| 2 التعليقات ]

صعد الركاب إلى القطار: ”إنها الساعة الثامنة ليلا، سنصل في الساعة السابعة صباحا”. هذا ما قاله أحد العاملين بالقطار.
القطار من القطارات البطيئة، والركاب أغلبهم من الشباب، ويا ويلتاه من شباب(؟؟)، شباب سكير عربيد بلغ من الفسق عتيا؛ الاختلاط الصارخ: كل شاب مع فتاة، كل ثنائيين يتناجيان على ماذا؟ الله أعلم، إلا امرأة واحدة وحيدة نقية زاهدة محجبة، جلست لوحدها في الأمام يتحسر قلبها ويحترق على مصير هؤلاء الفتيات اللواتي يعبث بهن هؤلاء الغلمان؛ أحيانا تسمع هذه تُقَبِّل ذاك وذاك يُقَبِّل تلك، أرادت أن تقوم بالدعوة إلى الله بهذا القطار، ولكنها هي الأخرى خافت على نفسها من الوقوع في الفتنة، فجلست لوحدها تبكي…
رائحة الخمر تفوح من الأفواه “إنها الرابعة صباحا”؛ هذا ما قاله أحد العاملين بالقطار، ربما زنى بالقطار من زنى في الظلمة الحالكة، بعد ما لعبت الخمر في رأسه، ربما فكر في لحظته العابرة، وفي متعته الغابرة؛ نسي أن هناك يوما ليس كغيره من الأيام، يوم عسير يشيب لهوله الولدان.
توقف القطار في المحطة التالية، لا أحد من الركاب ذهب يصلي لا العشاء ولا الصبح، فالزمان طويل.. إلا تلك المسلمة ذهبت لتصلي ركعتي الفجر والصبح بعدما صلت العشاء في القطار جلوسا، علمت أن صلاة الفجر خير الدنيا وما فيها، فتركت الزناة والزانيات من الكاسيات العاريات والسكيرين والسكيرات؛ فلبت نداء ربها وصلت صلاتها فطوبا لها يوم اللُّقْيا..
صعد القطار وافد جديد، إنه شاب وليس ككل الشباب؛ خفيف اللحية شديد بياض الثوب وشديد سواد الشعر، وربما بلغ من الجمال جمال يوسف عليه السلام. انطلق القطار وكل فاجرة تنظر إليه بعين حسودة: مع من سيجلس؟ مع من سيختلط؟ مع من يستمتع بجماله؟ صُدمن لما رأوه غاض البصر وذاهبا إلى مكان فارغ في منأى عن الفجار. أخذ يستمع فيه لأحاديثهم ويشم روائحهم الطيبة (!!) الملوثة برائحة الخمر، سأل الركب عن وجهتهم فأجابو بصوت واحد: “إلى الريف”، سألهم عن العلة في اجتماعهم على ذلك المقصد؛ فأخبره أحدهم بأنهم اجتمعوا فيه منذ خمس سنوات وجمعتهم الأقدار مرة أخرى ليبحثوا عن السكينة في هدوء الريف. قهقه الشاب الظريف، ثم قال: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} صدق الله العظيم. فها أنتم اليوم تهربون من فساد المدينة، وها أنتم تمارسون ألوانا من الفساد في القطار وتريدون أن تذهبوا إلى الريف لتفسدوه أيضا ـ الريف أيضا فاسد، دخلت إليه على حين غرة الأفلام الجنسية الماجنة سواء المكسيكية أو العربية أو التركية؛ فتأثر الشباب بها فصاروا يقلدونها: الإناث أُعجبن بلباس المكسيكيات فصِرْن يقلدنهن في ارتداء السراويل الضيقة والقصيرة.. بعد أن كن يلبسن الجلباب. السياح هم أيضا ساهموا في إفساد الريف؛ فالبحيرة صار الذهاب إليها محرما، فقد تجد عيناك سائحة عارية تماما إلا من جلدها.. وقد تجد سياحا عراة؛ إنه لمنظر جد مقزز”، وما إن تلفظ بهذه العبارة حتى ازدرته أعين الشبان الذين يتوقون لمثل هذه المناظر الخلابة في نظرهم!
هذا هو حال الريف، قالها الشاب، فأي ريف تتبغون وأي حاضرة تشتهون؟ فالآية الكريمة تبين أن الفساد منتشر في جميع بقاع الأرض، فاستمعوا إلي يا أيها الشباب.
“القضية يا إخواني وأخواتي؛ قضية جنة أو نار: إذا كنتم تبتغون سبيل النار فإن جهنم ترحب بكل عابر سبيل إليها، وكل محفوف بشهواته، إن الشيطان يغريكم لعنة الله عليه، فتوبوا إلى الله توبة نصوحا لتدخلوا جنة الرحمان – اللهم إني قد بلغت فاشهد ـ. النار لهيب أبدي تنتظر من تحرق، أما شهواتكم فهي فانية عابرة، فالإسلام لا ينكرها لكنه يهذبها، فتزوجوا فذلك حل الغريزة التي تحول الإنسان إلى بهيمة! أما الجنة فإذا سألتم عن طريقها؛ فاعبدوا ربكم وائْتَمروا بأوامره واجتنبوا نواهيه: صلوا الصلاة المفروضة، أكملوا بالنوافل، استيقظوا للفجر واقرؤوا القرآن وصوموا رمضان وحصنوا فروجكم..”
أخدت الدموع تنهمر، الكل يبكي الكل نادم: “الله أكبر نريد الجنة ونريد التوبة” هكذا صاحوا جماعة.
فأجابهم: “إن أردتم التوبة وعبادة الله فسنذهب إلى كوكب آخر بعيدا عن أي عالم ظهر فيه الفساد، فهيا بنا إلى عالم نظيف نقي من الأدران.”
سألوه: “من أنت؟” فأجاب: “أنا جبريل مرسل من ربي في صورة بشر..”



أوقف الشاب القطار بنفسه بالقوة الربانية التي يمتلكها، ثم نزلوا منه فوجدوا مركبة فضائية نعمة ومنة من الله سبحانه وتعالى، وقال لهم: سترون كم هي أكبر وأسرع مما تتشدق به أميريكا.
كانت كل شابة تحمل منذ انطلاق القطار من المدينة معطفا للبرد. فأخذنه وغطين به شَعرهن استجابة لأمره تعالى: “وليضربن بخمرهن على جيوبهن”.
ركبوا المركبة، فقال الشاب: “سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون”، ثم سارت المركبة في سرعة كلمح البصر، ثم وصلت إلى كوكب لم تطأه قدما بشر، لا من أمريكا ولا غيرها؛ ليس بالقمر ولا المريخ، وإنما هو كوكب أجمل. وصلوا إليه ثم مكثوا فيه ليال ذوات العدد إلى أن تابوا وأصلحوا فاستفسرهم الشاب: “ما هي وجهتكم؟” وقال: “هيا بنا إلى الريف الحقيقي الذي تجري من تحته الأنهار خالدين فيه أبدا..”

2 التعليقات

goulha يقول... @ 8 فبراير، 2012 6:09 ص

قصة قيمة ذات رسالة هادفة
استمتعت بقراءتها مرة أخرى

غير معرف يقول... @ 4 أكتوبر، 2013 8:17 ص

السلام عليكم انا من عئلتك اعجيتي


إرسال تعليق