..! وقارن هذا، بحزب بدأ هكذا صغيرا وأخذ يشق طريقه بثبات حتى صار يبث أجواء مؤتمره على الهواء مباشرة!
تأثرت كثيرا لشيء واحد هو أن من يزعم الوفاء للحركة الاتحادية الأصيلة ويقول بأنه لن يُفرط في إرث الشهيد المهدي بنبركة والشهيد عمر بنجلون، هو كائن مجهري ضعيف. وليس ثمة هنا مشكل كبير. فقد نجد أغلب الأنبياء ما آمن معهم إلا قليل وما انتقص ذلك من دعواتهم الثورية. ولكن هذا الكائن الضعيف مازال ذاهلا عن التحولات الجارية في المغرب منذ السبعينات، مازال غافلا عن الحركات الاجتماعية القوية التي خرجت من رحم الشعب المغربي طيلة هذه الفترة، ومازال مصرا بصلافة لا يحسد عليها وعنجهية عجيبة وغرور بلا حدود أنه الأستاذ في النضال ولا أساتذة بعده، وأنه الوفي للديمقراطية ولا أوفياء بعده، وأنه التقدمي جدا وما دونه رجعي ماضوي عليه اللعنات والسخط وسُحقا له!
إن من يستحق غاية التقدير هو الأستاذ النقيب عبد الرحمان بنعمر (الثمانيني المناضل: مواليد 1933) وأمثاله. فالعزاء لهم وحدهم على صدقهم وثباتهم ونضاليتهم المنقطعة النظير. أما موكب الطليعة فهو فارغ من الشباب وممتلئ بالكهول والشيوخ الذين يرون المغرب بعيون العقود الماضية. فهو موكب يُنتظر أن يُوارى الثرى قريبا. وإنا لله وإنا إليه راجعون!
تذكرتُ حزب الاشتراكي الموحد أثناء المؤتمر، هل بالإمكان أن يدفع قاطرة الأمل في يسار حي. تذكرت زعيمته نبيلة منيب التي استبشر المؤمنون بمغرب قوي برجاله ونسائه خيرا بكونها مفتاح تصدُر المرأة المغربية للحياة السياسية، ونحن منهم. بيد أن أحاديثها الإقصائية وتصرفاتها المغرورة تنبئ على أنها مازالت كذلك غير مستوعبة لما يجري من تحولات وذاهلة عما يعتمل داخل الحركة الإسلامية من مراجعات وغارقة في الصراع الإيديولوجي الضيق حتى النخاع. يكفي أن أشير إلى حادثة حدثت في الأشهر القليلة الماضية؛ حيث استدعى طلبة معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط بعض القيادات السياسية لندوة مشتركة، رحبت نبيلة بالدعوة لكن سرعان ما علمت بكون الندوة تستضيف أيضا عضوا قياديا من حزب العدالة والتنمية (ولعل الأعمى يدري أن حزب العدالة والتنمية حزب مغربي وطني ديمقراطي قوي، غير أن نبيلة انطمست بصيرتها بالإيديولوجيا الجوفاء الفارغة!) هو عبد العالي حامي الدين. تراجعت عن الحضور للندوة لكونها تستضيف سفاحا من حزب رجعي. بأي عيون ترى هذه السيدة العالم، هل مخرجات هيئة الإنصاف والمصالحة لم تكفي، أم أن شهوة الإقصاء والاستئصال والتمركز حول الأنا وتمجيد الذات، وربما لو سقط حامي الدين شهيدا بعدما سقط مغميا عليه في المشهد وحُمل إلى المستشفى لكانت السيدة نبيلة مرتاحة.
أين النبل يا نبيلة.. ما محل الشعار الجميل: الدين لله والوطن للجميع من الإعراب.
هل الوطن لليساريين والمتياسرين فقط أما باقي أبناء الوطن من طيف العدالة والتنمية وغيرهم فلا تعامل معهم سوى المقاطعة والتسفيه والاحتقار..
تزامنت هذه الخواطر وهذه الأحداث مع قراءتي لكتاب المناضل عبد المومن شباري رحمه الله "الحركة الطلابية المغربية، التأريخ والامتداد: 1956-1990" والذي قدم له الكاتب الوطني لحزب النهج الديمقراطي السيد المصطفى براهمة قائلا: سيكون على تيارات الطلبة القاعديين المختلفة أن تقبل بالحق في التعدد والاختلاف وأن تفتح جسور التواصل وتنظم النقاش حول تجاوز الوضع الحالي.. وتفتح في نفس الوقت نقاشا مع الفصائل الأخرى الديمقراطية والتقدمية: الطلبة الأمازيغ، الطلبة الصحراويون وغيرهم. وسيكون على فصيل طلبة اليسار التقدمي أن يتحمل مسؤوليته كاملة في هذا الظرف الدقيق بنقد استعمال العنف ضد الفصائل اليسارية والديمقراطية والتقدمية وباعتراف فصائل الطلبة القاعديين ببعضهم البعض، وبالاعتراف بالفصائل الأخرى: الطلبة الأمازيغ، الطلبة الصحراويون.
فصيل مجهري وحزب لا عمق له ولا رهان له يُفصلون حقوق الاختلاف على الجميع إلا على الحركة الإسلامية. الوطن يسع إجرام الطلبة القاعديين ووحشيتهم ويسع جاهلية الطلبة الصحراويين الانفصاليين وجهلهم (نتحدث عن العاملين في مسمى الفصيل الصحراوي أما أبناء الصحراء فقد سبق أن أشرنا إلى موقفنا من الجميع في مقال سابق بعنوان"على طريق الأجداد كل يوم نقترب من الهدف"). أما الطلبة الأمازيغ فنحن منهم. الوطن يسع كل هؤلاء إلا أبناء الحركة الإسلامية. أما بخصوص العنف، فالسيد البراهمة يخاف على فصيله الجنيني "اليسار التقدمي" لأنه ممنوع من الدخول إلى الجامعة باسم عقيدة اليسار مجددا؛ لهذا فالعنف مُدان بين القاعديين وضد الفصائل اليسارية وضد اليسار التقدمي أما ضد أبناء الشعب الآخرين: أبناء الحركة الإسلامية، فهم شرذمة رجعية تُعطل حركة التاريخ ينبغي تصفيتها والعنف حلال ضدها!
وهل يستحق دعاة الإقصاء من الخطوط المتياسرة والاتجاهات اليسارية الإقصائية بعد كل هذا: العزاء؟ نعم، يستحقه الكبار منهم، يستحقه محمد الساسي مثلا، أما دعاة الانغلاق الغارقون في الوهم والنقاشات الحلقية الفارغة فلا عزاء لهم.
ليلة يوم السبت 11 يونيو، دعت مؤسسة المشروع للتكوين والتفكير الأستاذ عبد الإله بن كيران بصفته أمينا عاما لحزب سياسي متجذر في التربة المغربية (في إطار برنامج ثقافي رمضاني يستضيف أيضا:  حميد شباط والمدعو إلياس العمري والمحامي إدريس لشكر)، دعته إلى أمسية ثقافية يمتزج فيها الفكر بالسياسة. ولأن مقر المؤسسة كائن بالمقر المركزي القديم لحزب الاتحاد الاشتراكي بحي أكدال، فالدعوة تمت إلى هذا المقر.
فوجئت كغيري من المواطنين الذين حضروا للقاء الثقافي بكون بعض الاتحاديين وقفوا بعنجهية أمام المقر قائلين لبنكيران ما معناه: لن تدخل إلا على جُثثنا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد رفعوا شعارات سبق أن رفعتُها مع بعض الإخوة الأفاضل من الطلبة التجديديين في مؤتمر حزب الطليعة (مجرمون مجرمون.. قتلة بن جلون). لم يخطر ببالي أنني أنا المتهم بقتل بنجلون أو أن أخينا عبد الإله بنكيران هو المتهم أو أن أحدا من الإخوان هو المُتهم. ما أعلمه هو أنني لما قرأتُ بتفصيل التاريخ السياسي والحزبي للمغرب من الأربعينات إلى السبعينات، لم أدع يوما لقاء طلابيا داخليا أو تكوينيا أو حلقية في الساحة دون أن أحيي الشهيد عمر والشهيد المهدي والشهيد عبد الرحيم حسناوي وكل من احترق من أجل إضاءة هذا المغرب بالوقوف ضد طغيان طغاته وضد استبداد مستبديه وضد ظلم ظالميه وضد فساد مفسديه. ولم تفتني مناسبة دون أن أشير إلى ومضات من حياتهم ونضاليتهم. وأعتقد أن حضور أي محب لعمر للقاءاتنا الداخلية سيحس بأننا ننافسه على محبته. فالعظام ليسوا ملكا لفصيل حزبي دون آخر. والشهداء هم ذاكرة شعب بأكمله. وكفى من الشعارات الرنانة: فالوطن نؤمن أنه للجميع، والشهداء والكبار نؤمن أنهم للجميع، فهل تؤمنون بشعاراتكم؟
أما الأستاذ عبد الإله بنكيران، ولا عزاء للجاهلين، فقد كان عضوا في الشبيبة الاتحادية من سنة 1972 إلى سنة 1976 وتألم لاغتيال الشهيد في دجنبر 1975 وحضر ذكراه الأربعينية وكان ملازما للأستاذ محمد الساسي الذي صار فيما بعد الكاتب الوطني للشبيبة الاتحادية من سنة 1987 إلى سنة 1998. ولم ينتسب للشبيبة الإسلامية التي قيل أنها ضالعة عملية الاغتيال –على الرغم من كون اللبيب لا يفوته كون المخابرات المخزنية ليست بعيدة عن تدبير هذه العمليات بغض النظر عن أدوات التنفيذ المباشرة- لم ينتسب لها إلا في أبريل 1976.
إن الاتحاديين أيضا أثبتوا من خلال الحادثة وحوادث أخرى أنهم فقدوا البوصلة وأن الإقصاء عقيدة راسخة عندهم وأنهم لا يحملون من مضمون اليسار إلا معنى أن يكونوا على يسار الحركة الإسلامية مهما تطورت ونضجت وبذلت في سبيل الوطن. فهل يستحق هؤلاء العزاء؟ أبدا.
إن الذين يستحقون العزاء مرة أخرى هم النزهاء الذين ينعمون بسعة الأفق أمثال الذين لم يترددوا في دعوة زعيم المشهد السياسي في المغرب إلى مقر عريق، على الرغم من اختلافهم معه.
بكلمة، إن الخطوط المتياسرة والاتجاهات اليسارية الإقصائية لا تستحق عزاء يذكر. إن بعض الأفراد المناضلين بصدق والقابضين على الجمر والمتشوفين بحرقة إلى وطن ديمقراطي بملكية برلمانية يصون الحريات العامة ويُعنى بالفئات الهشة والطبقات المسحوقة هم من يستحق التحية والإكبار.
ما يؤلمني بصدق هو أن التحديات التي أمامنا جسيمة والأسئلة المطروحة علينا كبيرة ولا فائدة للوطن إذا انتصر فصيل واحد ولا خاسر سوى الوطن من شيوع جو الاحتراب والإقصاء والكراهية. لكن لعلنا نجني فائدة من اندحار خطوط قامت بأدوار طلائعية ينبغي الاعتراف لها بالفضل فيها غير أنها سرعان ما انقلبت على أبرمته في عقد ازديادها وصارت بلا هَم سوى أن تكون على يسار الحركة الإسلامية، في الوقت الذي ينبغي عليها أن تكون على يسار الظالمين والمفسدين والجاهلين والمُضللين والمتحكمين..


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





بدعوة كريمة من اتحاد الطلبة الموريتانيين بالمغرب، حضرتُ بمعية بعض الإخوة الأفاضل (قيادات وطنية في منظمة التجديد الطلابي)  حفل اختتام السنة الدراسية في الحي الجامعي الدولي بالرباط. أثار انتباهي، وأنا جالس، الشعار الذي اختير لإضاءة فعاليات ذلك الحفل الختامي وهو: "على طريق الأجداد كل يوم نقترب من الهدف".
قبل الخوض في ما انقدح في ذهني بخصوص مضمون الشعار. ينبغي إزالة الستار عن قضية هامة أيضا ذات صلة بطبيعة علاقتنا بأشقائنا الموريتانيين والخليجيين والعرب أجمعين. فقبل سنوات؛ تجاذبت أطراف الحديث مع أحد معارفي –الذي ينتمي إلى الحركة الثقافية الأمازيغية- حول الخليج العربي وكان أن صدح بأنه لا يسمح لأحد إطلاقا أن ينسب له أي صلة أو قربى ب"أصحاب الأصفار" (كناية ساخرة عن الشكل البيضاوي الذي يلُف على منواله الخليجيين الثوب فوق الرأس) ومضى صاحبنا يطلق أقذع النعوت وأقسى المثالب على من قَدر له الله جل في علاه أن يولد في الخليج..
وقد يسوق سائق كلاما مشابها بخصوص الموريتانيين فينتقص من إنسانيتهم ويلعن بدويتهم وصحراويتهم لا لشيء إلا لأنهم خُلقوا في الصحراء وترعرعوا في وسط بدوي يحتفي بالشعر ولا شيء غير الشعر..
وقس على هذا ما يمكن أن يقال على أي شعب أو طائفة بشرية أخرى في إفريقيا أو قارة أخرى. وربما نظرات "الجنس الأبيض" (الغرب) لشعوبنا وكل الشعوب العالم الثالث، خاصة نظرات الساسة وصناع القرار أما من تشبع حقا بثقافة حقوق الإنسان فلا يمكن أن يصدر منه هكذا موقف، تنطلق من نفس المنطلق وترى الآخر المتخلف بذات الرؤية العنصرية الدونية غير الإنسانية.
إن المسألة الكائنة هنا هي مسألة مبدأ. إنها قضية الإيمان بالإنسان كيفما كان لونه، جنسه، دينه، لغته وعاداته. إن الأصوات المغالية في الحركة الأمازيغية التي تحقد على الإخوة العرب ينبغي الانتباه إلى أن خطابها مدمر أولا وقبل كل شيء للقضية الأمازيغية. لأنه ما القضية الأمازيغية غير طرح سؤال بسيط: ما ذنب جدتي –على سبيل المثال- التي رضعت لبان الأمازيغية منذ نعومة أظافرها ولا تجيد سواها: لماذا تُحرم من التواصل بلغتها في الفضاء العمومي؛ في المحكمة والإدارة والإعلام.. لماذا سيكون من يعرف العربية -لأنه نشأ بها- أفضل منها؟ إنها قسمة ضيزى. ما القضية الأمازيغية غير الانتماء للأرض (كما يشدد على ذلك الأستاذ محمد بودهان مدير جريدة "تاويزا" والدكتور حسن أوريد) التي تمتعنا بخيراتها وحملت عبقرية أمتنا وانشدادها العميق إلى الحرية.
إذا كان الأمر كذلك. فما ذنب الموريتانيين إذا احتفوا بصحرائهم (الأرض) وتغنوا بأشعارهم وغيرها من مقومات وجودهم. ما ذنب الخليجيين إن اكتسوا بلباس أصيل في محيطهم وضارب بأعماقه في جذور تاريخهم. ما ذنب الموريتاني الذي قُدر له أن يخلق في موريتانيا. وما ذنب العربي الذي قُدر له أن يولد في جزيرة العرب. وما ذنب جدتي التي قُدر لها أن تكون ملاعب صباها في بلدة "أبحري" في إقليم تيزنيت. وما ذنب الإفريقي الذي وجد نفسه في أدغال إفريقيا...
إن الإيمان الصادق بالإنسان يدفع صاحبه إلى سعة الأفق ليقبل بوجود لغة نستمتع بالحديث بها وتستحق الحياة، كما يأخذه إلى قبول الآخر كما هو بعاداته التي شَب عليها..
كما وجب التنويه إلى أن التطرف والغلو مذهب يخترق كل الحركات الاجتماعية وليس محصورا فحسب في الحركة الأمازيغية.  كما أن أهل الاعتدال والاتزان يخترقون كل هذه الحركات.
نعود إلى شعار حفلنا. "على طريق الأجداد كل يوم نقترب من الهدف !".
هذا الشعار يعكس بجلاء الأزمة التي طالما شغلت الفكر العربي المعاصر وهي ثنائية "التراث" و"المعاصرة". إن الجهد الجبار الذي قام أولئك الذين جاهدوا لإعمال حفريات واسعة في العقل العربي لاكتشاف بنيته وتكوينه في أفق تخليصه من معوقات تحول دون معانقته للعصر؛ إن هذا الجهد في حاجة إلى أن يستدعى وأن يُقرأ في هذه الأوساط التي مازالت ترى طريق الأجداد –هكذا بإطلاق- سالكا نحو الهدف.
إن طريق الأجداد ليس واحدا وإن الأجداد ألوان، ثم إن العصر الذي نعيش فيه –ولا نعيشه- له منطق لا يلتقي وطريق الأجداد. فمن اختار طريق الأجداد سيستقيل من العصر وسيبقى في سجن مؤبد هو "التخلف" وسيظل في وضع هو "التبعية" و"التسول".  وهو وضعنا الحالي بلا أدنى شك.
هذا الشعار رُفع ومازال يُرفع بدون جدوى. والحال أن موريتانيا تعيش بالصدقات والمساعدات الأجنبية.
وإذا كان المقصود ب"طريق الأجداد"؛ استماتتهم من أجل الأرض التي آوتهم وكفاحهم من أجل استدامة حريتهم وصد السعاة إلى استعبادهم واستذلالهم. فما أجمله من مقصود! فهذا الشعار سيحرك الإنسان نحو البذل والعطاء ونحو العلم والعمل، وسيُعلي همة الناشئة وسيرتقي بطبيعة الهموم.
ثمة مؤشر جانبي لكنه مهم. كانت العروض الفنية التي بها تم إحياء الحفل  بعيدة عن عكس مضامين روح الشعار. ففي إحدى الوصلات الغنائية، تم استضافة مغنية –لعلها مغربية- وراحت تتحدث عن "هي باغيا واحد...". أما الوصلة الغنائية بالإنجليزية فلم أفهم مرامي كلماتها لضعف مستواي فيها.
اضطرام العواطف تجاه الجنس الآخر أمر معروف. لا يحتاج إلى مزيد تأجيج وإنما إلى دراسة مركبة تستحضر أن لنا أعباء ينبغي القيام بها وفي نفس الوقت هناك نزوعات فطرية طبيعية لا ينبغي القفز عليها. إن الآخر (الغرب خاصة) إذا شاعت فيه صور التأجيج فلا ضير بالنظر إلى الوضع التاريخي للدول حيث تم استكمال البناء.
ولكننا نحن لنا وضع آخر؛ فالتأجيج عوض لفت الأنظار نحو الاشتغال ما هو إلا تخدير ناعم وحراسة للتخلف واستدامة للتبعية. والمشكلة أن الشعارات الفضفاضة (على طريق الأجداد كل يوم نقترب من الهدف) لم تُمكننا من الانتباه لهذا المشكل ولم تُقربنا من الهدف بل قربتنا من درجات دنيا من الهاوية.
إذن، حتى إذا افترضنا أن ليس للموضوع صلة بالدين أو أي مرجعية أخلاقية من هذا القبيل، فمنظورنا للمسائل ينبغي أن يرتبط بسؤال الخروج من التأخر التاريخي. هل القضية الفلانية أو الوسيلة العلانية تخدم هذا السؤال أم أنها تُخدر الإنسان لينسى أن عليه أصلا سؤال ينتظر الإجابات.
نعود إلى شعارنا. قلت إذا افترضنا أن له روحا مشرقة ومقصودا نبيلا، فينبغي أن ينعكس ذلك على المضامين الفنية وكل الوسائل المختارة للترويح على الإنسان وتنشيطه وبعث الحيوية فيه.
ولعل من الأفضل توضيح شعاراتنا وتدقيق ما نريد أن نأخذه من أجدادنا (وفي تقديري ليس هناك أمور مهمة جدا لنأخذها منهم ما عدا تلك الروح المُلهمة)؛ حتى لا نضرب في ضباب وننسى أن ما ينبغي أن نسعى إليه هو "الخروج هذا النفق المظلم" بدون "أن نضحي بروحنا".   


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




كنت عازما على التوقف بشكل مؤقت عن الكتابة، في الأسابيع الجارية، لأسباب على رأسها؛ أنني راغب في فرملة عملية التأمل والتفكير (وأنى لي بذلك!) ولأن إيقاع الزمن رهين بالامتحانات ولأن مضمون هذه الأخيرة تغلب عليه المعرفة التقنية ولأن المعرفة التقنية والأسئلة الفكرية لا يلتقيان.. ولأن لنا إدراكا واحدا وعقلا وسمه ذات مرة  وليم جيمس بأنه: انتقائي وجزئي. ولأن واجب الوقت –كما يقول الفقهاء- هو الاستعداد وبذل الوسع في الفهم والاستيعاب. لكل هذا، كان لا بد من النزوع نحو النأي –مؤقتا- عما يحيط بالفكر (تأملا، قراءة، وكتابة). رغم أنني أعترف بكون الأفكار تخامرني غالبا وتحتشد بحدة في مخيلتي طالبة السبيل نحو "الشاشة" و"الكلافيي".
حدث أمر بسيط –في ظاهره- دفعني بإصرار نحو الكتابة.
بينما أنا منهمك في مشاغلي الدراسية، تلقيتُ رسالة هاتفية من الأم الثانية والأخت الكبرى والصديقة الحميمة (ولا أقول العمة لأنها لعبت أدوارا أكبر من أن تُختزل في هذه الرابطة) "أم هيثم" مفادها: السلام عليكم. بفضل الله وقوته ولدت هذا اليوم على الساعة الثانية بعد الزوال ولدا ذكرا. فالحمد لله رب العالمين. ومبروك عليك خالي أيوب مرة أخرى.
قد تبدو الرسالة للوهلة الأولى عادية. وليس غريبا أن يقال ذلك، فمنظور أهل بلادة الحس لا يندهش لشيء ولا يتأثر لأمر ولا يتساءل حول ما وراء الملحوظ والمشهود.
بعدما تلقيت الرسالة، تناسلت الخواطر في ذهني: أُم بعد 6 ساعات من الوضع تتجشم عناء إنباء أخ صغير –متهاون في النهوض بتكاليف الانتساب إلى الأسرة-  بأنها ولدت..
أُم تشتغل بشكل يومي في عيادتها الطبية. لو أرادت أن تجد لها موطئ قدم بين الوجوه النسائية في الساحة السياسية لما خانتها مواهبها ولا طاقاتها ولا استعداداتها. عز لها نظير في الصدق والكرم واللطف والإحسان ودفق الإنسانية. أُم مهمومة دوما بهموم الآخرين ومهجوسة بحل مشاكلهم والنهوض بأوضاعهم: ترجمت معاني الإيثار في سلوك يومي حي. عكست المعاني الإيمانية والصلة العميقة برب العالمين في صورة مشرقة وتدين راشد يأخذ باللب والجواهر.
يا سادة. من هذا الكائن الذي يفعل كل هذا؛ الكائن الذي يتصل بالمولى ويصل الرحم ويتقن العمل ويجيد الصنعة (الطب) ويشتغل يوميا في البيت والعيادة ويتحمل فوق كل هذا آلام الحمل وعذابات المخاض والوضع ويسهر الليالي ذوات العدد طلبا لتنشئة سليمة للوليد..      
يا سادة. بصدق أنا عاجز عن تصور ذرة من ذرات هذا العطاء، فما بالك بإنجازه! 
في سياق ذات صلة، أجد إحدى قريباتي كذلك تتحمل وعثاء التنقل إلى معهد الدراسة كل يوم (بما في ذلك إمكانية التعرض للمضايقات والمعاكسات)، تجتهد في النفاذ إلى متطلبات درسها، تحاول قدر طاقتها التعاطي مع الكتاب والمطالعة المنتظمة، قوية الصلة بالقرآن الكريم وقبل ذلك برب العالمين، وتتعب في أعباء البيت بعد العودة.
يا سادة. إنني عاجز عن بلوغ هذا المقام وعن الإتيان بهذه الأعمال الجسام. إن الأنثى تستحق حقا أن تكون الجنة تحت أقدامها. إن الأنثى هي الإنسان.
وإذا كان المطلعون على مسيرة البشرية يرون بأنها استدبرت المرحلة العضوية والمرحلة العاطفية وأنها قد دشنت المرحلة العقلية، يقول جوستاف لوبون: يمكن تصنيف الظواهر التي تبديها الكائنات الحية في عدة فئات تتراكب اليوم، لكنها كانت تتعاقب بطء في الزمن: أولا، ظواهر حياتية (تغذية، تنفس...). ثانيا، ظواهر عاطفية (مشاعر، أهواء...). ثالثا، ظواهر عقلية (تفكير، محاكمة...). وهذه الأخيرة ظهرت بشكل متأخر من تاريخ البشرية(1). إذا كان الأمر كذلك، فإنه لا مندوحة في مرحلتنا الأخيرة من الاحتفاظ بعواطف مشبوبة مؤطرة بشكل عقلاني. لأن عالم العواطف هو الذي يعكس جانبا هاما من إنسانية الإنسان وهو الذي يبرز اتجاهه التراحمي والاجتماعي. أضف إلى ذلك، ما تنطق به الحياة من تعاسة وما تطويه من جفاء وجفاف في ظل صمت العواطف وانعدام آثارها الحيوية على سلوك الإنسان.   
ونظرا لانغمارها في عالم العواطف، مما يمدها بطاقات معنوية عالية للإقبال على تحمُل أعباء النهوض بمنجزات استثنائية بروح إنسانية متدفقة. تبقى الأنثى هي الإنسان. لأنه لا إنسانية بدون الخروج من الأنا والميل نحو الأرحام -والناس عموما- بالمودة والكرم والإحسان.  وقد قال أحدهم: لا أتصور عالما بدون العظماء الذين يضحون ويعانون –في مختلف المجالات- لتستمر الحياة. يا سادة. إن الأنثى على رأس هؤلاء العظماء.  

(1) غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014،ص:57.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





يعد مفهوم الإيديولوجيا من المفاهيم الكبيرة التي أثارت أقلاما عديدة في الساحة الفكرية العربية خاصة بعد النصف الثاني من القرن العشرين. ولا عجب في هذا الاهتمام المثير بالمفهوم خاصة إذا فهمنا محوريته في إدراك الممارسات التي يقوم بها الأفراد الحاضنون لانتماء معين. كل هذه الكتابات توجهت بالنقد والنقض للإيديولوجيا وكأنها تدعو الجميع إلى التحرر من أغلالها.
ما الإيديولوجيا، أولا؟ إنها معتقد يغشى الإنسان ويتسرب إلى ذهنه ويتسلل إلى نفسيته فينطلق من خلاله ليفسر كل شيء وليقيس كل ما أمامه. إنها فكرة عاطفية تتملك الإنسان ومن خلالها ينظر إلى الكون والإنسان والحياة. إنها منظار يرى الإنسان من خلاله الحياة ولا يشوبه أدنى شك في أنه الصواب الذي لا صواب بعده والحق الذي ليس بعده إلا الضلال. إنها تحتل رؤية الإنسان بدون أدلة عقلانية بل هي مؤطرة بمحض مصادفات نفسية وعوامل خارج إرادة الإنسان.
غير أن الإيديولوجيا تتميز بميزة خاصة فهي نظرا لانتسابها لعالم الاعتقاد والإيمان تعد وقود حركة الإنسان ودليل عمله. إنها الدافع الرئيس لنشاط الناس وحيويتهم. إنها وراء المنجزات المذهلة التي يحققها بعض قادة الحركات الإيديولوجية حينما يجمعون بين الكتابة والخطابة والمهنة والتخصصات المتباعدة في زمن قياسي.
وهذا أمر مفهوم؛ فالإنسان المؤمن بفكرة ما إن يعتقد في صلاحها وفي إمكان إخراج الناس من الضياع بواسطتها، حتى يفعل المستحيل ويعرض نفسه للخُطوب ويركب المشاق ويسهر الليالي ليرى لفكرته مصداقا في الواقع. وغالبا ما تكون الفكرة بعيدة عن الواقع ولا مستقبل لها في الحياة، فيزداد صاحبها تعبا وكدحا ويبذل مجهودا مضاعفا من أجل مطمحه. وفي أثناء هذه الرحلة القاصدة وهذا الطريق الطويل يحقق صاحب الإيديولوجيا (أو الحركة الإيديولوجية) "المعجزات" –حسب مقاييس الإنسان المحروم من الإيديولوجيا- من عطاء فكري وإبداع فني.. 
وتتميز حركة صاحب الإيديولوجيا باستهدافها لعدو بعينه (عدو تحقق الحلم الإيديولوجي). ولهذا لا يمكن أن تجد صاحب إيديولوجيا بدون أعداء. فقد يكون العدو هو "الإسلاموي" أو "العلماني" أو "الغرب" أو "الإسلام" أو "الاشتراكية".. وحركة العدو وكيفية تصورها هو الأمر الذي يزيد لهب "المؤدلج" اشتعالا ويضفي على عمله الحيوية والتألق.
لكن ثمة دائرة أخرى سادت في العصر الحديث هي دائرة العلم والمعرفة. وهي دائرة تقف على طرفي النقيض مع دائرة المعتقد والإيديولوجيا. لأن هذه الدائرة مبنية على الدليل العقلاني والتجربة العملية.
ويحدث أن ينجذب المرء إلى صوت الدائرة الثانية. آنذاك تندك أركان الإيديولوجيا شيئا فشيئا. وآنذاك يقف الإنسان ويحبس الحركة والعمل لينغمر في التأمل والفكر والدرس العلمي لعله يفوز بمعان تنير له "ظلمات" الحيرة التي دخل إلى لُججها. وآنذاك يودع الإنسان الفراش الوثير والراحة الهنيئة التي كان يعيش فيها في ظل الإيديولوجيا. وآنذاك لا منقذ للإنسان من وحش "السؤال" وأفعى "الحيرة" وذئب "الشك".. لاهثا خلف نقطة الثبات ووراء صواب يثبته العلم وتزكيه التجربة.
واضح، إذن، أن الإنسان بين نارين: نار الإيديولوجيا التي تجعله أعمى لا يرى الحياة إلا بعين واحدة ولا يجيب سوى على مشاكل نفسية خاصة، بل تجعله متعصبا لا يستطيع العيش بدون تحديد أعدائه. ونار أخرى هي نار العلم الذي لا يعرف السكون ولا يعرف الطمأنينة ولا يقبل الجاهز ويتنكب سبيل الحقائق الناجزة.
لكن، هذان الاختياران الصعبان يحويان فوائد خاصة. فإذا كان فضل الإيديولوجيا يتجلى في دفعها للإنسان إلى الحركة والعمل وتقديم شيء (ولو اختلف في تقدير موضوعه) للمجتمع والوطن. فإن الانتساب إلى دائرة المعرفة واللهاث وراء الأدلة النسبية يجعل الإنسان منبعث الإنسانية فائضا بالتسامح والتواضع والانفتاح (نتكلم هنا عن مُؤدَى هذا الطريق أصالة؛ أما انحراف بعض النماذج عنه وسقوطهم في نزعة "علموية"، فهذا لا شيء آخر).
إذن، فما عسى الإنسان فاعلا؟ وما عسى المثقفون النقاد فاعلين: هل يدعون الناس إلى الاستغناء عن الإيديولوجيا كلية، والانخراط في النهل من الفكر العلمي؟ وهل يمكن في هذه الحال الاستغناء عن الإيديولوجيا؟
يبدو أن الإقلاع التام عن عالم الإيديولوجيا له تكلفة باهظة، ليس أقلها أن يقف الإنسان عن الحركة ويبقى مشلولا بدون عطاء. أو ليس تاريخ العلم، ابتداء، تاريخ أخطائه؟ إذن، فليعمل الإنسان مستنيرا بإيديولوجيته ولكن.. من الواجب تلقيح الإيديولوجيا بجرعات قوية من مواد التخصيب والتنسيب حتى يسعى الإنسان نحو تصحيح الأخطاء التي يقع فيها أثناء العمل بوحي الإيديولوجيا.
إن نزوع الإنسان نحو الإيمان بمعتقد (هنا لا نتحدث عن الدين، وإنما أفكار يمكن أن يدخل ضمنها فهومات معينة للدين: يرى من خلالها الإنسان الحياة) نزوع أصيل. ف"أيا يكن العرق والزمن المأخوذ بالاعتبار ودرجة الجهل أو الثقافة فقد أظهر الإنسان دائما التعطش ذاته للإيمان. ويبدو الاعتقاد غذاء نفسيا، ضروريا جدا. وما شك ديكارت الشامل إلا خيال عقلي، فقد يمر الإنسان أحيانا بمرحلة الشك لكنه لا يظل عندها طويلا. صحيح أن الفيلسوف لا يؤمن بالأشياء ذاتها التي يؤمن بها الجاهل لكنه يقبل أشياء غير مبرهنة بما يكفي".(غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014،ص:273-274)
إن دائرة العلم تدعونا لأن نتريث قبل أن نتبنى فكرة حتى نتحقق ونمتلك الدليل، لكن يبدو أن هذا الأمر مستحيل. "واستحالة التحقق من صحة مجموع معارفنا تجعل نصيحة ديكارت المعروضة في كتابه "خطاب في المنهج"، نصيحة خيالية: "لا أقبل إطلاقا بصحة أي شيء لا أعرف بوضوح أنه كذلك، وأرفض كل الأشياء التي يمكن أن يتملكني أدنى شك بها". ولو كان ديكارت قد حاول تطبيق تعاليمه لما كان سيعتبر بعض الأمور التي باتت تثير ضحكنا اليوم، بأنها واضحة. لقد كان مثله مثل جميع معاصريه وعموم خلفائه، خاضعا للاعتقاد.
يقول لوك: "إن ذاك الذي لا يرغب في أمور الحياة العادية بقبول أي شيء إن لم يكن مبنيا على تفسيرات واضحة ومباشرة، فإنه لن يكون واثقا من أي شيء سوى من موته بعد زمن قصير جدا. لأنه لن يجد أي طعام يأكله أو شراب يشربه يمكنه أن يجازف بتناولهما".
ويمكن أن نضيف أيضا –يقول غوستاف لوبون- أن التحليل النقدي لآرائنا وليقيننا ربما يجعل وجود المجتمع مستحيلا. إن دور الاعتقاد (=الإيديولوجيا) هو بالضبط أن يجنبنا هذه التحليلات". (غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات: نشوؤها وتطورها، دار الفرقد، سوريا، الطبعة الأولى، 2014،ص:313-314)  

هكذا، نذهب إلى أنه من العسير الاستغناء الكلي عن الإيديولوجيا. لكن نؤكد مجددا أن زمن الإيديولوجيات المحنطة والمغلقة انتهى. إن أي حلم إيديولوجي اليوم يروم استقطاب الناس وتعبئتهم ينبغي تلقيحه وتصفيته من مرض الدغمائية القاتلة. إن المهم هنا هو الاحتفاظ بإيديولوجيا تحرك الإنسان وتدفعه نحو الفعل دونما سقوط في تعصب مقيت أو استعداء للآخرين.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





كنت سابحا في عوالم (معتقل الصحراء) للعلامة محمد المختار السوسي، حيث يحكي ما كان يدور في المعتقل الذي ضم كبار رجالات الحركة الوطنية سنة 1952. إن ما حكاه –والذي يعز المقال عن استعادته كله- ليومئ بحق إلى كون الوطنيين كانوا إخوانا مسلمين بدون اسم أو شعار!
قرأتُ فيما مضى (في السنة الثالثة إعدادي) سيرة العلامة الغيور يوسف القرضاوي "ابن القرية والكُتاب"؛ إذا قلتُ إني ذاكر لما جاء فيها فلن يكون ذلك سوى ومضات من الملحمة البطولية التي سطرها الإخوان في السجن في 1948-1949 في عهد الملك فاروق. نعم، لن أنسى الكلمات الجامعة التي علق بها الدكتور يوسف على المشاهد المنيرة التي شهدها في السجن بمعية كبار رجالات الإخوان وعلمائهم. "حولنا السجن إلى جامعة للعلم وجامع للعبادة ومنتدى لتلاقح الأفكار وناد للرياضة.. وكل ذلك على حساب إدارة السجن".
أنعم به من سجن كان فيه القيام زينة الليل والفجر موعد الرجال والذكر ملازم الشفاه وصاحب فقه السنة (سيد سابق) أستاذ فترة الصباح والفقيه النبيه (محمد الغزالي) متكلما عن الاستبداد والاستغلال وموقف الإسلام. فقد كانوا يستيقظون قبل الفجر فيركعون للمولى ما شاء لهم أن يركعوا ثم يقبلون بعد صلاة الصبح على الأوراد والذكر والقرآن وبعد ذلك يتوجهون نحو الرياضة (لعلها بقيادة المهدي عاكف: أسنُ قيادات الإخوان والذي كان مرشدا إلى غاية سنة 2010 ودخل السجن في عهد فاروق وفي عهد عبد الناصر وربما مبارك وهو الآن قابع فيه في عهد السيسي، وقد بات على مشارف التسعين فهو من مواليد سنة 1928)، ثم تتكرم عليهم إدارة السجن بالفطور! فيتحلقون حول محاضرات سيد سابق في الفقه ثم تتكرم عليهم إدارة السجن مرة أخرى بوجبة الغداء فيأخذون وقتا للاستراحة والقيلولة ثم ينطلقون إلى محمد الغزالي لمدارسة الإسلام والاستبداد السياسي والأوضاع الاقتصادية.. وهكذا.
إنه الفردوس الأرضي؛ إذا تم الاتفاق على أن ما يحقق سعادة الإنسان في الدنيا أمران: إذا وجد ما يسد رمقه ويسكت لظى الجوع. وإذا فاز بما يروي عطشه العقلي والمعرفي. فالطعام كان بالمجان والمعرفة (الفقهية والفكرية) –رغم إمكان الاختلاف في تقدير محتواها بمقاييس اليوم- كانت تفيض عليهم ليل نهار.
وإذا بي أقرأ ذكريات العلامة محمد المختار السوسي في كتابه (معتقل الصحراء)، لاح لي التشابه الكبير بين ما عاشه الإخوان سنة 1949 في (مصر) وما عاشه الوطنيون سنة 1952 في (تنجداد وأغبالو نكردوس). يقول المختار (ص:144): وقلت في صبيحة وقد أجلتُ عيني فيما نحن فيه من نعم على نعم، حتى لندهش أحيانا من كثرة ما يتوالى علينا من أفانين العيش الرغيد، وتنوع إخوان الصفاء، وما أقل شكر الإنسان، فلا يكاد يستمتع بنعمة حتى يُسرع إليه الملل، فيعتاده الوجوم:

أم  معتقل يا قوم أم جنة الخلد        متى كانت الأسماء تقلب للضد؟
فأنى تقلبنا نرى ما نرى وقد         عرت تخم ثرت بها راحة السعد
دروس وإخوان لطاف ونعمة        نقلب منها في أفانين من رغد
نظل ونمسي ثم نصبح ألفة           إلى ألفة، لا ركز يصدر عن حقد
أعن خطأ كان العدو مهيئا            لنا كل هذا أم عن العمد للكيد

ويتحدث المختار السوسي في موضع آخر لافتا الانتباه إلى مدى التزام الوطنيين بالشعائر الدينية في المعتقل، ويذهب في كلام عجيب إلى أن تشبث الوطنيين بهذا الشكل بأهداب الدين سيدخلهم في غمار المنافسة مع الإخوان المسلمين.
"إن كان كل معتقل من معتقلات المغرب المتوزعة في أرجائه يقوم بشعائر الدين كما يقوم به معتقلنا، وصارت الفكرة الدينية عملية كما هي عليه عندنا؛ فإن المغرب لعلى أبواب جديدة من الانقلاب إلى ما يفوق ما نسمعه عن الإخوان المسلمين..  فقد كنا في المعتقل القديم في صبارة الشتاء، لا تكاد تجد من يتخلف عن الصف، بل يتزاحم على الصف الأول أو يكاد يقتتل عليه، وليس هذا في غير الصبح فقط بل حتى في الصبح حين يتكالب الجو بما يفيض منه من قوارص الصر الشديد، والعجيب أننا كثيرا ما نصلي في الساحة العارية ومع ذلك لا يفلت شبابنا الحي الحضور في الصف". (ص: 185)
ويذكر العلامة المختار أن عددا منزورا لا يتعدى أربعة أفراد هم الذين كانوا يتخلفون لأعذار مقبولة أو غير مقبولة عن الصلاة. فنظم تحت عنوان "اعمل لدنيا... ولآخرتك..." ووطأ لذلك النظم بما يلي: خاطبتُ بعض الإخوان الذين يحرصون على أن يكونوا أول الحاضرين في وقت الرياضة ولا يحرصون مثل ذلك الحرص على التبكير لصلاة الصبح فقلت (ص:104-105):

يا من يبكر للرياضة      هل تبكر للصلاة؟
هذي الحياة، وما تعد    إلى الذي بعد الممات؟
أو عاقل من ليس         ينظر للذي بعد الممات؟
هاتوا الرياضة           والصلاة معا تكونوا من هداة
فإذن تكونوا خير       نشء يقتفى في المعضلات

أما عن المحاضرات الملقاة في أوساط المعتقلين فهي تذكرة حقا بما جرى مع الإخوان المسلمين، بل تومئ إلى أن أولئك فاقوا الإخوان فجمعوا إلى جانب الفقه والفكر علم الجبر وعلم الاجتماع وعلوم اللغة.. إن إعادة قراءة تاريخ الحركة الوطنية بشكل مستنير لاستجلاب الدروس المفيدة للأجيال الصاعدة تتجلى هنا. وإذا كانت هناك كلمة تجمع ما قام به هؤلاء الرواد فهي "الجدية"، إنهم كانوا يعملون بجد على مختلف الجبهات والصعد والميادين.
"كثيرا ما أفكر في معتقلنا فأقول: هل الواقع أن هذا معتقل حقيقة فأين آثار الاعتقال، وأين هموم الاعتقال، أنحن وكلنا سابحون في نعم زاخرة، وآلاء باطنة وظاهرة، نستحق في الواقع أن نسمى معتقلين، ثم إلى ناحية القيام بشعائر الدين والاهتبال بها، وإلى المروءة السائدة، وإلى الحياء الذي يسود الوجوه، وإلى اشتغال كل إنسان بخويصة نفسه، حتى أنني لأشهد بأن مسمعي ما ولجت فيه قط عبارة سفه أوما يُستحيا من قوله، فأقول: هذه زاوية من زوايا الصوفية، لو كان فيها شيء من الهدوء، وجهر بالأذكار التي تؤلف من الزوايا، ثم أنظر ناحية أخرى، فأرى دروسا قائمة، ومطالعات دائمة، ومباحث تحرر، وتواريخ تسطر، ومحاضرات تتوالى واستفادات، وإفادات يحرص عليها، يملأ ذلك كل طرفي النهار حتى لا تقع إلا على أستاذ أو تلميذ، أو مطالع، أو منقب بين الكتب عما يعوزه من تحرير مسألة.
أنظر إلى كل هذا فأقول إن هذه مدرسة تؤدي وظيفتها، وينبوع معارف يكرع من نميرها، ثم إذا تخللت الثنايا، ووقعت على هذا يتخصص في العربية كدروس عليا، وذلك في الفرنسية أو الإنجليزية، أو وقفت إزاء من يتوفرون إزاء لغة الشلحة و أمثالها ومشتقاتها، أو على اللغة الأمازيغية يحررون من عباراتها، ويقايسون ما بينها وبين أختها الشلحة. أو اندفعت إلى مجلس آخر يتقن فيه علم الجبر، وتقويم البلدان، وكيفية تخطيط الكرات الأرضية، وكيف يوازن علم الاجتماع ما بين زيادة الأهالي وبين تموينهم، أو لفت نظري أصحاب العلم الدقيق حول الحشرات والنباتات على اختلاف أنواعها.
إني أنظر إلى كل هذا فأقول إن هذه جامعة عظمى، وإنها لتعطس بين الجامعات بأنف شامخ. ذلك هو معتقلنا، وإن كنت أنا أسميه جنتنا التي لا لغو فيها ولا تأثيم ولا أحزان ولا هموم، فيها إخوان على سرر متقابلين". (ص:194-195)
إن ما تضمنته شهادة العلامة المختار لمن الأهمية بمكان بخصوص دراسة سمات جيل التحرير. إن إشارته إلى عكوف بعض المعتقلين على اللغة الأمازيغية ولهجة الشلحة للدراسة والمقارنة يحبل بدلالات كثيرة لعل أبرزها نفي التهمة الملصوقة بالحركة الوطنية على أنها جاءت من أجل محاربة الأمازيغية وإماتتها. صحيح أن قراءة التعامل غير العادي مع ظهير 16 ماي 1930 والتأريخ به لنقطة انطلاق العمل الوطني المدني والسياسي يحتاج إلى مزيد من الوقفات النقدية؛ لكن اتهام الحركة الوطنية –كل الحركة- باعتبارها عدوة الأمازيغية أمر ينفيه حيازة بعض الوطنيين لقصب السبق في الاهتمام بمسألة اللغة الأمازيغية والمرادفات التي تغتني بها بل جعلها لغة قائمة في مصاف اللغة الفرنسية والإنجليزية والعربية من خلال تخصيص أوقات لدراستها بنفس القدر الذي تُدرس به اللغات الأخرى. بل كان الوطنيون الكبار (أمثال المهدي ابن بركة..) متعطشون لتعلم الأمازيغية وفعلا فقد "تمزغ" و"تشلح" حسب شهادة المختار السوسي. "تلك من أنباء الدروس في معتقلنا، ولم أتتبع كثيرا الدروس المفردة لأنها كانت تستغرق الجميع؛ عربية أو فرنسية أو إنجليزية أو شلحية، حتى ابن إدريس وابن بركة تشلحا". (ص:203)
إن هذه الشهادة العفوية تحمل يقينا مفاجآت للعديد من أولئك الذين يفكرون عبر مُسبقات معينة وفق إطار تفسيري جاهز، فأن يتصدى الوطنيون في المعتقل لتعليم نحو الأمازيغية في وقت لم تظهر فيه الحركة الامازيغية المعاصرة بعد ولم يبدأ الحديث عن  التدوين ونقل التراث الشفهي إلى الورق أمر يدعو العديد من الفاعلين في الحركة الامازيغية وفي غيرها إلى مراجعة مواقف الحركة الوطنية في القضية الامازيغية بعيون أخرى.
"اقترح علي مصطفى الشرفي الولوع بكل استفادة أن أقرأ معه فنونا من النحو التصريف واللغة والأدب، وأراوده بما أستطيعه من إملاءات وفوائد متفرقة، وكان أيضا مولعا بتعليم المبتدئين؛ فيعلم الشريف مولاي أحمد التبر المبادئ العربية، كما يعلمني الفرنسية، وقد كان بوده أن يأخذ الدروس من كل الفنون عربية وفرنسية وإنجليزية وشلحية، بل شرع في كل واحدة منها متنقلا: فيأخذ النحو في الأمازيغية عن الأستاذ محمد الفاسي ويتذاكر في الإنجليزية مع الأستاذ الحمداوي، كما أن مصطفى يأخذ عن المهدي ابن بركة من علومه التي تخصص فيها". (ص:201)
إن الذين كانوا مع المختار السوسي وحكى عن عطاءاتهم وتدينهم وجديتهم ووطنيتهم ليسوا فقط من الكهول ومن خريجي التعليم الأصيل في القرويين، وإنما يوجد ضمنهم لفيف من الشباب عانق الثلاثين من أبرزهم رجل نعته العلامة المختار في مواضع كثيرة ب"نابغة" الشباب أو "النشيط" المهدي بن بركة. إن هذه الشهادة ترفع الستار عن أمر أثار جدلا  –وهو أمر خاص وشأن فردي على كل حال-: كيف كانت علاقة المهدي بن بركة بالدين؟ وما ثناء المختار السوسي المتكرر على المهدي –وهو الذي ينطلق من مقاييس الدين في الحكم على الناس-  سوى شهادة  إلى جوار شهادات أخرى تدل على أن خط المهدي لم يكن مخاصما للدين وإنما كان مخاصما للتقاليد البالية والرجعية المميتة. "وكثيرا ما يستوعب بالترجمة إلى العربية، من مقالات شتى من الصحف، أو مما يبلغه من هنا وهناك، فيأتي باللب، فيلقيه علينا بعبارة فصيحة. وقد قلت له مرة أباسطه: إنني أرى فيك لوزارة الخارجية ملامح، فأنت أقدر الناس على أن تلاقي كل واحد بما تريد أن تلاقيه به، وذلك من مزايا الوزارات الخارجية. وأنا أُكبر هذا الشاب، وأرى له مستقبلا، وكم دعوت الله أن لا ينقصه شيء". (ص:211)
إن الخلاصة التي بالإمكان الخروج بها في هذا السياق؛ إنه واهم من يعتقد أن الإخوان المسلمين جاؤوا مع الحركة الإسلامية المعاصرة للإيحاء بكونهم دخلاء. إن الإخوان المسلمين تمثلوا أحسن تمثيل في سلوك الوطنيين. إن الإخوان المغاربة عاشوا محنة الاعتقال في نفس الزمن الذي عاشها الإخوان المصريين. إن الإخوان المغاربة قرؤوا سيد قطب وأحمد أمين وجرجي زيدان قبل ميلاد إخوان ابن كيران..إذ كانوا يهرعون  إلى "عشرات فعشرات من أفذاذ الكتب: مجموعة روايات جرجي زيدان، ومجموعة فجر الإسلام لأحمد أمين، والإسلام في مفترق الطرق لمحمد أسد، ومجموعة مؤلفات سيد قطب مما ألفه حول الإسلام" (ص:208)، ومعلوم أن سيد قطب كان إلى حدود 1952 قد أصدر كتابات رائقة تدور حول التفكير الاجتماعي في الإسلام (العدالة الاجتماعية في الإسلام، الإسلام ومعركة الرأسمالية، السلام العالمي والإسلام..). باختصار، إن الإخوان المغاربة متجذرون في تربة الوطن كما أن إخوان بنبركة (الاتحاديون) متجذرون فيها كما أن إخوان إبراهيم أخياط  متجذرون فيها أيضا. ولهذا ليس غريبا أن تكون أصوات جزء من المجتمع العميق من نصيبهم.





...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





يعمد كثير من الخائضين في الشأن العام إلى الإشارة إلى كون ما نحتاج إليه اليوم هو مواطن يتمتع بعقل. من يلتقط أحاديث الناس سينتبه –أيضا- إلى كونهم يثلبون حياتنا ويُرجعون أصل أدوائنا إلى غياب الغائب الأكبر:العقل. إذن، ثمة شبه إجماع على أن المطلب الأول الذي ينبغي العمل على تحقيقه في جدول أعمال الانتقال التاريخي المنشود هو إشاعة العقل وبناء مواطن يفكر بروية وعقل. لكن يبقى السؤال الأكبر، هو: أيُ عقل نريد؟
طورت المدرسة الغربية النقدية  الشهيرة "فرانكفورت" تمييزا دقيقا بين عقلين: العقل الأداتي الموجود، في مقابل العقل النقدي المفقود. ومن منطلق إيمانها بوظيفتها النقدية لم تتردد المدرسة على لسان العديد من روادها في إدانة المناخات التربوية المُهيمنة والمنظومات التعليمية السائدة لكونها تتقصد إنسانا-آلة يدور مع التفاصيل أينما دارت ويغرق في أوحال الجزئيات مهما تناقضت وتشعبت، وليس بمقدوره أخذ مسافة مع الخطاب السائد والدعايات الرسمية.
هكذا، فالعقل الذي يريد كل صاحب سلطة –مهما تظاهر بإيمانه بالعقل ودعوته إلى التعقل- سواء كان في الغرب أو الشرق هو هذا العقل الأداتي. إنه العقل المهادن الذي لا يُزعج الأصوات الرسمية ولا أصحاب المراكز المهيمنة. إنه العقل الذي لا يقض مضجع هواة الاستئثار بالسلطات (السياسية والمعرفية). إنه العقل الذي يقوم بتعميق وعي زائف لدى صاحبه؛ يتوهم معه أن بملاحقته للمعلومات المتناثرة وبمتابعته لأسئلة المسائل الرياضية التجريدية وبانتباهه مع نُظم تشغيل الأجهزة والآلات المستحدثة؛ أن بالتحامه بهكذا أوراش وبارتباطه بهكذا أعمال قد اكتسب عقلا صار له بمثابة السراج المنير والمنقذ من الضلال. 
وعليه، فقد نهضت مدرسة فرانكفورت ونهض معها كل مثقف (وكل مؤسسة ثقافية) يحمل رسالة الإنسان بالدور المطلوب وهو إعادة الاعتبار للوظيفة النقدية للعقل. ورغم ذلك فقد بقي صدى هذه الدعوات  خافتا ومحصورا في أوساط النزر اليسير من المتنورين.  ولهذا، فالعقل المفهوم من خطابات الناس وبعض الخائضين في الشأن العام هو هذا العقل المُسيج وهذا العقل المحدود؛ أي العقل الأداتي. 
في كتابه (العقل والحرية، المنشور سنة 2009 ضمن منشورات الجمل) يقودنا الدكتور عبد الكريم سروش إلى تمييز هام بين مفهومين للعقل، يمكن الاستهداء بهذا التمييزأيضا لمقاربة سؤال: أي عقل نريد؟
ينتصر سروش للرأي الذي يرى العقل موجودا متحركا وأداة لفهم الحدث وتشخيص الواقع ولا يرى مشكلة في أن يصيبه الزلل والخلل في طريق طلب الحقيقة لكون مسيرته زاخرة بالتخبط بين الصواب والخطأ. هذا التصور للعقل يقف على النقيض من منظور يرى العقل بمثابة مخزن للحقائق ويتلخص في جمع الحقائق وحفظها. (ص:30)
يضيف سروش مبينا الفروق الكائنة بين العقلين: عندما يرى الإنسان بأن شرف العقل هو كونه مخزنا للحقائق، فحينئذ لا يهمه من أين حصل العقل على هذه الحقائق وكيف دخلت إلى ذهنه، فالمهم بالنسبة له أن تسكن هذه الحقائق في ذهنه ويكون عقله واجدا لها. فلا فرق لديه أن تدخل هذه الحقائق إلى ساحة الذهن بأدوات الجبر والفرض من قبل الآخرين، أو أن الإنسان يتحرك على مستوى تحصيلها بأدوات التأمل الحر. المهم أن تكون هذه الأفكار حقة وأن يحتوي عقله على هذه الأفكار الحقة من أي طريق حصل عليها.
ولكن إذا كان تصورك للعقل بأنه موجود متحرك وغربال وطالب للحقيقة، فالمهم بالنسبة لك ليس الحقيقة ذاتها بل كيفية الوصول إلى هذه الحقيقة واقتطافها.(ص:31)
هكذا، يبدو العقل على نحوين –حسب تحليل سروش-: الأول، يعتبر العقل بمثابة المقصد. والثاني يراه طريقا.
طبعا، لا ينبغي إغفال المناخ الثقافي الذي يتكلم من خلاله سروش ويوجه إليه خطابه النقدي. إن السلطة الدينية الرسمية في إيران؛ إذ تتغيى إشاعة الحقائق التي تؤمن بقدسيتها وإطلاقيتها، تتوسل إلى ذلك سبيل الإلجاء والإكراه وحشو المقررات بشكل مثير بالإيديولوجيا التي تعتنقها. فما يهم الدوائر الرسمية هناك، هو تخريج إنسان عامر بالحقائق الرسمية  ولو كان متنكبا لمقتضياتها وغير مؤمن بها داخليا.
إن ما يُراد للناشئة اليوم في أوساط متعددة هو أن تتمتع بهذا العقل المحشو ببعض الحقائق (= استظهار نصوص قانونية، برنام تشغيل الآلات، حل المسائل الرياضية، التعامل مع التكنولوجيا الجاهزة: الحاسوب، الهواتف الذكية،  قيادة السيارة..) وبعض القناعات الدينية. يتم إيهام الجميع بأن غاية المُنى وسدرة المنتهى هو تحصيل هذه الحقائق والتقاط هذه القناعات. يتم هنا تغييب سافر لمفهوم الإنسان أصالة؛ الإنسان المشاغب الذي قال "لا" منذ أول يوم، الإنسان المسؤول الذي يفكر بلا عُقد  بل يقف من أي مسألة الموقف الذي يعن له بعد تقليب النظر.
يتم بيع الوهم الأكبر للناس مفاده أن التفكير شأن القلة ووظيفة "المختصين" وأن الاكتفاء بالحقائق والقناعات التي تم تلقيها في الجو العام (المدرسة، الإعلام..) هو ما يجب أن يكون. ويتصور خريج هذا الجو العام أن هناك طائفة تفكر مكانه (بدعوى اختصاصها) في مسائل مصيرية وحيوية؛ كان بإمكانه إذا أخذ العزم على نفسه أن يُطور بتأملاته وقراءاته موقفا خاصا فيها، لكن أنى له ذلك وقد خُيل له أن الخوض في هذه المسائل الحيوية والمصيرية من شأن طائفة خاصة "مختصة". وعوض أن يتم الترويج لرأي متوازن يقول بأن الاستنارة بمقولات وأبحاث الخائضين في هذه المسائل الحيوية والمصيرية أمر هام ولكن بلورة موقف خاص (بناء عليه تكون المحاسبة في الآخرة ويكون التعاطي مع إشكالات الدنيا) واجب على كل إنسان مزود بعقل يتأمل ويقارن ويُغربل؛ عوض هذا يتم إيهام الناس بأن لهم فنا (ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب) عليهم الاكتفاء به  ونبذ المسائل الأخرى (فكرية، سياسية، دينية..).
إن دعوى ضرورة ابتعاد الناس عن بلورة آراء خاصة بهم في مسائل حيوية (الفكر والسياسة) ومصيرية (التدين) لا يمكن فهم ما وراءها إلا باستحضار ما يجري اليوم من نزوع نحو التقننة وتوطيد دعائم التكوين المهني وتشجيع الإقبال على التخصصات التقنية بكل ألوانها (فحفظ النصوص القانونية دون إدراك لخلفيتها الفلسفية ولا مساءلة لأفقها القيمي، هو عمل تقني أيضا).
إن جحافل "المواطنين" الذين مالوا –بدوافع ذاتية أو إيمانا صادقا بأهميتها أو استجابة للدعاية الرسمية- نحو هذه التخصصات التقنية المتنامية والواسعة. أكيد أنها إذا أنصتت لصوت يخترق الجو العام ويدعو إلى ترحيل التفكير والاكتفاء بالجاهز والسائد ستفقد حتما العقل باعتباره أداة للنقد ومعيارا للاصطفاء.

إن الحكاية في نهاية المطاف تقود إلى أن هناك "عقل.. وعقل" وشتان بينهما. الأول تنتفي معه وظيفة النقد التي هي ميزة العقل الأصيلة إذ يكتفي باللهاث وراء الحقائق والتفاصيل والمعلومات دون بوصلة ولا خيط ناظم ولا أُفق إنساني نقدي. أما الثاني فهو العقل حقا وهو المنشود صدقا من طرف كل المؤمنين بإنسان حر كريم مستخلف من رب العالمين.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






في نقاش راق مع  ثلة من الإخوة الأفاضل، همس في أذني أخ فاضل: إن الدكتور سعد الدين العثماني يعيش أزمة هوية؛ أي لم يعُد يدري أين سيتموقع، هل في صف العلمانية أم في صف الإسلام؟!
هنا لا يُهمني التوقف عند قراءتي لهذه الثنائية المُضللة والمغالطة. إنما قصدي هو الإطلالة على سؤال هام: من يعيش فعلا أزمة هوية؛ هل هو العثماني أم بقية الإخوان الذين لا يشاطرونه نفس التوجه التمييزي بين الدين والسياسة؟
لا شك أن الدكتور العثماني له أياد بيضاء في صياغة الورقة المذهبية لحزب العدالة والتنمية. ومعروف أيضا أنه من القيادات الأولى للحزب التي انحدرت من الحركة الإسلامية، ما يعني أنه واكب نموه واشتداد عوده. وللدكتور كتابات ومقالات كُتبت قبل قٌرابة عشر سنوات يتحدث فيها عن المنحى الذي يتجه نحوه الحزب وهو-في نظره- المنحى السليم.
بعد أن وصل الحزب إلى موقع الإسهام في تدبير الشأن العام؛ يتابع العديد من جنوده ومناضليه مسيرته بنزعة تبريرية تنم عن أن هناك خللا ما لدى بعضهم في استيعاب رسالة الحزب. فبعد أزيد من أربع سنوات من الانخراط الفعال والمتميز في التدبير الحكومي (بالإضافة إلى المحلي)، بإمكان أي متتبع أن يلحظ انحسار المضمون الديني والهوياتي في الخطاب السياسي للحزب بالإضافة إلى تبنيه لسياسة النعامة في التعامل مع المعارك الهوياتية المفتعلة.
السؤال المطروح هنا: هو كيف يستسيغ من كان مُعولا على الحزب في تنزيل "مشروع إسلامي!" هذا التحول الذي بدا على الحزب وجعل منه حزبا تدبيريا عاديا يستند إلى شرعية الإنجاز وليس شرعية المرجعية والهوية؟
يبدو من خلال التجوال على صفحات الفايسبوك –مثلا- أن العديد من مناضلي الحزب ينتشون بالكلمات النارية التي يطلقها قادة الحزب على "التحكم" وحزبه البائس. كما لا يخفى أن المناضلين (أبناء الحركة الدعوية) يتحدثون عن منجزات الحكومة وأوراش الإصلاح التي تباشرها في قضايا تدبيرية.
والإشكال الذي غفل عنه هؤلاء: إن الحزب الذي كان في خاطرهم ليس هو ذاك. لأن الوقوف في وجه التحكم وإن كان شرفا للحزب أن يحمل لواء ذلك في هذه المرحلة، فقد وقف الاتحاديون ضد ما هو أخطر وأقسى في مرحلة سابقة. وإن المنجزات التدبيرية والإصلاحية  يشترك فيها الحزب مع أحزاب أخرى (وزارة الصحة مع التقدم والاشتراكية نموذجا).
وإذا كانت العلمانية –الجزئية- في أبسط معانيها وجوهر دلالاتها تعني استقلال الدين عن السياسة؛ أي أن السياسة لها أدواتها العقلانية والدين شأن خاص له صلة بالخلاص الفردي. فإنه بدون شك نجد الممارسة السياسية للحزب تستبطن "علمانية صامتة" لأنها تؤمن بذات الاستقلال ولا تستدعي الشؤون الدينية نهائيا إلا بمقدار استدعاء باقي الأحزاب لها. إن العلمانيين طالما نادوا بفكرة واحدة: إن السياسة هي مجال دنيوي زمني لتدبير شؤون الناس، ولا إكراه في الدين ولا شأن للدين بالسياسة. وعمليا الحزب يسلك مسلك العلمانيين. والسؤال المستمر: كيف يفهم جنود الحزب (من أبناء الحركة والمرتبطين بالمرجعية الإسلامية) هذه التحولات؟ كيف يبررون هكذا سلوك سياسي؟ (تذكير: هنا لا أدلي برأيي في هذا التحليل، ما يهمني هو الوقوف على من يعيش أزمة هوية).
نأتي إلى الدكتور سعد الدين العثماني؛ إنه لا يعرف مثل هذه التمحُلات. فهو منذ سنوات كتب مقالات جُمعت في كتابه (الدين والسياسة: تمييز لا فصل)   عن "تفاعل خطابي التدبير والهوية: عند حزب العدالة والتنمية" يشير فيها إلى أن التحولات التي يعرفها الحزب إيجابية تدفعه نحو تمحيض هوية: حزب تدبيري بامتياز. وكان منذئذ واعيا بكون تركيز الحزب على قضايا التدبير في سعتها وشموليتها أكبر خدمة لقضايا الهوية. فتحقيق مقاصد الدين من إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان وحقوقه والعدل والمساواة وبناء دولة الحق والقانون وغيرها يخدم قضايا الهوية بصورة مباشرة وغير مباشرة. (سعد الدين العثماني، الدين والسياسة: تمييز لا فصل، الطبعة الأولى، 2009، ص:129)
إن الأيام صدقت حقا مقولة العثماني. وإن كان هناك متسائل حول المرجعية الإسلامية التي ينادي بها العثماني، ما محلها من الإعراب. فإن العثماني واضح مع نفسه، دقيق في اختياراته كان يصدع منذ زمن بأن "المرجعية الإسلامية" تلعب دور  catalyseur "الحفاز" وتقوم بتقوية قيم الديمقراطية الداخلية وغرس ثقافة الشفافية والنضالية، والوفاء بالتزامات الحزب تجاه المواطنين. ففي كلماته أمام المرشحين كان يُذكرهم بقوله تعالى (لا نريد منكم جزاء ولا شُكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) لكي تنتقل الشعلة الإيمانية وتشع وتنعكس على السلوك السياسي والعمل اليومي فيتحرى المنتخب خدمة المواطنين بلا أخذ.
أضف إلى هذا الوضوح عند العثماني. فهو بالإضافة إلى كونه سياسيا تقدميا فهو مسلم رباني. الكلمات القليلة التي يلقيها حول المعاني الإيمانية المفيدة للفرد في الخلاص الأخروي علاوة على تقوية التزامه الاخلاقي؛ تومئ إلى أن صاحبها رباني عارف بالله. (1: أنظر الرابط أسفله)
إن الخلاصة التي بالإمكان أن نخرج بها هنا هي أن الدكتور سعد الدين العثماني سياسي منحدر من الحركة الإسلامية (عميق التدين) ومنسجم مع نفسه واختياراته وتنظيراته ولا يعيش البتة أزمة هوية بل نجد منحى الحزب يساوق ما رسمه له هو في كتاباته؛ بالمقابل، نرى العديد من "الإخوان" المتحفظين –وهذا حقهم- على تنظيرات العثماني وآرائه يسقطون في نزعة تبريرية غير مفهومة وتناقض ساطع بين ما يدور في واقعهم الذهني وما يجري في الواقع الخارجي: لهذا لعلهم  يعيشون أزمة خانقة ويريدون رمي العثماني بدائها (رمت بدائها وانسلت!).

(1) https://www.youtube.com/watch?v=3lHqv6hNASQ

...تابع القراءة