| 0 التعليقات ]



يعد كتاب "حتى يغيروا ما بأنفسهم" أحد أشهر كتب الأستاذ جودت سعيد. نُشر عام 1972 ضمن سلسلة "أبحاث في تغيير النفس والمجتمع"، بتقديم الأستاذ مالك بن نبي. يقع الكتاب، في طبعة عام 1993 الخاصة بالمغرب والموزعة من طرف المكتبة السلفية، في 223 صفحة.
يعالج الكتاب قضية مركزية تتصل بضرورة الإيمان بالسنن التي تحكم الاجتماع البشري في صعوده وأفوله. وحسب الكاتب فهي قضية حاسمة في طريق النهوض والخروج من العتمة والتخلف.
حرص الكاتب في فصول عديدة من الكتاب على مخاطبة وجدان المسلم المعاصر بالخطاب الذي ينصت إليه. هكذا نجده في فقرات كثيرة معنيا باستدعاء شواهد كثيرة من القرآن والسنة لتأصيل قضية "السنن الاجتماعية" التي تحابي أمة دون أخرى، من قبيل قول الله تعالى: "لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". سورة يونس:49.
يتوزع الكتاب، بالإضافة إلى المدخل، على 17 فصلا: سنة عامة للبشر؛ سنة مجتمع لا سنة فرد؛ سنة دنيوية لا أخروية؛ في الآية تغييران؛ مجال كل من التغييرين؛ الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم؛ ما بالقوم نتيجة لما بالنفس؛ لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين؛ مفهوم التغيير عند الآخرين؛ علم النفس الفردي والاجتماعي؛ العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه؛ يظهر أثر ما بالنفس ولو كان وهما؛ ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ؛ كيف تلقى السنن القبول؛ العقل والسنن في القرآن؛ الفعل والانفعال؛ المنهج والتطبيق.
إن الخلاصة المحورية التي يسعى الكاتب لترسيخها لدى القارئ هي أن التغيير بشكل عام في مسائل الدنيا رهين بسنن (=قوانين) لا بد من تَحريها لكي يُغير الله الواقع إلى وضع أفضل. أهم هذه السنن هي تغيير ما بالأنفس كما جاء في الآية الكريمة التي عَنوَن بها الكتاب. والمراد بما بالأنفس هو: الأفكار، والمفاهيم، والظنون، في مجالي الشعور واللاشعور. (ص:51)
ويؤكد الكاتب على فكرة هامة تستتبع الخلاصة المحورية السابقة وهي أن تمكُن الإنسان من استخدام سنن التغيير، يمنح الإنسان سيطرة على سنة التاريخ، وسيطرة على صنعه وتوجيهه. بل ويلح على أن الإنسان لا يندفع نحو العمل المفيد ما لم يقتنع أن هناك خطوات لا بد من اتباعها لبلوغ الهدف والوصول إلى الحل. وفي المقابل يصير الإنسان مشلول الحركة والمبادرة إذا آمن أن هناك عوامل خارقة هي التي تتدخل لحسم النجاح.
يقول الكاتب: "إن اندفاع الإنسان للحركة المُجدية، مرهون باقتناعه أن لكل مشكلة طريقة لحلها. فكذلك المسلمون لا يمكن لهم أن يتحركوا بجدية لتغيير واقعهم، ما لم يقتنعوا أن مشكلتهم تخضع لقوانين وسنن. أما إذا بقي لديهم شعور أن المشكلة لن تحل إلا بالمهدي المنتظر، أو بأن الزمن شارف على الانتهاء، فإن المشكلة تبقى دون حل، بل تزداد تعقيدا. وما لم نتمكن من معرفة تغيير ما بالنفس، وما معرفة ما ينبغي أن نغير كما وكيفا، فسنظل ننتظر المهدي فعلا وإن نفينا عن أنفستنا ذلك نظريا. إن الإيمان بفكرة ما ـبشكل منحرف ـ يؤدي إلى مواقف سلبية. (ص:120ـ121)
من هذا المنطلق، يعتبر الكاتب أن مشكلتنا بالدرجة الأولى رهينة عالم الأفكار أي متصلة بالتصورات التي ننظر بها إلى العالم. ويؤكد أن الأمراض الفكرية التي يعاني منها العالم الإسلامي فتاكة بل مميتة. ويقول في ذلك: إن الأمراض التي نعيشها في مجال  الفكر، أمراض مميتة، قاطعة لطريق الحياة. إن ضغط إرهاب القرون الماضية في الفكر، سيف مسلط على رؤوسنا. وإزالة هذا الكابوس، لن تتم إلا بجهود عظيمة: الدأب في الدرس، وفتح الأبصار والبصائر، والسير في الأرض والنظر إلى ما خلق الله، وكيف بدأ هذا الخلق. وهذه كلها لم نتعود عليها بعد، بل لا نرى فيها كثيرا من الجدوى، مهما تكرر النداء في آيات القرآن، وبعث الهمم إليها.ص: 176ـ177
إن الغرور الذي نظر به المسلمون إلى أنفسهم بلغ مبلغا كبيرا. وإن نزوعهم نحو الاكتفاء بالنصوص الشرعية لقراءة سنن بناء الإنسان والعمران صارت غير محتملة، إذ تبقى الحاجة ملحة إلى كشف سنن الآفاق والأنفس لتسخيرها في بناء النهضة المأمولة. يقول الكاتب: يكفي ما نظرنا فيه إلى أنفسنا بالغرور، من أننا ورثة علم الأولين والآخرين! ...، وأننا لم نعد في حاجة إلى أن نشد رحلا لطلب علم،   أو نخصص وقتا لإعمال الفكر، أو أن يكون في العالم أحد، يمكن أن يكون مظنة أن يكشف سنة من سنن الله في الكون، أو يرى آية من آياته في الآفاق والأنفس، سواء كان من أهل الكتاب أو لم يكن. ص: 177


إن كتاب (حتى يغيروا ما بأنفسهم) هو صرخة الأستاذ جودت سعيد التي عبر فيها عن أن المسلمين بعيدون عن اعتبار السنن الكونية بشكل عام، التي تطال الآفاق (الطبيعة والعمران) والأنفس (الإنسان)، والتي لا يتحقق النجاح من دونها في الدنيا. ولذلك فالكاتب يدعو إلى أخذ هذه السنن بعين الاعتبار بمعنى تحقيق التغيير على مستوى الأنفس لكي يتحقق تغيير الله.  


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يعد كتاب "العمل قدرة وإرادة"، المطبوع لأول مرة عام 1980، من الكتابات التي توجه بها الأستاذ جودت سعيد إلى الصحوة الإسلامية بهدف ترشيدها. وإذا كان كتابه "مذهب ابن آدم الاول" قد عالج قضية العنف ومدى شرعية ومشروعية استثماره كوسيلة لتحقيق أهداف العمل الإسلامي؛ وكان كتابه "حتى يغيروا ما بأنفسهم" قد لامس قضية الإيمان بسنن التغيير (=تغيير المحتوى الداخلي للأنفس من أفكار ومشاعر وظنون) التي لا بد من تفعيلها في أوساط "القوم" قبل انتظار تغيير الله.
إذا كان الكتاب الأول الذي صدر عام 1965، وكان الثاني قد صدر عام 1972؛ فإن الكتاب الثالث "العمل قدرة وإرادة" (الذي يقع في 302 صفحة) قد عاد إلى الاشتباك المعرفي مع الثغرة التي جعلت الاسلاميين في فترة من الفترات يؤمنون بأن "العنف هو الطريق" وبأن "الله سينصر أولياءه عاجلا أم آجلا"... إلخ. إنها ثغرة آتية من نسيان أركان "العمل الصالح" وهي: الإخلاص، ولكن مع الصواب.
إن القائمين على العمل الاسلامي في عقد السبعينيات وما قبله في كل أرجاء العالم الإسلامي كانوا حسب الكاتب يُلفتون نظر المتحمسين من الشباب إلى أن المطلوب فقط هو الإخلاص. وبعبارة أخرى، ما هو واجب هو الارتباط بالغايات فقط أما الوسيلة فلا تهم طبيعتها حسب هذا التصور الذي جعل جاء جودت سعيد لبيان خطورته.
ولهذا سقطوا في مقاتل عديدة منها: الإيمان بالعنف كوسيلة للتغيير؛ والاكتفاء بالدعاء والصلاة والانتظار كوسائل دون القيام بأي خطوات عملية ملموسة  من أجل التغيير. إن الكاتب يؤكد على أن الاسلام حريص على مدى "صواب الوسيلة" بقدر ما هو حريص على وجود "الإخلاص في الغاية"  ليكتمل العمل الصالح.
وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى أن هدفه من الكتاب هو تغيير نظر المسلم إلى الأمور: إن مسلم اليوم لا يبذل جدا ليرى جانب الخطأ الذي وقع فيه مفكرو المسلمين، بل ـمع الأسف ـ يعتقد أن هؤلاء المفكرين والعاملين قد توضحت لهم كل شروط النجاح ومارسوها، إلا أنهم لم ينجحوا، ولا ضير إذ: (علينا أن نسعى وليس علينا إدراك النجاح)، وإن الأمر ليس بيدهم وإنما هو بيد القدر الأعلى!! وإن اعتقاد المسلمين بأن النجاح ليس نتيجة حتمية للسعي الصالح؛ هو من أشد المعوقات التي تمنع المسلمين من مراجعة أعمالهم ونقدها، لأنهم لا يفرضون فيها الخطأ، بل يفرضون أنها كانت صائبة، ولكن لم تأت النتيجة المطلوبة لأمر أراده الله. (ص:107).
يصرح الكاتب في ثنايا الكتاب بأن العنوان الاصلي للكتاب هو (الإخلاص والصواب). والمقصود ب"الإرادة" هو "الإخلاص" بشكل مباشر، كما أن المقصود ب"القدرة" هو "الصواب.
وفي هذا الصدد يقول: ووجهة نظري أن الذي ينقص المسلمين ليس من جانب الإرادة، وإنما من جانب القدرة. ولكن نظرهم في هذا له مداخلات بحيث يعطل قيمة الإرادات؛ هذا ما أردتُ شرحه في هذا الكتاب، ومهما يكن فإن تحديد الموضوع بهذا الشكل له قيمة، ولهذا رأيت أن أجعل عنوان بحث الكتاب (القدرة والإرادة)، وإن أول ما تبلور عندي كان تحت عنوان (الإخلاص والصواب)، وكلا المصطلحين مما استخدمه المسلمون في بحوثهم وهما واردان في القرآن.
 ويستشهد بالأستاذ مالك بن نبي الذي يستخدم في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) هاتين الكلمتين كقانون رياضي ومعادلة لبحث قانون حركة المجتمع فيقول: "إن إرادة المجتمع وقدرته تضفيان على وظيفة الحضارة موضوعية وفعالية، أي أن جملة العوامل المعنوية والمادية اللازمة لتحقيق تقدم الفرد تصبح موضوعية؛ وذلك بأن تتحول إلى سياسة وتشريع، فيمثلان عالم الأفكار في هذا المجتمع على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي تمثيلا مباشرا". (جودت سعيد، العمل قدرة وإرادة، دار الفكر المعاصر، لبنان، الطبعة الثانية، 1993، ص:24ـ25)
يتوزع محتوى الكتاب على خمسة فصول؛ الأربعة الاولى مخصصة للمصطلحات والفصل الأخير للتطبيقات. يعتبر الكاتب أن "العمل" هو حركة بقصد؛ لهذا فهو يتولد ضرورة من الإرادة والقدرة معا. وكما يتكون العمل من زوجين لأن الله أودع في الكون مبدأ الزوجية؛ فإن الإرادة تتكون من "المثل الأعلى" و"عقل الإنسان". بينما القدرة هي استطاعة أداء العمل وهي طاقة تحيل على بعدين؛ القدرة الفهمية (المعرفة والأفكار التي تتيح تسخير القدرات المادية)، والقدرة المادية (قوة العضلات، كثرة الأشخاص، سعة الأراضي التي يملكها الشعب، الثروات التي في باطن الأرض من نفط ومعادن ... إلخ).
إن ما ينقص العالم الإسلامي اليوم، حسب الكاتب، هو القدرات الفهمية لا القدرات المادية، أي معرفة سنن تسخير إمكانيات العالم الإسلامي المادية والبشرية. والقدرات الفهمية يتم تحصيلها بتفاعل "العقل" و"سنن الكون".
في الفصل الأخير الخاص بتطبيقات أفكار الكتاب على واقع العالم الاسلامي يلح الكاتب على أن العالم الاسلامي يملك إرادة واضحة تتمثل في أنه يريد أن يعيش حياته وفقا للإسلام، ولكن سبب إحجام المسلم عن التضحية بالنفس والمال هو عدم وضوح جدوى التضحية، أو جهل الطريقة المجدية للبذل. ويختلف الكاتب مع الذين يتحدثون عن مصائبنا وهزائمنا، ويرون السبب في عدم الإيمان أو نقص الإرادة، لأن النصر في زعمهم لا يحتاج لغير الإيمان الذي انتصر به الصحابة، وبهذا يرفعون عن كاهل الجيل الجيل مسؤولية عبء الدرس لتحصيل القدرات الفهمية التي يحتاج إليها العالم الاسلامي ليخرج من محنته.
إن العلم المطلوب هو الذي يغير ما بالنفوس، ولكن جهود المسلمين في العصر الحديث اتجهت في الغالب إلى تصحيح العقيدة والدفاع عن الاسلام وتمجيده. ولكن لِمَاذا لم يصل المسلمون إلى بناء قدراتهم طالما أنهم يتمتعون بإرادات صلبة؟ يجيب جودت سعيد في ثلاث نقط:
أولا: لأن المسلم فقد العلم والمعرفة لما يقوم به ويؤديه على الوجه الصحيح حتى يحقق إرادته، ولهذا فإن الإخلاص مع الجهل لا يجدي. ومع الجهل فقدان المقياس الموضوعي الذي يميز به المسلم النافع من الضار، وهذا يؤدي إلى الخوف والانكماش أمام كل جديد وإن كان يحمل النفع.
ثانيا: الفهم الخاطئ لقدر الله، وذلك أن المسلم زهد في بذل الجهد حين رأى أن إرادته لا تتحقق بجهده الشخصي وإنما بأمر الله، فتبقى إرادته لا تحمله على السعي لإيجاد القدرات.
ثالثا: نظر المسلم إلى أحداث الكون والحياة نظرا يخلو من البحث عن القانون والسبب وبداية الأمور وتكوُنها. (ص:296) 
في الختام، هذا الكتاب يسعى غلى تقريب أهمية تحري الصواب في حركة المسلم وعمله. إنه يكشف العلاقة السليمة بين الإنسان وخالقه بالعبودية، وبين الإنسان والإنسان بالعدل والإحسان، وبين الإنسان والكون بالتسخير. والقدرة الفهمية هي التي توصل إلى كشف هذه العلاقات عن طريق دراسة آيات الآفاق والأنفس التي تشهد لآيات الآفاق.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



اهتم مالك بن نبي بمشكلة الثقافة ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لأنه انتبه مبكرا إلى أن محور القوة في عالم القرن العشرين يكمن في الأفكار. شرع في كتابة كتابه (مشكلة الأفكار) منذ عام 1960 لكن لم يُكتب له النشر إلا في مطلع السبعينيات قبل وفاته بقليل.
يتوزع الكتاب على 17 فصلا علاوة على مقدمة وخاتمة:
في الفصل الأول (الإجابتان على الفراغ الكوني)، افترض الكاتب الحالة التي يكون فيها الإنسان عندما يكون منعزلا حيث ينتابه شعور بالفراغ الكوني، ليصل إلى أن الإجابة عن هذا الشعور بالفراغ  هي التي تحدد طراز حضارته وثقافته.
هناك إجابتان لملء هذا الفراغ: الأولى هي أن ينظر الإنسان إلى الأرض أي أن يرتبط بعالم الأشياء. وينشأ عبر هذه الطريقة نموذج من ثقافة السيطرة على الوسائل والأشياء. الإجابة الثانية هي أن يرفع بصره نحو السماء اي يرتبط بعالم الأفكار. وينشا عبر هذه الطريقة نموذج من ثقافة حضارة ذات جذور أخلاقية وغيبية.
تكون الحضارة في الأوج حينما تتركز الأشياء حول فكرة حينا، وحينا تبلغ الأوج حضارة أخرى تتركز فيها الأفكار حول الشيء.
يؤكد الكاتب أن الأدب وعاء لمضمون ثقافي يعبر عن رؤية كونية. وبمقارنة بسيطة بين قصة "حي بن يقظان" وقصة "روبنسون كروزو" نكتشف حجم التباين الكائن بين رؤيتين كونيتين. في القصة الأولى، يجعلنا ابن طفيل نتتبع صعود ذهنه لكي يكتشف شيئا فشيئا (الروح) ثم (خلود الروح) وأخيرا فكرة (خالق). أي أن عالم "ابن طفيل" هو عالم الأفكار والغايات الكيفية لمواجهة الوحدة. بينما في القصة الثانية، يصور لنا "سيكار" كيف امتلأ روبنسون بصنع "طاولة"، أي أن عالم "روبنسون" هو عالم الأشياء والوسائل الكمية  للتغلب على الوحدة.
في الفصل الثاني (الطفل والأفكار) تناول الكاتب مسار اندماج الطفل في المجتمع: 1ـ العمر الذي يكتشف فيه تلقائيا عالم الأشياء، وهو يلعب بأصابعه ومصاصته. ويتم هذا الاكتشاف بامتلاك الأشياء التي يحملها تلقائيا إلى فمه. 2ـ العمر الذي يكتشف فيه تدريجيا عالم الأشخاص. 3ـ العمر الذي يكتشف فيه اخيرا عالم الأفكار. ويبدأ من اللحظة التي يتمكن فيها من تكوين روابط شخصية مع مفاهيم تجريدية.
في الفصل الثالث (المجتمع والأفكار) يعتبر الكاتب أن المجتمع خاضع لنفس مسار تطور الطفل في علاقته بالعوالم الثلاثة (عالم الأشياء، ثم الأشخاص، ثم الأفكار). ويلح على أن المجتمع المتخلف موسوم بافتقاره للأفكار. ويستحضر نموذج المجتمع الجاهلي الذي كان يدور في فلك الصنم (= الشيء) ثم تطور إلى التمركز حول القبيلة أي عالم الاشخاص إلى أن أضاءت فكرة في غار حراء. ص:39
في الفصل الرابع (الحضارة والأفكار) يعود الكاتب إلى مفهوم الحضارة بوصفها "جملة من العوامل المادية والمعنوية التي تتيح لمجتمع ما ان يُوفر لكل عضو فيه الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره (=لتنمية الفرد)" ويشير في عبارة بليغة إلى أنها "القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة" ؛ ولهذا يرى أن الأفكار لها دور وظيفي فيها.
في الفصل الخامس (الطاقة الحيوية والأفكار) يحذرنا الكاتب من الانجرار وراء التحرر الحيواني للطاقة الحيوية معتبرا إياه إيذانا بنهاية الحضارة. ويضيف الكاتب أن الفكرة الاسلامية تُمكن المتشبع بها من احتواء الطاقة الحيوية بشكل إيجابي مبرزا مثالا دالا وهو تحريم الخمر وكيف كانت الفكرة الاسلامية المغروسة في أعماق وجدان المسلمين الأوائل سببا في نبذهم له وهو ما عجز عنه القانون الأمريكي عام 1929. أما في الفصل السادس (عالم الأفكار) فقد وضح فكرة هامة مفادها أن الأفكار المخذولة التي تتعرض للخيانة؛ تنتقم لنفسها. هذه الفكرة أعاد توضيحها من زاوية أخرى في الفصل الأخير (انتقام الأفكار المخذولة).
وفي الفصل السابع (الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة) تناول بالدرس والتحليل إسقاطات هذين المفهومين على العالم الإسلامي. يقول الكاتب: تلقى المجتمع الإسلامي رسالته المطبوعة منذ 14 قرن على هيئة وحي، فانطبعت في ذاتية الجيل المعاصر لغار حراء. على المستوى المادي: رسمت الرسالة نتائج اجتماعية جديدة (كالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار). أما على المستوى الفكري: فقد تم إيجاد مقاييس جديدة في أسلوب التفكير. وفي الإطار النفسي والأخلاقي تعرضت الطاقة الحيوية لاستقطاب مهم في مراكز جديدة (نموذج بناء الخندق). كما صار فعل العقوبة على الجسد اخف وطأة من فعل الخطيئة في الضمير. ص:71ـ72
في الجو الاسلامي الأول كانت الأفكار المطبوعة تضع بصماتها على جميع الأفكار الموضوعة فلم يعد هناك شيء دنيوي. وحين تطغى الأفكار الموضوعة على المطبوعة يتفتت المجتمع لأنه لم تعد لدى دوافع مشتركة.
في الفصل الثامن (جدلية العالم الثقافي) يناقش الكاتب معوقات الإقلاع الحضاري للعالم الإسلامي الناتجة عن عدم التماسك في عالم الأفكار أمام طغيان عالم الأشخاص وطغيان عالم الأشياء (حيث نجد أنه: على المستوى الفكري، التركيز على عدد صفحات الكتاب وليس محتواه. وعلى المستوى الاجتماعي، التصدي للمشكلات في جانبها الكمي. وعلى المستوى السياسي، استلاب قدرات المجتمع في التخطيط عند مواجهة التخلف).
في الفصل التاسع (جدلية الفكرة والشيء) يحيل الكاتب على أبعاد المشكلة ذات الطابع المزدوج حيث نجد أنه في بلد متخلف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، ويتم الميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافا محضا. بينما في بلد متقدم وطبقا لدرجة تقدمه: يسيطر الشيء بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع. ولهذا يخلص الكاتب إلى أن الشيء يطرد الفكرة حين يطردها من وعي الشبعان والجائع معا.
في الفصل العاشر (صراع الفكرة ـ الوثن) يبين الكاتب كيف أن الفكرة إذا تم ربطها بالشخص، تصير في مستوى معين "وثنا". ويرى في الفصل الحادي عشر (أصالة الأفكار وفعاليتها) أن هناك فكرة أصيلة دون أن تكون فعالة والعكس صحيح أيضا. وينبه إلى خطورة دسائس الصراع الفكري حيث يتم إيهام شبابنا الجامعي بالمقابلة بين أصالة الفكرة الإسلامية وفعاليتها، إذ يصبح متوسط الدخل الفردي (=مؤشر من مؤشرات قياس الفعالية) حجة لهدم اصالة الفكرة الإسلامية في عقل المثقف المسلم.
في الفصل الثاني عشر (الأفكار وديناميكا المجتمع) يستعيد الكاتب بعض مضامين الهدي النبوي التي تختزن إشارات دالة مفادها أن منطق الفعالية أولى أحيانا من منطق الأصالة (في غزوة تبوك، على سبيل المثال، التي كانت وسط رمضان وكانت مشقة الصوم كبيرة حينها؛ نجد المصطفى يعزو الفضل في الانتصار إلى الذين أفطروا ذلك اليوم قائلا: "ذهب المفطرون بالأجر"). وفي هذا الإطار توصل الكاتب إلى أنه: من أجل أن يثبت العالم الإسلامي بمنطق العصر بأن أفكاره صحيحة لا توجد غير طريقة واحدة هي إثبات قدرته على تأمين الخبز اليومي لكل فرد. ص:113
في الفصل الثالث عشر (الأفكار والاطراد الثوري) يبين الكاتب فكرة هامة مفادها أن الاستعمار يعرفنا أكثر من أنفسنا؛ إذ يعلم جيدا أن فينا نزعة تقودنا إلى صياغة الأحكام طبقا لعالم الأشخاص وليس وفق قوالب عالم الأفكار. ويشير في الفصل الرابع عشر (الأفكار والسياسة) إلى (النزاهة والكفاءة) باعتبارهما الأفكار البارزة التي ينبغي أن تؤطر تفكيرنا أثناء اختيار رجل السياسة. بينما نجده في الفصل الخامس عشر (الأفكار وازدواجية اللغة) يلح على أن ازدواج اللغة يمكن أن تتولد عنه نتائج مناقضة للثقافة الوطنية.
في الفصل السادس عشر (الأفكار الميتة والأفكار المميتة) يؤكد الكاتب على التمييز بين "الفكرة الميتة" و"الفكرة المميتة". فالفكرة الأولى هي التي خذلت الأصول وانحرفت عن مثلها الأعلى، أما الفكرة الثانية فهي التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي. 

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يشكل كتاب "مشكلة الثقافة" للأستاذ مالك بن نبي أحد أهم كتاباته. ولقد جاء الكتاب تتويجا للنقاشات التي كان مالك يفتحها مع الطلاب في القاهرة عام 1959 حول مفهوم "الثقافة" كما وظفه في كتابيه "شروط النهضة" و"فكرة الإفريقية الآسيوية".
يقع الكتاب في 152 صفحة وفق طبعة دار الفكر في دمشق. أهداه الكاتب إلى "الشباب المتطلع إلى العودة بالمجتمع الاسلامي إلى حلبة التاريخ".
منذ مقدمة الكتاب، يصرح الكاتب بأن أزمة العالم الاسلامي هو عدم إيمانه بأن "محور القوة" في العالم المعاصر يكمن في "عالم الأفكار" لا في "عالم الأشياء". وفي هذا الصدد يقول: المسلم بسبب عقدة تخلفه يرد المسافة التي تفصله عن البلدان والشعوب المتقدمة إلى نطاق الأشياء أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه في نقص ما لديه من مدافع وطائرات ومصارف. وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية، إذ ينتهي من الوجهة النفسية إلى التشاؤم، كما ينتهي من الوجهة الاجتماعية إلى التكديس لا البناء.ص:15
يتوزع الكتاب، بالإضافة إلى المقدمة، على خمسة فصول:
في الفصل الأول المعنون ب"تحليل نفسي للثقافة" حرص الكاتب على تأصيل مفهوم الثقافة من الناحية التاريخية مشيرا إلى أنه ثمرة لعصر النهضة وما كان فيه من ازدهار أدبي وفني وفكري. كما عاد إلى العلوم الإنسانية، وبالأخص علم النفس وعلم الاجتماع، التي رفعت مفهوم الثقافة إلى مستوى "الفكرة العلمية". وخلص في الأخير إلى أن الرؤى التي تناولت الثقافة؛ إما أنها غربية (تُغَلب الجانب النفسي) تعتبر "الثقافة" ثمرة فكر الفرد، وإما أنها ماركسية (تُغلب الجانب الاجتماعي) تعتبر "الثقافة" ثمرة دينامية المجتمع.
ولكن الكاتب يميل إلى أن "الثقافة" تنعكس في مظهر مزدوج هو المظهر النفسي الفردي والمظهر الاجتماعي الجماعي. ويستحضر مثالا دالا: طالب الطب المسلم الذي يذهب للدراسة بأوروبا، يحصل على الدبلوم نفسه الذي يحصل عليه زميله الإنجليزي مثلا، بل كثيرا ما يتفوق عليه إذا كان أكثر استعدادا وذكاء؛ لكنه لا يحصل غالبا على فاعليته، أي طريقة تصرفه أمام مشكلات الحياة. لأن الفاعلية الاجتماعية لا علاقة لها بمنهج الكلية، بل تعتمد على أسلوب الحياة في مجتمع معين. ص:42
وتتكون الثقافة، حسب الكاتب، من عنصرين هما: الفكرة، والشيء. يرتبط العنصران ويتعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات التي تغير حركة أفقية إلى حركة دائرية؛ فالذراع هو الفكرة والعجلة هي الشيء. ص:45
ختم الكاتب هذا الفصل الأول بالإشارة إلى أن "ثقافة" المجتمع هي التي تصنع "المقاييس الذاتية" التي تحدد السلوك الاجتماعي للأفراد والمتمثلة في قول: (هذا جميل) و(ذاك قبيح) و(هذا خير) و(ذلك شر). ويؤكد الكاتب مجددا أن الفرد منذ ولادته غارق في عالم الأفكار والأشياء يعيش معها في حوار دائم.
أما في الفصل الثاني المعنون ب"تركيب نفسي للثقافة" فنجد الكاتب حاسما في مشكلة العالم الإسلامي معتبرا أنها غير منحصرة في محاولة فهم "الثقافة" وإنما في تحقيقها بصورة عملية. ويتطلب هذا التحقيق ربط صلة شخصية بالعوالم الثلاثة: (عالم الأشياء)، (عالم الأشخاص)، و(عالم الأفكار). وفي هذا السياق يستشهد الكاتب ب"تفاحة نيوتن" (التي تنتمي إلى عالم الأشياء)، التي لم تتحول اعتباطا إلى نظرية في الجاذبية الأرضية، لو لم تكن له بهذه العناصر شخصية استثنائية.
وإذا كانت الثقافة ـفي الإشارات السابقة ـ هي القالب الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الشخص والأشياء والأفكار التي من حوله، فإنها في عبارة أخرى تعد تركيبا عاما لتراكيب جزئية هي: الأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والصناعة. إنها محيط يحيط بالإنسان، وإطار يتحرك داخله ويغذي جنين الحضارة داخله. إنها الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع.
في الفصل الثالث المعنون ب"تعايش الثقافات" أثار الكاتب مسائل وقضايا في غاية الأهمية والراهنية خاصة بعد ذيوع خطاب يراد له أن يكون سيد الموقف وهو خطاب "صراع الحضارات" و"نهاية التاريخ" الذي يتم به استهداف تدمير البنى الثقافية وتنميط العالم وجعله تابعا لثقافة أحادية ولحضارة واحدة.
اعتبر الكاتب أن اتجاه العالم إلى تأسيس منظمة "اليونسكو" كان يهدف إلى السيطرة على عملية من نوع آخر هي إحداث تكامل بين العناصر الثقافية لتركيب ثقافة إنسانية على المدى البعيد. وهو أمر نابع من قناعة راسخة لدى الجميع بأن مصير الإنسان رهين بثقافته؛ لأن مشكلة الإنسان تعني مشكلة حضارته ومشكلة حضارته تعني مشكلة ثقافته.
يشير الكاتب إلى أن محور واشنطن_موسكو وحتى طوكيو يُظهر تبادلا ثقافيا في نطاق علاقة حضارية واحدة رغم التوتر السياسي بينهما. لأن الثقافة في مهمتها التاريخية تقوم بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم بالنسبة للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن، كما تُكوِن جهاز مقاومته الداخلية. ص:104
وفي الجهة المقابلة، يوجد محور طنجة_جاكترا حيث تقف الهندوسية إلى جانب الإسلام كخلفيات ثقافية للمجتمعات التي تنتمي إلى هذا المحور. وفي هذا السياق، نجد الكاتب يدعو إلى صياغة ميثاق أخلاقي بينهما، ليتخذوا وجهة دولية واحدة. ويبدأ ذلك بالاتجاه نحو الأخلاق وفلسفتها لتحديد مَثلها الأعلى، ثم نحو الصناعة لخلق وسائلها إلى هذا المثل الأعلى. فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور طنجة_جاكرتا، وإنقاذه من حتمية الحرب على محور واشنطن_موسكو، هما بالنسبة لنا الضرورتان المحددتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه، ومشكلة اتجاهه، وهذه الضرورة المزدوجة تسيطر بصورة طبيعية على تحديد ثقافته، وبالتالي تسيطر على تحديد منهجه الأخلاقي. ص:108
وفي الفصل الرابع الذي يحمل عنوان "الثقافة في اتجاه العالمية"، اعتبر الكاتب أن الحربين العالميتين أعطتا مشكلات الثقافة معنى أبعد مدى، حين أنشأت بصورة ما مجالا ثالثا، هو المجال الذي يتحتم فيه على كل ثقافة أدركت حقيقة مشكلاتها الداخلية (التي تتصل بوجود مجتمع معين) والاتصالية (التي تتصل بتعايش مجتمعين أو أكثر)، أن تدرك حقيقة مشكلات أخرى على مستوى عالمي.
وفي هذا الإطار، اعتبر الكاتب أن المثقف المسلم ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي. ويستحضر في نفس السياق نموذج (غاندي) الذي لم يكن يتصرف في صاروخ كوني، أي في "شيء" ذي مستوى عالمي، وإنما كان يملك ضميرا وسع العالم. ص:116
يؤمن مالك بن نبي بفكرة مركزية تحدد معالم تفكيره في القضية المتصلة بدور الثقافة الإفريقية؛ وهي أنه بقدر ما ترتفع النخبة الإفريقية بالجماهير الإفريقية إلى مستوى الحضارة فإنها ترتفع بالضمير الأوروبي إلى مستوى الإنسانية. وقد حدد المهام التي ينبغي أن تواجهها الثقافة الإفريقية في ثلاث (ص:123):
1ـ الارتفاع بمستوى الرجل الإفريقي المتحرر من الاستعمار أو الذي لا يزال يرسف في أغلاله إلى مستوى الحضارة.
2ـ الارتفاع بالرجل المتحضر الذي لا يزال ضميره ملطخا بإثم الاستعمار إلى مستوى الإنسانية.
3ـ إدخال الشخصية الإفريقية في المسألة الرئيسية للسلام.
في الفصل الخامس (ما ضد الثقافة)، جعل الكاتب من استقالة الثقافة من النهوض بأدوارها السياسية والاجتماعية عنوانا على ما سماه (ضد الثقافة) أي على عنوانا لكل ما هو نقيض لجوهر الثقافة.
اعتبر الكاتب أن تأكيد السيادة قد تحقق بدماء أولئك الذين قادوا معركة التحرير وطردوا الاستعمار، ولكن توطيد السيادة في الحياة العامة يقع على عاتق الأحياء؛ إذ يرتكز على جلدهم في العمل، على النظام، على وعلى حماستهم في مهماتهم اليومية. وبكلمة واحدة على ميزة ثقافتهم. وبتعبير آخر، فالثقافة تستطيع أن تمنحنا اللحظات الممتعة، إذ توحي إلينا أن ننشد أحيانا مجتمعين، وأن نرقص مجتمعين، ونضحك مجتمعين؛ والأداء الحسن لذلك كله ظاهرة مشجعة وجمالية ينبغي عدم الاستخفاف بها. ولكن دورها الأساسي أن تعلمنا العيش المشترك والعمل المشترك وخاصة الكفاح المشترك. ص:134
لهذا فكل عمل من شأنه تخفيض منسوب العيش المشترك والكفاح المشترك ينسبه مالك بن نبي إلى "ضد الثقافة".

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



إذا كان السياق التاريخي الذي شهدته البشرية لقرون طويلة قد أفرز تقاطبا حادا حول "العقائد"، أدى إلى اندلاع حروب وصراعات دامية خلفت مآسي كبيرة؛ فإن العالم الحديث والمعاصر أثبت أن الناس لا يمكن لهم أن يتصارعوا إلا إذا اشتبكت "مصالحهم" وما العقائد إلا حصون يحتمون بها للتمويه والمغالطة أو لشحذ همم الأنصار.
كان التقابل قائما لفترة ليست بالقصيرة بين "الأسطورة" (=عقيدة وضعية) بما تحيل عليه من صياغة معتقدات تضم خرافات تدور حول الآلهة والموت والحياة ... إلخ، و"التوحيد" (=عقيدة ربانية) بما يعني من إيمان بأن هناك إلها واحدا يرسل أنبياء ورسلا ويختبر الناس في الدنيا أيهم أحسن عملا ليحاسبهم في الدار الآخرة.  
كانت "العقيدة" بما هي نظام فكري، أي في الذهن، صورة لما ينبغي أن يكون عليه الواقع. لهذا كان الأنبياء يركزون على ترسيخ عقيدة "التوحيد" مُوقنين بأن السلوك ثمرة تابعة لما يجول في الذهن والخاطر.
لهذا كان الصراع محتدما حول مجال "العقيدة"؛ لأنَ من يحوز السلطة على هذا المجال صار قاب قوسين أو أدنى من حيازة السلطة المادية (=السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى). وفي هذا الإطار نفهم الحرب الضروس التي واجه بها حراس "المعبد القديم" الأنبياء والرسل دعاة العقيدة الجديدة. وهنا تبدو لنا "الدعوة" إلى تبني "العقيدة" عملا رائجا وقويا.
إن العقيدة أمر هائل عند الله -سبحانه- وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ "الإنسان" وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها. وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ "الإنسان" .. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصرامته وحسمه. ولا ينبغي ان يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلا عن أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، او من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر. (1)
إذا تأملنا في المناخ السائد في العالم المعاصر سننتبه حتما إلى أن هناك تقابلات جديدة: من جهة أولى؛ بين عقائد سماوية تعرضت ل"لأسطرة" بدورها سواء في النص المقدس (اليهودية والمسيحية) أو في تفسيراته وتأويلاته (الإسلام)، ونزعة التجديد في "عقيدة" التوحيد التي تسعى لنفض الغبار عن رواسب "الأسطرة" التي لحقت صفاء العقيدة مع مرور السنين. من جهة ثانية؛ بين العقائد السماوية والوضعية (التوحيدية والأسطورية)، وبين العقل وما ينتجه من علم دنيوي مادي (=مدرسة الحداثة بكل ألوانها). من جهة ثالثة؛ بين المؤمنين بالعقل (سواء من داخل الدين أو من خارجه)، والشاردين عنه (=دعاة ما بعد الحداثة).
طبعا، يتفاعل المسلمون مع كل هذه التقابلات الجديدة بأقدار متفاوتة. ولا شك أن التقابل الأول مازال مسرحا لتنازع "الدعوات"؛ إذ مازالت الكنائس حول العالم تنفق الأموال الطائلة على المبشرين للنهوض بأعباء "الدعوة" و"التبشير" في مختلف أنحاء العالم وخاصة في أدغال إفريقيا. ومازال الكيان الصهيوني يتظاهر بدعم الخطوط اليهودية التي تتلاءم مع أفقه السياسي. ومازالت الدولة السعودية تدعم بكل ثقلها المادي والمعنوي الخط الوهابي وتأويلات وقراءاته للنص الديني وتحارب كل من يقدم ويدعو إلى قراءة أخرى خارج النسق الوهابي (سواء قراءة مدارس الصوفية، أو قراءة مدرسة الإخوان المسلمين). ومازالت الدولة المغربية تقف إلى جانب الطرق الصوفية وتروج لنموذج التدين الذي تقدمه هذه الأخيرة للناس.
أما دعوة "التجديد" العميق الذي ينشد استرداد الصفاء المفقود في "العقيدة" (=دين الفطرة) فمازال التضييق الشديد ضدها ساريا ومن كل الجهات، ومازالت منحصرة في جهود فردية قليلة ومُحاصرة في مجلات ومشاريع فكرية نخبوية. ولعل محاولة احتواء جزء منها مؤخرا من طرف دولة الإمارات العربية وبعض دوائر النفوذ العالمية بغرض تصفية الحسابات مع دعوة مدرسة الإخوان المسلمين أفقدها بريقها ومصداقيتها.
 أما التقابل الثاني فقد تم إحياء الصراع فيه في المجال التداولي الإسلامي في العقود الأخيرة بصيغ مختلفة مع جيل من المفكرين المنتسبين إلى المدرسة الإسلامية التجديدية (بيغوفتش، المسيري، الحاج حمد، العلواني، راجي الفاروقي ... إلخ). أما التقابل الثالث، وهو الأخطر، لأنه يهم مصير الجميع؛ فمازال الالتفات إلى أهمية الانحياز إلى العقل منحسرا ومتأثرا بآثار التقابل الثاني.
يبدو أن واجب الوقت هو الانحياز إلى خط التجديد لاستعادة صفاء العقيدة المفقود في مسائل الغيب (=دين الفطرة) حيث الإيمان الناصع بالله جل في علاه وباليوم الآخر وتبعاته وبالأنبياء وأفضالهم. إلى جانب التحيز للعقل والعقلانية في الدنيا ورفض دعوات العبث واللامعنى في التعاطي مع مسائل عالم الشهادة. إنها "الدعوة"  التي تستحق منا بذل الجهود الواسعة فكريا لتعميقها وعمليا لإشاعتها!
لنعد ترتيب مشهد "الدعوة" كما هو كائن عبر التاريخ، وعلى ضوء ما يعترضه من تحديات في السياق المعاصر:
1)  ما هي الدعوة وما مضمون "الدعوات" عبر التاريخ؟ الدعوة تتجه إلى نشر عقيدة لا إلى تصحيح سلوك، لأن سلوك الإنسان كان إلى حد ما ثمرة لما يعتمل في ذهنه من نظام فكري ومنظومة قيم.
2)  أهم تحد يقف حاليا أمام "الدعوات" بشكل عام هو شرود سلوك الإنسان المعاصر عن عقيدته، بمعنى أن "المصلحة" هي ما يحركه فأينما ولت المصالح الذاتية يولي الإنسان وجهه ولو كان ذلك على حساب العقائد.
3)  ما هو المضمون المطلوب في "الدعوة" في السياق الحالي؟  الدعوة المطلوبة في الوضع الراهن في مجالنا التداولي هي التي تتجه إلى تثبيت الإيمان بالله جل في علاه واليوم الآخر في مسائل الغيب علاوة على الاتصال بالعقلانية في مسائل عالم الشهادة والدنيا.
4)  كيف ندعو؟ لا بد من تعميق النظر أولا في التصور الجديد تأملا وكتابة وبحثا. ولا يمكن إشاعته إلا بالآليات المعروفة: الكتب، المجلات، المقررات، المحاضرات أي باختصار مختلف وسائل التعليم والإعلام.

قد يقول قائل: إن العقيدة "ربانية" المصدر فلماذا نبحث عن تصور جديد لها. المسألة هنا هي أن صياغة تصورات (=فهوم) عن مضامين "العقيدة" (بما هي نظام فكري ومنظومة قيم موضوعة على المستوى الذهني) أمر موكول للإنسان حسب السقف المعرفي في الزمان والمكان. طبعا هذه المضامين هي "ربانية" (قرآنية) ولكن صياغتها في لغة بشرية متاح للإنسان فقط. وللإشارة فكلمة "العقيدة" غير واردة في النصوص الشرعية، وقد ترد بصيغة الفعل في بعض الأحاديث.


(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة الشرعية التاسعة، ص: 1370)

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



تساءل أحد الأساتذة الفضلاء تعقيبا على نقاش "الحرية قبل التدين"، قائلا: هل البلاغ يعني بالضرورة الإحراج أو الإلزام؟ ماذا كان يفعل الأنبياء والمرسلين مع الناس؟
ثمة لُبس كبير لا بد من رفعه، وطالما يعاينه المتتبع للخطاب "الدعوي" المعاصر، يتصل أساسا بالمقايسة الدائمة بين التجربة المعاصرة والتجارب النبوية وتجارب المرسلين عموما. إذ ينبه "الداعية" على الدوام التلاميذ ـمشاريع دعاة الغدـ بأنهم في هذا العمل ينخرطون في سلسلة ممتدة إلى الأنبياء بل إلى أب البشر وأب الأنبياء آدم عليه السلام.
أن تكون المقايسة بمعنى أن أي "نبي" فهو يدعو إلى معاني الخير والأجيال المعاصرة بدورها تحمل مشعل "دعوة" الناس إلى الخير؛ فلا بأس! ولكن أن تكون المقايسة بمعنى المماثلة أو حتى المقارنة على مستوى مضمون الخطاب وطريقة تصريفه؛ فذلك سقوط حر في عملية القفز على ملابسات الزمان والمكان والإنسان!
إن الأنبياء جاؤوا إلى وسط مازال الإنسان بعيدا فيه عن مراكمة خبرات نافعة في تدبير شؤون الدنيا بله التفكير في مسائل الغيب والآخرة والأشواق الكبرى. ولهذا جاؤوا بخطاب عقائدي يفترض أن صلاح تصور الإنسان لوحدانية الله وقدرته علاوة على عدم نسيانه للمعاد أمران كفيلان بإحداث صلاح في معاش الإنسان في الدنيا.
وكم كان تعليق الشهيد سيد قطب موحيا، في "معالم في الطريق"، حينما قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد أمامه واقعا "جاهليا" ملوثا بأمراض أخلاقية واجتماعية واقتصادية، ورغم كل ذلك لم يعلنها ثورة أخلاقية ولو فعل لجمع الناس، ولم يعلنها ثورة ضد الظلم الاجتماعي ولو فعل لجمع من حوله الأنصار، ولم يعلنها ... إلخ. وإنما أعلنها ثورة عقائدية تصحح رؤية الإنسان لله وللوجود وللإنسان نفسه. لأن الإنسان الذي كان يتحرك في ذلك الوسط يتحسن سلوكه تلقائيا بعدما تتغير عقيدته ورؤيته الكونية.    
إذن، عموما فدعوة الأنبياء لم تكن تكترث بالتفاصيل السلوكية للناس وإنما هي مشدودة إلى بناء "عقيدة" سليمة، بمجرد أن تترسخ في وجدان الناس تتحول إلى سلطان على سلوكهم فيتغيرون بشكل تلقائي. وهكذا كانت موازين النجاة في الآخرة مرتبطة أولا بالمحتوى الداخلي ل"العقيدة".
ينبغي أن لا ننسى أن الإنسان على مدار قرون طويلة كان المحتوى الداخلي ل"عقيدته" متنازعا بين: "الأسطورة"؛ وهي عقائد يصنعها الإنسان حول الآلهة والآخرة ونظام العلاقات ... إلخ. و"دين التوحيد"؛ وهي عقيدة موحى بها من الله إلى الأنبياء ليبلغوها للناس.
للإشارة، الاستبداد والطغيان كان دائما نصير عقائد "الأساطير" لأنها تشرعن للظلم وتُشَرع لتعدد الآلهة وتغطي على الفساد والجور وتصوغ نظام علاقات يسود فيه الحيف. لهذا كانت معركة الأنبياء من أجل عقيدة "التوحيد" هي في ذات الوقت معركة ضد الطواغيت من أجل "العدل". إنها معادلة بسيطة: التوحيد على مستوى العقيدة يؤسس للعدل في الحياة الاجتماعية؛ لأن ثمة إلها واحدا عدلا شديد العقاب.
ولهذا فمعركة الأنبياء كانت بالدرجة الأولى من أجل انتزاع حق عرض "العقيدة" الجديدة الأصيلة أمام الناس ليختاروا. وفي هذا السياق ترد الآثار التي تقول: (خلوا بيني وبين الناس). لأن مسألة الاختيار تكون ذات معنى حينما تكون العروض متنوعة. أما فرض "أساطير" وضعية على الناس بالحديد والنار لاستدامة واقع الظلم فتلك سنة الطغاة!  
لننتبه مجددا لحادثة "الخمر" أو قضية "الزي"؛ أسلم الصحابة ومازال بعضهم يحتسي الخمر بل أحيانا يصلي وهو مخمور دون أن يثير ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم أن "العقيدة" التي تمكنت من نفوسهم ستؤهلهم للإقلاع عن الخمر بمجرد نزول النهي عن شربه. وهذا ما حدث! في مشهد لافت سالت فيه "المدينة" بسوائل الخمر بعدما استجاب الصحابة للنهي الإلهي!
لنستجمع الخلاصات التالية:
1)  عاش الأنبياء في زمن كان فيه التقابل صارخا بين الأسطورة (=عقيدة وضعية) و"التوحيد" (=عقيدة ربانية)، وكانت "الأسطورة" هي السند الديني ل"الاستبداد" والوعاء النظري ل"الظلم الاجتماعي" و"الانحراف الأخلاقي".
2)  كانت معركة الأنبياء هي السعي نحو تبليغ أقوامهم والوصول إلى فئات واسعة ولهذا كانوا يحثون "حوارييهم" و"صحابتهم" على مساعدتهم في مهمة البلاغ (بلغوا عني ولو آية ... إلخ). وذلك حتى يتمتع الناس بعروض عقائدية ودينية متنوعة، بما يُمَكنهم من الاختيار.
3)  كانت دعوة الأنبياء والمرسلين تتجه أولا إلى ترسيخ العقيدة السليمة ولا تهتم أساسا بالتفاصيل السلوكية لأنها فرع عن أصل. فالعقيدة هي المعيار في الآخرة.
4)  كان السلوك منسجما مع العقيدة؛ فحينما يؤمن الفرد ب"الأسطورة" (=الشرك، الخرافة، الشعوذة... إلخ) ينتج عن ذلك سلوك معين قد يقبل من "السيد" أن يمارس الرذيلة. ولكن بمجرد أن يؤمن ب"التوحيد" ينخرط تلقائيا في المنظومة التربوية التي تُوَحد الله وتوحد الناس في المنشأ والمحاسبة والمصير والتكاليف، ولهذا الرذائل محرمة على الجميع.

أما اليوم فالوضع يختلف تماما؛ على مستوى "التقابل" الكائن، على مستوى معركة الزمن الراهن أو واجب الوقت، على مستوى دور التصدي للتوجيه والإرشاد. ولهذا أخطأ الشهيد سيد قطب بل في الحقيقة أخطأت الحركة الإسلامية كلها (ليس كأفراد بل كفكرة) في تقدير مقدار "المماثلة" بين دعوة الأنبياء والدعوة الإصلاحية الجديدة المنبعثة في القرن العشرين مع الشهيد حسن البنا.




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




فوجئت، ونحن في نقاش جماعي، بأخت فاضلة مازالت تدعو إلى تنظيم "جولات دعوية" لثني الشباب والشابات الذين يتسامرون عن فعلهم. لعل هذه المسألة دالة وقد تدفعنا للإطلالة على نقاش أعمق يتصل بكنه التدين ودلالة الالتزام بالأخلاق.
لنفترض جدلا أن الفتى والفتاة قد انصاعوا للقائمين على "الجولة الدعوية" وعدلوا عن السمر استجابة ل"موعظة" و"نصيحة" و"دعوة" الدعاة. هل عدول الفرد عن سلوك معين خوفا أو خجلا من "بشر" أو "مجتمع"، سيفيده في ميزان الآخرة؟ هل معيار "التقوى" صار يعنى به "تقوى المجتمع" أم "تقوى الله جل وعلا"؟
 لست أدري كيف أن هؤلاء الدعاة، رغم كل التجارب والخبرات التي راكموها بعد مسار طويل في "الدعوة"، لم ينتبهوا إلى أن الأفراد الذين يوجه إليهم "النصح" وتلقى على مسامعهم "المواعظ" خاصة منهم الذين بلغوا 20 سنة أو أكثر، يعرفون جيدا مضامين النصيحة بل يتقنون أحيانا تدبيج المواعظ وصياغة الإرشادات.
لست أدري كيف أن هؤلاء الدعاة، لم ينتبهوا يوما إلى أن الفرد من شبه المستحيلات أن تتغير حالته أو تتبدل قناعته خاصة إذا تعرَض ل"الإهانة" و"الإحراج" أمام الملإ.
لست أدري كيف أن هؤلاء الدعاة، لم ينتبهوا إلى أن عدول الفرد عن سلوك أو مشهد في الفضاء العام تحت "الإكراه" أو بفعل "الإحراج"؛ لا يخدم قضية الدعاة الأصيلة أي نجاة الفرد في الدار الآخرة بمعنى الزحزحة عن النار ودخول الجنة، كما جاء في سورة آل عمران: (كل نفس ذائقة الموت وإنما تُوفون أجوركم يوم القيامة فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز).
إن أهم شيء في الطريق إلى الآخرة، وهو ما ينبغي أن ينتبه له الحريصون حقا على نجاة الجميع في الدار الآخرة، هو "النيات" و"الإرادات" و"الدوافع" و"القصد" ... إلخ.
إن من يفكر بمنطق "الجولات الدعوية" للتقليل من بعض المشاكل "الأخلاقية"، يسقط من حيث لا يدري في توجيه "إرادة" الناس نحو الاستجابة لمطالب "الدعاة الميدانيين" إرضاء لإرادة "الدعاة" (=جزء من المجتمع).
فالأمور التي يكون الفرد مجبرا أو مُحرجا على أدائها تكون النية من وراء الاستجابة للتوجيهات الأخلاقية فيها موجهة لإرضاء المجتمع (=الدعاة) وليس لإرضاء الله جل في علاه.
للتوضيح أكثر: قد يحدث أن يكون الفرد صابرا على الجوع طيلة اليوم (من الشروق إلى الغروب)، وقد يكون ذلك راجعا لعدة أسباب: أولا؛ قد يكون صاحبنا فقيرا، ليس لديه ما يقتات عليه طيلة اليوم. ثانيا؛ قد يكون صاحبنا قاطنا مع جماعة من الناس صاموا ذلك اليوم انطلاقا من إيمان يحركهم بأن الصوم وسيلة للتقرب إلى الله، فتحرج صاحبنا من الأكل فصبر على الجوع طيلة اليوم إلى أن حان وقت تناول الفطور بشكل جماعي بعدما مالت الشمس إلى المغيب.
إذن، نحن أمام صوم (=صبر على الجوع من الفجر إلى المغرب) ولكن إما تحت "الإكراه" (الفقر) وإما تحت "الإحراج" (العيش مع جماعة من الأفراد الصائمين). هل يفيد هذا الصوم الفرد في الآخرة؟ طبعا، لا ندري علم الغيب عند الله. ولكن، لا أحد ينكر بأن الأعمال كلها، وضمنها الصوم، أساس النظر إلى مقبوليتها هو الباعث على القيام بها. وقد تبين أن بواعث الفرد في كلا الحالتين ليس فيهما باعث "إرضاء الله".
هكذا يبدو أن كنه التدين ودلالة الالتزام الأخلاقي لا وجود لهما خارج الحرية. فحينما يتحرر الإنسان من القيود المادية (الفقر، السجن، التعذيب، الإكراه) والقيود المعنوية (الإحراج، الإهانة، السخرية) آنذاك يكون لأي سلوك يقوم به طعم.

قد يقول قائل: إن وجود القيود مسألة حتمية، فلا وجود لحياة مثالية. قد نتفق! ولكن الذي لا يمكن سوى أن نعترض عليه هو إسهام "الدعاة" في توسيع دائرة القيود وتحريف الإرادات وتغيير وجهة النيات. لأننا نريد صدقا أن يتم إنقاذ الجميع في الدار الآخرة!
يقول الاشتراكيون: لا حرية مع الفقر! ويقول الليبراليون: لا حرية مع القهر!
ويلزمنا أن نقول أيضا: لا تدين بلا تحرر من الفقر والقهر!


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




يأتي على الناس زمن فينسون فيه الأصل ويطمسون فيه عقد الازدياد. ربما سبب ذلك هو شعور يساورهم، فيحاولون إخفاءه ويحاولون استبعاده كلما حل شبحه في مخيلتهم: إن لحظة توثيق عقد ألازدياد كانت لحظة ارتجال وكانت مغامرة مفتعلة بامتياز!  
ليس عيبا أن نرتجل في لحظة ما، إذ أن محطات الحياة غنية بالدروس التي تفيد أنه لولا الارتجال في البداية ولولا المغامرة الأولى ما وصل الإنسان إلى وصل إليه. ولحظات الارتجال الأولى قد تلد مشاريع كبيرة تتمدد شعبيا وتتضخم على أصحابها.
ما هي الحركة الإسلامية؟
إنها ثمرة لموجة سرت في أوساط مجموعة من الناس مفادها أن الإسلام لم يأت ليقبع في الضمائر والقلوب ولا ليبقى رهين الشعائر والطقوس؛ إنه جاء ليهيمن على الحياة، ليكون سيد الاقتصاد وضابط الاجتماع وموجه السياسة. قد يطلق على شعار الحركة: "الاسلام هو الحل"، وقد يخفف هذا اليقين إلى وصفة: "الإسلام هو الهدى". ولكن الجوهر واحد هو أن الإسلام لا ينبغي أن يُحصر شعبيا في المساجد ولا رسميا في الأوقاف.
إن الحركة الإسلامية هي قطب جذب للناس نحو "واجب"، قد يُختلف في حقانيته ولكنه على كل حال "واجب" بالنسبة للمؤمنين به، هو "إخراج الإسلام إلى الحياة العامة" بدل الركون إلى "واقع" عنوانه الأبرز: "اكتفاء الإسلام بالحياة الخاصة للأفراد: العقائد والشعائر والمساجد".
السؤال الجوهري: إلى أي حد الحركة الإسلامية، اليوم، وفية لعقد ازيادها وفكرتها الأساس؟
قد تتحدث الحركة الإسلامية عن المراجعات، ولكن مفاد المراجعات هو الوفاء الضمني لعقد الازدياد واستعادة متجددة للأصل. والمراجعة هي نقيض القطيعة على كل حال. إذن، محاكمة سلوك الحركة الإسلامية إلى عقد ازديادها يبدو أمرا مشروعا بل مطلوبا للاستيقاظ من الغفلة السارية.
أبرز فكرتين تطويان أعمال ومناشط وشعارات إحدى الحركات الإسلامية المغربية، في العقد الأخير بعد "المراجعات"،هما: أولا؛ الانخراط في معركة التدافع من أجل القيم. ثانيا؛ ترشيد التدين.
يبدو أن "الانخراط في معركة التدافع من أجل القيم" هو محاولة، على مستوى الخطاب على الأقل، للوفاء بمقتضيات عقد الازياد بصيغة تعبيرية تلائم الوضع الجديد فيما يخص حضور الإسلام على مستوى الاجتماع والاقتصاد والإعلام والسياسة. ومن المفيد الإشارة إلى أن ما كان يطلق عليه في السابق "الشريعة" وضرورة تطبيقها، حل محله عنوان جديد هو "القيم"، فجدلية الفكر والممارسة قادت "العقل الإسلامي" إلى الانتباه إلى استعصاء: إغلاق الحانات والخمارات، أو فرض الشرطة الأخلاقية على الشواطئ، أو إغلاق البنوك، أو وقف الإشهارات، أو حظر كازينوهات القمار، أو استدعاء العقوبات الجنائية المنصوص عليها في القرآن ... إلخ.  
أما "ترشيد التدين" فهو منحى جديد يعبر عن تحول عميق ينبئ بان هناك تقابلا جديدا في "العقل الإسلامي" (=فكر الحركة الإسلامية) ينظر به إلى "العقل المسلم" (=فكر المجتمع المسلم). فبعد أن كان مبرر الوجود والاستمرار هو دفع الناس إلى الإيمان بأن الإسلام ليس "شعيرة" فقط بل هو "شريعة" أيضا. صار التقابل الجديد هو بين "العبادات" التي قد يجتهد الناس في أدائها في غفلة تامة أو جزئية عن الإحسان في "المعاملات".  
إذن، لا يمكن أن نعتبر الحركة الإسلامية خائنة لميثاقها الأول غير المكتوب، لأن القناتين الجديدتين اللتين اختارتهما لتصريف مبرر وجودها "سيادة الإسلام على الحياة" لا غبار عليهما من ناحية الشكل. ولكن من ناحية المضمون هناك محدودية في الأفق لسبب بسيط هو أن الناس الذين فكروا في القنوات الجديدة لتصريف الشعار، انطلقوا من الممارسة التي بينت لهم استحالة القنوات الأولى (= تطبيق "الشريعة" على مستوى الدولة و"الشعيرة" على مستوى المجتمع).
أما من سيملأ القنوات الجديدة بمضمون عامر وعميق، فيحتاج إلى أن يقرأ الميثاق الأول جيدا قراءة نقدية ثم عليه أن يستوعب ثانيا التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية الطارئة بعد لحظة الميلاد سواء في بعدها المحلي والعالمي أو في بعدها الفلسفي والديني.. وإلا فإنه سيكرر نفس الأخطاء الأولى. وللأسف، هذا ما وقع!
إن الخلاصة التي سينتبه لها من استوعب روح فكرة الحركة الإسلامية، أي الخروج من هموم "الواقع" الفردية الذاتية إلى رحابة هموم "الواجب" الكبيرة وذلك بالعمل المتواصل على إشاعة نَفَس الإسلام في كل أرجاء الحياة، هي أن المراجعات التي قامت بها قيادة الحركة لتكييف مقتضيات عقد الازدياد مع المستجدات والتحولات كانت وفية على مستوى الشكل: القناة والهيكل والشعار ... إلخ. ولكن المضمون وطريقة تنزيله من طرف أبناء الحركة فيهما شلل لا يوصف!  
أخاف أن أقول اليوم: إن فكرة الحركة الإسلامية تقودنا إلى التسليم بأنها؛ "حركة مستحيلة"!
قد تكون موجودة وقائمة وذات هيئات منعقدة وأوراق وأدبيات منشورة، بل قد تتلقى التهاني والتبريكات بأنها صاحبة تجربة استثنائية. ولكن "الواقع" الذي يقرره أبناؤها، لا غيرهم، يذهب إلى هذا المذهب.

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



يعيش الإنسان جدلا مستمرا: بين "الواقع" و"الواجب"، بين "ما هو كائن" و"ما ينبغي أن يكون"،  بين "المصالح" و"المبادئ" ، بين "المنفعة" و"القيم"، بين "الغنيمة" و"العقيدة"، بين "الطبيعة" و"الثقافة"  ... إلخ. قدَرُه أن يكون هذا الجدل محتدما ودائما. قدره أن بنية تكوينه مزدوجة؛ يشده بُعدها الطيني المادي الطبيعي إلى "الواقع" بكل حمولاته المنحدرة، وتعيده الإشراقة الروحية العميقة إلى الآفاق والمعالي الرحبة.
ويتخذ "الواجب الإنساني" عناوين متعددة: الشريعة، الإصلاح، الديمقراطية، الحرية، الكرامة، العدل، النظام، الوفاء، العفة ... إلخ، تختلف حسب اختيارات الإنسان وتحيزاته الوجدانية والمعرفية. بينما يلح "الواقع الطبيعي" على طبيعة الإنسان الطينية الضاغطة التي لا تفارق طبائع الكائنات التي تعيش في الطبيعة المفتوحة: الاستماتة من أجل "الغذاء" بأي ثمن، ممارسة "الجنس" بلا معيار، اقتراف الجرائم في حق الناس بلا ضابط من ظلم وعنف لفظي أو مادي، التوحش والطغيان والاستئساد ... إلخ.
غالبا ما ينصرف "الواجب" إلى مسائل معنوية داخلية جوانية غير محسوسة مثل: الدين، الحرية، الكرامة، التضحية ... إلخ. بينما يتجه "الواقع" صوب فوائد ملموسة من ناحية "اللذة": الغذاء، الجنس، السلطة (التحكم).
يعاني الإنسان في الحياة بحثا عن التوازن بين الوفاء للواجب والاستجابة المشروعة للواقع. ومن الوسائل الكفيلة بجعله يرتفع عن "الواقع" وينجذب نحو "الواجب": الانتماء إلى الحركات الاجتماعية.
كل الحركات والتيارات والأحزاب والتنظيمات والتوجهات التي تنبثق من رحم الناس (=المجتمع) في أي بقعة من بقع الدنيا، والتي لم تُفرض من جهات "فوقية" ولم تخضع لإملاءات "عليا" في نشأتها، لا يمكن أن تكون إلا ملتقى لحماية ورعاية "الواجب"، أي واجب، لأن الناس لا يمكن أن يلتئموا هكذا بدون توجيه معين إلا إذا أحسوا بأن هناك خطرا محدقا ب"إنسانيتهم" من اللازم القيام بخطوات عملية لمحاولة صيانتها.  
ولكن الحاصل هو أن أصحاب "المصالح" الكبرى و"اللوبيات" النافذة محليا وعالميا يحاولون دائما اختراق أي تجمع شعبي أو أي نسيج اجتماعي بهدف توظيفه في معارك "قذرة" وذلك لتزييف وعي الناس وتفجير حروب هامشية صغيرة وأفقية بين التشكيلات المختلفة النابعة من رحم المجتمع والتي وُجدت كلها لخدمة عقائد ومبادئ وقيم مختلفة تصب في خدمة إنسانية الإنسان (دينا، ولغة، وحرية، وكرامة ... إلخ).
 وهي استراتيجية مكشوفة لإلهاء الناس عن المعركة الكبرى في الحياة؛ أي محاولة الوفاء ـ قدر المستطاع ـ للواجب الإنساني. والطريق إلى ذلك معروف وهو: استمالة مكونات داخل ذلك التجمع البشري (=الحركةالاجتماعية/الحزب السياسي) وإغواؤها وإغراؤها ب"غنائم" و"مصالح" حتى تقوم بأدوار أخرى تشوش بطريقة ذكية على الوظيفة الاساس التي خُلق من أجلها التجمع البشري.
لهذا إذا عدنا إلى الاتجاه العام للتنظيمات في زمن ولادتها نجد أنها بالفعل لم تأت إلا لخدمة قضية عادلة، وقد يحدث أن تكون محاميا فاشلا لها. ولكن معظم الحركات الاجتماعية، على اختلاف ألوانها، تعتبر محضنا خصبا للناس الذين يحاولون الوفاء "الواجب". وقد يحدث أن يكون التطرف سيد الموقف، وهو الغالب في بدايات الحركات، حيث يكون الفرد مشحونا بفكرة "خدمة الواجب" فيغالي في استعداء "الواقع" و"استبعاده" من جملة الحسابات، رغم أن الواقع ملازم للإنسان لأنه جزء من بنية تكوينه المزدوجة.  
إن الحركات الاجتماعية التي تعانق قضية مبدئية من القضايا المتصلة بالناس (الدين، اللغة، الكرامة، العدالة ... إلخ) هي مدارس لمساعدة الفرد على الوفاء ب"واجب" من "الواجبات" والسمو قليلا عن الواقع الطبيعي الذي يصر باستمرار على جذب الإنسان إلى الاكتفاء ب: المهنة ذات الدخل المريح فقط، والزوجة الحسناء فقط؛ لتغطية مطالب الجسد (غذاء وجنسا) في أفق تربية الأبناء على الاندماج في نفس المنظومة والسعي نحو التماهي مع "الواقع" والاستجابة لذات المطالب فقط.   
إن أمراض الحركات الاجتماعية والتجمعات البشرية معروفة ومشتركة وأبرز عنوان لها هو الانغلاق. ولكن أمام هجمة "الواقع" و"الطبيعة" و"المادة" و"الرخاوة" و"الخمول" ليس أمام الفرد إلا البحث عن وسائل تخفف من وطأة هذا الواقع وتقذف به في مسار خدمة "الواجب"؛ والانتساب إلى هموم إحدى الحركات الاجتماعية، على مساوئها، أفضل من الانتساب إلى هموم الواقع فقط.
على كل حال، هذا مقترح أثبت التاريخ جدوائيته نسبيا؛ الحركات الاجتماعية تساعد الفرد على تحريك معادلة "الواقع" و"الواجب"، بالتأكيد لا يمكن لها أن تقوم بموازنة معادلة صعبة من هذا الطراز، معادلة تختزل قصة معاناة الإنسان على الأرض.

بكلمة، الانتساب إلى حركة اجتماعية وسيلة، تنضاف إلى وسائل أخرى أهمها "القراءة"، تُقرب الإنسان من هموم "الواجب" بعدما غرق في هموم "الواقع".

...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



 إذا كان الناس في العالم القديم يؤمنون بأن محور الصراع هو "العقائد"، لأن ما يحرك الإنسان هو الحق والغيرة على مكانته. وإذا كان العالم الحديث قد أثبت أن ما يفجر الصراع "الحتمي" بين الناس هو "المصالح". فإن إصرار بعض الجماعات الإنسانية على الإيمان "الدغمائي" بعقيدة ما كيفما كانت، بل وتمسكها بالنظر إلى اليافطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أنها مجرد أقنعة يتخفى وراءها أصحاب عقائد معينة يريدون لها أن تشيع وتسود لوحدها.  
إن هذا الإصرار هو الذي قام بتوليد مفهوم "الإيديولوجيا" بدلالاته السلبية. لأن المفهوم قد ينطوي من ناحية على مدلول إيجابي يرمز للإيمان بعقيدة وفكرة وقضية ورؤية وهي أمور لا بأس عليها إجمالا شريطة أن تسمح لصاحبها بمساحة معتبرة للتهوية الفكرية وتوسيع دائرة الإدراك والنظر بنسبية إلى الذات وبإنصاف إلى الأفكار الأخرى. ولهذا فالمقصود هنا ب"الإيديولوجيا" هو الدال الذي يدل على مدلول قدحي يشير إلى: الوعي المزيف والمقلوب.
إن من يؤمن اليوم بأن الصراع بين الاحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والدول المجاورة والقوى الدولية هو صراع على قاعدة تعارض المبادئ والقيم والأفكار والعقائد يوصم من طرف من تشرب ذهنية العالم الحديث بأنه حامل لإيديولوجيا. ماذا يعني هذا الكلام؟
بمعنى أن الفرد قد يعتبر نفسه مؤمنا بفكرة ومدافعا عنها بقوة، بينما هو في الحقيقة يعبر عن مصلحة مادية ملموسة في صورة فكرة. بعبارة أخرى، إنه يقول شيئا غير مطابق للواقع إطلاقا. إنه الوعي المزيف أو الفكر المقلوب.
إن هذا التحليل هو الذي كان مفرق الطرق بين الحركة الإسلامية زمن الـتأسيس وخصومها من اليسار بالذات. طبعا، أبناء الحركة الإسلامية كانوا في غفلة مطلقة عن مفهوم "الإيديولوجيا". بينما، اليسار كانوا واعين بدلالات المفهوم، وكانت قياداتهم الفكرية بالخصوص واعية بأن عائلة اليسار تحمل "إيديولوجية واعية" مناضلة وتقدمية. كيف؟
حركة اليسار وعت منذ البداية بأن الصراع اجتماعي هو قائم بالدرجة الأولى بين الطبقة أو الجهة المستغلة (بكسر الغين) والطبقة أو الجهة المستغلة (بفتح الغين)، وبالتأكيد كانت الجهة المستغلة هي (الدولة) والجهة المستغلة في مقدراتها هي (المجتمع). ولهذا فهي حركة تحمل إيديولوجية واعية أي غير مزيفة لأنها استطاعت أن تنفذ إلى طبيعة المعركة القائمة. وهي إيديولوجية مناضلة وتقدمية لأنها أولا تنبه المناضلين المؤمنين بها بحقيقة الصراع، كما أنها تشحذ هممهم من جهة ثانية للنضال للحد من استغلال (الدولة) وذلك من أجل بناء مستقبل متقدم موسوم بالعدل والمساواة.
أن يكون اليسار وفيا لأهدافه الأولى فتلك قضية أخرى، سيجيب عنها التاريخ الذي كُتب البارحة ويكتب اليوم وسيكتب غدا.
في المقابل، كانت الحركة الإسلامية تدعو إلى عقيدة التوحيد ومقتضياتها "التشريعية"، وكان تصورها منحصرا في أن الجميع يخاصم هذه العقيدة بدء من (الدولة) وصولا إلى (اليسار). لننظر كيف كان ينظر اليسار الذي يظن أنه أدرك مرامي "الإيديولوجيا" إلى الحركة الإسلامية.
من الواضح أن الحركة الإسلامية تُعَرف نفسها في البداية بأنها تشكيل جمعوي جاء لصيانة بيضة العقيدة في عالم لا يريد لهذه العقيدة أن تعيش وتكون بله أن تسود. انطلاقا من هذا الخطاب تمكنت الحركة الإسلامية في ظرف قياسي من جذب العديد من الشرائح المجتمعية إلى دائرتها.
بالتأكيد، كان اليسار يرى في الحركة الإسلامية حاملة لإيديولوجيا رجعية وذلك من ثلاث نواح: أولا؛ لأنها تنشر تفسيرا للتاريخ يرجع إلى العالم القديم. ثانيا؛ لأنها تقوم بتهديد العمق الاجتماعي لحركة اليسار بخطابها "الشعبوي" و"العاطفي" الرجعي. ثالثا؛ لأنها تنشر وعيا مقلوبا ومزيفا في وسط قواعدها حينما تشير إلى أن غاية القيادة هي نشر العقيدة ومقتضياتها لا غير، في حين أن ما يحرك القيادة هي مصلحة مادية واضحة هي طلب السلطة وذلك عبر تكثير سواد الحركة بالأتباع والأنصار الذين يمكنهم الانقلاب المباشر على (الدولة) أو التحول إلى حزب سياسي سيفوز حتما بالسلطة في الانتخابات أو عبر لعب دور الجماعة الضاغطة التي تبتز السلطة لتيسر لها مصالحها وبرامجها ومخططاتها.
ولهذه الاعتبارات، دأب اليسار على اتهام الحركة الإسلامية باستغلال الدين في السياسة.
والخلاصة هي أن اليسار يعتبر أن الحركة الإسلامية تشكيل اجتماعي لا يدافع عن عقيدة وإنما جاء للتعبير عن مصلحة مباشرة (السلطة). ولهذا قد تجد جزءا من اليسار لا مشكلة له نهائيا مع العقيدة، وقد تجد جزءا آخر سقط في فخ ردود الأفعال المتطرفة فصار عدوا للعقيدة.
ولكن، ما يهم هنا هو أن ننتبه إلى أن اليسار لم يقم ليقف ضد العقيدة. نعم هو يقوم بأعمال أخرى خارج إطار العقيدة، لأن العقيدة حسب تحليله للواقع خارج التناقض الحقيقي اللهم إذا كانت موَظفة من طرف المستغلين لتكريس واقع الاستغلال بطريقة رجعية. باختصار شديد، العقيدة لم تشكل لليسار مبرر وجود، بل هي مستقلة عن مجال اشتغاله (دائرة الصراع الاجتماعي) وليست مناقضة له. فاستقلال مجال الاشتغال؛ لا يعني الفصل ولا يعني التقابل كما لا يعني الوصل ولا يعني التطابق.
وكلما انتبه اليسار إلى أن الحركة الإسلامية توظف العقيدة لأغراض "رجعية" تصب في خدمة الاستغلال والجهة المستغلة (بكسر الغين) أي (الدولة) عبر نشر مزيف يؤخر مسيرة التحرر؛ تظهر النزوعات المتطرفة في الضفة الاخرى التي تدعو إلى استئصال هذه العقيدة أو على الأقل إهمالها في أفق موتها.  
لنختم ما قيل: كَشَف الدرس الاجتماعي الحديث والمعاصر على أن العالم الحديث مبني في بنيته على الصراع حول "المصالح". غير أنه في ظل هذا العالم ظهرت حركات تقدم نفسها على أنها حاملة ل"عقائد" و"مبادئ". لم يصدقها الخطاب المهيمن فاعتبرها حركات حاملة ل"إيديولوجيا": بمعنى أنها تقدم نفسها على أنها في خدمة عقيدة في حين أنها في خدمة مصلحة. والحركة الإسلامية ضمن تلك الحركات التي اتهمها اليسار زمن الولادة بهذه الاتهامات لأنه ينهل من الدرس الاجتماعي المعاصر ويعي جيدا دلالة الإيديولوجيا.
هل هذا صحيح؟
طبعا، اليسار ينطلق في مجمله من تصور أحادي مادي يعتبر أن اتهاماته محققة وأن التاريخ قد أثبت صحتها. بينما الحركة الإسلامية التي تنطلق في مجملها من تصور أحادي غير مادي تعتبر اليسار عدوا للعقيدة ومحاربا للدعاة إليها ومهاجما للعاملين على نشرها، لهذا فهو لا يريد لمقتضيات العقيدة (أي الشريعة) أن تعرف موقعا مرموقا ضمن الحياة التشريعية ولهذا فهو يكيل تُهم استغلال الدين في السياسة ويدعو إلى فصل السياسة عن الدين.
يبدو أن التصور المركب عن الحياة الذي ينطلق من أن الإنسان ذو تكوين مزدوج قد يدفعه الإيمان بالعقيدة في بداياته إلى التسامي والفناء في قضيته الأولى، ولكن سرعان ما تتجاذبه جواذب الطين والمصلحة والمادة والسلطة ... إلخ. وهكذا أبناء الحركة الإسلامية المتشربين لفكرتها؛ لا ينبغي أن ننكر عنهم الصدق في الإيمان والدعوة إلى عقيدتهم، بقدر ما لا يمكن أن ننفي عنهم انشدادهم إلى السلطة وماديات الدنيا.


من المفيد الإشارة إلى أنه لا وجود اليوم لليسار أو للحركة الإسلامية بالمعنى المذكور والرهان المشروح في الأسطر أعلاه. إنما هو صراع تاريخي، اقترحنا أن نفتحه لنكتشف مضمون مفهوم "الإيديولوجيا".   

...تابع القراءة