| 1 التعليقات ]



لا شك أن الحدث المصري مازال يلقي بظلاله على الفكر و الثقافة و السياسة في العالم الإسلامي بالخصوص. فقد أعاد إلى الأذهان عدة أسئلة،  كان الزعم قد قال أنها محسومة منذ زمان و أن باب الاجتهاد قد أُقفل فيها منذ "اقتراب" الإخوان من السلطان،
                                                                (1)
لعلي لا أكون مبالغا حينما أقول بأن ما جرى في مصر فيه من الفوائد و العبر للحركة الإسلامية بالخصوص قدر ما فيه من مخاوف على مستقبل الربيع الديمقراطي. فما جرى، من جهة،  سيجعل رواد الحركة الإسلامية  يعيدون النظر في تجربة مشروعهم السياسي بعدما  وُضع على المحك و لأول مرة و لو لفترة قصيرة، بعدما التقطوا أنفاسهم من وراء دوامة معترك التدبير السياسي الذي يُبعد المثقف والداعية – بعدما انخرطا في معترك السياسة - عن الرؤية الواعية و التفكير المتبصر بسبب تناسل الحدث السياسي بوتيرة متسارعة ما يستدعي التعامل مع حدث اللحظة بمنطق اللحظة مما يعيق الرؤية المستقبلية العميقة في التحليل. و ربما أيادي الغدر و الانقلابيين فطنوا لهذا فلم يَدعوا الناس حتى ليلتقطوا أنفاسهم و سارعوا بإدخالهم السجون و الزج بهم في المعتقلات و متابعتهم بالتحقيقات وتلفيق الاتهامات لهم بعد ساعات معدودة من الانقلاب ( اعتقال الدكتور سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية و العدالة نموذجا ). و من جهة ثانية، ما حدث محطة هامة لتمحيص الصف: معرفة الخونة و العملاء من الصادقين و المخلصين و الوطنيين. و من جهة ثالثة، الانقلاب أجلى سرائر الأعداء و ثبت الأصدقاء.

في اعتقادي – و الله أعلى و أعلم – يحتاج العمل الدعوي إلى مزيد من العناية القصوى و يحتاج البناء التربوي و العقائدي إلى الجهد الأقصى. على الدعاة أن يستمروا في مهمتهم و بنفَس أكثر حماسة و أكثر فاعلية و في شرائح المجتمع كلها و خصوصا في أوساط الشباب. و أعتقد أن العمل السياسي، حاليا، لن يضيف للدعوة في المجتمع  مكاسب جديدة، مما يعني أن على المهتمين بالشأن الدعوي في الحركة الإسلامية – و أنا منهم – أن يُشمروا على سواعدهم  و يواصلوا عملهم المتمثل في إشاعة التدين الإيجابي في المجتمع، أقول ما أقول، لأنه بات جليا بعد هذه التجارب القصيرة أن العمل السياسي حاليا ليست معركته دعوية – بالمعنى الصرف للكلمة – وإنما معركته هي تمتين الصرح الديمقراطي  و توسيع الحريات. و أستحضر هنا كلام الأستاذ فهمي الهويدي، نُشر منذ سبعة عشر سنة خلت، جاء فيه: إن أي داخل إلى ميدان تطبيق الشريعة ينبغي أن يبدأ أولا بالحرية و الديمقراطية، حتى يسترد المجتمع عافيته قبل أن يواصل مسيرته و يتقدم باتجاه التطبيق المنشود. و نحن ممن يعتبرون أن انكسار الإسلام بدأ منذ لاحت نذر الاستبداد بين نخبه الحاكمة. من ثم، فإننا ندعو إلى إصلاح ذلك العوج أولا و قبل كل شيء.(كتابه  " المفترون") . أقول هذا الكلام بعدما عاينت فتورا بينا من جانب الدعاة حيث صار الاهتمام بتقلبات المشهد السياسي و معاركه متضخما على حساب قضية دعوة الناس إلى التدين السليم. بكلمة، على الفاعلين في ميدان الدعوة إلى الله أن يُرابطوا في  ثغورهم و يتركوا إخوانهم الفاعلين في السياسة يحققوا النزر اليسير مما يتيسر لهم من الإصلاح.
أما في ما يخص الأطر، فقد بات واضحا أن الحركة الإسلامية تحتاج لسياسة جديدة تُوجه بها دراسة أبنائها نحو الميادين الشاغرة  فترك الأمور هكذا حسب التقديرات الفردية لأبنائها لا يخدم مشروعها بالشيء الكثير. أتحدث هنا عن القاعدة التلمذية و الطلابية للحركة الإسلامية من حيث توجيهها إلى التخصصات المطلوبة في الساحة؛ كل حسب ميوله و إمكاناته سواء الميدان الدعوي أو السياسي أو الاقتصادي أو التقني.
                                                                  (2)
العلاقة بين الإسلاميين و غيرهم من المسائل المطروحة بإلحاح شديد بعد الانقلاب، و لعل السبب " البراني" الثاوي وراء الانقلاب هو  الخلل الكامن في هذه العلاقة. و  أعتقد أن الانقلاب و حيثياته و تداعياته أكد ما كان يدعو إليه الأستاذ فهمي الهويدي منذ تسعينات القرن الماضي من اعتماد التقسيم : وطنيين و لا وطنيين.. حيث قال : ما أريد أن أخلص إليه أن ثنائية الإسلامي و العلماني أضرت بشكل فادح بالصف الوطني في مصر خاصة. من ناحية، لأنها تعبر عن اشتباك حول الأهداف النهائية البعيدة، التي  لا نملك ترف الاختلاف حولها في ظل تحديات مرحلية جسيمة ماثلة أمام الجميع. و من ناحية ثانية لأنها جرتنا إلى صراعات و مواجهات من شأنها إنهاك المعسكرين، و ربما انتحار الجميع في نهاية المطاف، الامر الذي يعد أعظم هدية تقدم للساعين لابتلاع هذه الأمة و تركيعها و بسط الهيمنة عليها.  و من ناحية ثالثة، فإنها تعد قسمة مغلوطة موضوعيا، لأن الصيغة الصحيحة للمواجهة، في نظر أهل العقل و الاعتدال، لا تكون بقسمة الصف إلى إسلاميين و علمانيين، و لكنها ينبغي أن تقوم فقط على التمايز بين الوطنيين و غير الوطنيين.  [كتاب "المفترون". ].

بمعنى أن مقياس التعامل مع " الآخر" داخل الوطن يجب أن يقوم أساسا بناء على وطنيته بغض النظر عن إيديولوجيته و عقيدته السياسية: هل يريد الإسهام في بناء الوطن و النهوض به؟ أم أنه سجين المصالح الذاتية الضيقة و خاضع لأجندات سياسية خارجية (= هناك مثلا أحزاب مرتبطة بالدولار الأمريكي و المشروع الصهيوني، و هناك أخرى مرتبطة بالبترول الخليجي ) ؟
فإذا كان الهدف خدمة الوطن و مصلحته العليا، ستزول عقبات كثيرة في طريق الملتقى بين فُرقاء الوطن، لأن التوجس من "الأخر" و تخوينه يرجع لسببين رئيسيين:
-          اعتقاد كل فريق أن الفريق الآخر يستغل عقيدته السياسية لاستمالة الجماهير و خداعهم ليصوتوا عليه ليصل إلى السلطة و ينتفع منها.
-          التشكيك في نزاهة الأخر و الظن بأنه ما يريد السلطة إلا للانتفاع منها لنفسه و طبقته: التغطية على الريع و الفساد المالي .


على ضوء هذا، يتبين أنه إذا وُجد حزب وطني يسعى فعلا للعمل لمصلحة الوطن سيتبدد الخوف من أنه يستغل الجماهير بشعارات براقة و ينحسر الاعتقاد في أنه ما جاء  إلا للانتفاع؛ و سيكون ذلك تمهيدا لبناء قاعدة صلبة لمشروع وطني . لكن – للأسف – يتبين بعد أحداث ما بعد الانقلاب و من خلال الابتزاز الذي تتعرض له حركة النهضة في تونس أنه لا وجود في أوطاننا لعلمانيين وطنيين شرفاء يبتغون مصلحة الوطن و الأمة – و إن وُجدوا فهم قلة أمثال منصف المرزوقي- ، و بالتالي أمام الحركة الإسلامية صعوبات جمة في  تحديد هذه القلة المخلصة الصادقة و التعاون معها و تلميع صورتها ( و تجربة تعاون الإخوان مع أيمن نور في مصر و تحالف النهضة مع المرزوقي تونس  خطوات على الطريق ).

1 التعليقات

برودكاست يقول... @ 19 ديسمبر، 2013 12:59 م

كلمات رائعة

إرسال تعليق