| 0 التعليقات ]





من الطريف أن نبحث عن المهدي أو أن نعبر عن الحنين إلى ظهوره في كل مرة! فلكل مهديه ولكل مُخَلصه حسب العقيدة التي يؤمن بها. إنما المهدي المقصود هنا، له علاقة بعقيدة سياسية غير خافية، هي عقيدة تحررية ديمقراطية وحدوية صريحة.
المهدي بنبركة، هو  الرجل الذي عاش كغيره من الرواد عمرا قصيرا وممتدا في نفس الوقت. وجد نفسه على رأس الجيل الثاني من الحركة الوطنية (مواليد 1920 بالرباط) ولكن بأفق وروح ونَفَس صاحب التنظيرات التي تنافس الرؤى التي يحملها رواد الجيل الأول. ولهذا لا يعرف الكثيرون اسم "محمد اليزيدي" وهو، أستاذ المهدي في النضال الوطني، ويعرفون المهدي؛ لأنه برز مبكرا كزعيم مستفيدا مؤهلاته الاستثنائية ومن اضطرار زعماء الجيل الأول إلى البقاء في المنفى.
لم يكن المهدي مجيدا للتعامل مع الأرقام الصماء (الرياضيات) فحسب، وهو الذي كان ينجز واجباته الدراسية في درج سلم المنزل تحت نور شمعة. بل كان مُلما (بشهادة جاك بيرك، أستاذ علم الاجتماع بكوليج دي فرانس) بكل ما جد في العلوم الاجتماعية وبكل الكتابات المنشغلة بقضايا العالم الثالث.
إنه المهدي نسيج وحده، لا يفارق العناوين الجديدة في القضايا الاجتماعية، ويسجل في غمرة مسؤولياته السياسية، وهو رئيس أول برلمان مغربي غير منتخب، أطروحة الدكتوراه في الرياضيات، ويناقش مع كبار المثقفين ألحان الموسيقى وجدل هيجل ووجودية سارتر.
اللافت في هذه المسيرة، هو أن الأكاديمي المتميز في تخصصه الضيق بشهادة عميد كلية العلوم آنذاك، والمثقف المحيط بالعلوم الاجتماعية والأبعاد الفلسفية والإنتاجات الفنية بشهادة مثقفين من طينة جاك بيرك وشارل أندري جوليان. لم يكن منعزلا في الأبراج العاجية، ولم يكن قابعا في الزوايا مع الأوراق، بل كان موصولا بالواقع ومتصلا بأسئلة الحياة السياسية والاجتماعية العملية. كان يصعد إلى القراءة/الثقافة حتى لا تفترسه النظرة العامية والانطباعات السطحية والممكنات الذهنية، ولكنه سرعان ما ينزل إلى الواقع ليصحح الرؤية النظرية التجريدية الحالمة المفصولة عن مستجدات الواقع المتسارعة باستحضار الممكنات التاريخية.  
إنه المهدي، مهجوس بهاجس واحد ومهموم بهَم لا ثاني له، هو هاجس الخروج من هامش التاريخ إلى السكة الصحيحة. وفي شرطه التاريخي، ومازال هذا الشرط قائما، لا خروج دون ربط قضية المغرب بقضية العالم الثالث وهي قضية التوحد من أجل التحرر والوحدة بعد التحرر في عصر لا حياة فيه - موضوعيا - للكيانات المعزولة عن التكتلات. وإذ لا يكفي التحرر، فلا مناص من مراجعة الذات بإدارة الظهر للتقاليد الراكدة عبر برنامج تنويري في الثقافة ومن خلال التمرن على السلوك الديمقراطي في السياسة.
الحاجة إلى المهدي، بعبارة أخرى، هي الحاجة إلى ذات الروح وإلى نفس الذكاء وإلى ذات العقل الجدلي الذي يلتقط تناقضات الواقع الموضوعي الحالي وموازين القوى القائمة لكي يجدد للرباعية الذهبية بطاقة الحياة (التحرر، التنوير، الديمقراطية، الوحدة).  
يمكن قراءة صفحات المهدي المشرقة عبر سطر وحيد، هو مشروع طريق الوحدة.
من هو هذا المشروع؟ إنه مشروع بناء طريق على امتداد 60 كيلومترا بين "تاونات" و"كتامة" بسواعد الشباب المغربي المتطوع، يتخللها إنشاء 37 جسرا. استمر المشروع 3 أشهر من يوليوز إلى غشت عام 1957. يتألف مجموع عدد المتطوعين من 12000 شاب توزعوا على مدى الأشهر الثلاثة. تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 سنة، ويُقدر متوسط عمرهم ب23 سنة ونصف. ينحدرون من أزيد من 20 منطقة من داخل المغرب، وضمنهم طلبة من خارج المغرب يدرسون في المشرق العربي أو في أوروبا.
 توزعت أنشطة الشباب في المشروع على البناء المادي للطريق على امتداد 6 ساعات كل صباح، قبل الشروع في برنامج موازي بعد الزوال وممتد إلى المساء موجه لتكوين الشباب المشارك في المشروع وتنمية مؤهلاته الثقافية من خلال سلسلة من المحاضرات أشرف عليها الوطنيون؛ منها على سبيل المثال: محاضرة "مهامنا الراهنة" ألقاها المهدي، و"واجبات المواطن" ألقاها علال الفاسي... إلخ.
ما دلالات المشروع وما مغزاه؟
أولا، استثمار الرأسمال الاجتماعي. قُدر الغلاف الزمني للمشروع في حال ما أُنجز من طرف وزارة "الأشغال العمومية" بسنة ونيف. لماذا العمل التطوعي للشباب أثمر تشييد الطريق في 3 أشهر، بينما العمل المأجور للعمال في إطار وزارة الاشغال العمومية لن يُشيد الطريق إلا في أزيد من 13 شهرا؟
لأن حجم العمل التطوعي - وهو محتوى الرأسمال الاجتماعي - أكبر من حجم العمل المأجور (أمام ارتفاع تكلفة العمالة وأمام انخفاض حجم الرأسمال المادي) من جهة، ومن جهة أخرى وهذا هو الأهم لأن مفعول العملين مختلف، فالمعنويات التي يشتغل بها المتطوع المؤمن برسالة العمل الذي يقوم به لا تقاس بالمقارنة مع معنويات العامل المُضطر والمُكره على القيام بذات العمل.
ثانيا، التربية والتكوين عبر الممارسة. إن مقولة "نحن نبني الطريق، والطريق تبنينا" ليست صورة بلاغية بل هي حقيقة واقعية. نعم، المشروع كان موجها لبناء الطريق، ولكن لصقل الشخصية الوطنية وشحذ الوعي الوطني أيضا.
صار "التعلم عبر الممارسة" نظرية تُدرس ضمن دروس نماذج النمو الاقتصادي الحديثة learning by doing التي طورها الاقتصادي بول رومر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2018. فمن خلال تراكم الخبرات العملية للرأسمال البشري، يتمكن القائمون على الإنتاج من ابتكار آليات جديدة تضاعف المردودية وتسرع عجلة النمو.
طبعا، الممارسة تكون عمياء من دون إضاءات نظرية وفكرية، إنما السياحة الفلسفية التأملية ترقى إلى أن تكون قاتلة وغارقة في الممكنات الذهنية. فأصحابها يتوهمون الفهم، ويختزلون العالم في مقولات مسكوكة جاهزة لتحليل أي واقعة، وبذلك يُجهزون على التطور الإيجابي لمنحنى النمو في الواقع ويُجهضون كل المبادرات التغييرية.
ثالثا، بناء الدولة الوطنية الحديثة في فجر الاستقلال. من مرتكزات الدولة الحديثة وحدة الشعب والأرض والسيادة. كان المشروع يستهدف بشكل مباشر تكسير الجليد القائم بين البادية والمدينة وبين الشباب المتعلم (الطلبة) وغير المتعلم وبين الجنوب والشمال، كما كان يرمي إلى الانتقال من الانتماء المتعصب للقبيلة إلى الانتماء المنفتح للدولة.   
كان المشروع محطة مهمة لتوحيد العقيدة السياسية للشباب المغربي الصاعد، إذ به صار جميع الشباب المشارك يؤمن بعقيدة واحدة هي "بناء المغرب". وغير خاف، أن وحدة القصد والغاية من خصائص الشعب، بخلاف المجتمع ذي البنية القبلية فهو يتوزع شذر مذر على مستوى الغايات والمصالح.
كان العزم قائما على الاشتغال بفلسفة مشروع بناء طريق الوحدة في مشاريع أخرى. فالمشروع كان مجرد نموذج اختباري عشية إطلاق المشاريع البانية لمغرب الاستقلال. غير أن رياحا قوية هبت في اتجاه معاكس لإرادة المهدي وغيره من صناع المشروع، ووضعت حدا لهذا المسار. فكانت النتيجة التعثر المتواصل من 1957 إلى 2018 والتأخر بالمقارنة مع من كان في وضعنا في ذات السياق.
ومن مقتضيات الانتساب للدولة الحديثة النهوض بواجبات المواطنة في مقابل الاستفادة من الحقوق المترتبة عنها. ولترسيخ هذه الذهنية الجديدة في مجتمع خرج للتو وبشكل قسري من عهد البداوة والقَبَلية، كان المشروع تمرينا مهما لاستيعاب مغزى إسهام المواطن في وجود واستمرار الدولة التي من المفترض أن يعود وجودها بالنفع عليه رخاء وأمنا.
هو مشروع بسيط ولكن بحمولة عامرة، كان أحد الأجوبة الذكية للمهدي على تحديات وأسئلة الانتقال التاريخي المطروح في زمن الاستقلال من كيان تقليدي إلى دولة حديثة. وهو مشروع يكثف الروح والذكاء والأفق الذي نحتاج إليه في استشراف ما نحن فيه من لحظة تاريخية تتأجج مخاضاتها يوما بعد يوم.
قبل الختم، لنتساءل: لماذا يصعب أن نتصور مشهدا يتطوع فيه المواطنين اليوم بمحض إرادتهم في مشروع تدعو إليه الدولة ويخص الصالح العام؟ لأن المواطنين لا يثقون في إدارة الدولة، ويعرفون بأن رأسمالهم الاجتماعي سيضيع ويُستغل من طرف من لا هَم لهم سوى تنمية رأسمالهم الخاص وتبديد الرأسمال العمومي. هذا سبب ذاتي، أما من الناحية الموضوعية فالإرادة السياسية اليوم معتقلة ولم تعد لديها الإمكانات المتاحة في زمن المهدي.
مع الأسف، تم هدر الإمكانات الكبيرة بالحسابات الصغيرة، وبقيت لنا دولة يعجز خيالها الاقتصادي عن تجاوز فرضية 4% كحد أقصى في التوقعات الخاصة بمعدل النمو وهو ما يستحيل معه اللحاق بالعالم الأول. ولهذا نحتاج اليوم إلى روح المهدي، أي إلى التفكير خارج الأطر السائدة، التفكير الذي أنتج مشروع بناء طريق الوحدة في لحظة كان فيها المغرب يحاول أن يبدأ تاريخا جديدا. إنه التفكير في إطار الممكن، التفكير الذي يعي الإكراهات الموضوعية ولا يكتفي بترديد الأماني الجميلة.
هي الذهنية التي تطرد البرد الخارجي بالدفء الداخلي، وتعول على العمل قبل رأسمال، وعلى تعبئة الرأسمال الاجتماعي إلى جانب الرأسمال المادي. إنها الذهنية الموضوعية، التي تميز بين الإمكان الذهني والإمكان التاريخي.
مشروع طريق الوحدة هو عنوان ثمار هذه الذهنية.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




فجرت قصة طارق رمضان نقاشا هاما في عدة أوساط. وجد فيها خصومه التقليديون عنوانا للتندر وفرصة للسخرية ومناسبة لفضح "الازدواجية" ومحطة للإجهاز على رصيد الشخص وإرثه المعنوي ونسبه العائلي والإيديولوجي. وإذا كانت قائمة خصومه تضم من تربطهم به "عداوة وجودية" (الصهاينة واليمين المتطرف ومن يدور في فلكهما)، ومن تربطهم به "خصومة إيديولوجية" (من عائلة اليسار أو الليبراليين). فإن الجديد في هذه النازلة هو أن صورة "حارس قيم الإسلام بلغة معاصرة وأفق متنور في قلب أوروبا" قد تكسرت، ليس على يد السلفيين أو الإخوان المتسلفين (وهم من خصومه التقليديين كذلك)، بل في عيون زملائه وتلامذته "الوسطيين".
تشتبك في الملف خيوط مركبة ليس في وسعنا الإحاطة بها. ولكن حسبنا في هذه السطور، الانطلاق من فرضية كون "الاعترافات" تعبير عن الحقيقة الملموسة، وليست مجرد مناورة أو تكتيك للفرار من "الموت البطيء" الذي كان شبحه مرعبا في أجواء السجن.
ماذا تعني الاعترافات؟  تعني أن رجلا كان في عيون الكثيرين مفخرة "الإسلام" في أوروبا "الجاحدة"، أتقن لغة القوم وقدم "رسالة" الإسلام ليس فقط بما يُمَكن من تصالح المسلم مع عصره، بل بما يعزز من الانخراط الإيجابي للمسلم الأوروبي في الشأن العام والقضايا الكبرى المؤرقة للإنسانية.   
نجح الرجل في تقديم الأبعاد التحررية للإسلام التي تجعل منه دينا جديرا بالحياة في القرن الواحد والعشرين. ولكنه، سقط في تفعيل جزء من مقتضيات روح دعوته على سلوكه الفردي. نجح في أن يعبر بصوت مرتفع وبليغ عن كون رسالة "الإسلام" هي رسالة مقاومة للجوانب الداخلية "الطاغية" في الإنسان (الغرائز) أو للجوانب الخارجية "التدميرية" في الكيانات (الاستعمار الصهيوني والاستغلال الإمبريالي الذي تقوده دول ضد شعوب، تغول الشركات المتعدية الجنسيات وافتراسها للبيئة والإنسان... إلخ).
أفلح الرجل في كسب رهان صياغة "النظرية" إلا أنه رسب في امتحان جانب من "التطبيق" وتحقيق الانسجام بين "الفكر" و"الفعل" و"النظر" و"العمل" و"المعيار" و"السلوك".
ما هي الاستنتاجات المفترضة من وراء الاعترافات؟
سقط "الإرهابي" حفيد مؤسس "لعنة العصر" -التنظيم الدولي للإخوان الإرهابيين- المُحرض على الكراهية وتحطيم أسوار العلمانية والحرية وهوية أوروبا المنفتحة، وقد قيل ذلك من طرف دوائر إعلامية صهيونية ومتصلة باليمين المتطرف. الرجل انكشف كما سينكشف كل الذين يلعبون على الكلمات والعواطف ويستميلون البسطاء إلى دائرة الفكر المثالي الغيبي، وقد قيل ذلك من طرف بعض اليسار أو المنطلقين من طرف النظرية الماركسية في التحليل. الرجل "منافق" أو "كافر" أو في حكم المنزلة بين المنزلتين، وقد قيل ذلك من طرف السلفيين (منذ أن أعلن رأيه في ما يسمى ب"العقوبات الجنائية في الإسلام"). الرجل مخادع أو ممثل مخاتل، وقد قيل ذلك من طرف بعض "الإخوان الوسطيين". لنتصالح مع طبيعتنا البشرية ولنكف عن لغة الأوامر (افعل/لا تفعل) غير المفيدة، وقد قيل ذلك من طرف بعض النبهاء، وهم قلة.
بعيدا عن أية نبرة تبريرية مفتعلة، وبعيدا عن الاستنتاجات المُحملة بأحكام جاهزة. لنجعل من هذه المناسبة محطة معرفية لإعادة مناقشة الطبيعة البشرية.
ننطلق عامة في نظرتنا إلى الطبيعة البشرية من القناعة التي مفادها أن الأصل في الإنسان هو الصلاح بكل معانيه وأن الاستثناء هو الخطأ. في حين أن الصحيح هو أن الأصل في الإنسان هو أنه "لفي خُسر" والاستثناء حسب تكوينه هو الصلاح.
وأن يكون الإنسان في "خسر" يعني أنه ضعيف أمام الغرائز واللذائذ والشهوات وميال للتخفف من الواجبات والتحلل من الالتزامات والوفاء بالعهود. يعني أنه أسرع ل"الفجور" قبل أن تكبحه فرامل "التقوى". يعني أنه ضعيف في اختياراته الكبرى ومساراته الكبرى أمام حوادث الطفولة وملابسات البيئة وضغوط الطبقة وحدود اللغة وهلم جرا من الظروف الموضوعية التي لم يخترها وكانت لها يد في تشكيل كيانه ووجدانه وذهنيته وسيكولوجيته وشخصيته ومستقبله.   
ولكن الإنسان رغم طبيعته "السلبية" الغالبة وهويته "الطينية" الجارفة، يتمتع ب"فطرة" متوقدة و"ذاكرة" يقظة موصولة بالنفخة الروحية وبالقبس الإلهي الذي جعل منه إنسانا بعد أن كان بشرا. هذه الهوية "الروحية" هي التي تسمو به عن المكوث طويلا في قعر الخطايا وهي التي تحمله على معانقة الهموم الإصلاحية العظمى (إشاعة الصلاح والنبل والخير والعدل والرحمة والصدق والعفة...  إلخ).  
هذه الذاكرة هي التي تمنح الإنسان دوافع "المقاومة": مقاومة الانسياق وراء تيار "الطبيعة" الجارفة بمطالبها المادية العصية على الإشباع. إنها وعاء لعالم "المُثُل" و"القيم" و"الواجبات" و"المقاصد" و"الغايات". هي ما يسمى بكلمة أخرى، "الضمير" أو "الأنا الأعلى". بينما، الطبيعة البشرية الجوهرية هي مجال "العلوم" وعالم الحتميات والحقائق الموضوعية.
إذن، الإنسان بطبيعته كائن مزدوج مجبول على "التناقض" و"الازدواجية" و"الصعود" و"الهبوط" والتعثر بين "الفكر" و"الفعل" والحيرة بين أفق "العقيدة" ونداء "الغريزة". ولكن من منطلق تمتُعه بذاكرة تنتمي لعالم آخر، كان لا بد أن يسعى إلى التخفيف من حدة التناقض وإلى تحقيق الحد الأدنى من الانسجام وإلى الانضباط لمعاييره الفكرية في أفعاله وممارساته (وإلا فما جدوى الفكر، إن لم يكن سعيا مستمرا لتحسين سلوك الإنسان على ضوء "القيم" مع استثمار خلاصات "العلم"؟).
لو كان الإنسان مجبولا على "الخير" و"التقوى" في طبيعته البشرية لما احتاجت الإنسانية إلى ابتكار "المؤسسات" و"القوانين" و"الأعراف"... وكل الأشكال المقيدة لحركة الإنسان حتى لا تنفلت من كل العقال. لو كان "الفكر" غالبا على "الفعل"، لاكتفى الناس مثلا بقاعدة (الأسبقية لليمين) في قواعد السير من دون تشييد أعمدة أضواء المرور وتوظيف رجال الشرطة وتنظيم الجزاءات العقابية.
لو كان الإنسان خيرا أو صالحا بطبعه، كما جاء في حكايات كثيرة، لما وُجدت فكرة القانون أصلا. فالقانون عبارة عن وازع خارجي يدفع الإنسان إلى احترام التزاماته وواجباته وقيمه صاغرا، بعد أن عجز الوازع الداخلي (المتصل بفطرته أو ذاكرته أو هويته الروحية) عن ضبط حركته أمام نداءات الطبيعة البشرية السلبية مُختارا.
لو انعدمت وسائل الإعلام وأشكال صناعة ضغط الرأي العام (وهي من إبداعات الإنسانية في تفعيل الوازع الخارجي) لرأيتَ المسؤولين على مختلف المستويات على الصعيد العالمي يفعلون الأفاعيل ويقترفون من الجرائم (ألوان الاستبداد والطغيان، الاغتيالات، اختلاس المال العام، الاغتصاب، التحرش... إلخ) ما يعجز الخيال عن تصوره.
في إحدى الدول، لعلها "كندا" –والعهدة على الراوي- يُمنع على رجال الدولة ارتياد المراقص والعلب الليلية مخافة تسريب أسرار الدولة في حالة خمرية غير واعية. أحد الوزراء، ظن أنه تحرر من الوازع الخارجي وما إن خرج من "كندا" إلى "ألمانيا" –كما لو أنه يتحين الفرصة- حتى استجاب لنداء غريزته فذهب إلى أحد المراقص. غير أن المخابرات كانت له بالمرصاد. فقيل له "OUT!" من الوزارة بعد أن عاد إلى بلده.
ومن ملامح الظاهرة الإنسانية المركبة  أنه بحجم الأمل في بعض الأفراد والاعتزاز بهم تكون الخيبة فيهم في حال ما اكتشف الناس جزءا من بشريتهم. والتاريخ الإنساني مليء بالكواكب المنيرة التي تصبح مظلمة في عيون المحيطين بها إذا ما اكتشفوا جانبا من بشريتها "المستورة".
نكتفي هنا بمثال دال، هو جون جاك روسو (1713-1778)، صاحب "العقد الاجتماعي" و"في التربية: إميل نموذجا". روسو الذي كان بدوره "داعية"، ولكن إلى تربية الأطفال برفق وفق أسس غير مسبوقة في الفكر الإنساني، مؤسسا بذلك لفلسفة علوم التربية؛ نجده يخلف خمسة أبناء من علاقة غير شرعية فيتركهم جميعا في دار المُتخلى عنهم!
إنها نفس المفارقة بين "الفكر" و"الفعل" وبين "المعيار" و"السلوك". ولكن رغم ذلك، لا أحد التفت إلى هذه الملاحظة، ليُجهز على فكر الحداثة الذي كان يتأسس مع روسو وزملائه بحجة أن فعل المؤسس لا ينسجم مع الفكر، ولا أحد ساءل "علوم التربية" أين كانت منسية حينما تم وضع أطفال المفكر الكبير في دار الأطفال المشردين! لأن السياق لم يسمح بذلك (لأنه آنذاك لم تتوفر وسائل الإعلام، ولأن روسو كان ينتسب إلى عالم صاعد واعد غير مهدد بعالم إسلامي منحط وآفل).
أعرف قصصا كثيرة سواء لدعاة الدين أو دعاة الحداثة سقطوا جميعا في امتحان الانضباط إلى "المعيار" الذي يؤمنون به وفي إخضاع "غرازهم" لسلطة "عقائدهم".
إن الحكاية أكبر منهما، إنها حكاية الطبيعة البشرية المتغولة، لا سبيل للنجاة منها إلا بالمقاومة (=مقاومة الاستعمار الداخلي الذي تمارسه الغرائز، إلى جانب مقاومة الاستعمار الخارجي الإمبريالي والصهيوني الذي لا يريد للمقاومة الأولى أن تنجح لأن من مصلحته أن يلتهي الجميع بغريزته وألا يفكر دونها حتى يستديم طغيانه على الأرض) وتكثيف المقاومة والتعاون على المقاومة والتواصي بالمقاومة والمصابرة على المقاومة (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
إن القيمة المضافة لرسالة الاسلام تكمن أساسا في كونه جملة من التوجهات العامة التي تستهدف صناعة إنسان (ومن ثَم مجتمع) هو أميل إلى الخير منه إلى الشر، يفعل الشر ولكنه يندم عليه، وسرعان ما يقلق، وسرعان ما يفعل الخير ويسر به في مجتمع صناعة الخير أو فعل الخير فيه يسير، والشر ممكن فيه ولكنه عسير.
لا يدعو الاسلام من أجل صناعة هذا المجتمع الذي يكون فيه الناس أقرب ما يكونون إلى الخير، وأبعد ما يكونون عن الشر وإن كان فعله ممكنا، إلى الاعتماد على القهر والسيطرة والجبر وصوت السلطات، وإنما اعتماده الأكبر على تربية النفس (الوازع الداخلي)، واستشعار الإنسان أنه في صحبة دائمة مع الله سبحانه وتعالى. ويبقى للقانون (الوازع الخارجي) دور لا شك فيه ولكنه الدور الأضعف وليس الدور الأقوى. (راشد الغنوشي، حوارات مع قصي درويش، سلسلة الحوار -10-، منشورات الفرقان، ص:49)

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




تطمح الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية للوصول إلى السلطة بهدف امتلاك القرار السياسي الذي يُمَكنها من تفعيل سياسات عمومية تمس حياة المواطنين وترتقي بوضعية البلد السياسية والاقتصادية والثقافية. وتمثل الأحزاب تشكيلات تحاول تجسيد إرادة ومصالح الشرائح الاجتماعية التي تعبر عنها، ولهذا يكون هدف الحزب الحاكم في إطار حياة سياسية ديمقراطية سليمة هو استثمار آليات القرار السياسي لبلورة برامج تروم خدمة عمقه الاجتماعي.  
في التجربة المغربية، يلحظ المراقبون أن تعثر الانتقال الديمقراطي يتجلى بشكل بارز في فشل الأحزاب المتصدرة للمشهد السياسي طوال تاريخ المغرب المعاصر في تفعيل سياسات عمومية خادمة للبنيات الاجتماعية الحاضنة لها. والسبب راجع، بالإضافة إلى العوامل الذاتية (أي تواضع حضور الثقافة الحزبية الحديثة في ذهنية قادة الأحزاب خاصة المؤسسين... إلخ)، إلى عامل موضوعي بارز هو أن هذه الأحزاب حينما تقود الحكومة لا تمتلك زمام القرار السياسي التنفيذي.   
منذ فجر الاستقلال وحزب الاستقلال لم يملك القرار السياسي لترجمة مطامح الطبقات الوسطى إلى إجراءات عملية ملموسة، ومنذ السنوات الأولى حُرم المغرب من تجربة محدودة حاولت فيها الحركة الاتحادية أن تخدم حواضنها الاجتماعية (الطبقة الوسطى الدنيا، الطبقة الوسطى المتوسطة) بإجراءات متعددة تبلورت في المخطط الخماسي التنموي (1960-1964)، وكانت تستهدف الإصلاح الزراعي لصالح الفلاحين الصغار وتتقصد تعميم التعليم لتوسيع دائرة الطبقات الوسطى المتعلمة وترنو إلى ترجمة الأشواق التحررية للمثقفين المتمثلة في استكمال مسار التحرر العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي.   
في المحاولة الثانية، كان الفشل حليف النسخة الثانية من الحركة الاتحادية عام 1998. إذ جاءت هذه المحاولة في سياق مثقل بالانكماش الاقتصادي ومرهق بالاضطهاد السياسي وفي سياق رهين لاعتماد مخطط التقويم الهيكلي ولانطلاق مسلسل خوصصة المؤسسات العمومية  من طرف الدولة للتخفيف من عبء المديونية واختلال التوازنات الماكرو اقتصادية. هذا السياق، جعل التجربة الاتحادية الثانية في موطن بعيد عن مطامح الطبقات الوسطى التي تعبر عنها والتي علقت عليها آمالا ممتدة طوال عقود من الزمن، ولهذا لم تدم أكثر من أربع سنوات لأن الحواضن الاجتماعية كانت تبحث عن حامل حزبي جديد أكثر صدقية في التعبير عن مطالبها الاجتماعية ومطامحها الثقافية.
جاءت العشرية الثانية من الألفية الثالثة وهي حبلى بمحاولة ثالثة لا تختلف عن سابقاتها في المآل ولكن تتباين عنها في المضمون. حملت الطبقات الوسطى المتأثرة بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ل2008-2009 والراغبة في تحصين وضعها الاعتباري وتحسين وضعها الاجتماعي وتمنيع إطارها الثقافي حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة. غير أن السلوك السياسي للحكومة كان نازعا إلى صيانة مكاسب الطبقات العليا وتحسين بعض هوامش الطبقات الدنيا (المنح، الأرامل، التغطية الصحية).
 كانت النتيجة هي التراجع المتسارع للطبقات الوسطى على مستوى القدرة الشرائية وعلى مستوى المكاسب الاجتماعية والثقافية (رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية في إطار إصلاح صندوق المقاصة، رفع أسعار المحروقات بفعل تحريرها، تراجع الوضع الاعتباري لرجال التعليم – وهم العمود الفقري للطبقات الوسطى - بسياسة "التعاقد"، تراجع مكانة اللغة العربية في التعليم، تراجع مكانة المدرسة العمومية، الاتجاه نحو إقرار رسوم للدراسة في التعليم العمومي، الاتجاه نحو خوصصة بعض المؤسسات العمومية لمعالجة اختلال التوازنات الماكرو اقتصادية). ولهذا، لن يكون مآل العدالة والتنمية مختلفا عن أسلافه.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الأحزاب في المغرب (الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، العدالة والتنمية) عندما تصل إلى موقع السلطة التنفيذية لا تكون وفية للعمق الاجتماعي الذي كان حاضنا لها؟ الجواب الأول الذي يلوح في الأفق هو أن هذه الأحزاب لم تكن أصلا تمتلك السلطة التنفيذية ولم تكن أصلا تحوز القرار السياسي. فالقرارات الكبرى (التقويم الهيكلي، خوصصة المؤسسات العمومية، التراجع عن مسار تعريب التعليم العالي بل فرنسة التعليم الإعدادي والثانوي، الباكالوريا "الدولية"، إقرار رسوم للولوج إلى المدرسة العمومية، وحتى قرار إضافة الساعة ضدا على مصالح المواطنين خاصة مصالح الطبقات الدنيا والوسطى)، هذه القرارات حملت الحكومات - التي يقودها أحزاب يعبرون عن جزء كبير من الإرادة الشعبية - أوزارها، في حين أنها قرارات مصنوعة من طرف جهات أخرى.
منذ بداية الألفية الثالثة وتصاعد الحديث عن العولمة، ظهرت كتابات رصينة وجادة ترصد حالة اختناق الديمقراطية في ظل تراجع دور الدولة وتصاعد دور الشركات في صناعة القرار السياسي للأمم؛ منها كتاب "السيطرة الصامتة: الرأسمالية وموت الديمقراطية" (لصاحبته الباحثة الاقتصادية "نورينا هرتيس" الصادر عام 2002 والمنشور في سلسلة عالم المعرفة عام 2007)، وكتابات أخرى كثيفة.
الفكرة المركزية التي تود هذه الكتابات لفت الانتباه إليها هي أن العالم الجديد الذي تَخَلق وتشَكَل منذ وصول ريغان وتاتشر إلى موقع القرار في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة منذ مطلع الثمانينيات والذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتوطيد أركان نظام جديد يلغي بشكل صامت العقد الاجتماعي. في هذا العالم صارت: الشركة الضخمة هي الملك، والدولة رعيتها، والمستهلكون هم المواطنون. في 2000-2001 أُحصيت 100 شركة متعدية الجنسية تتحكم في نحو 20% من الأصول المالية العالمية، فضلا عن كون أكبر 51 مؤسسة مالية في العالم في حيازة الشركات في مقابل 49 مؤسسة مالية تمتلكها الدول.
تتحدث نورينا عن تغول الشركات واختراقها لتفاصيل الحياة اليومية للناس أمام تراجع دور الدولة مبينة أن جميع ما نشتريه أو نستخدمه من بضائع (بترولنا والأدوية التي يصفها لنا الأطباء العموميون، والأشياء الضرورية مثل الماء ووسائل المواصلات والصحة والتعليم وحتى حواسيب المدرسة الجديدة والمزروعات التي تزرع في الحقول المحيطة بمجتمعاتنا)، كل هذه البضائع وهذه الأمور يزداد يوما بعد يوم تحكم الشركات فيها، وهذه الشركات – وبحسب هواها – قد تغذينا أو تدعمنا أو تخنقنا.
المستخلص هنا هو أن الشركات المتعدية على الجنسيات هي صاحبة القرار السياسي في نهاية المطاف في عالم يسود فيه نظام السوق في أدق تفاصيل النظام الاجتماعي. تكفي الإشارة إلى أن نجاح الحملات الانتخابية الأمريكية رهين بهذه الشركات، أما صعود "ترامب" فهو تحصيل حاصل وتتويج لهذا المسار المُدشن منذ أزيد من عقدين وتعبير جاحظ العينين عن ما وصلت إليه "الديمقراطية" في العالم.
إن امتلاك القرار السياسي يعني قدرة الحزب السياسي (من الناحية الموضوعية وليس الذاتية) زمن وصوله إلى السلطة على الوفاء بالتزاماته تجاه ناخبيه (=عمقه الاجتماعي). لا شك أن قدرة الأحزاب السياسية في الدول العريقة في الديمقراطية على هذا الفعل صارت أضعف مما كانت من ذي قبل. ولهذا ليس غريبا في ظل هذا الوضع العالمي، أن نجد العزوف عن المشاركة السياسية في الانتخابات يكون سيد الموقف تدريجيا مادام أن هناك عجزا لدى الأحزاب على تمثيل القوى الاجتماعية الحاضنة لها ومادام أن برامجها متشابهة ومادام أن سلوكها السياسي متماثل أثناء الحكم في أغلب النقط والإجراءات؛ فلم المشاركة وما فائدة التصويت وما جدوى الترجيح بين كيانات سياسية ستقوم بتفعيل سياسات واحدة؟
نحن إذن أمام ظاهرة عالمية تفيد بأن القرار السياسي يُصنع – المقصود هنا طبعا هو القرارات الاستراتيجية وليس القرارات التدبيرية العادية - خارج المُنتخب بل خارج الدولة. غير أن الوضع المغربي أضاف إلى الوضع العالمي عقبة أخرى أمام اتخاذ القرار السياسي بشكل ديمقراطي مُعَبر عن تطلعات قطاعات مقدرة من المواطنين.
هذه العقبة تتمثل في الازدواجية القائمة في النظام السياسي، في قوة سلطة "المعين" أمام سلطة "المنتخب" على كل المستويات، في وجود مؤسسات معينة محظية بوضع دستوري اعتباري وتضع البرامج والمخططات ولا يحاسبها أحد (=المجالس العليا: في التعليم والاقتصاد والبيئة والجالية و... إلخ) مكان الوزارات التي من المفترض أن القائمين عليها يعبرون ولو بشكل نسبي محدود عن إرادة العديد من المواطنين.
الخلاصة؛ في ظل هذا الوضع (العالمي والمغربي) يتعذر من الناحية الموضوعية على أي فاعل مهما بلغت درجة حنكته السياسية ومعرفته الموسوعية أن يقوم بوضع سياسات كبرى لها وقع استراتيجي حقيقي (وليس الاستراتيجية المكرورة في الخطاب الرسمي) في السياسة الاقتصادية والاجتماعية وفي ميدان التعليم والثقافة.
ولكن، أسوء عمل يمكن القيام به في هذه المرحلة هو تزييف وعي الناس وإيهامهم بغير الممكن. وعملية التزييف يشترك فيها أطراف عدة قد يكونون ضمن دائرة الحكومة أو ضمن دائرة المعارضة بكل أطيافها (الحزبية، الجمعوية، المثقفين، الصحفيين... إلخ) حينما يتحدثون عن أحلام وطموحات ضخمة من الصعب أن ترى النور في عالم مركب يحكم فيه الخارج قبل الداخل، ولا صوت يعلو فيه على صوت "رأس المال"،
 ما العمل في ظل هذا الوضع؟ سؤال مشروع تماما، لكن لننتبه أن فهم ما يجري وتدقيق الفهم أولى الأولويات، لأننا أمام وضع غير مسبوق من عدة نواحي. فأن تحُل الشركات محل الدول، وأن يسود منطق السوق الربحي ويخترق بشكل مكشوف كل القيم والأعراف والعلاقات والبنيات، وأن تتعرى كل الإيديولوجيات الملهمة لحركة الناس بشكل مكشوف، فهذا أمر جديد. والأهم هو أن "العمل" رهين تحولات عالمية كبرى تهب رياحها تلقائيا على الداخل. وأول خطوة مفيدة في إطار جواب "ما العمل" هي وقف مسلسل التزييف وفضح المُغرض منه.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


...تابع القراءة

| 3 التعليقات ]




تجمع "التنظيمات" نخبة من أبناء المجتمع، قد لا تحتل الصدارة في الميادين العلمية المرموقة، ولكنها تتميز عن القاعدة الواسعة من أبناء المجتمع المتقاعسة عن كل حركة اجتماعية أو فكرية. في السطور أدناه، لا يهمنا لون التنظيم بقدر ما تهمنا الخصائص المشتركة لدى كل التنظيمات.
تفرض "التنظيمات" إيقاعا "موضوعيا" خاصا على عناصرها. في غالب الأحيان، تسير سَيْر "أوسط" أعضائها (من حيث القدرات الذهنية والتقنية). ولهذا قد تجد "تنظيما" يشمل صفوة الصفوة من المثقفين (على سبيل المثال، اتحاد كتاب المغرب)، ولكن في مقرراته وفي ميثاقه الجماعي لا يمكن أن يعبر على أفكار مثقف واحد "استثنائي" (قادر على مستوى عال من التجريد والتنظير)، بل لا بد أن يجد كل عضو ذاته في الانتماء إلى هذا "التنظيم الثقافي".
ولهذا، نلفي النبهاء الكبار الذين يتميزون بلياقة ذهنية حادة جدا، لا يجدون لأنفسهم صدى كبيرا داخل أي "تنظيم". فتراهُم يحسون ب"غربة" ملموسة بشكل أو بآخر، مردُها إلى أن المُخاطَبين من داخل البنية التنظيمية يضيق أفقهم عن استيعاب مرامي خطابهم وآفاق أفكارهم.
هكذا، يجدون أنفسهم أمام خيار صعب، وهو إطلاق العنان للتفكير ولكن في "إطار" وفي "أفق" وفي "نسق" التنظيم. إذا حدث وأن دفعتهم الشروط التي يتحركون فيها لقبول سقف "النسق" كأفق للتفكير والتجديد والتنظير، فالنتيجة معروفة: سيكون ذلك مدعاة للراحة النفسية من زاوية معينة، إذ سيكونون أمام جمهور (أعضاء التنظيم) يستَحْلون كلامهم  ويطالبونهم بالمزيد (المزيد من التنظيرات التي تسمح بتثبيت النسق وبث الأمل في الأفق).
غير أن ازدهار الفرد النابه من زاوية أخرى، كفرد يتحدد وجوده الحقيقي ضمن معادلة مجتمع مفتوح وليس ضمن معادلة تنظيم محصور، لن يتأتى داخل "إطار" التنظيم. فمن أجل التألق الذهني والوجداني يحتاج إلى "الانطلاق" و"التحليق" بعيدا.  ولهذا، فوجود هؤلاء الأفراد الذين يفقسون "بيضة" البنية الفكرية والمذهبية للتنظيم داخله، مدعاة إلى تفجير تناقضات حادة.
إن وجودهم داخل التنظيم واختلاطهم بالأعضاء وتأطيرهم للنقاش في السر والعلن مدعاة لإشاعة رؤى متباينة ووجهات نظر متمايزة وأحيانا مرجعيات متناقضة. إن التنظيم، قبل كل شيء، هو فعل وحركة وعمل على الأرض (نشاط، تظاهرة، مظاهرة،... إلخ). ولهذا، فمنطق التنظيم يتضايق من منطق الفرد الذي يقول لنظرائه "تريثوا.. لا تتحركوا، حتى ندقق الوجهة والمسير على المستوى النظري أولا".
إن التنظيم لا يحتمل، بطبيعته، أفرادا يتجاوزون أفقَه ويستخفون بشعاراته ويستهينون ببرنامجه. إن وجود هؤلاء الأفراد في "الهوامش" مدعاة لتمزيق "المركز"، فالسرعة التي يسيرون بها لا طاقة للتنظيم بها، ولهذا فهي قاتلة.
وجبت الإشارة إلى أن النبهاء (المقصودين في السطور أعلاه) هم قلة قليلة جدا بالنظر إلى الشريحة الواسعة من أفراد المجتمع التي بالكاد يقترب تعاطيها الذهني مع الشأن العام والوجدان الخاص مع المستوى "الأوسط" للتنظيمات. فمستوى أفراد المجتمع في عمومه، مع استحضار كل الطبقات خاصة الدنيا دون المستوى الذهني الذي تروج له التنظيمات.      
لم تحتمل جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي فقيها نبيها مثل الشيخ محمد الغزالي، ولهذا غادرها وانطلق خارجها وقام بالتأثير الإيجابي على أعضائها. ولم تحتمل حركة النهضة في تونس منذ نهاية السبعينيات قامة علمية ساطعة من طينة الأستاذ حميدة النيفر، ولهذا غادرها رغم أنه كان من أبرز مؤسسيها. ولم تحتمل حركة التوحيد والإصلاح في المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة الآفاق البعيدة لرجل من أنجب أبنائها، هو الأستاذ إبراهيم أمهال، ففصلته رغم أنه من أشد المخلصين لروحها ورسالتها القيمية المفارقة. ولم تحتمل مؤسسة علمية وبحثية من طينة "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" أسئلة عقل نادر المثيل، هو أبو القاسم الحاج حمد، ولهذا لم تستنكف من محاكمته "المعنوية" وإدارة الظهر لاتجاهه الفكري العميق.
إن التناقض القائم بين رغبات "الفرد" ورغبات "التنظيم" هو تناقض موضوعي مفهوم. إن التنظيم، بطبيعته، جسم حركي ديناميكي لا يحتمل التأني والتمهل قبل المبادرة إلى الفعل. بينما الفرد، بطبيعته، يرغب في تمحيص الحقائق وتدقيق الاختيارات وتصحيح عقد الازدياد وإعادة النظر في الأوراق على ضوء الآفاق المعرفية الجديدة، ولهذا فهو يعطل مبرر وجود التنظيم أي "الحركة" على الأقل أو يمزقه في حال ما صارت أفكاره قوة مادية في شخص مجموعة متماسكة من داخل جسم التنظيم.
الواقع الموضوعي بدوره يتطلب "تنظيمات" قوية ومتماسكة وفاعلة وغير مترهلة وغير مترددة في فعلها وحركتها، ولكن في نفس يتطلب أن تسير هذه "التنظيمات" على هدي المعرفة العلمية وأن تخوض المعاركة الحقيقية وأن تعيَ التناقض الرئيس من التناقض الثانوي وأن تميز الخطوة "التكتيكية" من الخطوة "الاستراتيجية"... إلخ، وهي مسائل بحثية وعلمية لا يمكن أن ينهض بأعبائها إلا الأفراد الذين يتمتعون بلياقة ذهنية غير مألوفة.
هي معادلة موضوعية صعبة ومعقدة، يبدأ حلها من إشاعة المناخ العلمي في صفوف المجتمع الذي يعيد إنتاج أمراض "التنظيمات"، حتى تتسع القاعدة العريضة للأفراد: المتفهمين لمسألة تحرير "النظر" قبل الانطلاق في "العمل"، والمعانقين لنتائج البحث العلمي في كل القضايا الاجتماعية المطروحة، والمخلصين للقيم المتجاوزة المفارقة للذوات والأنانيات الضيقة. طبعا اتساع هذه القاعدة، سينعكس على مستوى القيادة سواء المحلية أو المركزية، وبالتالي سيخفف من حدة التناقض الموضوعي القائم بين رغبات "الفرد" في الازدهار ورغبات "التنظيم" في الامتداد.

في النهاية، التنظيمات هي التجسيد المادي للأفكار (أفكار الأفراد النبهاء). ف"الأفكار" لا قيمة لها في حد ذاتها إن لم تتحرك في نفوس الأفراد وسلوك المجتمعات، وصلة الوصل الكفيلة بإنجاز ذلك حتما هي "التنظيمات". كما أن "التنظيمات" لا معنى إن كانت مجرد تجمع بشري يلتئم حول قضايا زائفة ويوفر ملاجئ اجتماعية ويهيئ مسكنات نفسية ويخدم حق الارتقاء الاجتماعي المشروع لبعض أعضائه.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



رأس الأدواء التي تعتورنا كمجتمع، هو الشرود عن طبائع الأشياء الموضوعية والذهول عن قوانين الطبيعة وسنن النفس وقواعد الاجتماع. بعبارة بسيطة، مازالت "المعرفة" بعيدة أن تكون مرشدة خطواتنا وملهمة برامجنا، ومازال "العلم" بمختلف المسائل كما هي كائنة في الواقع بعيدا عن أخذ مواقع "الإيديولوجيا" حيث نتصور المسائل الاجتماعية كما يحلو لنا وكيفما اتفق.
 مازلنا نتصور التاريخ باعتباره ركاما من الوقائع والأشخاص والأحداث بلا خيط ناظم، ومازلنا نرى في العلاقات بين البشر انعكاسات لرغباتنا بلا التفات لمحركاتها البنيوية، ومازلنا نقرأ النفس البشرية على أساس خلفيات ساذجة. ولعل من الأجدى ومن باب تجديد الأمل الإشارة إلى أن تصوراتنا للمسائل الطبيعية (بخلاف الاجتماعية) قد انزاح عنها على العموم ما كان يُقيدها في السابق من نظرات أسطورية وخرافات لا تستقيم، ولم تبق إلا بعض القضايا المحدودة التي تمس نشأة الإنسان وانبثاق الكون.

إن "المؤسسات" (البرلمان، الحكومة، المجالس المنتخبة، الحزب، النقابة... إلخ) و"المفاهيم" (الدولة، الحرية، العدالة، الديمقراطية التمثيلية، الديمقراطية التشاركية، الملكية الدستورية، الملكية البرلمانية... إلخ) ليست "مقتنيات" تنتقى في المحلات التجارية، وإنما هي نتاج لسيرورة تاريخية بل وصيرورة من التحولات الاجتماعية العميقة. ولهذا لا يجوز أن نتعامل معها بمنطق "المشتري" الذي ينتقي ما يريد في "اللحظة" التي يريد وفي "المحل" الذي يريد. 
إن الحقيقة التي لم تصبح بعدُ ثقافة راسخة في بنياتنا الذهنية، هي أن الحياة بكل حذافيرها (طبيعة النفس البشرية، طبيعة العلاقات الاجتماعية، طبيعة الكون الفيزيائية) لا تسير وفق ما نشتهي ولا تتساوق مع رغباتنا. فالحياة تهتدي بمنطق موضوعي خارج إرادتنا، وتبعا لمنطلقاتنا الإيمانية فإن الله جل في علاه هو الذي قال لذات المنطق "كن" ف"كان".
إن دورنا في هذا الإطار هو أن نبحث وأن نكتشف المنطق الذي يحكم الأشياء والحقائق والطبائع كما هي كائنة في الواقع. فاكتشاف منطق الطبيعة الفيزيائية مدعاة لتسخيرها لتحسين معاش المجتمع. وأما معرفة طبائع النفس والاجتماع البشريين، فهو أمر جدير – في المنطلق – بالدلالة على أرشد السبل لتنزيل "القيم" و"الغايات" و"رغباتنا المثالية" و"ما نريد أن يكون" على الاجتماع البشري (سياسة، قانونا، اقتصادا... إلخ). إذن، قبل الخوض فيما نريد لا بد أن نفهم الأمور كما تجري في الواقع، وإذ ذاك لا ضير في أن نعود إلى خبرتنا الدينية والفلسفية حتى ندقق القيم التي نتغيا أن تسود في حياتنا وعلاقاتنا وهياكلنا الاجتماعية والاقتصادية.
تعد "التنظيمات" إحدى الوحدات الاجتماعية التي كانت من ثمار الثورة البرجوازية في أوروبا. فبعد أن كان الأفراد ينتظمون في "قبائل" و"زوايا" وطوائف" في العهد الإقطاعي، صارت "التنظيمات" ملاذهم الجديد في العصر الحديث. هكذا، صارت الأحزاب والجمعيات والنقابات أبرز الأشكال التنظيمية التي صاحبت بالدرجة الأولى مرحلة امتداد "الرأسمالية الصناعية".
لعبت التنظيمات طيلة مسيرتها أدوارا طلائعية استكملت فيها المجتمعات التي نعمت بوجودها مسار التحرر من كل أشكال التخلف الاجتماعي السائدة من قبل. اليوم، تعاني التنظيمات من شبح الانقراض وهي معاناة موضوعية مفهومة لأنها متصلة بانتقال هياكل العالم - الذي أفرز "التنظيمات" - من مرحلة سيادة "الرأسمال الصناعي" إلى مرحلة سيادة "الرأسمال المالي".  
إن مرحلة "الرأسمال المالي أو الخدماتي" حيث يهيمن الاقتصاد الافتراضي، ألقت بظلالها الكثيفة على كينونة "التنظيمات" التي صار وجودها وتأثيرها على المحك. ولا يمكن استيعاب التحول الذي أحدثته "التنظيمات الافتراضية" في شبكات التواصل الاجتماعي إلا في هذا الإطار. بل وما التأثير الذي قادته لإشعال احتجاجات ميدانية، إلا دليل واحد من جملة الأدلة القائمة على أن "التنظيمات الافتراضية البديلة" تفرض نفسها بقوة.  بالمقابل، تتراجع "التنظيمات الكلاسيكية"، ومنها على سبيل المثال "النقابات"، حيث نجد نسبة التنقيب في مختلف دول العالم دالة للغاية.
ولكن ثمة مزلق نظري كبير وجب التنبيه إلى ضرورة الحذر من تبعاته. نعم، إن المرحلة الرأسمالية الصناعية التي أوجدت "التنظيمات الكلاسيكية" انتهت أو على وشك الانتهاء. ولكن، مهلا! إن هذه المرحلة انتهت فقط بالنسبة للعالم الغربي الرأسمالي الذي أفرزها وفق صيرورة موضوعية.
أما فيما يخصنا كمجتمع نامي، فمرحلة الرأسمالية التجارية أصلا كان مرورنا منها قسريا وعابرا، إذ كنا فيها مرتبطين بالسوق الأجنبية الخارجية أكثر من ارتباطنا بتنشيط السوق الداخلية، في النصف الثاني من القرن 19. وأما مرحلة التصنيع فمن الواضح أننا مازلنا نخطو فيها خطوات محدودة للغاية بسبب عوامل موضوعية (موازين القوى التي ليست مطلقا في صالحنا) وبسبب عوامل ذاتية (رخاوة عزيمتنا وهو ما يتجلى في ميلنا إلى انتظار الآخر للاستهلاك عوض المبادرة إلى الإنتاج، علاوة على استمرار الطابع الريعي لاقتصادنا).
إذن، فكما أن استنفاد عالم "الشمال" لبرنامج "الحداثة" على الصعيدين الفلسفي والقيمي وانشداده إلى "ما بعد الحداثة" لا يعني أن واجب الوقت هو أن نحذو حذوه. فكذلك، تفجُر تناقضات الرأسمالية الصناعية وانبثاقها في صيغة رأسمالية مالية مضارباتية لا يعني أن ندير الظهر لبرنامج التصنيع الوطني المستقل (طبعا، بعد استدماج الأفق الجديد للصناعة المعاصرة: النانوتكنولوجيا..). وكذلك، اتجاه السياسات العمومية نحو الارتكاز على "الديمقراطية التشاركية" في الغرب الرأسمالي لا يعني أن نغلق قوس السعي والوعي ب"الديمقراطية التمثيلية" بدعوى أنها متجاوزة.   
على هذا الأساس، لا يجوز لنا أن نتجاوز "المؤسسات" الاجتماعية التي ارتبطت بعصر "الحداثة" الفكري ومرحلة "التصنيع" الاقتصادي. وتنقسم هذه المؤسسات إلى قسمين؛ مؤسسات الدولة: الحكومة، البرلمان، جماعات ترابية... إلخ، ومؤسسات المجتمع: الأحزاب، الجمعيات، النقابات.
طبعا، المسألة ليست إرادوية بل فيها قدر كبير من الموضوعية. فثورة الاتصالات جعلت بالفعل العالم قرية صغيرة ذات مناخ فكري واحد وذات اقتصاد تبادلي عابر للحدود. مما يعني أن المجتمع الذي أمامنا هو الذي يهرب من "التنظيمات" تأثرا بالمناخ العالمي وبالانقلابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الرأسمالية المعولمة.   
نحن أمام تناقض موضوعي: من جهة، حاجتنا إلى "التنظيمات" (الأحزاب والنقابات بدرجة أولى) هي حاجة موضوعية لتحقيق الانتقال الديمقراطي وتحصين وضعية الطبقة الوسطى. ومن جهة أخرى، التوجه نحو "التنظيمات الافتراضية" باعتبارها بدائل هو تيار موضوعي عالمي يجرف ما هو محلي.
للأسف، نؤدي اليوم ضريبة تراكمات التأخر (وكلما تباطأنا كلما صار الاستدراك صعبا). ولهذا نعيش وضعا يتميز بهجانة لا حدود لها. على الصعيد الفكري: نعاني من رواسب التقليد الراكد، ومن النزوعات الما بعد حداثية الشاردة الوافدة (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة في الفكر غير هذه ولا تلك). على الصعيد الاقتصادي: نعاني من بنيات ريعية تقليدية، ومن نزوعات رأسمالية خدماتية ومضارباتية غير منتجة (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة  في الاقتصاد غير هذه ولا تلك). على الصعيد السياسي: نعاني من عزوف عن السياسة يتغذى على الجهل والتقليد، ومن رسوبنا في امتحان "الديمقراطية التمثيلية" واستعاضتنا عنها رسميا بالحديث عن محاسن "الديمقراطية التشاركية" وآفاقها الواعدة بالنسبة لجمعيات المجتمع المدني (في حين أن حاجاتنا الموضوعية الراهنة في السياسة لا يمكن أن تتحقق  لا بهذه ولا بتلك). على الصعيد الاجتماعي: نعاني من استمرار البنيات الذهنية المنغلقة والعشائرية والقبلية، ومن كفر بالتنظيمات الاجتماعية الحديثة يقابله إقبال قياسي على "التنظيمات الافتراضية" في شبكات التواصل الاجتماعي (في حين أن حاجاتنا الموضوعية في الاجتماع لا يمكن أن يتحقق لا بهذه ولا بتلك).
إنها وضعية مضطربة تنفلت أمام كل تحليل نمطي ميكانيكي. هي محصلة صيرورة تاريخية لعب الأجانب فيها دورا لا بأس به منذ واقعة تطوان عام 1859-1860. وتبعا لذلك، موازين القوى الحالية لا تسمح لنا بنشدان تغييرات استراتيجية. ولكن ما نتحمل فيه المسؤولية ويقع تحت أيدينا يبدأ  أولا بالخطوة العاجلة المتمثلة في ضرورة الحسم مع معركة إدراك الطابع الموضوعي للأشياء (التنظيمات كانت مثالا في هذا المقال) من حولنا حتى نتصرف تصرفات مفيدة تسمح لنا بالانعتاق من هذه الحفر المظلمة.

...تابع القراءة