| 0 التعليقات ]



عاينت مجريات أحداث  طريفة – و أليمة في الوقت ذاته - جرت بين ثلاث قريباتي؛ قصة تجسد بشكل لافت جانبا من المد و الجزر الذي مازالت تعرفه قضية المرأة في وطننا. القريبة الأولى امرأة مسنة جاوزت 77 سنة. بينما الثانية و الثالثة كانتا طفلتين إحداهما تبلغ من العمر 12  سنة  و الأخرى 11 سنة.
كانت بداية القصة مع التعامل غير الحسن الذي تقابل به السيدة المسنة الطفلة ذات 11  ربيعا. المسنة تصرخ في وجه الصبية، تطلب منها أن تخدمها و تنظف و تهيئ الفضاء ( و الطعام..) الذي يشغلنه. تتوسل المسنة لأمر الطفلة أو نهيها لغة جارحة، قاسية و غليظة ملؤها أنك (أي الطفلة) "أنثى" : ما الهدف من مجيئك للدنيا غير القيام بهكذا أشغال. واصلت المسنة حربها الكلامية على الصبية و إطلاق أوامرها التي لا نهاية لها عليها، غير أنها أضافت إلى ضحايا أوامرها الطفلة الأخرى ذات 12 ربيعا.
ذات وجبة غذاء، و أنا ألحظ من بعيد ما يقع، حرصت – لهذا السبب- بعد تناولي للوجبة على جمع فتات الطعام و نفايات المأكل. تلقيت شكرا من الصبية الكبرى. إلى جانب شكوى بليغة لخصت مجريات المعاناة النفسية و (المادية) للطفلتين. للإشارة، فالطفلة الكبرى، كانت صاحبة وعي حقوقي أرقى من وعي الصغرى.
الصبية الصغرى، في مرافعتها القصيرة أمامي، أشارت باعتزاز لافت إلى جواب بسيط المبنى و عميق المعنى في ذات الوقت واجهت به اللغة الجارحة و التهمة الدائمة (كونها "أنثى")  الصادرة من طرف المسنة: (إنه ربي هو الذي خلقني).
أما الصبية الكبرى، صاحبة الوعي الحقوقي، فقد تنهدت و قالت: (إننا نُعامل كالمستخدمات عند أهل البذخ و الترف، أي الذين يتبختر نساؤهم في مقعد و يكتفون بالحديث و إطلاق الأوامر للخدم). ثم أضافت كلاما أهم: (إن الصبية الأخرى "فلانة" تُعامل معاملة أقسى و بلغة جارحة. و المصيبة أنها تنتهك حرمة الطفولة. إنها "طفلة" لها مشاعر و أحاسيس).
إن إيرادي لهذه القصة يستهدف تسليط الضوء على ما يكتنف قضية المرأة بشكل عام في أوطاننا من أسئلة.
إن الفكرة المركزية المستخلصة من القصة هي لجوء الطفلة الكبرى إلى استدعاء مرجعية حقوقية حديثة – تلقتها في صفوف الدراسة – (حقوق الطفل خاصة و حقوق الإنسان عامة) للتعبير عن استنكارها للنظرة الدونية للطفلة الأنثى. إنها ترى امرأة مسلمة مسنة هي التي تستبطن هذه الرؤية الدونية و بالتالي لم تجد بدا من استدعاء مرجعية أخرى. فالتكريم الإلهي للإنسان (كيفما كان جنسه) في خطاب القرآن الكريم لم تر له انعكاسا في تعامل المرأة المذكورة. و منه لم تستحضر المرجعية القرآنية في الدفاع عن كرامة الطفلة على الرغم من كونها تتشرب معان لا بأس بمستواها من هذه المرجعية.
قد نتفهم المرأة المسنة؛ فهي تقوم باستفراغ تجليات ذات الحرمان الذي عانت منه كأنثى. فلا شك أنها اكتنزت صورة نمطية سلبية عن وظيفة الأنثى على مقاس تلقته في تربيتها منذ الصغر. إنها وجدت قدرها المحتوم يقول (الخدمة المنزلية و الاستعداد لبيت الزوجية). وجدت نفسها دائما تحت وصاية الآخر و في خدمته. لم تفكر يوما أنها – ربما كان ذلك في شيخوختها -  إنسان له كيان مستقل و وظائف اجتماعية. أنى لها ذلك و هي لا تعرف الحرف و قد حُرمت من الكُتاب و المدرسة؟
أما الطفلة الصغرى، التي تعرضت للقدر الأكبر من الإهانة لا لشيء إلا لكونها خُلقت "أنثى"، فنظرا لضعف وعيها الحقوقي فقد لجأت لإثارة قلق وجودي في ذهن المرأة المسنة عندما صاحت (إنه ربي هو الذي خلقني). و من الصعب الذهاب إلى القول بكونها استندت إلى المرجعية القرآنية في التكريم الإلهي؛ فمستواها محدود و هذا الجانب ضامر في ذهنيتها. و لعل مرد لجوئها إلى استفزاز وجودي للمرأة المسنة هو نداء الفطرة الساطع (إذا كنت كيانا "دون": لا يصلح لأدوار الإنسان؛ فلماذا خلقني الباري إذن؟ ).

الخلاصة؛ إذا أردنا تسوية جادة لقضية الحيف الاجتماعي -غير المنكور- الذي تعاني منه المرأة (الأنثى) في وطننا. فلا مناص لنا من تربية الناشئة و الأجيال الصاعدة على إبراز التكريم الإلهي للإنسان (من حيث هو إنسان) و على التحرر من كل أثقال التقاليد الراكدة التي ليس لها بالدين صلة. و هذا هو المدخل الآمن لتلافي نزوع الفتاة المسلمة، بعد تنامي وعيها الحقوقي في سن الرشد، إلى الصدام  مع الدين كلية و قطعياته الواضحة. فمنطق العصر الحديث و سنن التاريخ، لا ترحم و لا تنتظر أحدا !


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يتجه منطق الحضارة الحديثة إلى الإقبال على إنتاج ( و من ثم استهلاك) مختلف الإنتاجات الفنية، و على الأخص، إنتاج الأفلام و الأغاني. لأن هذه الفنون تُمكن، بشكل مدهش، من أسر المتلقي بالمعاني و القيم و الأحلام و الرسائل الثاوية فيها. و بالتالي، فأي دعوى ل"رفض" الفيلم و الأغنية هكذا أصالة، لن يكون لها مستقبل سوى الهامشية و قارعة التاريخ.
و لا شك أن الآخر، المختلف عنا و الذي يقود زمام الأمور في عالمنا، يخصص ميزانيات ضخمة لهذه الأعمال الفنية و يؤهل متخصصين خبراء في دواليبها منطلقا من رؤية معرفية واضحة للإنسان الذي يتغيا نحت طرازه بواسطتها. بالمقابل، تتسم الأعمال الفنية في بلداننا، في أغلبها، بوصف جامع هو "غياب البوصلة"؛ أي أنها تفتقد لحلم و رؤية معرفية ناظمة على أساسها توجه العمل الفني. و ربما كانت فلسطين، مرة أخرى، هي التي شذت عن هذه القاعدة. لأن أبناء فلسطين الأبرار يجمعهم حلم واحد و تلحمهم قضية واحدة و من ثم، فهم على الأقل، يتوفرون على بوصلة أولية تضبط سير الأعمال الفنية.
لهذا كله؛ ليس غريبا أن نرى قناة الأقصى الفلسطينية تنتج أفلاما جد متميزة، في ظل ظروف صعبة من أرض غزة العزة.  في شهر رمضان الأبرك، حين يحلو عادة للمخرجين السينمائيين قصف المشاهد المسلم بمشاهد تنضح بالجراءة و الإسفاف. اختارت "الأقصى" عنوان المقاومة و أنتجت مسلسلين متتاليين: الأول هو مسلسل (الروح) في رمضان 1435 هجرية (سنة 2014). الثاني هو مسلسل (الفدائي) في رمضان 1436 هجرية (سنة 2015). أترك تقييمها الفني للمشاهد (فبإمكانه متابعتها على قناة اليوتيوب)، و أكتفي بملاحظات على مستوى المضمون و الرسائل.
نجحت "الأقصى"عن طريق عنوان المقاومة أن تقوم بعملية تربية صامتة للمشاهد. فالرسالة الأولى التي قامت بإيصالها هي أن العدو الصهيوني محكوم عليه بالإعدام، لا محالة، مادامت النفوس متحررة من آثار محاولات الاحتلال النفسي الصهيوني و بشكل أعم مما تحدث عنه المرحوم عبد الوهاب المسيري (الامبريالية النفسية). فمسلسل "الفدائي" لفت الانتباه بالخصوص إلى معان عميقة من قبيل التراحم و التكافل الاجتماعي و التآزر بين أبناء حارة الفدائي و هي بدون شك غصة في حلق الاحتلال (الصهيوني) النفسي الذي يسعى لإيجاد الشقاق و افتعال الصراع و إشاعة قيم التعاقد و الاستهلاك. كذلك المسلسل تناول مسألة محورية (الصلاة) في حياة المسلم في عدة مواضع. أما بخصوص القضية التي تثير النقاش دوما و هي مسألة "الزي"؛ فأكيد أن المسلسل، بشكل صامت و بدون صخب، أثبت زيف الدعوى التي يشيعها أهل الأفلام السينمائية في بلداننا. دعوى لا تمل من تكرار أن عرض النساء بزي محترم مدعاة لنفور العديد من المشاهدين من متابعة الفيلم و بالتالي إيذان ببوار تجارة أصحابه. هنا، مسلسل "الفدائي" كسر هذه الأسطورة و عرض النساء اللائي مثلن أدوار الصهيونيات بتفرقة بين زيهن و أزياء المسلمات لكن بدون جراءة لا معنى لها. إن الفكرة واضحة: الفيلم الذي لا يتجاوز أفق منتجيه جدار الربح و التجارة، أكيد أن "الإثارة" هي المطية المريحة نحو الهدف، أما  الفيلم  الذي لا يهجسه الربح قبل هدف إيصال رسالة أو بناء وعي و تربية وجدان – و هو النموذج الذي نفتقده في بلداننا- ، فمن المؤكد أن "الإثارة" المجانية و المتاجرة بالأجساد لا معنى لها آنئذ و بالتالي فالفيلم  سيتجنبها.
 ذهبت رياح المسلسل (الفدائي) بعيدا حينما أثار قضية جادة و هي التعاون بين المسلمين الفلسطينيين الوطنيين و المسيحيين الفلسطينيين الوطنيين على قاعدة المشروع الوطني التحرري المشترك الذي يتصدره الدفاع عن المقدسات كيفما كانت (هذا يتضح في قصة الدكتور المسيحي "يوحنا" الذي كان نعم السند و النصير للمقاومين و بسبب ذلك تعرض للأسر).
إن أمثال هذه الأفلام و المسلسلات التي لا تحيد عن القضية قيد أنملة هي الكفيلة ببناء الحد الأدنى من الوعي التحرري المقاوم في صفوف ناشئتنا. بل حتى في صفوف كبارنا و مثقفينا. فهذا الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد، أحد أبرز المهتمين بالقضية الفلسطينية في المغرب و الممثل الوحيد عنه في أسطول الحرية الأخير، يعترف صراحة في حوار مع قناة الإصلاح (في الشبكة العنكبوتية) – على هامش المؤتمر الثاني عشر للندوة العالمية للشباب الإسلامي الذي أقيم في مراكش هذه السنة-: إنه رغم كونه يعتبر نفسه خبيرا بخبايا القضية و أصولها ومستجداتها، فإن مشاهدته لفيلم وثائقي يضفي معان جديدة و عميقة على درايته المعرفية.

إن الفيلم المقاوم، لكونه ينطلق من حلم واضح يتعلق باستعادة الأقصى و مشروع التحرير، تميز في الأداء و في إيصال الفكرة و الرسالة.  فلا مندوحة لنا، إذن، في أوطاننا من تبني حلم مشترك على أساسه نوجه أعمالنا الفنية لتفوز بالريادة. و جلي أن حلمنا المشترك في هذه المرحلة التاريخية هو التحرر من أوهاق الفساد و الاستبداد و استكمال بناء الصرح الديمقراطي: فلتعمل، إذن، أعمالنا الفنية على ترجمة هذا الحلم !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



إذا طًرح السؤال عن محور سمات العصر في كلمة، جاز لنا أن نصدح إنه: عصر التساؤل !
إنه عصر التساؤل عن كل شيء. كل الموروثات تخضع للنقد و الاختبار. لا تمضي فكرة دونما حساب. غدا التساؤل رمزا للتنوير و الانخراط في الزمن الحديث.
ما الدافع إلى التساؤل؟
 في الأمور التي يُعتقد  بأن النقاش قد حُسم فيها؛ كثيرا ما يكون ما يحمله الواقع الموضوعي في أحشائه من تحولات - يُهدم المقولات المسلم بها في السابق دون تمحيص لمصداقيتها على الأرض - هو النقطة التي ينطلق منها التساؤل.
من يرفض التساؤل؟
صاحب السلطة هو المرشح الأول و الأبرز للوقوف دون سيادة ثقافة التساؤل. السلطة كيفما كانت رمزية معنوية أو مادية: الحكام، المجتمع، الأُميون، الأساتذة،  الآباء، حماة التقاليد، نُظار الأفكار و سدنة الأحلام الأيديولوجية..
فصاحب السلطة يطمح لاستدامة تطويعه للإنسان. و التساؤل يقف حجر عثرة أمامه بل يُعجل بانهيار طموحاته. إذ أن المتسائل عصي على الإملاءات، لا يتبنى ما يراد له من أفكار قبل أن يعالج صدقيتها و مصداقيتها. يكفي أنه لا يقول دائما "نعم" هذا صحيح..
لماذا الإنسان يتساءل؟
العجب كل العجب من الذي لا تأخذه الدهشة و لا ينخرط في غمار السؤال في هذه الحياة. العجب من الذي يعتبر ما يجري في دنيا الناس عاديا  لا يستحق التدبر و التملي و الالتفات. العجب ممن لم يستطع أن ينفك من الألفة الغافلة و الأبعاد المادية و يرتمي في أحضان تساؤلات الإنسان.
التساؤل عنوان العبور إلى الحي القيوم. (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه). الانشقاق:6.
التساؤل حرب على كل نزعة تتغيا اختزال إنسان في دوغما. حرب على كل نزعة وثوقية ترتاح لإنسان  يتشبث بأذيال اطمئنان كاذب زائف.
كيف السبيل لتوسل التساؤل للقيام بالتنوير؟
التساؤل، كي لا يحيد عن دوره التنويري، لا بد لصاحبه من تحري الحق بغض النظر عن الانتماءات. لا بد لصاحبه من الالتصاق بأسئلة الواقع الموضوعي و تفادي القفز على المعطيات و الحقائق. لا بد لصاحبه من توخي التقاط السنن و الكليات وراء ركام التفاصيل و الجزئيات. لا بد لصاحبه من طرح السؤال المجدي في ذاك الواقع الموضوعي أولا.  
ما المخاوف من التساؤل؟ 
التساؤل فضيلة و لا شك. غير أن تساؤل زمن ما بعد الحداثة عدمي و عبثي و استغلال فج و إفشال متعمد لقضية ناجحة: هي الحاجة إلى التساؤل.
المحاذير المحدودة التي بإمكاننا إثارتها هنا هي ذات صلة بالمخاوف من المآلات العدمية لعملية التساؤل. إذ يكتفي الإنسان بتشقيق الكلام و لا يُسهم في الحياة بأدنى عمل من الأعمال. و لو تلك الأعمال الفاضلة التي يُعنى بها قبل انخراطه في التساؤل.

التساؤل يقود صاحبه في المراحل الأولى لفقدان التوازنات النفسية المهترئة التي يرتاح بها في السابق خصوصا حين يكتشف أن مضامين الأفكار و الشعارات  التي آمن بها باتت محدودة. و تحت ضغط التحولات و الانقلابات و التساؤلات يُسلم الإنسان أخيرا أنه مخلوق ضعيف قدره  أن يؤمن بنسبية الأفكار و الرؤى و المنظورات و المشاريع: و ويل له من مغامرة التشبث الأعمى المغرور بحلم إيديولوجي؛ اللهم الحلم بالفردوس الأعلى و نيل رضوان المولى جل و علا و الحلم بالتمكين للقيم الإنسانية السامقة في الدنيا (العدل، الكرامة، الحرية، العدالة الاجتماعية..).


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في الوقت الذي نُحدث فيه أنفسنا باطمئنان عن كوننا نعيش في المغرب. في بلد يسعى لأن يقدم نموذجا في تدبير الخلاف السياسي بين أبناء الوطن بالأدوات الديمقراطية. بلد يقول بأن الوطن للجميع. بلد  أكرمه المولى سبحانه و تعالى بالنجاة من طاحونة الطائفية و الاصطفافات غير الوطنية المخدومة. بلد لا يضيق بالتنوعات. في هذا الوقت، الذي كدنا ننسى فيه حكاية التسميات و التقسيمات المُموهة و المغالطة (هذا إسلامي، هذا علماني..). يطل علينا السيد سعيد لكحل - أحد الصحفيين الذين لا يخفون توجههم العلماني منذ أكثر من عقد من الزمان – بحديث أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه كلام يجر إلى تمزيق النسيج الوطني و استدعاء نموذج (بنعلي) التونسي و استثارة الصراعات الوهمية و المعارك الجانبية التي لن تفيد الوطن لا بباع و لا ذراع في هذه المرحلة بالذات.
في ندوة، من المفترض أن تزين بالأحاديث الراقية و النقاشات الجادة التي تترفع عن خطاب العوام و ترتقي بالمستوى الفكري للرأي العام، بالمكتبة الوطنية بالرباط. هناك، تلفظ سعيد بما يلي: "شي أسر كاتشوف ولدها بدا كايصلي و كاتقول مزيان راه هداه الله.. و هو في الحقيقة عاد نحارف".
أ لهذا الحد يا سعيد؟ أ لهذا الحد تجلو شهوة الاستئصال؟ أ لهذا الحد ينطق المخبوء فيك؟
في هذا المقام و هذا المقال، لا تهمنا الجهة المنظمة للندوة. لأنها ببساطة لا تستحق حتى الذكر. لأنها جهة تلطخت بمخازي المخزنة و مساعيها الدنيئة للإجهاز على مسار الانتقال الديمقراطي في هذا الوطن. لأنها ضد الديمقراطية و احترام التعددية و حق الاختلاف. لأنها راعية السلطوية في هذا البلد. لأنها تتغيا تنمية بلا شعب.
لكن، أنت يا سعيد ! عهدناك كاتبا جريئا يصول و يجول و يكشف عورات الحركات الإسلامية و عثراتها في المسألة الديمقراطية و قضية الحريات. ما بالك انقلبت على اختيارك (العلماني) الذي نحترمه؟ ما بالك استحلت شرطيا يوزع تهم الانحراف على "ولد تقَصَد طلب رحمة الرحمان و توجه إلى الصلاة".
لك يا سعيد أن لا تصلي. فهذا اختيارك و تلك إرادتك. لكن أن تستحيل الصلاة انحرافا. فهذا لعمري، كلام لا ينحو نحو مجافاة وجدان قرابة ملياري مسلم فحسب بل يصادم البشرية أي كل المؤمنين من شتى الديانات الذين يمارسون طقوسا فيها نسائم الروح تنعت  الصلاة.
ربما الفضاء كان يسمح بذات الكلام. ففيه سدنة الانقلاب على الاختيار الديمقراطي للشعب المصري و فيه خدام المشروع السلطوي و إعاقة الانتقال الديمقراطي في هذا الوطن. و ربما أحاديثهم حطمت كل المقاييس في بلوغها قمم النشاز. فهل أردت الإسهام بكلام يقطر استئصالا أكثر من كلام سادة الندوة؟
من فضلك يا سعيد، إذا أردت حلما مبتورا فلك ذلك. لكن لا تتهم من رمق حلما مزدوجا. لا تقم بدور شرطي تونس (في عهد بنعلي) فتعد المصلي في عداد المنحرفين؟
فالمصلي الساعي للاتصال بالعلي الأعلى، إنما يسعى نحو حلمه المزدوج. أي حلم عمودي، يروم الفردوس الأعلى و النجاة في الدار الأخرى. و حلم أفقي، يستهدف الفوز بحسنة الدنيا: توطيد أركان الديمقراطية بمشمولاتها (الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية) إلى جانب التنمية الشاملة الواقفة على أساس البحوث العلمية و الحفريات المعرفية.
سعيد ! إذا اكتفيت بحلم أفقي وحيد فذاك اختيارك. إذن، فلنتعاون جميعا –كمواطنين- عليه. و لنكن لسدنة المشروع السلطوي و أصحاب المشاريع الانقلابية على الاختيارات الديمقراطية بالمرصاد. و لنسعى بشكل جاد لغرس بذور ثقافة قبول الآخر و الإيمان بنسبية الرؤى و الأفكار في المناخ العام بالأحاديث الفياضة بالعمق و الملتفة للأسئلة الحقيقية المؤرقة. و لنقل "لا" للسطحية و التفاهة و المعارك الجانبية. و لنلح على أن الوطن للجميع. و "لا" لاستئصال و استعداء أي مصل أو مدبر عن الصلاة: فكلهم مواطنون.
على أن العاقل يا سعيد، يتطلع دوما للخيرين فيعمل للدنيا دون إغفال الدار الآخرة. و لا يوجد عاقل تُعرض أمامه جائزتين و يكتفي بواحدة.
قبل فض المقال، لا أتمنى  يا سعيد أن تكون بهكذا حديث ذلك الإنسان الأفقي الذي قال عنه الفيلسوف المغربي  طه عبد الرحمن: لا عجب أن يأخذ النسيان يتداعى عند هذا الإنسان الأفقي بعضه إلى بعض، حتى يبلغ أقصى مداه، فلا يعود يذكر أنه مخلوق، فضلا عن أنه لم يُخلق عبثا، و لا حتى أنه إلى زوال محتوم إلى حين أن يأتي أجله على حين غرة؛ و يا ليته نسي و وقف عند حد نسيانه !

بل إنه يمكر ليل نهار من أجل أن يرى غيره ينسى مثلما نسي، متوسلا بكل أدوات النسيان، ترغيبا و ترهيبا، حتى إنه أضحى يعلن بغير حق و لا حياء، أنه لا يطيق أن يذكر اسم الله و لا إجلاله و لا تكبيره و لو في غير مجلسه؛ و إذا أحد سواه لم يبق في قلبه التفات إلى غير الله في سراء أو ضراء، فصدح بالتهليل و التكبير، متفانيا في حب ربه، ضج هذا الإنسان الناسي بالشكوى من تهديدات التطرف الديني، مناديا على الإنسانية بالويل و الثبور و عظائم الأمور ما لم تحزم أمرها و تعلنها حربا لا هوادة فيها على هذا التطرف، كأن نسيانه حق لا باطل معه و خير لا ضرر فيه، و ذكر غيره باطل لا حق فيه و شر لا نفع معه. (طه عبد الرحمن. روح الدين، ص:15 . الطبعة الثانية:2012. المركز الثقافي العربي)


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في الذكرى الأولى لرحيل الكبير المهدي المنجرة (رحمه الله)، يحسن بنا الوقوف عند شذرات من مواقفه و أفكاره تعكس بحق العبقرية المغربية في أجلى تجلياتها.
المهدي المنجرة، قبل أن يكون له موقف أو يصوغ فكرة، هو كفاءة مغربية عز لها نظير. يكفي أنه ساهم مؤلفات تُدرس في جامعات الدول المتقدمة؛ كتابه (نظام الأم المتحدة) الصادر سنة 1973 يُدرس في جامعات الدول الأنجلوساكسونية كما أنه ساهم في كتاب (تاريخ اليابان) الذي يُدرس لطلبة المستوى الإعدادي في اليابان.
المهدي المنجرة  رمز للعبقرية المغربية؛ إذ يحوي تراثه الفكري مقاربات بإمكان كل الأطياف السياسية و الحساسيات الثقافية و الحركات الاجتماعية  الوطنية أن تجد ذاتها فيها.
التيار القومي و اليساري الوطني، لا شك أن تنديد ذ.المنجرة المستمر –بشكل علمي  يستند إلى حقائق و معطيات موثقة- بالاستعمار الجديد و فضحه للتخاذل العربي في دعم النضال الفلسطيني من أجل التحرر من ربقة الاحتلال الصهيوني و دفاعه المستميت عن الحريات و حقوق الإنسان و شجبه الدائم للفوارق الشاسعة بين الفقراء و الأغنياء و دعوته المستمرة للاتحاد و التواصل بين دول العالم العربي و مناداته بالوحدة على المستوى المغاربي على الأقل .. لا شك أن كل هذه  التوجهات الوحدوية و الملتفتة للمسألة الاجتماعية و القضايا القومية و التحررية و الحقوقية تجد صدى واسعا داخل التيار القومي و اليساري الوطني. و لا غرابة، إذن، أن نجد أحد رموز هذا التيار، الدكتور أحمد ويحمان، يهدي كتابه (العزوف السياسي بالمغرب) الذي صدر 2007 للمثقف الأصيل المهدي المنجرة.
الحركة الأمازيغية الوطنية، لا يمكن لها –كذلك- إلا أن تنظر بعين الرضا و التقدير لمثقف كبير كان له قصب السبق ضمن طائفة المثقفين في الدعوة إلى الاهتمام باللغة الأمازيغية، منذ سنة 1976، معتبرا حرمان الطفل من اللغة الأم التي يسمعها في بطن أمه من باب الحرام. و المهم عند البروفسور المهدي –في المسألة اللغوية- هو أن تكون اللغة الوطنية هي رافعة التنمية، كما جاء في كتابه (الإهانة في عهد الميغا-امبريالية)، إما أن تكون العربية أو الأمازيغية أو هما معا فالباقي كله تفاصيل على حد  تعبيره؛ ما يعني أن موقفه ليس متصلبا بل فيه جرعات كبيرة من المرونة تُسهل إمكانية التفاهم و الحوار و النقاش العلمي مع  أبناء الوطن في الحركة الأمازيغية. لكن الذي يرفضه ذ.المهدي بإطلاق هي نزوعات صهينة المسألة الأمازيغية و تحويلها إلى حصان طراودة لتمزيق النسيج الوطني و الهرولة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني. 
أما دفاع صاحب (قيمة القيم) عن مركزية القيم في معادلة النهوض و اعتزازه العميق بالأصالة و الهوية و الحضارة الإسلامية و شجبه القوي للانسلاخ الفكري و الاستلاب الثقافي و انتماؤه المعلن في كتاب (الإهانة في عهد الميغا-امبريالية.ص: 223224) إلى السلفية التحررية النهضوية ( سلفية: محمد عبده و رشيد رضا و علال الفاسي و المختار السوسي..) و تحيزه الساطع لصف –نعته في كتاب (الإهانة)- بالتيار الإسلامي التنويري ( المنتسب لمدرسة مالك بن نبي و محمد الغزالي..) و انحيازه المطلق لخيار الانتفاضة و المقاومة في القضية الفلسطينية.. فذلك كله ذات الخطاب الذي تروم الحركة الإسلامية أن تبصم به الساحة الثقافية و الاجتماعية في هذا الوطن !
إن المهدي المنجرة  مؤسسة علمية – كما نعته بذلك ذ.يحيى اليحياوي في تقديم كتابه (حوار التواصل)- تنصهر في بوتقتها كل الأطياف الفكرية و الحركات الاجتماعية الوطنية؛ يمكن لفكره أن يشكل نقطة انطلاق لبناء كتلة وطنية منيعة تحصن عملية الانتقال الديمقراطي و بناء النموذج التنموي في بلدنا.
من الواضح أن الذين تتمعر وجوههم إثر قراءة خطاب: المثقف الملتزم بقضايا الأمة و الإنسانية و الوطن، المفكر غير المحسوب على طيف من الأطياف و لا توجه من التوجهات؛  هم عصابات الفساد و شبكات المصالح الشخصية الضيقة و أباطرة المخدرات و الذين يعيشون على فُتات موائد الاستعمار..
فكر المنجرة –كذلك- لا يعرف  حدودا بين الأمة و الوطن بل هناك ترابط بين قضاياهما معا؛ خذ مثلا القضية الفلسطينية، بصددها يؤكد قائلا: "لن نهزم الكيان الصهيوني إلا بتوحد و تلاحم القيادة و الشارع العربيين عبر مصداقية السلطة المخلصة لشعوبها و ليس لمستعمريهم عبر المشاركة الشعبية و الديمقراطية الفعالة، عبر انتخابات نزيهة و احترام القيم و الحريات و التمسك بالهوية، عبر الاهتمام بالعنصر البشري و بالبحث العلمي و تشجيع الإبداع و الخلق و الاعتماد على الذات و الكفاءات المحلية...". (المهدي المنجرة، "انتفاضات في زمن الذلقراطية"، ص:120).
قبل الختم، إذا كان الفيسلوف الأمريكي هربرت ماركوز قد ألهم الشباب في العالم الغربي بالخصوص في فترة من الفترات و خاصة الشباب الجامعي في انتفاضة 1968 للاحتجاج ضد تجليات اللامعنى و غلواء الحياة المادية و النزعة الاستعمارية الامبريالية (في الفيتنام..). فإن كتابات البروفسور المغربي المهدي المنجرة و مواقفه العملية، بإمكانها أن تُلهم الشباب المغربي (و الشباب العربي عموما) و تصقل حسه النقدي و تؤطر رؤيته الإدراكية و تساهم في تحديد بوصلته الفكرية في المرحلة الراهنة و المقبلة. ففيها تجلو مصداقية قول "لا" دونما سقوط في دوامة العدمية؛ "لا" التي تقال للظلم و الفقر والفساد و الاستبداد  و الأمية و التجهيل و الاستلاب و الاغتراب و العمالة للمستعمر و التكبر و الصلف و الخمول و الغرور .. فهو الذي استبطن "لا" من الشباب الباكر، و يتذكر ذلك قائلا: المهدي بن عبود رحمه الله علمني شيئا و أنا ابن17 سنة في أمريكا، عندما يخاطبني أقول له "نعم" سيدي، فالتفت إلي و قال: " تعلم أن تقول لا، قل "لا" أولا و إذا اتضح أن هناك مبررات لقول "نعم" فلا باس، أما إذا تعودت على قول نعم فيصعب عليك قول "لا" بعد ذلك. ( "الإهانة في عهد الميغا امبريالية". ص: 258 



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



لعل من بين التوصيات المخصوصة بترداد غير قليل في القرآن الكريم؛ توصية " اتقوا ربكم"، توجه تارة إلى الناس و تارة إلى الذين آمنوا. و معلوم أن مقياس التفاضل بين الناس في ميزان الله هو  "التقوى". مما ينبئ  بالمكانة الهامة التي تحتلها  هذه القيمة الخلقية في التوجيه القرآني لحياة الإنسان. من باب الفضول المحمود، لماذا "التقوى" تنال هكذا حظوة في رسالة القرآن الكريم؟
التقوى، هي شعور دفين نابع من الأعماق يردع صاحبه عن تجاوز حد من حدود  رب العالمين، هي ارتباط بتوجيهات العلي الأعلى دونما حاجة لرؤية جزاء أو عقاب في الدنيا، هي مصداق الإيمان بالذات المطلقة و بوجود عالم الغيب فوق عالم الشهادة، هي تجل صادق للارتماء في التساؤل عن المصير و اليوم الآخر و أشواق الإنسانية العليا، هي برهان دامغ على تحرر الإنسان من وشائج الطين و دنس الوصايات السفلى.
. التقوى: عنوان ارتقاء الكائن البشري

يريد الله سبحانه، من وراء انتهاء الإنسان عن نهي من النواهي أو الائتمار بأمر من الأوامر، أن يتوقف على مدى ارتباط العبد  به و درجة استحضار لمراقبته: هل فعلا يخاف الله بالغيب.
على سبيل المثال؛  الصيد البري أثناء الإحرام؛ هو محرم بشكل صريح في آيات سورة المائدة، لكن ما المراد من تحريم ما يلذ للإنسان من طعام يتحصل عليه بيسر من الصيد أيام الإحرام؟  يقول تعالى : (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم و رماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). سورة المائدة:96. إذن الغرض من هذا الابتلاء  و الاختبار  -تحريم  اصطياد  فريسة  طالما اشتهاها الإنسان، و هو غير مُحرم،  و الآن صارت بين يديه يمكنه بيسر الإيقاع بها- هو تمحيص الصفوف و الأفئدة "ليعلم الله من يخافه بالغيب".
يقول صاحب الظلال في ما تنطوي عليه الآية الكريمة من معان عظيمة: إن مخافة الله هي القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة، و بناء السلوك، و تناط بها الخلافة على الأرض بمنهج الله القويم..
إن الناس لا يرون الله؛ و لكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون.. إنه تعالى بالنسبة لهم غيب، و لكن قلوبهم تعرفه بالغيب و تخافه. إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة –حقيقة الإيمان بالله بالغيب و مخافته- و الاستغناء عن رؤية الحس و المشاهدة؛ و الشعور بهذا الغيب شعورا  يوازي –بل يرجح- الشهادة؛ حتى ليؤدي المؤمن شهادة: بأن لا إله إلا الله. و هو لم ير الله..
إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري، و انطلاق طاقاته الفطرية، و استخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل؛ و ابتعاده –بمقدار هذا الارتقاء- عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب –بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان- بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس، و انكماش إحساسه في دائرة المحسوس، عن تعطل أجهزة الالتقاط و الاتصال الراقية فيه، و انتكاسه إلى المستوى الحيواني في الحس "المادي" !
(في ظلال القرآن: 980/)

2. إعلاء شأن التقوى: إعلاء شأن حرية الإنسان

القرآن الكريم، إذ يسلط الأضواء و يوجه الأبصار إلى قيمة "جوانية" معنوية تنتسب لما في داخل الإنسان (التقوى)، إذ يفعل هذا فإنما يعلي من شأن حرية الإنسان: فلا معنى لوصاية، لا عمق لمحاولات الإكراه، لا شرعية للغة القوة و الحديد و النار، لا مشروعية لحمل راشد(ة) على أمر من الأوامر أو ترك نهي من النواهي دون اقتناعه و رضاه.
يقول لنا القرآن: أعوادكم ينبغي أن تكون ماثلة إلى تربية الإنسان على الخوف من الرحمان وحده لا الخوف من الُمكرهين هواة الوصاية على ضمائر الناس، لأن يوم الحساب يحاسب فيه المرء على قناعاته و مدى صدق نواياه و يومئذ لا معنى لصلاة و لا زي و لا سلوك لم يُمحض فيه المرء الخشية لله جل في علاه.
هذه الفكرة المركزية التي تكمن وراء إعلاء قيمة "التقوى" في القرآن الكريم كفيلة لوحدها بإحداث انقلاب في موازين التفكير لدى العديد من الناس. فأن ترى إنسانا لا يأتمر بأمر الصلاة و لا ينتهي عن الفحش من الكلام و لا منكور الألبسة و الأزياء: لا فائدة ترجى من إكراهك له على الصلاة في حضرتك إذا رغب عن الصلاة في خلوته و جلوته، لا طًعم لتدثًره  أمام أنظارك بما تهوى إذا مازال متشوفا لما أنكرت عليه.. لأنه ببساطة، إن كنت حقا تغار على آخرتك و آخرته، فهناك في الدار الأخرى سيحاسب على ما وقر فيه قلبه من خشية و إيمان  قبل أن يحاسب على ما تظاهر به من مظاهر و أشكال.

و هذا مقتلُ المراهنين على السلطة لتشييد ما تحطم من قيم الإيمان في حياة الناس. إنهم يتوهمون أنه بالتوسل بالقوة و الإكراه و الإلجاء سيقيمون مبتغى رب العباد. كلا ! فما يفرح الغني عن الناس بمظاهر طاعة تفتقر لركن ركين: إيمان صاحبها بأنه يتقرب بها إلى الله. إن السلطة من شأنها، فحسب، في هذا الجانب: تشجيع العمل التربوي الجاد في صفوف الناس الذي يذكر –بحكمة-  بعقائد الإيمان و يُثبت –بلطف- قيمة التقوى و يحًد – ببصيرة- من تأثير ما يمكن أن يشوش على صورة قيم الإيمان و التوحيد. أما إلجاء الناس و قسرهم على اعتناق توجه أو معتقد و ارتداء زي أو ملبس فذاك لا معنى له  في دين كتابه المرجعي يؤكد أن المناط من كل تكليف جس نبض حس "التقوى" و مدى مخافة الله بالغيب.
إن إكراه الناس على قيم لم ينحازوا لها عن رضا و قناعة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية؛ إذ سيؤسس لمناخات جديدة يتبلور فيها دين جديد يقوم فيه الناس بأداء طقوس "الدين" خوفا من السلطة الرادعة لا خوفا من رب السلاطين و العالمين.

إن المعركة الحقيقية هي تربية الناس على التقوى و خشية العلي الأعلى في السر و العلن، هي التدسس بلطف إلى مغالق عقولهم و شغاف قلوبهم لينهضوا  مما وقعوا فيه من عثرة أو عوج أو انحراف، هي تذكيرهم على الدوام بسر خلق الإنسان و أسئلة الحياة و يوم الحساب. هي درس 13  سنة في مكة (دار الأرقم) و درس 10 سنوات في منبر المسجد في المدينة.
أما حمل الناس بالقوة و الإكراه على تغيير سلوك أو معتقد فذلك لعمري من العبث و هروب جبان من المعركة الأصيلة و تملص من العناية بالصناعة الثقيلة المتمثلة في التربية و التذكير و الترفق في النصح و التوجيه.
إن غرس شعور التقوى بتدرج و ثبات في وجدان الناس هو قطب رحى المعركة الإصلاحية؛ شعور يحرر الإنسان من وهم الارتهان لرضا بني الإنسان على حساب رضا الله؛ شعور يتأسى بذاك المثال الذي استقر في وعي الصحابة و الصحابيات رضوان الله عليهم: إذ نزل التحريم القطعي للخمر؛ يستجيبون للأمر بوحي من إرادتهم دونما حاجة لقوة رادعة و لا إكراه فيُسيلونه في شوارع المدينة في ملحمة عز لها نظير في سرعة الاستجابة للأمر و النذير. كذلك حين نزل الأمر بمواصفات الزي الشرعي؛ أمنا عائشة رضي الله عنها تقول-فيما يرويه البخاري- (يرحم الله نساء المهاجرات، لما أنزل الله: "و ليضربن بخمرهن على جيوبهن"، شققن مروطهن فاختمرن بها)،  هكذا  دونما حاجة لسلطة و لا سيف على الرقاب و إنما استجابة لنداء التقوى الذي يسكن الإنسان.

مسك الختام، إن الحظوة الخاصة التي تنالها قيمة 'التقوى" في كتاب الله إشارة لماحة لأهمية الدور الذي تؤديه إذا ترسخت في النفوس. إنها ترتقي بالكائن البشري، فتؤكد سبق حريته على أي شيء آخر. إنها التفاتة إلى أن الإسلام معناه إسلام الباطن قبل أداء الشعائر و الالتزام بالمظاهر. إنها رسالة ترفض أي وصاية على التدين و المشاعر. إنها تقول "لا" لأي سلطة تتقصد قسر الناس على قناعات لم تنحز لها الضمائر.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



 " لقد كان التعاطي مع ملف التعليم و الفقر في المغرب تعاطيا تقنوقراطيا صرفا، و عرف هذان الملفان تعثرا بينا رغم كل الجهود التي بذلت و تبذل.. و لكن ألا يبدو أن من أسباب التعثر: السعي إلى إسكاب الواقع في قوالب جاهزة و عدم ربط التعليم بمنظومة أخلاق و ثقافة المجتمع؟
ليست المسألة هينة أو سهلة، و لكن أليس اعتماد مقاربات كمية سواء فيما يتعلق بعدد المتمدرسين و عدد الأساتذة و المنقطعين يحجب نوعية التعليم الذي يراد تلقينه و الذي يغيب وسط جلبة من الأرقام.. ما معنى أن ندفع بجودة التعليم كما لو أنه بضاعة؟ ("مرآة الغرب المنكسرة"، حسن أوريد، ص: 179. الطبعة الأولى:2010).
إن المنهج التقنوي الجاف هو عنوان إخفاقاتنا في المسلسلات الإصلاحية التعليمية. فالتردد في تحديد أي تلميذ/طالب نريد اليوم ؟ و بالتالي: أي مجتمع نريد في الغد القريب؟ هو أم المزالق و المشكلات.
و لا شك أن الهروب من السؤال الحقيقي الذي يطرح البعد الكيفي و الاستعاضة عنه بالغرق في المقاربات الكمية باعتماد النهج التقنوي في التعاطي مع هذا الملف الساخن: راجع أساسا إلى درجة حرارة المسألة الديمقراطية في هذا الوطن.
فإذا حسمنا فعلا في الاختيار الديمقراطي و كنا نطمح حقا لمجتمع ديمقراطي قوامه إنسان متحرر من كل ألوان الوصاية و الاستلاب، متمتع بكرامة إنسانية و قدرة مُقَدرة على التمييز و الاختيار بين الخطوط و التوجهات، إنسان يجيد لغتين: لغة "لا" إلى جانب لغة "نعم". فالسياسة التعليمية ستتجه رأسا نحو هذا المثال المنشود و ستُمكن التلميذ/الطالب من الاطلاع على: مختلف الأفكار و تاريخها، أهم الفلسفات و مراميها، رسالة الحركات الاجتماعية و السياسية و شعاراتها، التحولات الجارية و ما تحمله في أحشائها،  فلسفة العلوم و تاريخها و كدح الإنسانية الطويل الساعي للتحرر من كل أوهاق الطغيان و الاستعباد و الاستبداد.. هكذا بهذه المعرفة و الرؤية الشاملة –التي من الواجب تغذيتها بالمطالعة الحرة- بإمكان التلميذ/الطالب أن يكون مواطنا حرا كريما قادرا على الاختيار و الإسهام في الرقي و البناء عصيا على مساعي المغالطة و الاستغفال.
أما إذا كان التردد حليف المسألة الديمقراطية ببلدننا؛ فأكيد أن التخبط سيلازم تناولنا للمسألة التعليمية، و لتغطية الشمس بالغربال سنَضيع – و نُضَيع معنا الأجيال- مرة أخرى و مرات وسط جلبة الأرقام –كما قال د.أوريد-  و نبقى أسرى المقاربة التقنوية: نحصي عدد الأساتذة و المتمدرسين و عدد المقاعد.. و نقوم باستدعاء الاختيار التقنوقراطي؛ حيث ننتج كائنات بشرية تجيد لغة واحدة هي المدح و التصفيق، تعيش من أجل اللهث وراء المادة و تنسى الحرية و الكرامة، لا تحلم نهائيا بحياة أخرى خارج نسق سدنة التحكم و أباطرة الفساد و الاستبداد، تعدم  حس التساؤل  ناهيك عن إحساس التطلع لمحاسبة المسؤول  و ممارسة الدور الرقابي في البرلمان بالشكل المطلوب.  

إن المسألة التعليمية و المسألة الديمقراطية بينهما ارتباط وثيق؛ فإما الاختيار الديمقراطي حيث نوجه التعليم نحو تأهيل إنسان حر كريم عميق الانشداد إلى هويته الأصيلة و تربته المغربية العزيزة و ملتحم  بشدة بأسئلة التحولات الجارية. و إما الاختيار التقنوقراطي حيث تكون عملية التعليم  ماثلة نحو تخريج كائن بشري كفء –نعم- لكن قابل ليعيش الضيم في ظل مناخ التحكم و الاستلاب و الاستبداد.    


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يخرج صديقي –أستاذ متدرب في مادة الرياضيات- من الثانوية مع زملائه الأساتذة، فينخرطون في النقاش حول الشأن العام وبعض القضايا الفكرية، ينتصر صديقي في مداخلاته دوما للطرح القائل: إن الإسلام و المعاصرة صنوين لا يفترقان لا ضدين –كما يشاع- لا يلتقيان.. يفاجأ صديقي بقابلية زملائه لاحتضان أية فكرة و سرعة تبنيهم لما يدندن حوله من أفكار و طروحات.
يعبر لي  بنبرة صادقة مقرونة بالإشفاق الخالص: لا يسعدني حال هؤلاء، رغم  تبنيهم لما أدندن حوله و أدور، لأنهم قابلون للمغالطة و التضليل، و ما ينتصرون له من قيم و أفكار رهين بطبيعة السباق إلى مخاطبتهم؛  فلو كان مخاطبهم يتحيز لفكرة أخرى لصفقوا –على عجل- لما يقول. مضيفا: إنهم ضحايا سياسة تعليمية منتكسة تنتج آلات : تشتغل وفق الزر الذي يضغط عليه لأول مرة، و تغير وجهتها بعد الضغط على زر آخر..
تلك قصة توحي بشكل واضح عميق بطبيعة الخلل الذي يجثم على السياسة التعليمية. إنها إرادة صارخة لإنتاج كائنات قابلة لتبديل قناعاتها بعد إشعار قصير دون السعي وراء عملية الغربلة و التمحيص. إنها محاولة مكشوفة لتخريج جيل "لا يفكر بشكل مختلف عن ما يريد المتنفذون"، جيل مُدجن؛ لا يستطيع أن يقول "لا": للظلم و الطغيان و الفساد و الاستبداد و التسلط و التخلف و الفجور و الخمول، جيل ممزق الشعور و مستلب الاختيار في كل الأمور..(من مقدمة "هموم تلميذ").
إن الخلل، يمكن تكثيفه باختصار فيما يلي: جزء كبير من المتدخلين في صياغة السياسة التعليمية لأوطان –ما بعد الاستعمار بالخصوص-  يبتغون حرمان الأجيال الصاعدة من الحس النقدي..
لأنهم يعلمون أن المتعلم (طالبا كان أو تلميذا)، إذا مُكن: من أدوات التفكير الناقد، من حس التأني قبل التبني، من الغربلة قبل المصادقة، من الاطلاع على المنظورات المتنوعة للقضايا المطروحة، من التمسك بالمقاصد قبل الوسائل. إذا مُكن من هكذا أدوات و موازين و تملك ملكة التمحيص و التحليل قبل المدح و التبرير، لا ريب، أنه بدأ يشق الطريق نحو التحرر و المعافاة من أمراض نفسية و اجتماعية فتاكة: الإمعية، الآبائية، النظرة الإطلاقية، النزعة الوثوقية، القابلية للاستغفال و التخدير و الوقوع في أسر هواة التحكم و التلاعب و التضليل..  
إن المنحى الذي تتجه إليه السياسة التعليمية؛ الانتصار لنموذج التقنوقراط أو الإنسان التقنوي الذي ينحصر أفقه في العمليات التي يُطالب بإنجازها و الآلات المفروض عليه أن يتعامل معها: الإنسان الذي لا يهجسه  سؤال: لماذا؟ الإنسان الذي لا يتطلع لفهم الفلسفة التي تؤطر العملية التي ينجزها و لا الفكرة التي كانت وراء إبداع الآلة التي يشتغل عليها. هذا المنحى يستهدف بشكل صريح إغراق الإنسان في عالم صم بكم (عالم التقنيات)  لا علاقة له –بالمناسبة- مع العلم و لا فلسفة الحياة بشهادة العالم الفيزيائي جيمس تريفل: " إن القدرة على برمجة جهاز تسجيل فيديو كاسيت ، أو إصلاح سيارة، أو فهم وظيفة جميع أزرار جهاز التشغيل: يمكن أن يكون قدرة مفيدة في العصر الحديث، لكن لا علاقة لها البتة بالمعارف الأولية العلمية. إن المعارف الأولية العلمية قيمتها و دورها في أن نفهم بنية الكون الذي نسكنه، و يمكن أن تقترن أو لا تقترن بالمهارة التقانية اللازمة لتشغيل الأجهزة الالكترونية".( "لماذا العلم؟"، جيمس تريفل، سلسلة عالم المعرفة: الكتاب 372. ص: 57-58).
نموذج التقنوقراط يناقض تماما نموذج الحس النقدي؛ لأنه ببساطة من يُعمل عقله و تفكيره لا بد و أن تكون له أيضا وجهة نظر فيما يُطرح من أسئلة و قضايا و نقاشات؛ وجهة نظر  لن تروق دائما سدنة الاستبداد: هواة التنميط و الرأي الواحد. لهذا السبب –إذن- تتحيز السياسة التعليمية  لنموذج التقنوقراط و تخشى من سيادة نقيضه صاحب الحس النقدي.
بعبارة جامعة؛ إن السياسة التعليمية تقف على خيارين: إما النزوع التقنوي أو النزوع نحو الحسالنقدي. النزوع الأول، يروم إنتاج الإنسان ذي البعد الواحد (بتعبير الفيلسوف  ماركوز) و بالتالي تشكيل المجتمع ذي البعد الواحد حيث لا هَم إلا التصفيق و التبرير لكل السياسات و الفلسفات الرائجة من طرف الطبقة المهيمنة؛ هذا النزوع يتوسل توجيه اهتمام الطلاب و التلاميذ إلى العمليات و المسائل التقنية بعيدا عن الفكر و المعارف العلمية لإعدام أي ذراع محتمل أن يكون لهم في ميدان المعارف الإنسانية و الاجتماعية التي تتصل بالحياة العامة.  أما النزوع الثاني، فهو يستهدف بناء طراز من الإنسان يمتلك حاسة النقد و يعشق السؤال، يراجع المسالة قبل أن يصفق لأي جواب عليها، يحوي قاموسه كلمة "لا" إلى جانب كلمة "نعم": مواطن بحق ليس رقما كباقي الأرقام.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



كثيرا ما ألتفت إلى كون سبب اتجاه المنظومة التربوية صوب تضييق التخصص و حصر مجال الاهتمامات و التركيز على التقنيات، لا يرجع -حسب ما يشاع- إلى إكراه التأهيل لسوق الشغل فقط. إنما ذلك نابع من سياسة تروم تخريج تلميذ/طالب محروم من الرؤية الإدراكية الفسيحة، قابل -بعد إشعار قصير- لتبديل القناعات و الخيارات، قابل للتوظيف و الحوسلة و الاستعباد و قابل للصب في أي قالب مُعد.
قبل عقود، كان الرهان على أمية الشعوب و المجتمعات (الأمية التقليدية: أمية الحروف و الأرقام). فالأمي كالأعمى –إلا من رحم الله- من اليسير حمله على طريق  لم يكن يقصده، من اليسير العبث بفكره، من اليسير توظيفه لفائدة أجندة من الأجندات. و لهذا السبب؛ أي الرغبة في استدامة نوع من العبودية في أوساط الناس و الخوف من تحررهم من زيف الوصايات. تم انتهاج سياسة المماطلة و التذبذب و التردد إلى أن وصلنا في القرن الواحد و العشرين إلى حالة تستمر فيها نسب مًقَدرة من الأمية كان بالإمكان أن تنعدم منذ سنوات سحيقة.
كان بالإمكان الاحتفاء بالقضاء على الأمية –على الأقل- سنة 1975، استنادا إلى ما  أدلى به الدكتور المهدي المنجرة. ففي سنة 1965، يقول الدكتور المنجرة، انعقد مؤتمر الوزراء الأول و الأخير لمحاربة الأمية، و باعتماد دراسات لخبراء تم بيان إمكانية القضاء على الأمية في عشر سنين، لكن الأمية مازالت مستمرة إلى اليوم..
يلفت المنجرة النظر إلى كون سدنة الاستبداد في أوطاننا و ورثة الاستعمار في الدول الغربية: يقفون دون إشاعة نور العلم و العرفان و ضد دق أخر مسمار في نعش الأمية و الظلام. إنهم يخافون من تحرر الشعوب و انبثاق وعيها السياسي.
لكن تحالف الغزاة و الطغاة أدرك أن حبل المماطلة قصير و أن تعلم الحروف و الأرقام بات قدر الجميع خصوصا في القرن الواحد العشرين. فسارع إلى البحث عن مخدر جديد يقوم بالدور الذي أنيط بالأمية منذ عشرات السنين؛ أي تطويع الجيل الجديد و جعله قابلا للاستعباد و المغالطة و التضليل. فنسب الأمية (التقليدية)، رغم أنها مازالت مقدرة إلا أن  القضاء عليها بات مسألة وقت رهين بظهور جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال على أكثر تقدير، فحتى الهدر المدرسي المشاع في أوساط البوادي بشكل كثيف لن يمنع التلاميذ من تعلم الحروف و الأرقام إلى حدود مستوى السادس ابتدائي على الأقل.
فما هي –إذن-  الأمية (الحديثة) التي أراد حلفاء الظلام (الطغاة و الغزاة) التمكين لها لأداء ذات الدور الخسيس: الوصاية على الجيل الجديد؟   
الجواب عند العبقري الكبير ألبرت إنشتاين (في كتابه: كيف أرى العالم؟): " لا يكفي تعليم الإنسان تخصصا معينا؛ ذلك أنه بهذا الشكل، يصير آلة قابلة للاستعمال و لا تصبح له شخصية. و من المهم أن يكتسب إحساسا و حسا عمليا تجاه ما هو جميل و ما هو حق أخلاقيا؛ و إلا فإنه يشبه بمعارفه المهنية كلبا عارفا.. إن إفراطات نظام المنافسة و التخصص السابق لأوانه تحت الذريعة الخداعة للفعالية، تقتل العقل و تمنع كل حياة ثقافية، بل و تلغي حتى التقدم في علوم المستقبل.. و الحال إن إثقال العقل من خلال نظام التنقيط، يعيق و يحول البحث إلى سطحية و غياب للثقافة، و ينبغي للتعليم أن يتمثل في كون من يتلقاه، يستقبله كهبة ثمينة، و ليس كإكراه قاس أبدا".
إذن إغلاق المتمدرسين في سياجات التخصص الضيق حيث الأرقام الصماء فقط و الرموز الجوفاء فحسب و حيث الغياب التام لفلسفة العلوم و المنظورات الكلية المؤطرة لأسئلة التقنيات و مختلف الفنون؛ هو المدخل الجديد نحو أمية (حديثة) تجعل خريج المنظومة –كما قال إنشتاين- آلة قابلة للاستعمال و الاستعمار و التوظيف و التضليل و الاستغلال. فالمنكفئ على أسوار فرع واحد من فروع المعرفة، المفتقد لإحاطة عامة بأحوال الإنسان و الاجتماع و  ما يتعلق بصياغة الأحلام و الوجدان و القانون لن يكون عصيا على البيع و الشراء و التلاعب و الارتشاء و التطبيع و الخذلان. إذ أن التخصص يعمل على نمو الفرد من جهة واحدة و يعطله من سائر الجهات. و السؤال هنا: هل التخصص أمر لازم، نعم- يقول د.علي شريعتي في كتابه "النباهة و الاستحمار"-.. إنه أمر لازم، و لا ينبغي أن نعدمه، لكنه، علينا في الوقت الذي نتخصص فيه في فروع مختلفة، أن نحفظ "كليتنا الإنسانية" و "كليتنا الاجتماعية".
الفيزيائي الحائز على نوبل "جيمس تريفل" في سياق حديثه على خطورة الانكفاء فقط على التخصص الضيق في كتابه الشهير (لماذا العلم؟) أورد قصة معبرة تختزل البعد الذي نستهدف توضيحه في هذه الأسطر. يقول:"إنني لا أعتقد أن أيا من طلاب الجامعات الأمريكية اطلع على قدر كاف من الإنسانيات أو العلوم الاجتماعية، و ثمة قصص مروعة على ذلك، مثل قصة الطالب الذي ظن أن تورنتو هي عاصمة إيطاليا". هذا طالب جامعي أمريكي لم يكلف نفسه عناء الاطلاع و التأكد من عاصمة دولة غربية نتيجة غرقه في التخصص، فكيف ستكون درايته بالحركات السياسية و الاجتماعية و تاريخها و مراميها و الفروق بينها.. هذا، من السهل –إذن- على عصابات المافيا و الحركات الهدامة شراء ذمته و توظيف كفاءته و ذكائه و تدجين تحيزاته و خياراته.
قطب رحى حديثنا، إن الذين يملكون السلطان في العالم (ورثة الاستعمار) و الكثير ممن يملكونه في بلداننا (سدنة الاستبداد)  لا يريدون لهيمنتهم الاحتضار، لهذا فهم عاكفون على تأبيد المغالطة و التضليل و الاستعباد و التمويه في أوساط الجماهير. قديما راهنوا على الأمية التقليدية التي تقبع فيها الشعوب و اليوم قالوا فلنجعلهم آلات لا يمتد وعيها إلى ما سوى تخصصها. فالحذر الحذر من هذا النزوع التقنوي المقرف البئيس ! فنتاجه لن يكون سوى آلات طيعة لا أناس أحرار !
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



الجواب على سؤال "لماذا يتعثر مسار الانتقال الديمقراطي ببلداننا ؟"- حسب عالم الاجتماع العراقي  علي الوردي- يقتضي أن نفهم طبيعة مرحلة الانتقال التي تمر بها هذه البلاد، إذ هي تمر اليوم بنفس المرحلة التي مرت بها البلاد الراقية في مفتتح القرون الحديثة. فالناس هنا لا يزالون يعيشون القرون القديمة، و يسيطر عليها المنطق القديم، منطق الحق المطلق الذي يحتكره فريق من الناس دون فريق. فإذا قلت لأحدهم "إنك مخطئ" ظن انك تقول له "إنك غبي" و يمسي و قد أضمر لك حقدا لا ينساه حتى ينتقم منك.
ما ذهب إليه الدكتور الوردي صحيح إلى حد بعيد. فالنزوع الوثوقي و الرؤية الإطلاقية التي لا تعرف المنطقة الرمادية؛ أمراض موروثة من عصور الانحطاط و عهود الجهل مازالت تحتل مساحات واسعة في العقل الجمعي للأمة. و لاشك أن الذي أدى إلى استدامة هذه الأمراض المعطلة لحركة الترقي في الحياة هو الجهل المركب، هو النظر إلى الحياة من زاوية واحدة فقط، هو عدم إبصار الطرق الأخرى المؤدية إلى المقاصد و الغايات الجامعة.
قديما كان الجاحظ يقول: "الحلم بالعلم". لن يتأتى لك التخلق و التحقق بأخلاق الشموخ: الحلم، الرفق، الرحمة، التسامح و التواضع.. إلا إذا كنت ذا أفق رحب نابع من معرفة واسعة و علم غزير يُشَكل حصيلة تجربة عميقة في الحياة و تأملات ثاقبة في مختلف الكتابات و شتى المجالات. لا يمكن –إذن- أن تكون حليما مع خصمك إلا إذا كنت على دراية عميقة  بتاريخه و تطوراته و مقاصده و مراميه، إلا إذا وقفت على بينة من قضيته و صدقه و شرفه و نزاهته.
إن الكبار،  لم يشتهروا بميزة كالأناة عند إصدار الأحكام و التوقف قبل إطلاق الكلام و إنصاف الخصوم قبل الخلان. و ما ذلك إلا لوعيهم بكون هذه الحياة أخس من أن تُعمر بالعداوات و الاصطفافات، و أنها أجدر بلم الشمل و تقريب الصف و ردم الهوة لتحقيق مقصد الاستخلاف في التنافس على "أيكم أحسن عملا" و البدار إلى إصلاح الأرض و عمرانها.
الملاحظ باستمرار، في عالم اليوم، أن العديد من الفرقاء السياسيين و الفكريين يجهلون بشكل فاقع التطورات المتسارعة الكثيفة التي تمر بها التنظيمات المباينة لهم في الخط و الشعار. فالنعوت التي مازالت تلحق الحركة الإسلامية من قبيل "الظلامية" (زعيم حزب سياسي يساري في حوار مؤخرا مازال مُصرا على توظيف ذات النعت)  تنم – على الأقل، إذا افترضنا حسن النية- على الجهل المطبق بالتحولات الفكرية العميقة السارية و المستمرة في الصف الإسلامي : التحولات التي تسير نحو الأخذ بالأفكار المتعلقة بالبعد الإنساني و الاجتماعي التي طالما نادى بها خصومه سابقا. نعت "الظلامية"، قد يكون مقبولا في السبعينيات، حيث تعيش الحركة الإسلامية مرحلتها الجنينية الموبوءة بالتحيز للنهج الانقلابي و استعداء المخالفين. لكن و الحال أن الحركة –اليوم- تتبرأ من صبيانية المنهج الانقلابي و ترفع شعار التغيير الحضاري و "التعاون مع الغير على الخير" و تقوم –باقتدار- بالمساهمة في خط المسار الديمقراطي؛ و الحال هذه بات من السذاجة و الاستغفال  استقدام ذات النعت و خصوصا في مرحلة دقيقة من الانتقال الديمقراطي.
إن تعثر المسار الديمقراطي في بلداننا، راجع بالأساس، إلى غياب كتلة وطنية (من شتى الأطياف) ملتحمة على ذات المقاصد و الغايات. و المساهم في تغييب هذه الكتلة استمرار حالة الجهل (أو التجاهل) بشكل مفجع بباقي فرقاء الوطن مما يؤدي إلى  ديمومة عيب التخوين في الخطاب و السجال (فهم "إنك مخطئ" على أنها "إنك غبي"، كما قال الوردي).

و أمام هشاشة الصف الداخلي و تشرذم وجهاته يسهل على "التدخل الخارجي" الذي ليس له مصلحة في نجاح الانتقال الديمقراطي الإجهاز على البناء برمته.

...تابع القراءة