| 1 التعليقات ]






ثمة خصام تاريخي تورطنا فيه تجاه مجموعة من المفاهيم والأفكار في سياق صاخب بالصراع. ولكن يبدو أنه لا معنى، اليوم، لاستمرار ذات الخصام، خاصة وأننا نعاني من العديد من الأدواء مردها إلى العجلة في إصدار الأحكام والغفلة عن التدقيق في المدلولات والمسميات.

لا شك أن من مثيرات الخصام؛ الدلالات والرواسب التي تتصل بالمفاهيم أو الأفكار أو المذاهب مع التطورات التاريخية والتحولات البنيوية اللاحقة. فغالبا ما نجد المفهوم أو المذهب ناصعا في جوهره ومشرقا في طفولته وضروريا في زمن نشأته غير أن ما يصاحب عملية نموه من ردود أفعال تجاهه ومن معيقات تقف حجابا في طريقه أو أحيانا بسبب مغريات لم تكن كائنة زمن ميلاده. لكل هذه الأسباب، تتشكل صورة أخرى عن المفهوم غير ما أراد به مؤسسوه.  

تعد كلمة "اليسار" من الكلمات التي تحيل على دلالات مناقضة للهوية في مخيال العديد من الناس. هكذا، أخذ الناس من اسم "اليسار" مسمى واحدا ارتبط بموجة "اليسار الجديد" التي انبعثت في أواسط الستينات من القرن الماضي.

في حين أن أصل كلمتي "اليسار" و"اليمين" يرجع إلى الجدل حول الدستور في مجلس النواب الفرنسي عام 1789، حيث جلس المؤيدون لسلطات أوسع للملك على يمين رئيس المجلس، وجلس المؤيدون لسلطات أوسع للبرلمان على يساره. اكتسبت هذه القسمة فيما بعد معنى عاما، فالذين يجلسون جهة اليسار هم المطالبون بالتغيير، ومن يجلسون جهة اليمين هم المطالبون ببقاء الوضع القائم. (1)

إذن، الرواسب التاريخية والإيديولوجية التي علقت بمفهوم "اليسار" أدت إلى تحميله مضامين جديدة حتى نسي الناس جوهر المفهوم. ولا شك، أن إيحاءات فكرة "اليسار" الأولى إيجابية جدا. فالدفاع عن توسيع صلاحيات البرلمان عوض صلاحيات الملك هو دفاع عن مبدا "ربط المسؤولية بالمحاسبة"؛ إذ أن البرلمان منبثق من الشعب وعرضة لرقابته وعقابه في الاستحقاقات الانتخابية وبالتالي حيازته لصلاحيات واسعة دلالة على تجذر الإرادة الشعبية في كل القوانين والتدابير. أما توسيع صلاحيات الملك، فهو حيازة فرد واحد غير قابل للمحاسبة ولا المتابعة للسلطات التي تمكنه من أن يتصرف في مُقدرات شعب كادح.

هكذا، يريد "اليسار" الانتصار للإرادة الشعبية في مقابل خيار الانتصار لإرادة فرد. وفعلا، المسار التاريخي الذي تلا 1789 حافل بالمعاناة في سبيل توطيد دعائم أنظمة تسعى لتعزيز الإرادة الشعبية عوض إرادة فرد أو أقلية محتكرة.

إن الناس ينسون في نقاشاتهم، والإعلام يُعينهم على الغفلة عن ذلك، بأن "اليساري" الأصيل هو الذي ينحاز للشعب ويعمل على تعزيز الإرادة الشعبية في كل المؤسسات وعلى كل المستويات. وبالتالي؛ لماذا أكون ضد "اليسار"؟ او ليس الانتماء لخط "اليسار" انتسابا لخط الشرف والمنافحة عن إرادة الشعب؟

إن "اليسار" قبل ظهور الماركسية، في القرن 19، وارتباطه بالمسالة الاجتماعية؛ هو حارس الإرادة الشعبية ضد نزوعات السلطوية وهيمنة اللوبيات والعائلات الحاكمة على قرار وموارد الدولة. إن اليسار، لاحقا، مع الماركسية في طبعتها اللينينة هو عنوان مقاومة الإمبريالية على المستوى العالمي باعتبارها "أعلى مراحل الرأسمالية".

واليسار، اليوم، الذي نعرفه في الألفية الثالثة في سياق نظام عالمي أحادي القطب هو يسار الدفاع عن "الحريات الفردية" (الشذوذ الجنسي، الإجهاض، الإفطار العلني في رمضان، العلاقات الجنسية "الرضائية"، المساواة في الإرث). ولعل وجودنا في زمن "ما بعد الإيديولوجيا" حيث يخفت الإيمان بالقضايا الكبيرة والأفكار الجليلة والقيم العظيمة ويرتفع منسوب الالتصاق بنداء الجسد عوض ذلك، كان سببا ملحا في بروز يسار "الحريات الجنسية".

هكذا، يبدو مسار "اليسار" حافلا: معارضة السلطوية والعمل على توطيد النظام الديمقراطي البرلماني؛ حمل المسالة الاجتماعية والدفاع عن الطبقة الكادحة ضد المستغلين لقوة عملها؛ مناهضة الامبريالية والصهيونية على المستوى العالمي؛ الدفاع عن الحريات الفردية بمختلف الوانها باعتبارها أم القضايا والدفاع عن البيئة وما يتهددها من دمار على المستوى العالمي. وقد تجد الهيئة "اليسارية" الأصيلة تستجمع كل هذه القضايا في خطابها ونقاشها وبرنامجها.

إن فكرة اليسار، قد اتضحت، وهي: الانحياز لخط العدل السياسي والاجتماعي والدولي والجنسي. إننا نحتاج إلى إيقاد هذه الفكرة بشكل متجدد. قد نختلف مع بعض المضامين في تنزيلها فيما بيننا. ولكن تبقى فكرة "اليسار" فكرة إنسانية نبيلة ومشرقة.

إن الحاجة تبقى دائمة، في بلادنا، للناس الذين يقفون على يسار الظالمين والمفسدين والمستبدين والمتخلفين والجاهلين والصهاينة والمستكبرين؛ ويعلنون بنباهة وقوة وحكمة وبصيرة علمية أن لا: للفساد والاستبداد، والظلم والسلطوية، والجهل والتخلف، والصهيونية العنصرية والاستكبار العالمي.

(1)علي عزت بيغوفيتش، هروبي إلى الحرية، ترجمة: محمد عبد الرؤوف، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2014، ص:179.