| 0 التعليقات ]




لا يختلف الباحثون كثيرا في اعتبار فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أحسن مرحلة ذهبية في تاريخ الإنسانية. إذ تمتعت فيها الغالبية العظمى من الكيانات والأمم بالاستقرار والازدهار. وبدت فيها أغلب الدول أقل اندفاعا في سياساتها الخارجية. ولقد امتدت هذه الفترة من 1945 إلى حدود 1970. ويطلق عليها في الأدبيات السياسية والاقتصادية "الثلاثين المجيدة" les trente glorieuses.
في العالم الأول؛ كانت الولايات المتحدة الأمريكية في غاية البهجة لأنها صارت رسميا القوة العظمى التي لا تضاهى في عالم جديد يتكلم بلغتها فقط (لغة الدولار)، مما أهلها للعب أدوار كبيرة في مشروع "مارشال" لإعادة بناء أوروبا. ونجد الدول الأوروبية، رغم كل الجراحات، تشق مسار استعادة ريادتها بثقة عالية، وتفكر في مستقبل أفضل قوامه التعاون الأوروبي وبناء السوق الأوروبية المشتركة.
في العالم الثاني؛ كان الاتحاد السوفياتي مبتهجا لأنه بدأ يحصد ثمار المخططات الاقتصادية التصنيعية وبدأ يرمق وعودها الكبيرة (اختراع أول قمر اصطناعي "سبوتنك" عام 1957). أما دول العالم الثالث فقد كانت سادرة في إشاعة أنغام قرب النصر وحلول لحظة الانعتاق من الاستعمار وتألق الحركات التحررية.
الواقع أن لحظة ما بعد الحرب لم تكن لتكون كذلك إلا لأنها عرفت على الصعيد الاقتصادي معدلات نمو قياسية في أغلب البلدان في العوالم الثلاثة (مثلا؛ مصر المنتمية إلى العالم الثالث، كانت تحقق معدل 5% بشكل دوري بل وصلت في إحدى السنوات إلى أحد أعلى المعدلات في العالم في تلك الفترة وهو 7%). كما عرفت  تلك اللحظة على الصعيد السياسي والحقوقي تعاهدا بين بلدان العالم الأول والعالم الثاني على احترام حقوق الإنسان (إعلان 1948) واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير المصير، علاوة على تأسيس منظمة الأمم المتحدة (1945) والجماعة الأوروبية للفحم والصلب (1951). أما على الصعيد الصناعي؛ فقد اللحظة شهدت طفرة تكنولوجية هامة تطورت بها وسائل الإنتاج (بفضل اختراع الترانزستور عام 1947).
بيد أن ما كان حاسما في "الفرحة" التي عمت تقريبا أرجاء العالم هو اعتماد أغلب الدول لسياسات "كينيزية"، خاصة وأن أزمة 1929 التي عرفها النظام الرأسمالي كانت من بين الأسباب الواقفة وراء اندلاع الحرب التي أودت بالملايين. هكذا، توجهت أغلب البلدان إلى المراهنة على مشاريع القطاع العام من أجل تقوية الاستهلاك وتحريك عجلة الاقتصاد.
طبعا، لم تخلُ هذه الفترة من لحظات نكدة أو من مناطق مهمشة أو من فئات مهملة أو من شعوب مظلومة. ولكن من المفيد أن نفهم أن الذين ناضلوا ضد الأوضاع السائدة فيها حينها تحسروا على إشراقاتها بعدها؛ منهم مثلا  "جوزيف ستيغليز"(مواليد 1943)  الاقتصادي المرموق الحائز على نوبل والمشهور بكتاباته المناهضة للعولمة، الذي قال في سيرته الذاتية (المنشورة في موقع جائزة نوبل): "لم أكن أعلم حينما كنا نلعن أوضاعنا وننشد الأفضل ونحن شباب في قلب عقد الستينيات أننا بصدد فترة ذهبية سنتمنى بصدق لو أنها تكررت".
من إيجابيات تلك الفترة أنها سرعت وتيرة "التمدين" ووسعت دائرة الطبقات الوسطى بفضل مجانية التعليم. فالعديد من الأسر من الطبقات الدنيا خرجت من دوامة انتظار "الغيث" لكي يتحسن الوضع، بفضل التعليم العمومي الذي كان مصعدا اجتماعيا أمينا يكفي أن يحمل معه فردا من أفراد الأسرة حتى يحدث "حراكا اجتماعيا" نوعيا la mobilité sociale.
في أوروبا، اتسعت الطبقات الوسطى بفضل "الكينزية" وتزايُد الاستجابة للمطالب الحقوقية للطبقة العمالية. بينما في العالم الثالث، اختلفت مسارات الطبقات الوسطى  ما بين الانتشار/التوسع والانبثاق/التشكُل. في مصر، مثلا، كانت الطبقات الوسطى موجودة ولكنها محدودة. ولكن، الفترة الناصرية (1954-1970) رغم المآخذ الموجهة إليها من الناحية الديمقراطية، أطلقت بالفعل مسلسلا من السياسات الاقتصادية (أبرزها الإصلاح الزراعي ومحاربة الإقطاع وتعميم التعليم) أدت إلى توسع الطبقات الوسطى أو بالأحرى إلى إعادة تشكلها من جديد.
في المغرب، لا شك أنه من الصعب الحديث عن وجود طبقات وسطى بارزة في الهيكل الاجتماعي للمجتمع قبل هذه الفترة. فغالبية المجتمع كان قرويا تقليديا زراعيا، يمكن استثناء قلة قليلة هي الشرائح التي تشتغل بالتجارة أو السمسرة في الضيعات والأراضي. حتى أن الجامعة، بمفهومها العصري، لم تتأسس إلا عام 1957 بخلاف مصر التي شهدت تأسيس الجامعة عام 1908. كيف تشكلت –إذن-  الطبقات الوسطى  في بلادنا؟
في حديث مع إحدى قريباتي المُسنات (على مشارف إطفاء شمعتها التسعين)، أوضحت لي أن بعض أبناء قريتها صاروا في وضع اجتماعي جيد (بمعنى أنه انتسب إلى الشريحة الوسطى في الطبقة الوسطى) لسبب طريف. مثلا، أحدهم (مواليد بداية الأربعينيات مثل "جوزيف ستيغليز") أخذ تعليمه في الكُتاب القرآني ودرس في بعض المدارس العتيقة، فإذا به يفاجأ بأن الدولة المستقلة تنادي عليه لأنها كانت بحاجة لأطر في هيئة التدريس يشرفون على تعليم التلاميذ في المستوى الأول ابتدائي!
هكذا، يصير صاحبنا "معلما" يحصل على راتب شهري بدون انتظار صدقات "المحسنين" –إن استمر في خط إمامة المصلين- أو انتظار "الغيث" –إن بقي في القرية كما حال إخوته الفلاحين-. يتزوج صاحبنا ويؤسس أسرة، كان أبناؤه محظوظون بالمقارنة مع أبناء عمومتهم: فقد أكملوا تعليهم وصاروا أطرا؛ موظف في البلدية، وأستاذة، ... إلخ.
تحركت في صاحبنا وشائج القرابة، فطلب من أحد إخوته الفلاحين الذين ينتظرون "الغيث" (بيد أن السنوات الأخيرة تعاقب فيها الجفاف) أن يرسل إليه أحد أبنائه (مواليد السبعينيات) لكي يحتضنه ويشرف على تعليمه، طبعا، طار الأخ طربا لطلب أخيه لأنه خلصه من عبء إضافي خاصة مع الجفاف. تمتع الابن بفضل عمه بتعليم جيد وصار بدوره معلما، يمتلك منزلا وسيارة ويدرس أبناؤه في المدارس الخاصة.
نفس القريبة حكت لي قصة أخرى؛ أحد أبناء القرية (مواليد الأربعينيات) اشتغل مبكرا بالتجارة. ولهذا نزح إلى المدينة الصغيرة القريبة من القرية واستثمر في العقار قبل أن تكون مأهولة بالسكان. وحينما هبت رياح الهجرة إلى المدينة في منتصف السبعينيات ومع بداية الثمانينيات، استفاد الرجل من نزوحه المبكر بتوفيره لرأس مال مفيد في كل المشاريع الاستثمارية الواعدة. ولهذا، اختار أبناؤه (الستينيات والسبعينيات) أن يؤسسوا وكالة للأسفار، ولم يكن من الصعب على الأب شراء الحافلات بالتدريج. أكيد، أن أحفاد الرجل يرفلون في نعم جليلة ويمكنهم أن يدرسوا حتى في التعليم العالي الخاص في المغرب أو في إحدى الدول الأجنبية.
قصة أخرى شخصية تقربنا من مشهد تشكل الطبقات الوسطى في بلادنا، كان جدي (مواليد 1929) ابن القرية يشتغل في مناجم وجدة وجرادة في الخمسينيات وبداية الستينيات، حينما حل "موغا" (في الواقع، الحراك الاجتماعي الذي تم في الجنوب بفضل "موغا" - وهو اسم أمازيغي يطلق على الأجنبي الذي ذهب إلى القرى والمداشر يبحث عن السواعد الراغبة في الهجرة- يستحق أبحاثا اجتماعية جادة) عام 1963/1964 بمناطق الجنوب أملا في استقدام اليد العاملة الرخيصة إلى فرنسا، لم يتردد جدي في الذهاب ولكنه سرعان ما عاد، إذ لم تطل مدة مكوثه في فرنسا، ومعه رأس مال كاف لفتح متجر لبيع الملابس في المدينة الصغيرة.
ترك الجد الأسرة في القرية، ولكنه استقدم معه الابن الوحيد (مواليد 1967) إلى المدينة وترك البنات للأم. استقدم الابن لكي يذهب إلى المدرسة. ربما، أصيب الجد بالملل من عملية الذهاب والإياب إلى القرية وبالاستياء من رعاية شؤون الطفل، فقرر أخيرا أن يأتي بالأسرة كلها إلى المدينة (عام 1975). طبعا، حظي الابن بتعليم عمومي معتبر، أضاف إليه تعليما موازيا في حركة اجتماعية ناشئة (انخرط فيها عام 1982). في النهاية، صار الابن منتسبا إلى الشريحة الوسطى في الطبقات الوسطى (ترجمان محلف) قادر على النهوض بأعباء أسرته بشكل جيد. كما صارت إحدى بنات الجد اللائي رأين النور في المدينة (طبيبة) والأخرى (مُجازة).
إذن، التعليم الأصيل والتجارة والهجرة إلى خارج المغرب والهجرة إلى المدن الصغيرة.. كانت من جملة العوامل التي أدت بالجيل الذي وُلد مع الحرب العالمية الثانية أو انبثق وعيه إبانها إلى فتح الطريق أمام أبنائه وأحفاده لكي ينسلكوا في سلك الطبقات الوسطى. 
جدير بالذكر، أن الهجرة إلى المدن الكبرى غير مندرجة ضمن نفس المسار لأنها كانت تابعة لسياقات تاريخية أخرى دفعتها لكي تكون في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فضاءات مزدحمة وموضعا لمنافسة ضارية مما جعل الشروط الاجتماعية فيها أصعب من البادية. ولهذا عوض أن ترتقي بجيل، كما فعلت المدن الصغيرة، رهنت وضعية أجيال متلاحقة بشروط وملابسات "دور الصفيح". 

هي ملاحظات أولية حول مسارات تشكل الطبقات الوسطى في بلادنا بعد الحرب العالمية الثانية. والمظنون أن الأسرة المنتسبة إلى الطبقات الدنيا اليوم أخلفت بفعل فاعل موعدها مع "الحراك الاجتماعي" الذي انطلق في تلك الفترة، إذ بقي القائمون على الأسرة أسرى تقلبات المناخ ينتظرون "الغيث"، فصار الاحفاد يدفعون الثمن غاليا، بعدما تعقدت الأوضاع أكثر وتدهورت القدرة الشرائية حتى للشريحة الدنيا من الطبقات الوسطى.






...تابع القراءة

| 5 التعليقات ]




النقاشات الجارية اليوم تذكرنا بحقيقة مفادها أنه إذا أردنا التخفيف من وطأة البؤس الذي يعيشه الفقراء بسرعة، وإذا أردنا الحد من الفوارق الاجتماعية التي تتصاعد على الصعيد العالمي. فإن الطريقة الوحيدة الكفيلة بذلك هي انتزاع المال –بالضريبة التصاعدية على الدخل- من الطبقات العليا.
هذا ما يقترحه الاقتصاديون للإجابة على معضلة الفوارق. ولكن، مهلا! من الصعب اختزال عالم اليوم في حلوى يمكن اقتسام أطرافها وفق مشيئتنا. إنه عالم صارت فيه حركة رؤوس الأموال، التي يمتلكها الأثرياء، هي القاعدة، وبإمكانهم ترحيلها وتصديرها إلى أي مكان تهربا من "الضريبة".
للأسف، رؤوس الأموال لها أيضا صوت. ولكنها الحقيقة المنسية في النقاشات الجارية حول "العقد الاجتماعي الجديد" أو حول "التوزيع الجديد للرأسمال العالمي".
في بعض البلدان، حينما تفشل الحكومات في فرض الضريبة على الأثرياء (خوفا من هروبهم أو لأنهم فروا سابقا برؤوس أموالهم)، تلجأ حينها إلى انتزاع جزء من الثروة من الطبقات الوسطى لإسعاف الطبقات الدنيا المعدمة.
إنها خلاصة موجعة؛ التخفيف الحقيقي من الفوارق الاجتماعية لا يتناغم مع حرية حركة رؤوس الأموال. لأن هذا سيقود إلى التفكير في مراجعة حرية حركة رؤوس الأموال، وإلى إعادة إغلاق الحدود، وإلى منع الشركات من تسيير خزائنها وفق مشيئتها، وإلى حرمان الخواص (الأفراد) من حيازة العملات الأجنبية لتوظيفها في الأعمال أو المعاملات التجارية أو الأسفار أو العطل. هل هذا ممكن؟ ربما.
إذن؟ هل نكف عن السعي إلى الحد من الفوارق؟ أو نلجأ إلى ما نفعل اليوم، في فرنسا وفي كل أنحاء العالم، وهو امتصاص جزء من مؤهلات الحياة الكريمة للطبقات الوسطى (les moyens de vivre) لتوفير مؤهلات البقاء على قيد الحياة ((les moyens de survivre للطبقات الدنيا؟
هكذا، سنُفجر ثورة الطبقات الوسطى، ولن نكتسب رضا الطبقات الدنيا، وسيُسَرُ الأثرياء (الطبقات العليا) لأنهم سيذهبون بعيدا للاستمتاع بثرواتهم.
هذا هو المسكوت عنه في النقاشات الجارية اليوم، وهذا ما يخفيه اقتصاديو اليمين واليسار بعناية، للدفاع عن خلفيات مختلفة ولكنها في الواقع جد مترابطة.  
ما العمل إذن للتخفيف من هذه التفاوتات الفاحشة التي تسود العالم؟ من الناحية المثالية، ينبغي تشييد حكومة عالمية يتسيدها الحق، وتتمتع بديمقراطية في القرار، وتعمل على تحديد مستويات معينة، الحد الأقصى والحد الأدنى، للمداخيل ولكل ألوان الثروة. ولكن من الناحية الواقعية، هذا غير ممكن.  ولكن هذا ما ينطوي عليه كلام الذين يدعون إلى فرض ضريبة ضخمة على رأس المال، وتحديد مستوى معين للمداخيل.
هناك سياسة أخرى للتصرف؛ هي صعبة، وأقل ديماغوجية، ولهذا لا تثار في وسائل الإعلام، ولكنها جد فعالة. يتعلق الأمر بالخطوات التالية:
-          المساواة بين قواعد الضريبة على رأس المال في المناطق التي تعرف تبادلا حرا للسلع والرساميل البشرية.
-          فرض الضريبة على رأس المال المستثمَر في الأسهم، كما هي حالة رأس المال العقاري،  ما لم يتم استثمار مبلغ معادل لهذه الضريبة بشكل دائم في العمل الاجتماعي وفي خدمة البيئة.
-           الحد ما أمكن من الفقر المدقع بالرفع من المداخيل المتدنية جدا.
-          والأهم هو توفير شروط النجاح لكل فرد من أجل شق مساره.
بكلمة، فعل كل ما يمكن من أجل أن يصبح الجميع غنيا، وليس من أجل تفقير الأغنياء القلائل.
هذا يفترض وجود تكافئ للفرص أمام الجميع؛ في التكوين، في الحصول على القرض، في الاحترام، في الدعم، وبالخصوص –وهذا هو الأصعب- في الولوج إلى شبكات التأثير (l’accès à des réseaux d’influence).

إذن، النضال من أجل الحد من الفوارق الاجتماعية مسألة أكبر من تُترك للاقتصاديين أو المتخصصين في السياسة الضريبية وحدهم. إنها قضية علماء الاجتماع، ورجال القانون، وخبراء البيداغوجيا. وهي قضية تستدعي قبل كل شيء أهم المهن التي لا تُتعلم في أي مكان؛ مساعدة الآخرين على اكتساب الثقة بالنفس.

° ترجمة لمقال المفكر الاقتصادي الفرنسي "جاك أطالي" المنشور يوم 17 دجنبر 2018 على موقعه الالكتروني تحت عنوان "العمل، وراس المال، والعالم". اخترت له هذا العنوان "لماذا الخوف من أخنوش؟" : لأن المقال - بغض النظر عن خلفيات صاحبه الإيديولوجية والسياسية: يمكن أن يأتي الوقت للخوض فيها - يتحدث عن خوف "موضوعي" لدى جميع الحكومات في العالم من هروب أصحاب رؤوس الأموال (لأن الجميع يريد أن يستقطب  الاستثمار الأجنبي ويضع لذلك تحفيزات) ولهذا يكون هؤلاء فوق "الدولة". فنحن في عصر حكم "الشركة" التي حلت محل الدولة.
يمكن العودة إلى مقالين سابقين في المدونة: "العمل ورأس المال" (في دجنبر 2017) ومقال "ما العمل، إذن؟" (في نونبر 2018).
نحسب أن المقال طرح سؤالا جيدا وربما الإجابة لا تشفي الغليل. المهم أن السؤال جيد ويكشف "مثالية" بعض اليساريين. ولكن، الليبراليين ليسوا بمنأى عن المثالية!! رغم أنهم جميعا يرمون "الدينيين" فقط بالمثالية، كأنهم بمعزل عنها!!

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



إذا أردنا تكثيف مفهوم العلم، لقلنا إنه: تمييز الجانب الموضوعي من الذاتي في الظواهر الطبيعية والاجتماعية. ولعل المفهوم راسخ بالنسبة للظواهر الطبيعية، من فرط الوضوح، ومن شدة إيراد الأمثلة الشارحة: مثل قانون الجاذبية الموضوعي المعزول عن ذاتيات معينة. ولئن كان هذا راسخا إلى حد ما في الشأن الطبيعي، إلا أن الخلط مازال يسكن أذهاننا بخصوص التمييز بين الذاتي والموضوعي في الشأن الإنساني والاجتماعي أي في الظواهر والعلاقات التي تمس الإنسان كفرد وكمجتمع.
كان السؤال الوجودي المؤرق للإنسان ومازال متصلا بقضية "الجبر" و"الاختيار". طبعا، كانت التجربة الكلامية التي عرفها المسلمون في القرون الأولى متباينة بخصوص الإجابة تبعا للجذور الاجتماعية والأغراض السياسية لكل فرقة كلامية. يمكن صياغة الإشكالية المطروحة آنئذ بلغة بسيطة: االله/الإنسان، الطبيعة/الثقافة، الموضوعي/الذاتي... وهلم جرا من الثنائيات التي ليست بالضرورة متقابلة وإنما تبقى متغايرة. ففي نهاية المطاف، حسب الفرضية الإيمانية: الإنسان جزء من القبس الإلهي، والطبيعة لها أثر على الثقافة... إلخ.
اليوم، أمامنا رصيد هام من المعرفة الإنسانية قد تسعفنا كثيرا في مقاربة الإشكالية من زاوية مفيدة وبعيدة عن الجدل العقيم. فالعلوم الإنسانية، راكمت معرفة معتبرة في الاقتراب من اكتشاف من نعته أحدهم ذات يوم "الإنسان، ذلك المجهول". كما أن العلوم الاجتماعية شقت طريقا راسخة في استكناه طبيعة المجتمع والقواعد الموضوعية التي تحكمه. ولهذا يمكن إحراز تقدم مهم بخصوص تناول الإشكالية الوجودية.
ثمة خلط يخترق العديد من الرؤى بخصوص مجال الدين (أو مجال القيم) ومجال العلم. فالعلم لا يفكر بلغة هايدجر، وليس من شأنه التقييم الأخلاقي أو تحديد المطلوب وغير المطلوب، إنما دوره هو كشف القوانين الموضوعية للطبيعة والقواعد الموضوعية للمجتمع. أما القيم/الدين فهما الموكولان بتحديد ما ينبغي بناء على المعايير الذاتية.
 إن حكاية الصراع بين العلم والدين، مرتبطة بمحاولة كل طرف اقتحام المجال المحفوظ للطرف الآخر. إن إقحام القوانين الموضوعية لعالم الشهادة لتفسير الغيب أمر غير ذي جدوى، كما أن النزوع إلى تفسير عالم الشهادة (الطبيعة والمجتمع) بإشارات عالم الغيب أمر غير ذي فائدة، باستثناء فهم الظاهرة الإنسانية في كليتها باعتبارها تحمل جزءا طارئا في تكوينها يتصل بعالم الغيب، في هذه الحالة حصرا يمكن الاستهداء بإشارات الغيب في فهم الخطوط العريضة لقصة الإنسان، وهي لا تتعارض قطعا مع نتائج عالم الشهادة (العلم) بل تزكيها، لأن مصدرهما واحد.
في الطبيعة البشرية للفرد، أبرز خلاصة يمكن الخروج بها هو أنها طبيعة سلبية في عمومها نازعة إلى الضعف وإلى الغفلة وإلى السهل وإلى الكسل وإلى طاعة الغرائز وإلى الأنانية وإلى تكسير القيود.. ولكنها مصحوبة بفطرة وضمير وذاكرة تضم خط الرجعة ونداء الصلاح وجواذب اليقظة وأشواق العقائد وهواتف الأفكار وخيوط الاستماتة والمقاومة. وهي خلاصة يمكن تجليتها في علوم النفس بالخصوص.  
هذه التناقضات الموضوعية للطبيعة البشرية للفرد، هل تتفق معها أو لا تتفق؟ لا يهم رأيك؟ لأنها طبيعة غالبة وقاهرة وموضوعية وليست ذاتية اختيارية. هذه التناقضات الموضوعية، حسب الفرضية الإيمانية، هي ما أراده الله أن يكون في الفرد. بعبارة أخرى، هي الطبيعة الجبرية للفرد. ولكن، مهلا ! فالطبيعة الجبرية تضم فطرة مشدودة إلى التحرر من قيود الطبيعة !؟ إنها المكون الذي يمكن المراهنة عليه، من طرف أصحاب الرسالات ودعاة القيم من أجل إصلاح السلوك البشري.
الفرق إذن يبرز في الرؤية المتبناة تجاه الإنسان، هناك من يؤمن ممن يُنعتون ب"الماديين" أن الطبيعة البشرية ما دامت مادية فلمَ لا نتصالح معها ونكف عن مخاتلة أنفسنا بالحديث عن القيم ونرتمي في أحضانها بشكل حر طليق؟! هؤلاء بلغوا في فهمهم هذا المبلغ، وكانت الطبيعة البشرية مساعدة في هذا الفهم بالنظر إلى كونها أميل للسهل والراحة والانصياع للغرائز. ومن الطبيعي أن يصلوا إلى هذه القناعة التلقائية أو هذا الخيار السهل؛ لأنهم لا يفترضون أو لا يؤمنون بفرضية وجود الله واليوم الآخر.
وهناك من "المثاليين" (سواء كانوا ممن ينطلقون من قراءة مثالية للدين أو كانوا ممن ينطلقون من نظرة تقليدية مأخوذة من الحس المشترك) من يخاف حينما يقرأ بأن الطبيعة البشرية مادية وفيها بعد حيواني بارز؛ أن وراء هذا الرؤية الموضوعية العلمية للطبيعة البشرية تحيزات ساعية إلى إبراز حيوانية الإنسان بهدف الإجهاز على أية محاولة لدعوته إلى الفضيلة وإلى القيم!
ولذلك تجد هؤلاء "المثاليين" سرعان ما ينكرون المعرفة العلمية، ولكن الأقدار حتما تُعلمهم مصداقية تلك القراءة بشكل قاسي حينما يسقطون ببشريتهم لا في هنات بسيطة بل في زلات فاضحة.
إن رفع شعار الاستماتة والمقاومة لا يتناقض مطلقا مع الإيمان بالطبيعة الموضوعية للفرد. ولو كان الإنسان أميل إلى مقاومة الغرائز بشكل تلقائي، لما كان أصلا لقصة الاستخلاف في الدنيا معنى مفيد.
لننتقل إلى الطبيعة الموضوعية للاجتماع البشري. أول ملاحظة جديرة بالتسجيل هي أن المؤمنين عادة بالطبيعة البشرية بشكلها العلمي الموضوعي، لا يستحضرون الطبيعة الموضوعية للاجتماع البشري في تحليلاتهم لأن الطبيعتين تتناقضان، فليست طبيعة سلوك الفرد بمعزل عن الجماعة مطابقة لطبيعة سلوك الفرد في جماعة/تنظيم أو مجتمع كبير.
إن الفرد لوحده إذا اختار بدون استحضار أي قيمة عليا سيختار انطلاقا من "أنانيته" ما ينهض بمصالحه الشخصية فقط. مثال بسيط، الغش في الدراسة أو في المهنة؛ لو كان متاحا لأي فرد لا يؤمن بقيمة الجدارة والاستحقاق أن يغش لما ترك سبيلا لتوسل الغش في سبيل نجاح شخصي. ولكن القصة في إطار المجتمع مختلفة، والحديث هنا دائما عن النجاح أو المصلحة بشكل موضوعي بدون المضمون القيمي، فالفرد الذي يغش في المجتمع، قد يحقق مصلحته الموضوعية والذاتية في نفس الوقت، ولكن المجتمع سيخسر من الناحية الموضوعية؛ يكفي أن إطارا طبيا –مثلا- وصل إلى منصبه في مسار "غش" يمكن أن يتسبب في كوارث مجتمعية.
لكن، التناقض العمودي الكامن بين التناقضات الموضوعية الأفقية الخاصة بالطبيعة البشرية والتناقضات الموضوعية الأفقية الخاصة بالاجتماع البشري لا يكمن في هذا المستوى فحسب؛ بل يرقى إلى أن يكون تناقضا بنيويا يمس بنيات التناقضات الأفقية معا.
إذا كان التناقض القائم في طبيعة الفرد ينتهي إلى مقابلة طبيعته البنيوية الجوهرية (الغريزة، الواقع، المصلحة... إلخ)، بالفطرة ذات الأبعاد الروحية الطارئة على تكوينه (العقيدة، الواجب، الحق... إلخ). فإن التناقض القائم في المجتمع (أو التنظيمات التي تعد بمثابة مجتمعات مصغرة) مختلف تماما؛ فالطبيعة الجوهرية للاجتماع البشري هي الحديث عن "المثُل" و"الواجبات" و"العقائد" و"الغايات" المشتركة.
 للفهم يمكن الانطلاق من هذه الأمثلة البسيطة. الجميع في المجتمع يتحدث بإيجابية عن الاجتهاد في الدراسة رغم أنه مناقض للطبيعة البشرية المائلة للتهاون والخمول، ويتحدث الجميع بإشادة عن النزاهة والفضيلة وأداء الواجبات رغم أن الطبيعة البشرية تستصعب الالتزام، ويلعن الجميع العهارة والدعارة رغم أن الفرد قد يمني نفسه – بمعزل عن القيم- بالالتذاذ بها، وينظر الجميع نظرة ازدراء إلى السرقة على أن كبار المسؤولين يختلسون المال العام إذا ما أتيح لهم ذلك، وقس على هذه الأمثلة... إلخ.
لماذا تعد الفضيحة الجنسية أو الأسرة المفككة منبوذة من طرف المجتمعات الموسومة بأنها "مادية"، حتى أن كبار السياسيين يصعب عليهم النجاح الانتخابي إذا ما رسبوا في امتحان الأسرة والحياة الشخصية؟ باختصار، لأن قواعد الطبيعة البشرية للفرد هي غير قواعد الطبيعة البشرية للمجتمع. نعم، قد تؤمن بأن الفرد من حقه أن يستجيب لغرائزه كما يحلو له بل حتى في الفضاء العام (طبعا في حدود معينة)، ولكن مزاج المجتمع الموضوعي لا يتسامح مع فرد يريد أن تكون حياته الشخصية نموذج (أو سلطة) مهيمن على الحيوات الشخصية لأفراد المجتمع.
 إن المشترك في المجتمع يكمن في القيم العليا والمثل السامية والمصالح العامة، وكلها تدل على التعاون على تيسير تصريف الغرائز المطبوعة في الطبيعة البشرية للفرد في شروط إنسانية. فمثلا، بخصوص الحاجة إلى الغذاء تجد أنه بالتعليم والتكوين يتم تأهيل الفرد لوظيفة بها يسد رمقه، وبخصوص الحاجة إلى الجنس بتعليم الفرد وتربيته يتم تأهيله على بناء أسرة (سواء تقليدية: الزواج) أو عبر علاقة رضائية حسب المنظور القيمي للفرد، وبخصوص الحاجة إلى انتزاع الاعتراف بتعليم الفرد وتربيته يتم تأهيله على تفتيق مواهبه وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم مصلحته الشخصية (في البروز وتحقيق الأنا) ويخدم مصلحة المجتمع كذلك بتحريك عجلة الاقتصاد ودينامية الحياة.
بعد تسليط الضوء على مفارقات الطبيعة الموضوعية الجوهرية للمجتمع في علاقتها بالطبيعة البشرية. ننتقل إلى بعد آخر يندرج ضمن أبعاد الطبيعة الموضوعية للمجتمع يتباين أيضا مع مثيله في الطبيعة البشرية للفرد.
إن الفرد بطبعه كائن ضعيف، سلوكاته غير واعية، يحكمه اللاشعور أكثر من الشعور، ولكن بفطرته الطارئة يميل إلى التفكير والتعقل وتجاوز الضعف. أما المجتمع فهو بطبيعته الموضوعية قوي ولكن قوته كامنة في ضمور النزعة العقلانية عند كل فرد، النزعة العقلانية بما تعنيه من فردانية وقياس كمي للمصلحة الشخصية الحصرية.       
هذا بخصوص الطبيعة الموضوعية الجوهرية للمجتمع التي تتميز بخصائصها الإيجابية الملحوظة. أما بخصوص طبيعة المجتمع الطارئة، فإنها ذات أبعاد سلبية بخلاف الطبيعة الموضوعية الطارئة عند الفرد الموسومة بالإيجابية. أو لنقل؛ إن طبيعة الفرد الجوهرية مادية وفطرته الطارئة مثالية، بينما طبيعة المجتمع الجوهرية مثالية وطبيعته الطارئة مادية.
إن المجتمع يبلور المشترك الذي يجمعه بناء على عقل "جمعي" خفي يساهم في تشكيله الجميع بقدر، ولهذا يعمل المجتمع (والتنظيم دائما مجتمع مصغر) بقاعدة "سيروا سير ضعفائكم أو متوسطيكم". ولهذا، فالمشترك القيمي والأفق المثالي للمجتمع قد يلهم القاعدة العريضة من أبناء المجتمع، ولكن نبهاؤه انطلاقا من استثمارهم الكبير لقدراتهم العقلية وللياقتهم الفكرية والذهنية في تحري "الحقيقة" المجردة بعيدا عن "المصلحة" سرعان ما يجدون بأن المشترك كان "وهما" أو "أسطورة". ولهذا يعملون على تشطيب "الوهم" في الأذهان، ومقابل "الوهم" لا تقف سوى المصالح القريبة عند القاعدة العريضة للناس باستثناء أولئك "النبهاء" الذين غيروا المُثُل الوهمية بمُثُل جديرة ومفيدة. وهكذا، يتمزق المجتمع، الذي ينفرط عقده في غياب المشترك الجامع الملهم.
هكذا، نلفي مرة أخرى أن ما كان نقطة مضيئة في الطبيعة البشرية قد يستحيل إلى إشعاع مظلم في الاجتماع البشري. فالطبيعة الموضوعية للاجتماع البشري، تفترض ولا بد أن يكون هناك مشترك، وفي الغالب يكون هذا المشترك الذي لم يرسمه فرد واحد أو فردين "وهما" أو "أسطورة" في جميع التنظيمات والمجتمعات التي تعتبر قمة في العقلانية.
إن "المثُل" و"القيم" حتى تخضع للتبني الجماعي لا بد بتغليفها بغلاف "أسطوري"، لأن العقلانية الفردية نازعة بطبعها إلى الاكتفاء بالذات في حالة ما وجدت في الاكتفاء ما يحقق رغباتها الموضوعية بخلاف ما يقال من أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه.
ولكن، الحاجة إلى المجتمع (وليست حاجة الفرد إلى المجتمع) بدورها حاجة موضوعية وليست خاضعة للرغبات الذاتية للفرد. لنتفق في هذا المستوى على التكثيف التالي للمعاني المشروحة سابقا، ما هو موضوعي بالنسبة للمجتمع يخضع للرغبات الذاتية للأفراد، وما هو موضوعي بالنسبة للفرد هو اختيارات ذاتية بالنسبة للجماعة.
إن المجتمع مهم من جهة لتحقيق الرغبات الموضوعية لجميع الأفراد وإلا ستكون حالة حرب الجميع ضد الجميع في سبيل الاقتيات وإثبات الذات، ومهم من جهة أخرى لتحقيق الرغبات الذاتية التي تنولد من فطرة الفرد وتدفعه للتمايز عن الحيوان والتي ترتبط أساسا بالعمل من أجل الغير أو من أجل المصلحة العامة.
  إذن، سلوك الفرد وتفكيره موضوعيا غير عقلاني، وذاتيا (باستثمار الفطرة الموضوعية) يمكن أن يكون كذلك بالجهد الذهني على المستوى الفكري ومقاومة طغيان الغرائز على المستوى العملي. حينما نتحدث عن جهد مبذول، فإننا في إطار كل ما هو "ذاتي".
أما سلوك المجتمع وتفكيره فهو موضوعيا عقلاني (العقلانية هنا هي الإيمان بالأسس الموضوعية التي تقوم عليها المجتمعات وهي "الأرضية المشتركة")، بينما على المستوى الذاتي حينما تتحرك جموع داخله بدافع من "عقلانية" فردانية أي انطلاقا من ثمار تفكير بعض نبهائه لتكسير المشترك بشكل حدي وغير تاريخي، فسلوكه آنذاك وعقله الجمعي يصبح غير عقلاني (على الرغم من أن العقلانية عند نبهائه قد تقود إلى إنتاج خلاصات فكرية عميقة بخصوص "وهم" مجتمعها).
عقلانية الفرد غير عقلانية المجتمع. اختلاف عقلانيتهما نابع من اختلاف أسسهما الموضوعية. هذا إذا اتفقنا على أن العقلانية هي النظر الموضوعي المحايث إلى الموجودات بمعزل عن رغباتنا وبعيدا عن مرجعيات مفارقة. فمن العقلانية؛ أن نؤمن بأن المجتمع يقوم على "أرضية مشتركة" غير مدققة لأنها غير ناتجة عن تفكير مفكر مُدقق، بل هي حصيلة تضارب مسار مشترك  لأفراد مجتمع جلهم بعيد عن التفكير العقلاني الفردي. ومن الناحية الذاتية، من حقنا أن نتمنى وأن نسعى إلى الارتقاء بهذه "الأرضية المشتركة" ولكن لن يتم ذلك إلا بعد الاعتراف بطابعها الموضوعي الصرف.
من الموضوعية (أو من العقلانية، هما سيان في هذا السياق) كذلك؛ أن نؤمن بان الطبيعة البشرية للفرد مادية، ومن حقنا من الناحية الذاتية أن نعمل على تطويعها وتهذيبها وضبطها. ومن الموضوعية أيضا، أن نفهم بأن الفرد المتأمل الحر يميل بجهده الذاتي إلى بلورة تفكير عقلاني مجافي لما اجتمعت عليه الجماعة.
 لكن من المهم قبل هذا وذاك  أن نفهم بأنه في الدائرة الذاتية هناك أولويات يمكن التفضيل فيما بينها. أما في الدائرة الموضوعية فهناك قوانين وقواعد، من تجرأ على مصادمتها.. هيهات هيهات أن يصمد في وجهها. فالموضوعي هو كل ما هو ثابت وما هو بنيوي وما هو قائم وما هو كائن وما هو واقع. أما الذاتي، فهو كل ما ينبغي وما هو مفيد وما هو مطلوب.. فالفسحة فيه واسعة.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




نعم، الحركة الإسلامية قاصرة ولعبت أدوارا غير مطلوبة وخلقت معارك وهمية... إلى غير ذلك. أتفق مع كل هذا، وأؤمن بما يفوق هذه الخلاصات. غير أن ما يثير استغرابي في كل مرة، هو أن تكون الحركة الإسلامية الحائط القصير لكل من يميل إلى إبراز نزعة النقد، هو أن تكون الحركة الإسلامية مشجبا نعلق عليه كل ما يعتورنا من أدواء، هو أن ننسى دروس التاريخ والسوسيولوجيا والسيكولوجيا ونكتفي بالإيديولوجيا حينما نقرأ موقع الحركة الإسلامية في أي واقعة.
في الحالة التونسية؛ سمعتُ من مثقفين ومن شباب قوميين أن الحركة الإسلامية التونسية في شخص النهضة هي التي تقف وراء ظواهر "الشذوذ الجنسي" ودعاوى "المساواة في الإرث".. وسمعتُ منهم كذلك، أنها أيضا تقف وراء إرسال الشباب إلى "داعش" في سوريا، كما يقف "جهازها السري" الانقلابي وراء اغتيال المناضلَين "شكري بلعيد" و"محمد البراهمي".
اتُهمت الحركة الإسلامية في تونس من طرف شخصيات ومؤسسات إسلامية بأنها حركة متسيبة إذ قامت بترشيح امرأة غير محجبة لعمودية العاصمة وقامت بالفصل بين الوظيفة الدعوية والسياسية وتسامحت مع قضايا الهوية في الدستور. وفي الجهة المقابلة، اتُهمت من طرف الإمارات والسعودية (أي عمليا من طرف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني) بأنها حركة إرهابية لا يجدر بها أن تبقى ولو للحظة على هامش السلطة.
في الحالة المغربية؛ نقرأ يوميا تحليلات وتصريحات تذهب إلى أن الحركة الإسلامية المشاركة في العملية السياسية ذات نزوعات هيمنية ومشدودة إلى الاستفراد بالسلطة، ونقف في المقابل على تقييمات أخرى تذهب إلى أن الحركة الإسلامية حركة مهادنة وضعيفة تخلت عن صلاحيات رئاسة الحكومة. شاهدنا كيف أن الحركة اتهمت بأخونة الدولة في مسيرة ولد زروال وغيرها، كما نقرأ في كل مرة تصريحات من مؤسسات وجمعيات وشخصيات تنعي فيها الهوية الإسلامية للحركة.
تتهم الحركة بأنها هي من أدخلت العنف إلى الجامعة، وبأنها هي من أدخلت التطرف إلى المجتمع، وبأنها هي من وضعت نقطة النهاية للزمن الجميل.  
في الحالة المصرية؛ حدث ولا حرج. كل لعنات العصر ألصقت بالحركة الإسلامية فيها. فالمداخلة يفتخرون بأنهم فضحوا "حزبيتها" و"بدعها" و"انحراف عقيدتها"، والوهابيون يتهمونها بأنها حركة ضالة خارج عقيدة أهل السنة والجماعة القائمة على فقه الطاعة. في المقابل، يتهمها الليبراليون بأنها حركة منغلقة ومتشددة ومستبدة، والاشتراكيون بأنها حركة رأسمالية، والماركسيون بأنها حركة زائفة، والقوميون بأنها حركة متصهينة وعميلة، والسلطة بأنها حركة إرهابية وعنيفة.
يتهم القوميون الحركة الإسلامية بأنها تحقد على الفكر القومي وأنها حركة عولمية غير وطنية، في حين يقذفها الأمازيغيون بأنها حركة قومجية عُروبية لا تُسبح سوى باسم فلسطين واللغة العربية. يتهم القوميون الحركة الإسلامية بأنها تدعو إلى إسلام أمريكاني رخو، في حين أن يرى الأمازيغيون أنها تدعو إلى إسلام قريش الصحراوي الصلب.
يرى القوميون أن الحركة خرجت من المطبخ البريطاني وتشتغل حاليا تحت إمرة السيد الأمريكي، في حين أن السيد الأمريكي والمطبخ البحثي البريطاني لا شغل لهم سوى فك ألغاز هذه الحركة ونشر الدراسات حولها والتشهير بها عبر القوائم الإرهابية وتسليط الضوء على صورة "الإزعاج" الذي تسببه حركة حماس للمستوطنين الصهاينة.  
كما تُتهم من طرف القوميين دائما بأنها تواطأت مع الولايات المتحدة لصناعة "الربيع"؛ في حين أنها مُتهمة من طرف القوى الوطنية الثورية بأنها حركة مترددة لم تلتحق بالثورة إلا يوم 28 يناير في مصر أي بعد ثلاثة أيام من انطلاقتها وإشعاعها، أما في تونس والمغرب فهي حركة ركبت على موجة الأحداث وغيرت بوصلة الانتفاضة.
إذن، الحركة الإسلامية هي: حركة منغلقة ومتشددة وإرهابية وعنيفة ومستبدة ومنمطة ورأسمالية وقومجية وعولمية وغير وطنية ومتصهينة ومتأمركة وعميلة وضعيفة ومهادنة ومحافظة وانقلابية وزائفة ومتسيبة ومتميعة وشاذة ومبتدعة وضالة ومنافقة ومنحرفة وحزبية.
بكل صدق، هذه حركة سماوية خارقة وليست جسما ينتمي إلى كوكب الكرة الأرضية. 
المشكل الأكبر يكمن في أن خلفية التحليل المشتركة لدى أغلب هذه القراءات تنطلق من تحليل مثالي للحركة مفاده هو أن الحركة تنطلق من أرضية عقائدية موسومة بالطابع الفلاني وبالتالي فالسلوك تلقائيا سيكون كالتالي. وهذا وهم كبير حطمته العلوم الإنسانية والاجتماعية. حصة الوعي أو القناعة العقدية والفكرية محدودة جدا في حركة الإنسان وسلوكاته السياسية والاجتماعية. 
إن الحركة الإسلامية هي انعكاس للوضعية التاريخية التي عاشتها مجتمعاتنا، والفروق القائمة بينها على مستوى الأقطار، مرتبطة بالمعطيات السوسيولوجية الموضوعية المختلفة، بل إن الاختلافات الكامنة داخل جسم الحركة راجع بالدرجة الأولى إلى اختلاف الروافد الاجتماعية الحاضنة لكل اتجاه. ولهذا، فتحولات المجتمع حسب اللحظات التاريخية المتعاقبة ستقرر في شأن مستقبل الحركة بشكل موضوعي من دون الجهود الذاتية التائهة لخصومها. 
إن تأجج الخلاف بين الحركة وكل التيارات الوطنية – فضلا عن العوامل الذاتية غير المنكورة - وراءه يد غير خفية هي يد العدو الصهيوني - ورُعاته الإمبرياليين الكبار ووكلائه المستبدين الصغار- الذي زُرع في خاصرة الأمة حتى لا ننام ولا نستيقظ ونبقى أسرى حالة حيص بيص.
 فمتى يتوقف هذا العبث، وننشغل بما هو أهم.
أبشر كل المتلهفين إلى نهاية مسلسل الحركة الإسلامية بأنها كحركة اجتماعية سنواتها معدودة. ولكن، لن تكون النهاية بفعل عوامل خارجية (المقصود هنا مثلا: قياس أثر خطاب ذ.عصيد  على انفضاض جمهور المواطنين عن الحركة)، بل ككل الحركات ستتم بفعل عوامل داخلية بالدرجة الأولى.
إن الحرب الشاملة الممنهجة ضد الحركة هي التي تمدها بإكسير الحياة. وكلما انخفضت وطأة الحرب، كلما رأيت الحركة متراخية وآيلة إلى النهاية المحتومة. إن ما سببه النظام السلطوي في مصر، مثلا، للحركة هو مدعاة لإطالة أمد حياتها.
ولكن، لنفترض أن الحركة ذهبت إلى رحمة الله. ماذا أعددتم جميعا لنا؟ أو بالأحرى، ماذا أعددنا لما بعدها؟

°هي مجرد خواطر تداعت ليلا فأردتُ تسجيلها، وللحديث بقية في كتابات أكثر رصانة.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





من الطريف أن نبحث عن المهدي أو أن نعبر عن الحنين إلى ظهوره في كل مرة! فلكل مهديه ولكل مُخَلصه حسب العقيدة التي يؤمن بها. إنما المهدي المقصود هنا، له علاقة بعقيدة سياسية غير خافية، هي عقيدة تحررية ديمقراطية وحدوية صريحة.
المهدي بنبركة، هو  الرجل الذي عاش كغيره من الرواد عمرا قصيرا وممتدا في نفس الوقت. وجد نفسه على رأس الجيل الثاني من الحركة الوطنية (مواليد 1920 بالرباط) ولكن بأفق وروح ونَفَس صاحب التنظيرات التي تنافس الرؤى التي يحملها رواد الجيل الأول. ولهذا لا يعرف الكثيرون اسم "محمد اليزيدي" وهو، أستاذ المهدي في النضال الوطني، ويعرفون المهدي؛ لأنه برز مبكرا كزعيم مستفيدا مؤهلاته الاستثنائية ومن اضطرار زعماء الجيل الأول إلى البقاء في المنفى.
لم يكن المهدي مجيدا للتعامل مع الأرقام الصماء (الرياضيات) فحسب، وهو الذي كان ينجز واجباته الدراسية في درج سلم المنزل تحت نور شمعة. بل كان مُلما (بشهادة جاك بيرك، أستاذ علم الاجتماع بكوليج دي فرانس) بكل ما جد في العلوم الاجتماعية وبكل الكتابات المنشغلة بقضايا العالم الثالث.
إنه المهدي نسيج وحده، لا يفارق العناوين الجديدة في القضايا الاجتماعية، ويسجل في غمرة مسؤولياته السياسية، وهو رئيس أول برلمان مغربي غير منتخب، أطروحة الدكتوراه في الرياضيات، ويناقش مع كبار المثقفين ألحان الموسيقى وجدل هيجل ووجودية سارتر.
اللافت في هذه المسيرة، هو أن الأكاديمي المتميز في تخصصه الضيق بشهادة عميد كلية العلوم آنذاك، والمثقف المحيط بالعلوم الاجتماعية والأبعاد الفلسفية والإنتاجات الفنية بشهادة مثقفين من طينة جاك بيرك وشارل أندري جوليان. لم يكن منعزلا في الأبراج العاجية، ولم يكن قابعا في الزوايا مع الأوراق، بل كان موصولا بالواقع ومتصلا بأسئلة الحياة السياسية والاجتماعية العملية. كان يصعد إلى القراءة/الثقافة حتى لا تفترسه النظرة العامية والانطباعات السطحية والممكنات الذهنية، ولكنه سرعان ما ينزل إلى الواقع ليصحح الرؤية النظرية التجريدية الحالمة المفصولة عن مستجدات الواقع المتسارعة باستحضار الممكنات التاريخية.  
إنه المهدي، مهجوس بهاجس واحد ومهموم بهَم لا ثاني له، هو هاجس الخروج من هامش التاريخ إلى السكة الصحيحة. وفي شرطه التاريخي، ومازال هذا الشرط قائما، لا خروج دون ربط قضية المغرب بقضية العالم الثالث وهي قضية التوحد من أجل التحرر والوحدة بعد التحرر في عصر لا حياة فيه - موضوعيا - للكيانات المعزولة عن التكتلات. وإذ لا يكفي التحرر، فلا مناص من مراجعة الذات بإدارة الظهر للتقاليد الراكدة عبر برنامج تنويري في الثقافة ومن خلال التمرن على السلوك الديمقراطي في السياسة.
الحاجة إلى المهدي، بعبارة أخرى، هي الحاجة إلى ذات الروح وإلى نفس الذكاء وإلى ذات العقل الجدلي الذي يلتقط تناقضات الواقع الموضوعي الحالي وموازين القوى القائمة لكي يجدد للرباعية الذهبية بطاقة الحياة (التحرر، التنوير، الديمقراطية، الوحدة).  
يمكن قراءة صفحات المهدي المشرقة عبر سطر وحيد، هو مشروع طريق الوحدة.
من هو هذا المشروع؟ إنه مشروع بناء طريق على امتداد 60 كيلومترا بين "تاونات" و"كتامة" بسواعد الشباب المغربي المتطوع، يتخللها إنشاء 37 جسرا. استمر المشروع 3 أشهر من يوليوز إلى غشت عام 1957. يتألف مجموع عدد المتطوعين من 12000 شاب توزعوا على مدى الأشهر الثلاثة. تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 سنة، ويُقدر متوسط عمرهم ب23 سنة ونصف. ينحدرون من أزيد من 20 منطقة من داخل المغرب، وضمنهم طلبة من خارج المغرب يدرسون في المشرق العربي أو في أوروبا.
 توزعت أنشطة الشباب في المشروع على البناء المادي للطريق على امتداد 6 ساعات كل صباح، قبل الشروع في برنامج موازي بعد الزوال وممتد إلى المساء موجه لتكوين الشباب المشارك في المشروع وتنمية مؤهلاته الثقافية من خلال سلسلة من المحاضرات أشرف عليها الوطنيون؛ منها على سبيل المثال: محاضرة "مهامنا الراهنة" ألقاها المهدي، و"واجبات المواطن" ألقاها علال الفاسي... إلخ.
ما دلالات المشروع وما مغزاه؟
أولا، استثمار الرأسمال الاجتماعي. قُدر الغلاف الزمني للمشروع في حال ما أُنجز من طرف وزارة "الأشغال العمومية" بسنة ونيف. لماذا العمل التطوعي للشباب أثمر تشييد الطريق في 3 أشهر، بينما العمل المأجور للعمال في إطار وزارة الاشغال العمومية لن يُشيد الطريق إلا في أزيد من 13 شهرا؟
لأن حجم العمل التطوعي - وهو محتوى الرأسمال الاجتماعي - أكبر من حجم العمل المأجور (أمام ارتفاع تكلفة العمالة وأمام انخفاض حجم الرأسمال المادي) من جهة، ومن جهة أخرى وهذا هو الأهم لأن مفعول العملين مختلف، فالمعنويات التي يشتغل بها المتطوع المؤمن برسالة العمل الذي يقوم به لا تقاس بالمقارنة مع معنويات العامل المُضطر والمُكره على القيام بذات العمل.
ثانيا، التربية والتكوين عبر الممارسة. إن مقولة "نحن نبني الطريق، والطريق تبنينا" ليست صورة بلاغية بل هي حقيقة واقعية. نعم، المشروع كان موجها لبناء الطريق، ولكن لصقل الشخصية الوطنية وشحذ الوعي الوطني أيضا.
صار "التعلم عبر الممارسة" نظرية تُدرس ضمن دروس نماذج النمو الاقتصادي الحديثة learning by doing التي طورها الاقتصادي بول رومر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2018. فمن خلال تراكم الخبرات العملية للرأسمال البشري، يتمكن القائمون على الإنتاج من ابتكار آليات جديدة تضاعف المردودية وتسرع عجلة النمو.
طبعا، الممارسة تكون عمياء من دون إضاءات نظرية وفكرية، إنما السياحة الفلسفية التأملية ترقى إلى أن تكون قاتلة وغارقة في الممكنات الذهنية. فأصحابها يتوهمون الفهم، ويختزلون العالم في مقولات مسكوكة جاهزة لتحليل أي واقعة، وبذلك يُجهزون على التطور الإيجابي لمنحنى النمو في الواقع ويُجهضون كل المبادرات التغييرية.
ثالثا، بناء الدولة الوطنية الحديثة في فجر الاستقلال. من مرتكزات الدولة الحديثة وحدة الشعب والأرض والسيادة. كان المشروع يستهدف بشكل مباشر تكسير الجليد القائم بين البادية والمدينة وبين الشباب المتعلم (الطلبة) وغير المتعلم وبين الجنوب والشمال، كما كان يرمي إلى الانتقال من الانتماء المتعصب للقبيلة إلى الانتماء المنفتح للدولة.   
كان المشروع محطة مهمة لتوحيد العقيدة السياسية للشباب المغربي الصاعد، إذ به صار جميع الشباب المشارك يؤمن بعقيدة واحدة هي "بناء المغرب". وغير خاف، أن وحدة القصد والغاية من خصائص الشعب، بخلاف المجتمع ذي البنية القبلية فهو يتوزع شذر مذر على مستوى الغايات والمصالح.
كان العزم قائما على الاشتغال بفلسفة مشروع بناء طريق الوحدة في مشاريع أخرى. فالمشروع كان مجرد نموذج اختباري عشية إطلاق المشاريع البانية لمغرب الاستقلال. غير أن رياحا قوية هبت في اتجاه معاكس لإرادة المهدي وغيره من صناع المشروع، ووضعت حدا لهذا المسار. فكانت النتيجة التعثر المتواصل من 1957 إلى 2018 والتأخر بالمقارنة مع من كان في وضعنا في ذات السياق.
ومن مقتضيات الانتساب للدولة الحديثة النهوض بواجبات المواطنة في مقابل الاستفادة من الحقوق المترتبة عنها. ولترسيخ هذه الذهنية الجديدة في مجتمع خرج للتو وبشكل قسري من عهد البداوة والقَبَلية، كان المشروع تمرينا مهما لاستيعاب مغزى إسهام المواطن في وجود واستمرار الدولة التي من المفترض أن يعود وجودها بالنفع عليه رخاء وأمنا.
هو مشروع بسيط ولكن بحمولة عامرة، كان أحد الأجوبة الذكية للمهدي على تحديات وأسئلة الانتقال التاريخي المطروح في زمن الاستقلال من كيان تقليدي إلى دولة حديثة. وهو مشروع يكثف الروح والذكاء والأفق الذي نحتاج إليه في استشراف ما نحن فيه من لحظة تاريخية تتأجج مخاضاتها يوما بعد يوم.
قبل الختم، لنتساءل: لماذا يصعب أن نتصور مشهدا يتطوع فيه المواطنين اليوم بمحض إرادتهم في مشروع تدعو إليه الدولة ويخص الصالح العام؟ لأن المواطنين لا يثقون في إدارة الدولة، ويعرفون بأن رأسمالهم الاجتماعي سيضيع ويُستغل من طرف من لا هَم لهم سوى تنمية رأسمالهم الخاص وتبديد الرأسمال العمومي. هذا سبب ذاتي، أما من الناحية الموضوعية فالإرادة السياسية اليوم معتقلة ولم تعد لديها الإمكانات المتاحة في زمن المهدي.
مع الأسف، تم هدر الإمكانات الكبيرة بالحسابات الصغيرة، وبقيت لنا دولة يعجز خيالها الاقتصادي عن تجاوز فرضية 4% كحد أقصى في التوقعات الخاصة بمعدل النمو وهو ما يستحيل معه اللحاق بالعالم الأول. ولهذا نحتاج اليوم إلى روح المهدي، أي إلى التفكير خارج الأطر السائدة، التفكير الذي أنتج مشروع بناء طريق الوحدة في لحظة كان فيها المغرب يحاول أن يبدأ تاريخا جديدا. إنه التفكير في إطار الممكن، التفكير الذي يعي الإكراهات الموضوعية ولا يكتفي بترديد الأماني الجميلة.
هي الذهنية التي تطرد البرد الخارجي بالدفء الداخلي، وتعول على العمل قبل رأسمال، وعلى تعبئة الرأسمال الاجتماعي إلى جانب الرأسمال المادي. إنها الذهنية الموضوعية، التي تميز بين الإمكان الذهني والإمكان التاريخي.
مشروع طريق الوحدة هو عنوان ثمار هذه الذهنية.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




فجرت قصة طارق رمضان نقاشا هاما في عدة أوساط. وجد فيها خصومه التقليديون عنوانا للتندر وفرصة للسخرية ومناسبة لفضح "الازدواجية" ومحطة للإجهاز على رصيد الشخص وإرثه المعنوي ونسبه العائلي والإيديولوجي. وإذا كانت قائمة خصومه تضم من تربطهم به "عداوة وجودية" (الصهاينة واليمين المتطرف ومن يدور في فلكهما)، ومن تربطهم به "خصومة إيديولوجية" (من عائلة اليسار أو الليبراليين). فإن الجديد في هذه النازلة هو أن صورة "حارس قيم الإسلام بلغة معاصرة وأفق متنور في قلب أوروبا" قد تكسرت، ليس على يد السلفيين أو الإخوان المتسلفين (وهم من خصومه التقليديين كذلك)، بل في عيون زملائه وتلامذته "الوسطيين".
تشتبك في الملف خيوط مركبة ليس في وسعنا الإحاطة بها. ولكن حسبنا في هذه السطور، الانطلاق من فرضية كون "الاعترافات" تعبير عن الحقيقة الملموسة، وليست مجرد مناورة أو تكتيك للفرار من "الموت البطيء" الذي كان شبحه مرعبا في أجواء السجن.
ماذا تعني الاعترافات؟  تعني أن رجلا كان في عيون الكثيرين مفخرة "الإسلام" في أوروبا "الجاحدة"، أتقن لغة القوم وقدم "رسالة" الإسلام ليس فقط بما يُمَكن من تصالح المسلم مع عصره، بل بما يعزز من الانخراط الإيجابي للمسلم الأوروبي في الشأن العام والقضايا الكبرى المؤرقة للإنسانية.   
نجح الرجل في تقديم الأبعاد التحررية للإسلام التي تجعل منه دينا جديرا بالحياة في القرن الواحد والعشرين. ولكنه، سقط في تفعيل جزء من مقتضيات روح دعوته على سلوكه الفردي. نجح في أن يعبر بصوت مرتفع وبليغ عن كون رسالة "الإسلام" هي رسالة مقاومة للجوانب الداخلية "الطاغية" في الإنسان (الغرائز) أو للجوانب الخارجية "التدميرية" في الكيانات (الاستعمار الصهيوني والاستغلال الإمبريالي الذي تقوده دول ضد شعوب، تغول الشركات المتعدية الجنسيات وافتراسها للبيئة والإنسان... إلخ).
أفلح الرجل في كسب رهان صياغة "النظرية" إلا أنه رسب في امتحان جانب من "التطبيق" وتحقيق الانسجام بين "الفكر" و"الفعل" و"النظر" و"العمل" و"المعيار" و"السلوك".
ما هي الاستنتاجات المفترضة من وراء الاعترافات؟
سقط "الإرهابي" حفيد مؤسس "لعنة العصر" -التنظيم الدولي للإخوان الإرهابيين- المُحرض على الكراهية وتحطيم أسوار العلمانية والحرية وهوية أوروبا المنفتحة، وقد قيل ذلك من طرف دوائر إعلامية صهيونية ومتصلة باليمين المتطرف. الرجل انكشف كما سينكشف كل الذين يلعبون على الكلمات والعواطف ويستميلون البسطاء إلى دائرة الفكر المثالي الغيبي، وقد قيل ذلك من طرف بعض اليسار أو المنطلقين من طرف النظرية الماركسية في التحليل. الرجل "منافق" أو "كافر" أو في حكم المنزلة بين المنزلتين، وقد قيل ذلك من طرف السلفيين (منذ أن أعلن رأيه في ما يسمى ب"العقوبات الجنائية في الإسلام"). الرجل مخادع أو ممثل مخاتل، وقد قيل ذلك من طرف بعض "الإخوان الوسطيين". لنتصالح مع طبيعتنا البشرية ولنكف عن لغة الأوامر (افعل/لا تفعل) غير المفيدة، وقد قيل ذلك من طرف بعض النبهاء، وهم قلة.
بعيدا عن أية نبرة تبريرية مفتعلة، وبعيدا عن الاستنتاجات المُحملة بأحكام جاهزة. لنجعل من هذه المناسبة محطة معرفية لإعادة مناقشة الطبيعة البشرية.
ننطلق عامة في نظرتنا إلى الطبيعة البشرية من القناعة التي مفادها أن الأصل في الإنسان هو الصلاح بكل معانيه وأن الاستثناء هو الخطأ. في حين أن الصحيح هو أن الأصل في الإنسان هو أنه "لفي خُسر" والاستثناء حسب تكوينه هو الصلاح.
وأن يكون الإنسان في "خسر" يعني أنه ضعيف أمام الغرائز واللذائذ والشهوات وميال للتخفف من الواجبات والتحلل من الالتزامات والوفاء بالعهود. يعني أنه أسرع ل"الفجور" قبل أن تكبحه فرامل "التقوى". يعني أنه ضعيف في اختياراته الكبرى ومساراته الكبرى أمام حوادث الطفولة وملابسات البيئة وضغوط الطبقة وحدود اللغة وهلم جرا من الظروف الموضوعية التي لم يخترها وكانت لها يد في تشكيل كيانه ووجدانه وذهنيته وسيكولوجيته وشخصيته ومستقبله.   
ولكن الإنسان رغم طبيعته "السلبية" الغالبة وهويته "الطينية" الجارفة، يتمتع ب"فطرة" متوقدة و"ذاكرة" يقظة موصولة بالنفخة الروحية وبالقبس الإلهي الذي جعل منه إنسانا بعد أن كان بشرا. هذه الهوية "الروحية" هي التي تسمو به عن المكوث طويلا في قعر الخطايا وهي التي تحمله على معانقة الهموم الإصلاحية العظمى (إشاعة الصلاح والنبل والخير والعدل والرحمة والصدق والعفة...  إلخ).  
هذه الذاكرة هي التي تمنح الإنسان دوافع "المقاومة": مقاومة الانسياق وراء تيار "الطبيعة" الجارفة بمطالبها المادية العصية على الإشباع. إنها وعاء لعالم "المُثُل" و"القيم" و"الواجبات" و"المقاصد" و"الغايات". هي ما يسمى بكلمة أخرى، "الضمير" أو "الأنا الأعلى". بينما، الطبيعة البشرية الجوهرية هي مجال "العلوم" وعالم الحتميات والحقائق الموضوعية.
إذن، الإنسان بطبيعته كائن مزدوج مجبول على "التناقض" و"الازدواجية" و"الصعود" و"الهبوط" والتعثر بين "الفكر" و"الفعل" والحيرة بين أفق "العقيدة" ونداء "الغريزة". ولكن من منطلق تمتُعه بذاكرة تنتمي لعالم آخر، كان لا بد أن يسعى إلى التخفيف من حدة التناقض وإلى تحقيق الحد الأدنى من الانسجام وإلى الانضباط لمعاييره الفكرية في أفعاله وممارساته (وإلا فما جدوى الفكر، إن لم يكن سعيا مستمرا لتحسين سلوك الإنسان على ضوء "القيم" مع استثمار خلاصات "العلم"؟).
لو كان الإنسان مجبولا على "الخير" و"التقوى" في طبيعته البشرية لما احتاجت الإنسانية إلى ابتكار "المؤسسات" و"القوانين" و"الأعراف"... وكل الأشكال المقيدة لحركة الإنسان حتى لا تنفلت من كل العقال. لو كان "الفكر" غالبا على "الفعل"، لاكتفى الناس مثلا بقاعدة (الأسبقية لليمين) في قواعد السير من دون تشييد أعمدة أضواء المرور وتوظيف رجال الشرطة وتنظيم الجزاءات العقابية.
لو كان الإنسان خيرا أو صالحا بطبعه، كما جاء في حكايات كثيرة، لما وُجدت فكرة القانون أصلا. فالقانون عبارة عن وازع خارجي يدفع الإنسان إلى احترام التزاماته وواجباته وقيمه صاغرا، بعد أن عجز الوازع الداخلي (المتصل بفطرته أو ذاكرته أو هويته الروحية) عن ضبط حركته أمام نداءات الطبيعة البشرية السلبية مُختارا.
لو انعدمت وسائل الإعلام وأشكال صناعة ضغط الرأي العام (وهي من إبداعات الإنسانية في تفعيل الوازع الخارجي) لرأيتَ المسؤولين على مختلف المستويات على الصعيد العالمي يفعلون الأفاعيل ويقترفون من الجرائم (ألوان الاستبداد والطغيان، الاغتيالات، اختلاس المال العام، الاغتصاب، التحرش... إلخ) ما يعجز الخيال عن تصوره.
في إحدى الدول، لعلها "كندا" –والعهدة على الراوي- يُمنع على رجال الدولة ارتياد المراقص والعلب الليلية مخافة تسريب أسرار الدولة في حالة خمرية غير واعية. أحد الوزراء، ظن أنه تحرر من الوازع الخارجي وما إن خرج من "كندا" إلى "ألمانيا" –كما لو أنه يتحين الفرصة- حتى استجاب لنداء غريزته فذهب إلى أحد المراقص. غير أن المخابرات كانت له بالمرصاد. فقيل له "OUT!" من الوزارة بعد أن عاد إلى بلده.
ومن ملامح الظاهرة الإنسانية المركبة  أنه بحجم الأمل في بعض الأفراد والاعتزاز بهم تكون الخيبة فيهم في حال ما اكتشف الناس جزءا من بشريتهم. والتاريخ الإنساني مليء بالكواكب المنيرة التي تصبح مظلمة في عيون المحيطين بها إذا ما اكتشفوا جانبا من بشريتها "المستورة".
نكتفي هنا بمثال دال، هو جون جاك روسو (1713-1778)، صاحب "العقد الاجتماعي" و"في التربية: إميل نموذجا". روسو الذي كان بدوره "داعية"، ولكن إلى تربية الأطفال برفق وفق أسس غير مسبوقة في الفكر الإنساني، مؤسسا بذلك لفلسفة علوم التربية؛ نجده يخلف خمسة أبناء من علاقة غير شرعية فيتركهم جميعا في دار المُتخلى عنهم!
إنها نفس المفارقة بين "الفكر" و"الفعل" وبين "المعيار" و"السلوك". ولكن رغم ذلك، لا أحد التفت إلى هذه الملاحظة، ليُجهز على فكر الحداثة الذي كان يتأسس مع روسو وزملائه بحجة أن فعل المؤسس لا ينسجم مع الفكر، ولا أحد ساءل "علوم التربية" أين كانت منسية حينما تم وضع أطفال المفكر الكبير في دار الأطفال المشردين! لأن السياق لم يسمح بذلك (لأنه آنذاك لم تتوفر وسائل الإعلام، ولأن روسو كان ينتسب إلى عالم صاعد واعد غير مهدد بعالم إسلامي منحط وآفل).
أعرف قصصا كثيرة سواء لدعاة الدين أو دعاة الحداثة سقطوا جميعا في امتحان الانضباط إلى "المعيار" الذي يؤمنون به وفي إخضاع "غرازهم" لسلطة "عقائدهم".
إن الحكاية أكبر منهما، إنها حكاية الطبيعة البشرية المتغولة، لا سبيل للنجاة منها إلا بالمقاومة (=مقاومة الاستعمار الداخلي الذي تمارسه الغرائز، إلى جانب مقاومة الاستعمار الخارجي الإمبريالي والصهيوني الذي لا يريد للمقاومة الأولى أن تنجح لأن من مصلحته أن يلتهي الجميع بغريزته وألا يفكر دونها حتى يستديم طغيانه على الأرض) وتكثيف المقاومة والتعاون على المقاومة والتواصي بالمقاومة والمصابرة على المقاومة (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
إن القيمة المضافة لرسالة الاسلام تكمن أساسا في كونه جملة من التوجهات العامة التي تستهدف صناعة إنسان (ومن ثَم مجتمع) هو أميل إلى الخير منه إلى الشر، يفعل الشر ولكنه يندم عليه، وسرعان ما يقلق، وسرعان ما يفعل الخير ويسر به في مجتمع صناعة الخير أو فعل الخير فيه يسير، والشر ممكن فيه ولكنه عسير.
لا يدعو الاسلام من أجل صناعة هذا المجتمع الذي يكون فيه الناس أقرب ما يكونون إلى الخير، وأبعد ما يكونون عن الشر وإن كان فعله ممكنا، إلى الاعتماد على القهر والسيطرة والجبر وصوت السلطات، وإنما اعتماده الأكبر على تربية النفس (الوازع الداخلي)، واستشعار الإنسان أنه في صحبة دائمة مع الله سبحانه وتعالى. ويبقى للقانون (الوازع الخارجي) دور لا شك فيه ولكنه الدور الأضعف وليس الدور الأقوى. (راشد الغنوشي، حوارات مع قصي درويش، سلسلة الحوار -10-، منشورات الفرقان، ص:49)

...تابع القراءة