| 0 التعليقات ]





لا يختلف المتتبعون حول الوصف الممكن إطلاقه على ما يجري للحركة الطلابية المغربية في الوقت الراهن. وإذا كان الجميع يُجمع على أن الحركة الطلابية، بالنظر إلى رصيدها التاريخي الحافل، استقالت من رسالتها النبيلة، فإن التفكير الجاد في السبل الكفيلة باستعادة وهج هذه الرسالة النبيلة مازال منحسرا ورهينا لنقاشات عقيمة حول الأشكال التنظيمية.
في البداية، لا بد من الإشارة إلى كون الفرضية التي تؤطر هذا الحديث تذهب إلى كون أزمة الحركة الطلابية ليست وليدة الاحتراب الفصائلي أو النقاش حول الإطار التاريخي "أوطم" أو شيوع العنف والإرهاب داخل أسوار بعض المرافق والمؤسسات الجامعية؛ إنما الأزمة، بحسب هذه القراءة، ترجع أساسا إلى عدم الوفاء للرسالة النبيلة التي تضطلع بها معظم الحركات الطلابية الوطنية في مختلف أنحاء العالم والتي عضت عليها الحركة الطلابية المغربية بالنواجذ منذ زمن الحماية.
لهذا، فاستدعاؤنا لتاريخ مضى في هذه الأسطر ليس بهدف السياحة في أجواء ما جرى، وإنما للاقتراب أكثر على الرسالة النبيلة التي كانت تحملها طلائع الحركة الطلابية المغربية منذ أيام النشأة الأولى. عسى أن تمدنا هذه الذاكرة بطاقات معنوية إضافية للاتجاه نحو استلهام روح الرسالة النبيلة مرة أخرى.
تتجه بعض القراءات المحيطة بتاريخ الحركة الطلابية إلى استهلال التأريخ من سنة 1956؛ أي من زمن الاستقلال، مع ولادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وإذا كان الحديث يشير إشارات خاطفة إلى تشكيلات جمعوية للطلاب المغاربة في زمن الحماية (الجمعية العامة لطلبة المغرب:1947، جمعية الطلاب المغاربة:1948، اتحاد الطلاب المغاربة بفرنسا:1950..)، فإنه لا يتعدى ذكر جمعيات انتظم في سلكها الطلاب المغاربة ونشطوا داخل إطارها سواء في داخل الوطن أو في ديار المهجر: مثل منظمة الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا؛ التي لعبت دورا بارزا منذ نشأتها سنة 1927 في لم شمل المجهودات التعبوية والتوعوية التي يقوم بها الطلاب المغاربة خاصة في فرنسا والتي  كانت فضاءاتها فرصة خصبة لصقل القدرات القيادية للعديد من الفاعلين السياسيين في المغرب المعاصر لاحقا (كالدكتور عبد الكريم الخطيب والشهيد عمر بن جلون..).
ليس غريبا أن يكون المغرب معروفا إبان الحماية باسم "مراكش"؛ فقد كانت "مراكش" المدينة في طليعة المدن المغربية التي تشتعل حيوية ودينامية ووطنية ومقاومة. وقد يرجع السبب في هذا التميز الخاص الذي حظيت به مراكش إلى إرثها التاريخي (لا يخفى أنها كانت عاصمة لدول تعاقبت على حكم المغرب). لكن العديد من المتتبعين يُشيرون إلى كون وجود الباشا الكلاوي على رأس السلطة المحلية فيها وتواطئه المفضوح مع السلطات الاستعمارية وتعنيفه الفاجع للأطر الوطنية المناضلة، كان دافعا رئيسا لتنطلق فيها جذوة المقاومة بحماس وإصرار. وثمة معطى هام مفيد بهذا الخصوص يتصل بمعهد "ابن يوسف" الذي كان قبلة للعديد من الشباب الذين أسعفتهم الظروف في استكمال دراستهم وكان أيضا منارة على المستوى التعليمي والتوعوي نظرا لاحتضانه لرجالات كبار أمثال العلامة محمد المختار السوسي. ولهذا نجد أن توأم "مراكش" في السبق على مستوى النضال الوطني كان "فاس"؛ نظرا لوجود جامع "القرويين" في أكنافها والذي كان بدوره محجا لطلبة العلم في مختلف أنحاء المغرب وكان إلى جانب ذلك قطب جذب للعديد من الفعاليات العلمية المرموقة.
إذن، لعل احتضان "مراكش" و"فاس" لجامعات رائدة في تخريج النُخب المسؤولة كان العامل الأكبر في تصدُرهما  لحركة النضال الوطني والمقاومة المسلحة (لاحقا). ولعل في هذا أيضا دلالة ناصعة على كون الحركة الطلابية الناشئة والنشطة في (القرويين وابن يوسف) كانت الوقود الأول لحركة التحرير الشعبية. 
في ما سيأتي سنكتفي بالوقوف على إسهامات فذة للحركة الطلابية في معهد ابن يوسف في العمل الوطني. وسبب إغفالنا لتجربة طلاب القرويين النضالية مردُه أساسا إلى شح المعلومات وندرة المعطيات بخصوص مجريات أحداث هذه المرحلة، مع تسجيل  انبهارنا بالحرارة الشديدة للعمل الطلابي في ابن يوسف.

نشأة الحركة الطلابية في مغرب الحماية: عبد الله إبراهيم المُلهم الرائد

لم تكن مراكش رائدة فقط لأنها تستدبر تاريخا عريقا. بل كانت كذلك لأنها ولود تُنجب باستمرار رجالات كبار. أحد هذه القامات التي طبعت الحياة السياسية المغربية في الأيام الأولى للاستقلال بطابع خاص وبصمت في المشهد الوطني ببصمات استثنائية مشهودة، كان الأستاذ الرئيس عبد الله إبراهيم. وإذا كان المؤرخون يميلون إلى تجنب التمركز حول الأشخاص في التأريخ للأحداث، فإن "عبد الله إبراهيم" ملأ دنيا مراكش وشغل مواطنيها ومستعمريها منذ نعومة أظافره، ولهذا فقد يبدو جائزا الانطلاق من سيرته ومسيرته للتعرف على مُنجزات باهرة للحركة الطلابية الناشئة في معهد ابن يوسف في مراكش.
ولد الأستاذ عبد الله إبراهيم في غشت 1918 بمراكش من عائلة بسيطة. حصل على شهادة العالمية للتعليم الأصيل (القسم الأدبي) من معهد ابن يوسف بمراكش ثم غادر إلى فرنسا سنة 1945 ودرس بجامعة  السوربون ومعهد الدراسات الشرقية بباريس. اعتقل لأول مرة سنة 1933 (عمره 15 سنة) بتهمة توعية الحرفيين وتنظيمهم، والدفع بهم إلى مسيرات احتجاجية منظمة ضد الاحتلال. وأُحيل على ثكنة عسكرية في (كيليز)، حيث سيتعرض لتعذيب شديد إلى جانب مجموعة صغيرة من رفاقه. انضاف التعذيب إلى  تعرُض بيوتهم للمداهمة والإخلاء ليلا.  (1)
يكفي عبد الله إبراهيم  فخرا أن الزعيم علال الفاسي يغبطه على القيم التي يتمسك بها. يحكي الأستاذ عبد الله إبراهيم: "في إحدى المرات قبل وفاته رحمه الله، جاء لزيارتي (المقصود بالحديث هو علال الفاسي)، و فيما نحن خارجون للتوديع أمام الباب الخارجي لداري توقف فجأة ليقول لي: آ مولاي عبد الله.. والله إني لأحسدك !! أجبت على الفور: وعلى ماذا تحسدني؟ أ على الصحة أو السلطة أو المال؟ و ليس لي منهم أي شيء ؟؟، رد بسرعة: أحسدك على رصيدك النضالي و سمعتك أي الأمور التي لا تقاس بأي شكل من الأشكال". (2)
أهم ما يلفت انتباه المطلع على سيرة الطالب الوطني المناضل عبد الله إبراهيم هي همته المتوثبة وجديته النادرة؛ إنها طبيعة العمل النضالي فهو لا يقوم على أكتاف الخاملين وإنما على يد الشباب اليقظ قبل شروق الشمس وقبل صحوة المستعمرين. هنا، نلتقط مشهدا مهيبا؛ الشاب عبد الله بعدما خرج من منزله –كعادته مبكرا: بعد صلاة الصبح- يعانق هموم الناس الذين يتلظون بعسف الاستعمار وظلمه وطغيانه فيتأثر لوضعيتهم ويقود مظاهرة جماهيرية شهيرة لا تنساها ذاكرة المؤرخ للعمل الوطني بمراكش. وفي مشهد آخر لا يقل مهابة وجلالا؛ الشباب المقاوم يستعين بعمال النظافة للاستخفاء وسبغ السرية على اجتماعات الخلايا الوطنية وعبد الله يستيقظ قبل الفجر للاجتماع بها وإسرار المستجدات إليها. يستذكر الأستاذ هذه الذكريات المشرقة قائلا:"كان من عادتي اليومية منذ منتصف الثلاثينات (يعني منذ أن كان عمره 17 سنة) مغادرة منزلنا بعد صلاة الصبح مشيا على الأقدام نحو نهاية شارع (كيليز)، ثم أعود منتشيا بالأنفاس الأولى من الصباح، ثم أصبح بعض زملائي يرافقونني بعد ذلك. وذات صباح من صيف 1937، راعني ما شاهدته في نهاية شارع (كيليز)، حيث تجمهر فلاحون صغار، كانوا يشغلون مساحات صغيرة لإنبات مادتي النعناع و(الشيبا).. والذين فوجئوا بجماعات من أعيان لباشا الكلاوي تمنعهم فجأة من الاشتغال هناك وذلك بدون مبرر، ولا سند قانوني، وقال لي هؤلاء الفلاحون لدى استفساري لهم بأن هذه الأراضي كلها مشاع عام، أو ما يطلق عليه آنذاك بوصف (ديال الله)، وكان هناك صهريج كبير للماء ومساحات صغيرة خضراء هنا وهناك. تأثرت جدا لوضعيتهم، ودعوت رئيسهم لمتابعة المذاكرة في ما بيني وبينه على انفراد لإيجاد حل لهذا المشكل.. وبعد اتصالات عدة طلبتُ منه أن يأتي في يوم معين في شكل مظاهرة عارمة تنطلق من ساحة (عرصة البيلك) بجامع الفنا بمراكش، نحو مقر الحاكم الفرنسي، و نحو قصر الباشا الكلاوي، كأسلوب نموذجي لحل معضلتهم. وبالفعل انطلقت هذه المظاهرة منذ الصباح الباكر من اليوم الموعود المتفق بشأنه فيما بيننا، الأمر الذي لم أتوقعه على الإطلاق بكل هذه القوة الهادرة، وانضم إلينا آلاف الجياع والمرضى والفقراء والعاطلين، وكان الجميع يهتف ضد الظلم والطغيان والتعسف، ضمن موجة بشرية هادرة ومتراصة". (3) ويضيف الأستاذ: "كنا نطلب من عمال النظافة الذين يجمعون القمامة والأزبال من أحياء المدينة على متن عرباتهم الخشبية (الكرارص).. كنا نطلب منهم التجمع في ساحة (الموقف) مع الساعات الأولى من النهار، كما لو كانوا ذاهبين إلى عملهم، ولدى توزعهم هنا وهناك كانوا يتركون عرباتهم على أبواب البيوت الخاصة باجتماعاتنا السرية، ليلتحقوا بمجموعات أخرى من الخرازة  والنجارة والحدادة والجزارة.. تأتي تباعا لحضور الاجتماع، سواء في المساجد أو في البيوت الشعبية. وكنت أستيقظ باكرا قبل صلاة الفجر لأتمكن من الاجتماع بهذه المجموعات بمعدل ربع ساعة أو يزيد قليلا مع كل مجموعة لإخبارهم بمستجدات القضية الوطنية وبما ينبغي عمله لاحقا، و هكذا دواليك لأنتقل إلى باقي المساجد و البيوت بشكل متتابع. كان هذا التوقيت في الواقع يصيب الاستعماريين وأعوانهم  بنوع من الغياب الشديد عن الساعة، في عز الظلام والبرد الشديد، فلم يكونوا قادرين على مسايرة عاداتنا الدينية آنذاك، مما جعلنا نستغل هذه الفرص من أجل تأطير وتعبئة الناس بشكل موفق. فالفرنسيون وعملاؤهم المخبرون المغاربة من المدمنين على تعاطي الخمور والسهرات الماجنة وكانوا لا يستطيعون مجاراة نسق عملنا الجهادي عبر مختلف مساجد مدينة مراكش منذ الساعات الأولى من صباح كل يوم، فكانوا دائما آخر من يعلم. ومع آذان صلاة الصبح من كل يوم، يتجه الجميع من أنصارنا إلى المساجد للصلاة، و قراءة آيات بينات من الذكر الحكيم قبل الانتشار في مختلف أنحاء المدينة للالتحاق بأعمالهم، و بقينا كذلك لفترة طويلة دون أن تفطن الأجهزة الأمنية لنشاطنا". (4)
دأب المناضلين و درب الكبار، لا ريب، أنه هو التفوق و الاقتدار في شتى الجبهات التي يشتغلون بها. و من ثم لا غرابة في أن نجد الشاب عبد الله ذي 17 ربيعا يكون في طليعة المتفوقين بمعهده ولا عجب في أن نجده شديد الحرص على تنمية مداركه ومستواه وتوسيع آفاق وأبعاد لسانه (الحرص على تعلم لغات أخرى بأي ثمن). كل هذا إلى جانب اشتغاله على التوعية و التنوير في صفوف الجماهير بأسئلة الوطن (الاستعمار) وقضايا الأمة (فلسطين). إن في هذا، مرة أخرى، لعبرة لهواة الخمول والمغالَطة، أصحاب النظر القصير، الذين يهتفون لأبنائهم و ذويهم: النضال والدراسة؛ ضدان لا يلتقيان! "حوالي منتصف الثلاثينات، كنت قد أصبحت في طليعة المتفوقين في معهد بن يوسف بمراكش، وفي هذه الأثناء، شعرت بأهمية تعلم اللغة الإنجليزية، فذهبت إلى شاب بريطاني يملك محلا لبيع وكراء الكتب الأجنبية المستعملة في حي المواسين، حيث أبديت له رغبتي واستعدادي لأداء مصاريف التمدرس فتطوع أن يتولى هده المأمورية شخصيا بدون مقابل. وبالفعل شرعت في التمدرس على يديه لبضعة أشهر بتفوق ملحوظ، غير أن هذا التلقين توقف فجأة بسبب اعتقالي، ففي أحد أيام الجمعة، خرج المصلون من المساجد في مراكش ليجدوا ملصقات بالعربية على الأبواب تتضمن التضامن مع الشعب الفلسطيني في مقاومة الاستيطان والغزو الصهيوني. وبحثت عيون الكلاوي عن المرشحين للقيام بهذا العمل، وكان ذلك تدعيما لأكبر حركة فلسطينية احتجاجية سنة 1936 (حركة عز الدين القسام) ضد توافد أمواج اليهود نحو فلسطين العربية لإقامة الدولة الصهيونية فيها. وهكذا اعتقلت ليُجرى التحقيق معي حول هذه القضية، وعندما خرجت من السجن عاودت الاتصال بصديقي البريطاني في موضوع متابعة تعلم اللغة الإنجليزية، فربط لي علاقة جديدة براهبة أجنبية تتكلم الإنجليزية بطلاقة ومقيمة في مدينة الجديدة، فأصبحت أتنقل إلى هناك لتلقي دروس إضافية على يد تلكم الراهبة، ثم أصبح لدي أصدقاء مغاربة في هذه المدينة أقيم في بيوتهم أثناء إقامتي هناك وكان بعضهم من الوطنيين، و سينفعني هذا الإلمام كثيرا فيما بعد لا سيما أثناء نشاطاتي السياسية في أوروبا بين 1945  و1949، أو اثناء تحملي للمسؤوليات الحكومية بعد الاستقلال. أما اللغة الفرنسية فقد بذلت جهودا جبارة لتعلمها بمفردي كي أستطيع العمل بها مستقبلا بفعالية، فقد كنت أدرك تمام الإدراك حاجتي الماسة إليها في نضالي في المستقبل".(5)
أنعم بها من حياة محفوفة بلذة الالتحام بالأسئلة والاشتغال على القضايا وتعديد الواجهات، قبل الوقوف على مشارف "العشرين" في العمر! تلك حياة الطالب عبد الله؛ ليس فيها وقت للغو الحديث ولا لعبث غير مفيد. بل فيها تصَيًد للفرص واستثمار لكل ما هو متاح وتوظيف لكل صناعة ثقيلة ( ومنها صناعة الإعلام). "بالنظر للأهمية القصوى التي أصبح الإعلام المكتوب يتسم بها آنذاك في تعزيز العمل التنظيمي والسياسي، فقد تقدمتُ للباشا الكلاوي بطلب للحصول على ترخيص بإصدار جريدة، حيث تعرضتُ لمساومات غريبة. كان نشاطي السياسي يسير في خط متواز لنشاطي الصحفي والثقافي بشكل عام، وذلك في مطبوعات مشرقية ومغربية عديدة، فكان من أبرز مقالاتي: الحركة الصوفية في المغرب (في يونيو 1936 في عدة حلقات بمجلة المغرب الجديد)، الثقافة المغربية الحديثة (في أبريل 1938  بملحق جريدة المغرب للثقافة المغربية)، في سبيل تعزيز الوحدة العربية (في يونيو 1939 بمجلة الأمالي البيروتية). وغير ذلك من المقالات في الصحف و المجلات المصرية والسورية والجزائرية ( المنار للشيخ رشيد رضا، الفتح لمحيي الدين الخطيب، الشهاب للشيخ عبد الحميد بن باديس، الرسالة لأحمد الزيات..)". (6)
و عمره 18 سنة،  حضر الطالب عبد الله اجتماعا تاريخيا هاما للحركة الوطنية (أقر المطالب الإصلاحية المستعجلة) مع أهرام كبيرة تكبره بقرابة عقد من الزمن؛ علال الفاسي (من مواليد 1910) وأحمد بلا فريج (من مواليد 1908).. بل ألقى في حضرتهم خطابا حماسيا ناريا. إنها: الجرأة والشجاعة والامتلاء الداخلي والثقة بالنفس والتحرر من عقدة الرموز.. القيم التي نحتاج لغرسها في أوساطنا اليوم لقطع السبيل على كل محاولات التسلط و الاستعباد و الاستبداد و تثبيت أركان الانتقال الديمقراطي."عندما حضرت لاجتماع في الرباط بتاريخ 25  أكتوبر 1936، بدعوة خاصة من طرف علال الفاسي وأحمد بلا فريج وعمر بنعبد الجليل ومحمد اليزيدي. ألقيتُ خطابا حماسيا ناريا وكان هذا الاجتماع مخصصا لإعداد المطالب المستعجلة". (7)
لم يترك عبد الله – و سنه لم تتجاوز 16  سنة- بابا من أبواب النضال والإصلاح والوطنية الصادقة إلا وطرقه. فمن منافح عن حقوق المستضعفين المكتوين بنار الاستعمار إلى مقبل على المعرفة بنهم مثير إلى نضال آخر يعكس حرارة اعتناقه للمسألة الاجتماعية والأخلاقية (العمل على إلغاء ضريبة جائرة، مقاومة انتشار الخمارات وبيوت البغاء العلني بمراكش، المطالبة بتحديث و إصلاح مناهج التعليم بمعهده ابن يوسف). "عندما تأكد لنا في مراكش بأن الفرنسيين أصبحوا يخططون لإزاحة محمد الخامس (منذ منتصف الثلاثينات)، خضنا معارك شرسة أبرزها:
أولا: تنظيم تحرك مطلبي قوي وواسع لمقاومة انتشار الخمارات و بيوت البغاء العلني في مراكش، حيث حررنا العرائض الاستنكارية و رفعناها للسلطات الفرنسية و للباشا في نفس الموضوع، و ذلك بتاريخ 20 فبراير1937 . و بالفعل أقدمت السلطات على إغلاق الخمارات بمختلف أحياء المدينة والتي لا يسكنها الأوروبيون، وذلك اعتبارا من  27أبريل 1937، بعد حوالي شهرين من تحركنا.
ثانيا: تنظيم حركة المطالبة بإلغاء ضريبة (الدور)، وهي ضريبة من فرنكين إلى خمس فرنكات يؤديها الصانع التقليدي لفائدة فرق الحراسة الليلية التي تتولى حراسة الأسواق اعتبارا من الساعة الثانية عشرة ليلا وحتى الصباح، ونظرا لتلكؤ السلطات نظمنا عصيانا جماعيا انتهى عمليا بإلغاء هذه الضريبة..
ثالثا: تنظيم و تحريض طلبة معهد ابن يوسف لدفعهم في اتجاه المطالبة بإصلاح مناهج التدريس لديهم على غرار ما حدث في ذلك الإبان بجامعة القرويين بفاس، وفتح أبواب مكتبة معهد ابن يوسف أمام الطلاب. وذلك سنة  1933 و1934". (8)
واصل الطالب عبد الله بعدما حصل على العالمية في ابن يوسف الدراسة في فرنسا. و كانت تجربة جديدة مثيرة يجلو فيها معنى الاستماتة من أجل الحياة الكريمة وتتضح فيها إيحاءات الهيام بالقراءة وعشق المعرفة. كما أنها تزكي صدق حمله للقضية ومدى وفائه لسؤال: كيف نجعل المغرب بلدا مستقلا، استقلالا تاما؟ (توسله الفكر والمعرفة والقراءة الغزيرة للإجابة).
"كان والدي يسدد لمعارفنا كل الذي يقدمونه لي من أموال، و حيث أن معظم مخصصاتي المالية كنت أخصصه للكتب وللنشاط السياسي، فقد كنت أضطر لقضاء يومين في نهاية كل شهر في جوع كامل و ذلك لمدة طويلة، و لم أكن أصارح زملائي بهذا الواقع، و كنت  خلال هذين اليومين أغمس نباتا جافا في ماء دافئ كي أقتات به، وكان هذا النبات متداولا بين الأوساط الفقيرة آنذاك. وبوصولي إلى فرنسا بقصد الدراسة، كنا هناك عدد قليل من الطلبة ليصل عددنا في نهاية الأربعينات إلى 70 طالبا، وقد اندمجت شخصيا بشكل كبير في نشاط حركات التحرر الوطني في العالم الثالث آنذاك. كما نظمتُ في نهاية السنة الدراسية الأولى أول تجمع للمغاربة والعرب المشرقيين لتوحيد الصفوف في وجه العدو المشترك وخاصة فرنسا. على المستوى الفكري، دخلنا في حوارات غنية مع الوجوديين والماركسيين والاشتراكيين والفوضويين والتروتسكيين والسورياليين وغيرهم، وانكببنا على دراسة الأعمال الفكرية الذائعة الصيت آنذاك لنيتشه وماركس وهيغل ودوستويفسكي وتولستوي ويرغسون وسارتر و غيرهم.. وكانت اهتماماتي بالتيارات الفلسفية والأدبية والفكرية بوجه عام في أوروبا في أفق محاولة هضم و استيعاب تلكم المدارس الفكرية في اتجاه المساهمة في صياغة مشروع سياسي و ثقافي و اجتماعي مغربي وفقا لخصوصيتنا الوطنية".(9)

الحركة الطلابية التي غرس بذورها عبد الله إبراهيم

استثمر  الأستاذ عبد الله إبراهيم قدراته القيادية وملامحه الكاريزماتية ومؤهلاته الفكرية و خاض بكل الوسائل التي كانت ممكنة  معارك ضارية للحد من غلواء السياسة الاستعمارية المتعسفة. وقد كان المجال الأثير لدى الأستاذ هو تأطير أقرانه الطلاب عندما كان زميلا لهم في معهد ابن يوسف منذ منتصف الثلاثينات إلى سنة 1943. وبعد عودته من فرنسا سنة 1949 مثقلا بالهموم الفكرية والثقافية والوطنية، عاد مجددا لتأطير حركة الطلاب بمعهد ابن يوسف. هذه الحركة الطلابية الناشئة كان لها في ما بعد اصداء لافتة على المستوى الوطني. وقد قامت الحركة بتنظيم نفسها بانتخاب لجان مسيرة، كما انتقلت إلى ابتداع أشكال نضالية جديدة منها الاعتصامات والعمل المسرحي..  
يحكي المقاوم الكبير عبد السلام الجبلي التطورات التنظيمية التي شهدتها هذه الحركة الطلابية الناشئة من موقع شاهد عيان ومشارك بارز في صياغة الأحداث: ففي ابن يوسف عندما تبين أن حضورنا أصبح ذا فعالية نظمنا انتخابات، ومع أننا لم نكن نعرف شيئا عنها، ولا عن مفهوم الديمقراطية. نظمناها لانتقاء لجنة لتسيير الطلبة، وكنا ننسق مع عبد الله إبراهيم للإشراف على التنظيم. كونا لجنا على أساس المستويات التعليمية، بحيث كان لدينا لجان على مستوى التعليم الابتدائي، ولجانا على مستوى التعليم الإعدادي، وأخرى خاصة بالثانوي، ولجان على مستوى النهائي: "التعليم العالي". كانت هذه التنظيمات تشمل التسيير وكذلك الدعاية والإعلام. وكانت القوة تتمثل في النظام الذي وضعناه بصفة عامة لضمان استمرارية العمل على مستوى جامعة ابن يوسف. إضافة إلى ذلك، تم تكوين لجنة احتياطية على مستوى عال، بحيث قررنا، في النظام الداخلي، أنه في حالة اعتقال اللجنة الأولى، أو شيء من هذا القبيل، ستُعوضها اللجنة الاحتياطية.
كان هذا التنظيم مفاجأة كبيرة بالنسبة إلى الحزب (الاستقلال)، وإلى الحركة السياسية؛ وقد ظهرت فعالية هذه المفاجأة عندما تدخل الفرنسيون، في جامعة القرويين بفاس، واعتقلوا بعض العلماء وبعض الطلبة. في هذا الوقت صعدت الإدارة الفرنسية قمعها وتدخلها في المؤسسة الدينية، فقررنا التضامن مع أطر جامعة القرويين. وهنا برزت حركة الطلبة في ابن يوسف، إذ نظمت إضرابا تضامنيا مع طلبة القرويين. وقد اعتقل الطلبة المُضربين بعد ذلك. (10)

انخرطت الحركة الطلابية الناشئة في نضالات جادة ذات وجه إصلاحي تعليمي  لكن برهانات وطنية وتحررية جلية. "كان عبد الله إبراهيم يقوم بمساندة طلبة الكلية في نضالهم من أجل تحقيق المطالب الإصلاحية بعد أن تقدموا بها فعلا أواسط سنة 1951 (إلى السلطان محمد الخامس: فيها دعوة إلى إصلاح التعليم الأصيل، بإحداث تغييرات في برامجه ومواده تجعله موحد البكالوريا، ومتجاوبا مع التعليم العصري شكلا وتنظيما ومردودية معاشية، وتقربه من واقع عصره)، وذلك بشن حملات صحفية واسعة بمبادرات شخصية منه بواسطة جريدة العلم وخصوصا عندما كان مسؤولا عن إدارتها وتحريرها. كما كان يساندهم كذلك بنفس الوسيلة في مواجهة أعتى قوة إقطاعية والمتمثلة في الباشا الكلاوي، والتي انخرط معها الطلبة الذين أصبحوا يمثلون رأس الحربة في محاربة الاستعمار والإقطاع بمراكش في مصادمات متتالية بلغت حدتها أحيانا إلى مهاجمة الباشا بأكثر من مائة وخمسين طالبا في عقر قصره الستينية والدخول معه في مشادة كلامية جريئة، ومشادات عضلية مع أعوانه داخل القصر، أصيب فيها عدد من الطلبة بجروح، كما اعتقل آخرون وجلدوا جلدا مبرحا، ولطخت أفواههم بالفلفلة الحارقة، ونُفي آخرون إلى قراهم ومدنهم الأصلية،  وأجلي آخرون من بيوت سكناهم بالمدارس السكنية الخاصة بالطلبة. وقد كان من أول المعتقلين بهذه التظاهرة الفقيه محمد البصري الذي كلف من الخلية القيادية الأولى للطلبة نظرا لمظهره وسمته التقليدي وما عرف به من رباطة جأش بالتصدي للحوار مع الباشا باسم الطلبة. ولما اشتد وطيس المعركة بين الكلاوي والطلبة بادرت مجموعة قاربت المائة طالب بأمر من الخلية الأولى للقيادة الطلابية إلى الاعتصام أمام أبواب القصر الملكي بالرباط أكثر من شهر، احتجاجا على أعمال التنكيل والأذى التي ألحقها الكلاوي بعدد كبير منهم، فاستقبل جلالة الملك محمد الخامس وجميع سكان التواركة هذا الاعتصام بكثير من العطف والمواساة، كما كان يستقبل بنفس العطف والمواساة وفود الطلبة التي كانت تأتي من مراكش خفية محملة بعرائض وتقارير عن تطور الأحداث بها. ولقد كان من دواعي الفخر والاعتزاز لطلبة ابن يوسف أن يحظوا آنذاك بهذه العناية الملكية التي تعتبر بحق تاريخيا أول تلاحم مباشر لحركة شبابية خالصة مع الأسرة الملكية في خضم معركة حامية الوطيس مع الاستعمار والإقطاع". (11)
ورغم سدور سلطات الحماية في خطة تضييق الخناق على العمل المسرحي وسد كل المنافذ أمام القائمين عليه، فإن تفطن الأستاذ عبد الله إبراهيم لأهمية العمل المسرحي وإيمانه الراسخ المستمد من استيعابه للمكونات الثقافية للحضارية الأوروبية بما له من فعالية في توعية الشعوب وبلورة رأيها العام حال بينه وبين الركون للاستسلام للأمر الواقع، وقوى عزيمته على تأكيد حثه للمناضين بتكوين فرق تمثيلية صغيرة تقوم في غفلة عن أعين الاستعلامات كلما تهيأ الظرف الملائم لذلك بتقديم اسكيتشات ملتزمة باتباع خط توجيهي، وذلك بمختلف المنازل الخاصة التي يضعها أصحابها من بعض المناضلين تحت تصرف الحزب لممارسة نشاطه الوطني السري والعلني أحيانا والتي من بينها: منزل أسر المقاوم عبد السلام الجبلي، ومنزل أسرة محمد الحبيب الفرقاني.. ومعلوم أن هؤلاء كانوا طلابا في هذه الفترة. وقد تم فعلا تنشيط العديد من المسرحيات حول سيرة الفاروق عمر بن الخطاب بالإضافة إلى ترجمة العمل الأدبي "في سبيل التاج" لمصطفى لطفي المنفلوطي إلى عمل مسرحي.(12)

من حركة طلابية تحرُرية إلى حركة مقاومة تحريرية

لا شك أن الأمر الذي سيثير المهتمين بتاريخ الحركة الطلابية المغربية يتجلى بالخصوص في كون النواة الصلبة لحركة المقاومة المسلحة التي كان لها الفضل الأول في انتزاع الاستقلال؛ كانت هذه النواة وليدة العمل الطلابي الجاد الذي راكم تجارب غنية ونضالات مشهودة في معهد ابن يوسف وأثمر ذلك في نهاية المطاف قيادات شابة واثقة في نفسها وخادمة بصدق لرسالتها. إن هذا العمل الطلابي كان مزاوجا بين العمل الميداني والتكوين النظري (راح الأستاذ عبد الله إبراهيم، بعد عودته من فرنسا، يجول في مختلف المدارس الفكرية الغربية في محاضرات راتبة مع الطلبة بهدف تعميق وعيهم النظري هذا بالإضافة إلى إلقائه عروضا أخرى استهدفت بالأساس تقوية وشائج الارتباط بالوطن والهوية الإسلامية من خلال إطلالات  حول التاريخ الإسلامي وتاريخ المغرب، وإلى جانب الأستاذ عبد الله إبراهيم كان هناك الشيخ محمد المختار السوسي مساهما بارزا في التأطير الطلابي..). وقد أتت هذه الخبرة الميدانية (الاعتصام، الإضراب، الإعلام، الاعتقال..) المفعمة بالأفق الفكري الرحيب أُكلها وتجسد ذلك في نماذج حية كان لها باع واضح في تنظيم العمل المسلح ضد الاستعمار وكان لها أيضا حضور قوي في الحياة السياسية بشكل أو بآخر في المغرب المستقل؛ من بين هذه الأسماء: عبد السلام الجبلي، محمد بنسعيد أيت إيدر، الفقيه البصري، الحبيب الفرقاني..
 إن المنهاج الذي اعتمده الأستاذ عبد الله إبراهيم في تكوين المناضلين، سواء خلال مرحلة ما قبل سفره إلى فرنسا أو خلال مرحلة ما بعد رجوعه إلى أرض الوطن، والتي أبدى فيها اهتمامه البالغ بتكوين نخبة من طلبة كلية ابن يوسف قصد الإعداد الفكري والروحي لقيادة العمل المسلح ضد الاستعمار وأذنابه، قد حقق نجاحا باهرا في تأجيج روح المقاومة والتضحية لديهم، إلى درجة ثورتهم على سياسة حزب الاستقلال، المعتمدة على العمل السياسي السلمي، وذلك منذ أن دعا رائد المقاومة بمراكش مولاي عبد السلام الجبلي الذين عُرف أغلبهم فيما بعد بقيادتهم لتنظيمات المقاومة بالمغرب كله، وخصوصا بعد استشهاد المرحوم الزرقطوني؛ دعاهم إلى اجتماع سري ببيته أواخر صيف سنة 1951 بدون علم أي عنصر من مسؤولي الحزب بمراكش، أهاب فيه بالحاضرين إلى وجوب اتخاذ الأهبة والاستعداد للشروع في تنظيم خلايا للمقاومة بعد أن أبان العمل السياسي عن عدم جدواه وقلة فعاليته. وقد وافق جميع الحاضرين بحماس وتصميم على اعتناق الخطة، وقد كان من بين الحاضرين محمد الحبيب الفرقاني، محمد بنسعيد أيت إيدر، والفقيه محمد البصري ومحمد الحبيب محيي... ولم ينتظر مولاي عبد السلام الجبلي كثيرا بعد هذا الاجتماع الإعدادي لاتخاذ بعض الإجراءات العملية لتنفيذ الفكرة، بل سارع توا في خلق وتنظيم خلايا من بين أوساط مسيري الحزب بالأحياء الشعبية التقليدية بمدينة مراكش الذين سبق أن كُونوا أحسن تكوين وطني من قبل المربي الوطني عبد الله إبراهيم. وقد واصل عمله في سرية تامة وفعالية متواصلة، وتجنب مطلق لجماعة المسيرين المعروفين بالطاعة العمياء لأجهزة الحزب المسؤولة بالمدينة، وذلك إلى أن اكتشف الحزب ما يدبر بغير علمه من عمل. فكان نتيجة لذلك أن شرع أعضاء المكتب المحلي للحزب بأوامر من قيادة الحزب بالرباط، متجاوزة ومتجاهلة وجود عبد الله  إبراهيم كممثل أول لها بمراكش، في شن حملة عشواء وإن كانت تجري في نطاق السرية على مولاي عبد السلام الجبلي ورفقائه من قدماء المسيرين وطلبة. هكذا استطاع الأستاذ عبد الله إبراهيم أن يعد من بين طلبة كلية ابن يوسف نخبة من مقاومين أشداء، أسسوا حركة المقاومة المسلحة بمراكش والجنوب المغربي، وقادوها بوعي وذكاء وصمود ضد أقطاب ورموز الاستعمار من عسكريين ومدنيين وحلفائهم من عتاة الإقطاع ودهاقنته. (13)
إن الدرس المستفاد الذي ينبغي على الغيورين على العمل الطلابي اليوم التقاطه هو كون هذه الحركة الطلابية أفرزت طاقات كان متفوقة في دراستها وكانت صادقة في نضالها وكانت وفية لرسالتها وكانت متحررة نفسيا من الاستعمار وساعية عمليا لتحرير البلاد والعباد من شروره. يحكي المقاوم الكبير عبد السلام الجبلي ما يعضد هذا الكلام بشدة، فحينما تم اعتقال هذه الحركة الطلابية الناشئة بعد أن طرحت مطالب إصلاحية في المسألة التعليمية لم تتأثر جاهزية أفرادها إطلاقا لا في الدراسة ولا في النضال: أطلقوا سراحنا بعد تدخل واحتجاج محمد الخامس على الإدارة الفرنسية، لأنهم لاحظوا أننا شُفينا من النُدب التي حملتها أجسامنا من فرط السياط. وبعد استئناف الدراسة برزت فكرة تأخير موعد الامتحانات نظرا للمدة، التي تعطلت فيها الدراسة بسبب الإضراب، فرفضنا ذلك، وتشبثنا بمواعيد الامتحان، التي كانت مقررة من قبل، لأننا كنا نناضل على حساب الدراسة، لأنها بالنسبة إلينا جزء مهم من نضالنا. كنا نريد أن نبرهن على أننا قادرون على استئناف دراستنا، وعلى استئناف النضال بالدرجة نفسها. اجتزنا الامتحانات، كان عدد من المتتبعين يتتبعون رسوبنا، لكننا نجحنا مع أن جُلنا كان يمارس حرفا موازية للدراسة. تراوحت نتائج الامتحان بين ميزة حسن ومتفوق. (14)   


العمل الطلابي :الرسالة الخالدة

إن الفرضية التي انطلقنا منها في المقدمة ذات الصلة بتشخيص أزمة الحركة الطلابية والتي عبرنا فيه عن كون الأزمة تجَل فاقع للحيدة عن الرسالة النبيلة والدوران في المقابل حول الذات التنظيمية والارتهان لأشكال تاريخية عتيقة وقوالب غير عملية والغفلة عن روح التجارب التاريخية المنيرة سواء في تجربة الحركة الطلابية في مغرب الحماية أو  تجربة الحركة الطلابية في المغرب المستقل إلى حدود التسعينات. إن هذه الفرضية لا تركن إلى التحليل المتقادم القائل إن ازمة الحركة الطلابية هي أزمة إطار أو معضلة التمزق والانشطار. إنه لو افترضنا جدلا أن الوحدة قائمة على مستوى الإطار وعادت ل"أوطم" شرعيته القانونية والتاريخية. فالقضية لن تحل هكذا لأن التشخيص غلط. إن التسعينات والثمانينات عقدان كان فيهما الإطار منزوع الشرعية وكان فيها الاحتراب الفصائلي قائما غير أن "الأزمة" بتقديرنا لم تكن قائمة. لأن الأزمة هي استقالة الطلاب من الحياة غير شؤونهم الخاصة وشؤون الدراسة الضيقة. وأكيد أن وهج الانشغال بقضايا تتجاوز خُويصة النفس كان مستمرا إلى أن انطفأ وخبا مع بداية الألفية الثالثة.  
إن القارئ المتمعن في تاريخ الحركة الطلابية المغربية (وستكون الحركات الطلابية العالمية الأخرى شبيهة على مستوى العمق والروح والكنه للتجربة المغربية) لن يخطئ العناوين البارزة للرسالة النبيلة الخالدة التي يطوي مطاويها العمل الطلابي. إنها، باختصار، رسالة تحررية تسعى نحو تحرير ثلاثي الأبعاد:
أولا: تحرير أنفسنا، كطلاب، من علائق التراب: فقد خُلقنا من صلصال كالفخار وحمأ مسنون وخُلق الإنسان من طين، وهذا المكون الطيني الذي يملأ شقا هاما من هويتنا الإنسانية له دلالات غير خافية تتناهى إلى التَرسُب والجمود والخمول والكسل والتمركز حول الذات.. والعمل الطلابي، نظرا لطبيعته واستثنائيته، حيث يجد الإنسان نفسه في مرحلة عمرية يُحسد عليها وهو معدوم من الناحية المادية، مضطرم الشهوة من الناحية الغريزية، مسكون بالمستقبل المجهول من الناحية الوظيفية، مُثقل بمقررات متواضعة من الناحية المعرفية وعامرة من الناحية التقنية المعلوماتية؛ يجد نفسه فوق كل هذا مشدودا إلى رفع شعارات الحرية والكرامة ومتطلعا إلى الوقوف في وجه منتهكي الديمقراطية ومستعدا للفناء حتى لا يبقى الاستبداد معززا مُكرَما؛ كما يجد نفسه مائلا إلى القضايا العادلة ومنتفضا في وجه قوى الاستكبار والطغيان. إن هذا الجو وهذه البيئة وهذا المناخ وهذه التغذية؛ إن كل هذه الأمور هي التي تدفع الطالب الإنسان لتبرز إنسانيته فيتحرر من أنانيته السلبية الضيقة ويندفع نحو الجدية والبذل والعطاء.
 ثانيا: تحرير أوطاننا؛ إن الثمرة الطبيعية للتحرر الأول هو العمل لأجل الوطن. إن الدراسة، رغم كل الإكراهات المعروفة عن الشأن التعليمي وظروفه، ينبغي أن تكون سراجا ينير به الطالب درب الوطن، إما باختياره -اضطرارا لظروف مادية- التوجه نحو العمل بعد تحصيله لأول شهادة ممكنة، فإتقان العمل –أي عمل- وتجويده وبذل الوُسع في خدمة المواطنين من خلاله هو عين تحرير الوطن في هذا المستوى. وأما إذا كان النَفَس طويلا فالاجتهاد للإتيان بالجديد في التخصص المُختار هو عين تحرير الوطن في هذا المستوى. لكن هذا العمل العلمي والعمَلي ينبغي أن يكون مقرونا بالنشاط المدني؛ إذ أن تحرير الوطن من قُطاع الطرق لن يتأتى إلا بالصدع في فضاءات الجامعة بالمذنبين في حق الوطن والتحذير من خطهم ومن سلوك مسلكهم  ولن يتحقق إلا بالإشارة في المقابل إلى الصادقين العاملين على بعث الوعي الوطني الحي بمقالهم وحالهم (وعبد الله إبراهيم المذكور سلفا من هؤلاء) ولن يتيسر إلا بالتحرك على المستوى الإعلامي بالكتابة وعلى المستوى الجمعوي بالندوة والمحاضرة.
 ثالثا: تحرير الإنسانية المعذبة من الامبريالية والاستعمار الجديد؛ إن العمل الطلابي مجرد محطة يمُر منها الإنسان، لكن أهميته تعود إلى كونه محطة حاسمة في الاختيارات التي تُصاحب الإنسان في حياته. يكفي العمل الطلابي شعارا، السعي نحو "إبراز إنسانية الإنسان وتذكيره بأعباء الاستخلاف". إن الطالب الإنسان هو الذي يكون محترقا لآلام إخوانه في الحي الجامعي كما يكون مهموما بانعدام العدل على المستوى الدولي. إن القضايا الكبيرة إذا لم يحملها الطالب، المثخن بكل الجراحات، فمن يحملها؟ إن الحلم بعالم أكثر عدلا وأكثر سلاما وأكثر تراحُما لا بد أن يُصاحب الطالب الإنسان لكي يستمر معه طيلة الحياة، ليأتي الجيل المقبل ليجد الحلم موجودا ليعمل على تحويله إلى واقع.. وهكذا. إن الإنسانية في مسارها تتقصد العدل وكل المُثل السامية؛ واليوم نجد العديد من الدول حققت نسبا مُقدرة من العدل بين مواطنيها أي على المستوى الداخلي، لكن مازال العدل على المستوى الدولي بعيدا، مازال العدو الصهيوني جاثما على فلسطين، مازال التضييق على التجارب التنموية والديمقراطية الصاعدة مستمرا..
إن تجربة الحركة الطلابية في مغرب الحماية كانت وفية إلى حد كبير للرسالة النبيلة الخالدة. إن جنود هذه الحركة كانوا جادين متحررين من الكسل، وكانوا سعاة لتحرير الوطن من قبضة الاستعمار، وفيما بعد كانوا من حماة الاختيار الديمقراطي في مغرب الاستقلال. إن الاستبلاد والاستبداد والاستعمار هم الأعداء الثلاث للإنسان؛ والعمل الطلابي ينبغي أن يكون لهم بالمرصاد، حتى لا يذهل الطالب عن رسالته في الحياة وحتى ينعم الوطن بمستويات مقبولة من العدل وحتى يتحرر العالم من نير الاستعمار الذي يتسربل في عدة أقمشة.


الهوامش:

(1)   محمد لومة، "سنوات الصمود وسط الإعصار"، ص: 27-28. الطبعة الأولى. منشورات عكاظ. الرباط:2006 )
(2)   المرجع السابق. ص:172-173
(3)   المرجع السابق. ص:41
(4)   المرجع السابق. ص:50-51
(5)   المرجع السابق. ص:30-31
(6)   المرجع السابق. ص:44-46-47
(7)   المرجع السابق. ص:47
(8)   المرجع السابق. ص:49
(9)   المرجع السابق. ص:80-81-82
      (10) عبد السلام الجبلي، أوراق من ساحة المقاومة، ص:35.
      (11) محمد الحبيب محيي، عبد الله إبراهيم: من خلال بعض ما تميز به بين معاصريه، الطبعة الأولى 2008، ص:52-53 -55
        (12) المرجع السابق، ص:69
       (13) المرجع السابق. ص:83-88

       (14) عبد السلام الجبلي، أوراق من ساحة المقاومة، ص:39-40


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





  لا يخفى أن التحليل النقدي الجاد المُسلط على المؤسسات  يتجه أساسا إلى استنطاق مدى وفاء هذه الأخيرة لأدوارها الأصيلة. وإذا كانت المؤسسات التعليمية عامة والجامعية على وجه الخصوص تتعرض لسيل من النقد، فإن قصور هذه التحليلات والأحاديث النقدية راجع أساسا إلى كونها لا تنطلق من الأدوار الأصيلة للمؤسسات التعليمية لبناء منظورات نقدية مفيدة.
تعد الجامعة مرمى للعديد من الخطابات الغيورة على وضعنا التعليمي بشكل عام. ولا تكاد تجد أغلب هذه الخطابات تتجاوز تحديات  تعد بمثابة الجزء الظاهر من الجبل الجليدي فقط؛ فمن قائل: إن أزمة الجامعة تتلخص في العنف المستشري في بعض المؤسسات الجامعية، إلى متيقن من أن تواضع مستوى البنيات التحتية وضعف التجهيزات وقلة عدد المُدرجات  هو رأس الأدواء، مرورا بالمهتمين بالمسألة اللغوية الذين يرون أن استمرار التدريس بلغة المستعمر هو سلوك يعكس بجلاء عمق أزمة الجامعة، بالإضافة إلى الذين يربطون أزمة الجامعة بمشكلة الشغل وأزمة البطالة أي تلازم الحصول على الشهادة الجامعية والسقوط في براثن البطالة..
إن قراءتنا لمسار الأدوار التي اضطلعت بها الجامعة منذ الاستقلال تبين بجلاء أن أزمة الجامعة راجعة أساسا إلى كونها قد حادت عن دورها الأصيل واتخذت لها وظائف أخرى رهينة بحسابات التقنوقراطي. وقد تكون وظيفة “تكوين الأطر” مُتَفهمة في سياق مغرب ما بعد الاستقلال، لكن الانكفاء حول خيار “المهننة” و”التقننة” والغفلة عن الدور الرئيس للجامعة وهو تعليم التفكير وتعلُم التعلُم وإنتاج المعرفة  يؤشر على وجود أهداف باطنة مستترة تقف وراء تكريس هذا النهج التقنوي-التشغيلي.

تكوين "أطر" الدولة:  الستينات والسبعينات
ت
دشن العاهل المغربي أول نواة جامعية عصرية في المغرب في الرباط حملت اسمه هي جامعة محمد الخامس في 21 دجنبر 1957. تأسست الجامعة الأولى والمغرب يعيش فراغا مهولا من ناحية الأطر التي بإمكانها الحلول محل الأطر الاستعمارية في الإدارات ومختلف المجالات. وليس غريبا إذن أن يكون منتهى الطموحات من وراء تأسيس الجامعة؛ هو الاضطلاع بدور تخريج أطر تقنية إدارية تُسير البلاد.  وقد أكد خطاب العاهل محمد الخامس رحمه الله على هذا المنحى بمناسبة التدشين: (المغرب) في حاجة إلى ثقافة تشمل سائر الميادين، لا توفرها إلا جامعة مغربية عصرية تمكن من تهييء جميع الوسائل الضرورية التي هي الأطر الكافية المتلائمة وعهد الاستقلال، الأطر القادرة على الاضطلاع بمهام الإدارة والتسيير، لا في الميدان الإداري فحسب، بل في بقية الميادين الصناعية والاقتصادية والفنية”.(1)
غير أن الحياة السياسية، بُعيد الاستقلال، جرت مجرى آخر من حيث وفائها لآمال وآلام الفئات الشعبية ومنها بالدرجة الأولى الجماهير الطلابية؛ إذ ساد جو من التضييق بالحريات النقابية والتنكيل بالأحزاب والحركات المناضلة واعتقال أولي الفضل في انتزاع الاستقلال وإعدام الحياة النيابية في مهدها مع إعلان حالة الاستثناء؛ مما أدى إلى تبلور ردود أفعال عنيفة تجاه الدوائر الرسمية توسلت أغطية إيديولوجية بالاستناد إلى الماركسية-اللينينية. كل هذا، جعل المنظورات المؤطرة للسياسة التعليمية وبالأخص في الجامعة تبقى رهينة هاجس الحد من إيديولوجيا التمرد والانتفاض في وجه الدولة والنظام. لهذا زاغ الساسة الحاكمون بسكة الجامعة عن أدوارها الطلائعية الأصيلة وصار هَمُ كل الاختيارات هو الحد من غُلواء الإيديولوجيا الثورية وتخفيض مستوى المضمون المعرفي للمناهج التعليمية حتى لا يقع الطلاب في حب إيديولوجيا جذابة في سياق إقليمي وعالمي مثير ومحتقن بالانقلابات وطموحات الثورة على الأنظمة “الرجعية”.

هاجس النأي عن شبح "البطالة": الثمانينات إلى اليوم

حوالي منتصف السبعينات عقدت المعارضة، ممثلة في أحد تعبيراتها القوية، لقاءات مع العاهل المغربي الحسن الثاني رحمه الله بدعوة من هذا الأخير (اللقاء الأول كان بين المرحوم عبد الرحيم بوعبيد والعاهل سنة 1974)؛ أسفرت عن انفتاح محتشم في الحياة السياسية واستهلال متردد لتطبيع العلاقة بين الحركة الاتحادية –أبرز حركات المعارضة- في نسختها الثانية (أي الاتحاد الاشتراكي) مع الدوائر الرسمية. هذه التطورات في الساحة السياسية انعكست على المقاربة المعمول بها في الجامعة. إذ أن تطبيع العلاقة مع الأجنحة الإصلاحية للمعارضة كان من شأنه دفع الأجنحة الثورية الباقية إلى الانحسار والانكماش. غير أن الانفراج السياسي المحدود تزامن مع أزمات اقتصادية غير مسبوقة؛ الأمر الذي جعل أصحاب القرار يطرحون مسألة الجامعة على طاولة الاقتصاديين بعد أن كانت سابقا على طاولة “أوفقير” وزمرة من الأمنيين. “لقد تعاملت مختلف الحكومات المتلاحقة مع الجامعة منذ نهاية الستينات حتى بداية الثمانينات كمشكل مؤسساتي-اجتماعي. ومع بداية سياسة التقويم الهيكلي (1983) إلى الآن تعاملت معها كمشكل اقتصادي-إدماجي. وإذا كان الهاجس الأمني والإيديولوجي هو الذي وجه مختلف القرارات والإصلاحات التي مست الجامعة خلال سيادة المنظور الأول، فإن الهاجس الاقتصادي-التشغيلي هو الذي يوجه حاليا مختلف القرارات والإصلاحات المتخذة لحد الآن. وأهم ما يميز سياسة وتوجهات هذا المنظور الجديد هو تعامله مع الجامعة في توجهها العام ومهامها ونظام تدبيرها الهيكلي وآفاق إصلاحها، من خلال علاقتها المباشرة بالنظام الاقتصادي الوطني ومجالاته الإنتاجية. وهو ما يعني بأن سياسة إصلاح الجامعة ينبغي أن تتم صياغتها من خلال أولويات التنمية الاقتصادية وحاجياتها، كما يتم التخطيط لها من طرف أصحاب القرار والفاعلين الاقتصاديين. وهي مقاربة تغلب عليها في توجهاتها الكبرى المعالجة الكمية-الإحصائية للجامعة، ومعادلات التنافسية والمردودية والتلاؤم، وتقوم على مسلمة أساسية قوامها أن تنمية قطاع التعليم العالي يبقى رهينا بتنمية القطاع الاقتصادي”.(2)
وفق هذا المنظور الاقتصادوي تم السعي للاستجابة لتقارير البنك الدولي (1995) القائلة بالتركيز على التعليم الأساسي عوض الثانوي والعالي. مما أدى إلى تراجع الاهتمام بالجامعة والتوجه أساسا نحو مسلسل “التقننة” و”المهننة” حيث يتم تشجيع معاهد التكوين المهني التي بالإمكان الولوج إليها بشهادة التعليم الأساسي أو ما دونها.
مع حلول الألفية الثالثة اتجهت السياسة التعليمية إلى منحى آخر يندرج ضمن نفس الرؤية المهجوسة بالتشغيل ومتطلبات السوق. فصارت المعاهد العليا والمدارس ذات الاستقطاب المحدود هي أولى الأولويات، نظرا لارتباطها التلقائي بأسئلة الاقتصادي (عدد المهندسين الذين نحتاج، عدد المسيرين الذين يحققون الاكتفاء…). لكن يمكن قراءة التركيز والالتفات إلى المعاهد على حساب الجامعة من زاوية أخرى، وهي سعي الدولة الحثيث لنزع فتيل التفكير النَقاد وإشاعة التفكير المنقاد في أوساط المواطنين. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الدول تلجأ إلى الترويج للمعاهد التقنية العليا التي تزيد الجامعة فقرا على فقر من الناحية المعرفية والفلسفية والقيمية، وتستعيض بها للمزيد من القولبة والتنميط وصناعة الآلات التي تتقن صنعتها ولا تعرف سوى ما تحت رجلها وتفتقر إلى النظر البعيد وتغفل عن الأفق الرحيب. فعلى سبيل المثال؛ “نجد أن خلق المدارس والمعاهد العليا في فرنسا قد كان على حساب الجامعات في سنة 1979، بقرار من الارستقراطية الفرنسية وذلك للحد من تأثيرات مفكري وفلاسفة الأنوار، بحيث تم إقرار إلغاء 23 جامعة وتعويضها بالمدارس العليا”. (3)
ولا عجب، إذا فهمنا هذا المعطى، أن نجد المرجعيات “السلفية” العاتية في الغلو والتطرف (نموذج ما يسمى “المدخلية” نسبة إلى زعيمها ربيع المدخلي) تعشش داخل معاهد الهندسة (على سبيل المثال، معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط). وفي هذا الصدد، يحكي لي أحد الأصدقاء، من هذا المعهد، أن أحد زملائه سجل حضوره في محاضرة لأحد المشايخ في مدرجات إحدى المعاهد في الرباط وكان طيلة المحاضرة مسكونا بسؤال وحيد يحتشد لطرحه على الشيخ يتعلق الأمر: أ لسنا في هذه المحاضرة في “اختلاط”: بعد أن رأينا الطالبات يقتعدن الشق الأيمن من المدرج والطلاب يقتعدون شقه الأيسر؟
تجدر الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن الاختيارات الحاكمة للسياسة التعليمية الخاصة بالجامعة لا تخضع للتبديل ولا ترتهن للخلفية الإيديولوجية للوزير؛ فلا إسماعيل العلوي المنحدر من الحزب الشيوعي ولا عبد الله ساعف المعروف بانحيازه لليسار الديمقراطي ولا لحسن الداودي سليل العمل الإسلامي؛ لا أحد منهم أبان عن نية الانتفاض في وجه هذا القفص وهذا الخناق المضروب على التعليم العالي برمته من طرف أصحاب القرار التقنوقراطيين. فالتصريحات التي يطلقها من حين لآخر الوزير الحالي عن كليات الآداب والحقوق، إذا افترضنا حسن النية الكامنة وراءها، فإن دلالاتها واضحة في سلوكها مسلك المرتهنين لحسابات الاقتصادي- التقني. لأن كلية الآداب والعلوم الإنسانية مازالت، نظرا لطبيعتها، عصية على الانخراط في مسلسل السوق وإن كان الطلبة في النهاية هم الذين يؤدون الثمن. ويتساءل الباحث عبد الرحيم عمران: في ظل التوجه السائد حاليا: في ظل سيادة نوع من التفكير الأحادي الاقتصادوي-التشغيلي على توجهات إصلاح التعليم العالي؛ نتساءل عن مكانة ودور ما نسميه بكليات الآداب والعلوم الإنسانية. (4)

مُخرجات النهج التقنوي-التشغيلي: محاولة تقييم

إن النهج الذي انخرط فيه أصحاب القرار وانتهجوه مع الجامعة في الستينات وأوائل السبعينات والذي أعطى الأولوية للمسألة الأمنية وإن كان يبدو مخالفا للنهج المُتخذ مع مطلع الثمانينات فإنه يقف معه على نفس الخط من حيث تفقير المضمون المعرفي والفلسفي والقيمي. “فرغم ما يبدو ظاهريا من مفارقة أساسية بين أولويات الهاجس الأمني-الإيديولوجي والهاجس الاقتصادي-التشغيلي تجاه الجامعة، فإن هناك توجها أساسيا يشكل قاسما مشتركا بينهما؛ ألا وهو الحد من أهمية المهام الثقافية-العلمية والمعرفية-الإشعاعية للجامعة المغربية لصالح المهام التكوينية والتخصصات التقنية-التطبيقية ذات الامتياز المهني والاجتماعي”.(5)
إن المسار التشغيلي الذي سارت فيه التوجهات الحاكمة للإصلاح الجامعي  باءت بالفشل ولا أدل على ذلك من تنامي نسب بطالة ذوي الشواهد العليا. ما يعني أن كل ما كان يحرك أصحاب القرار، من شبح انفجار البطالة، لم يتم تلافي مخاطره. أضف إلى هذا، أن عالم اليوم يتميز بدينامية لافتة في مستجدات المعرفة؛ فالتقنيات التي يلهث أصحاب القرار وراء تعليمها للطلاب، على أهميتها، قابلة للتبديل والتعديل. ما يعني أن فقدان الطالب لدراية عن فلسفة العلم المؤطر للتقنية التي يتعلمها يجعله على مهب الريح بخصوص التأقلم مع التقنيات الجديدة من حيث التعاطي الإيجابي معها. في هذا السياق أيضا، يبدو سوق الشغل غير متطابق مع عالم التكوين (أي الجامعة ومعاهد الهندسة والتقنية)؛ فغالبا ما نرى المهندس يقوم بمهام المسؤول التجاري ونلفي المحاسب واقف على أسئلة علم التدبير.. كل هذا، من شأنه أن يدفع أصحاب القرار لحقن المناهج المُدرسة بحُقن من المرونة تراعي التكامل المعرفي  حتى يتسنى للطالب عند التَخرج: التاقلم السريع مع مجال خارج التخصص المدروس. ويمكن الذهاب كذلك إلى كون غنى المقرر الدراسي من الناحية المعرفية والفلسفية والقيمية بمثابة  حصانة للطالب من الارتهان المؤبد للوظيفة العمومية؛ فالطالب المؤَسَس جيدا من الناحية المعرفية بإمكانه التفكير –رغم إمكانياته المادية المحدودة أو المعدومة- في الانخراط في مشاريع خاصة يستثمر فيها رأسماله المعرفي، وعلى كل حال فالقطاع العام؛ من المستحيل –مستقبلا- أن يتحمل سوى نسبة منزورة من المواطنين. والسياسة التعليمية، باتجاهها التقنوي، نازعة نحو إهمال المضمون المعرفي والتخفيض منه ونحو التكثير-في المقابل- من المضمون التقني والمهاري والحساباتي الذي يؤدي إلى وجهة واحدة من الناحية الوظيفية، فإذا لم يحالف الحظ الطالب المُتخرج  في الحصول عليها فقد بات على كف عفريت.
إن التوجه التقنوي-الاقتصادوي فشل، كما رأينا، في ما سطره من أهداف ظاهرة؛ أي الارتباط بسوق الشغل وتفادي أزمة البطالة. لكنه، نجح أيما نجاح في تحقيق ما تطلع إليه من أهداف باطنة غير مُعلنة. إنه قد نجح في اغتيال الحركة الطلابية التي ارتهنت لتاريخ مضى وتحليلات ميتة. إنه قد نجح في إخراس الأصوات التي تقول “لا” على بصيرة. إنه قد نجح في جعل طموحات الطلاب لا تتعدى السيارة الفارهة والمنازل الفخمة والزوجة الجميلة والهواتف الذكية. إنه قد نجح في إشغال الطلاب بقضايا تافهة سطحية (أسئلة “الاختلاط”!). إنه قد نجح في زرع “العقل الأداتي” الذي يعدم السؤال عن كنه الأشياء وماهيات الظواهر وما خلف السياسات. باختصار؛ إنه قد نجح نجاحا باهرا في اغتيال دور الجامعة. “إننا بتركنا لمجالات العلوم الإنسانية (وبتهميشنا للإطارات المعرفية والفلسفية للعلوم الأخرى سواء الدقيقة أو القانونية والاقتصادية) خارج دائرة البحث العلمي المتخصص، وأيضا خارج دائرة البرهان والاستدلال العلمي، ومنهجية الحجاج والإقناع العقلاني، فإننا بكيفية ما نساهم في سيادة ثقافة الشعوذة والطروحات والقناعات المتطرفة، ونكرس مؤسساتيا وثقافيا سيادة نوعين منفصلين من المصادر المرجعية “للمعرفة” داخل المجتمع المغربي: المعرفة العلمية التقنية المتخصصة والمعرفة الاجتماعية-الثقافية التداولية. وإذا كانت المرجعية الأولى ستجد في مراكز ومجموعات البحث الجامعي-التقني والقطاع الخاص، مصدرا هاما لها، وبكون العمل على تدعيمها وتشجيعها سيساهم في انتشار ثقافة تقنية-تطبيقية؛ فإن المرجعية الثانية وديناميكيتها التداولية ستجد في تمثلات ومواقف وممارسات المؤسسات والجماعات الفكرية المذهبية ذات الحقائق المطلقة والمناهج التصديقية غير القابلة للتحليل والبرهان والنقد والدحض، مرجعا أساسيا لها ولممارساتها”.(6)

الدور الأصيل للجامعة: حتى نستعيده

في الختام، إن الجامعة فضاء يتيح مناخا يكتسب فيه الطلاب الناشئون طرائق التفكير ومعالجة النصوص وسبل التُعلُم وامتطاء صهوة البحث العلمي بمنهجية صارمة. "فالمفهوم الحديث للجامعة يذهب إلى كونها فضاء لتعلُم التعلُم، وتكوين أطر الدولة، والبحث العلمي والحرية الفكرية".(7)
إن الجامعة هي موطن لتخريج الأحرار الذين بإمكانهم خوض غمار البحث والتعلُم دون لجوء إلى طرف من الأطراف سوى منابع ذخائر المعرفة وهي الكتب. ولا يمكن للجامعة أن تضطلع بهذا الدور التنويري الكبير إلا إذا تضمنت مناهجها محتويات غنية بالجانب الابستملوجي والإطار المعرفي للعلوم المدروسة. ورب قائل: إن الطلاب يمتعضون ويستصعبون حديث الفلسفة والابستمولوجيا ويُقبلون بلا تراجع على التقنيات ودراسة ثمار العلوم؛ متى كان المريض يهوى الدواء، ومتى كان الغارق يدرك سبب غرق مركبه وهو  بين الأمواج، ومتى كان الإنسان نازعا نحو المعالي وتاركا للطرائق السهلة والأمور اليسيرة.
إن دور الجامعة يكمن في مراجعة الرؤية وتخريج عناصر فاعلة بالمجتمع وليست معملا لتفريخ الجهلة والبيادق المراد التحكم بواسطتهم لإبقاء المجتمع في نفقات العتمة والتخلف. (8)
إن الجامعة المغربية، ما لم تتوخى استعادة دورها الأصيل؛ فستتخبط في حالة التيه وستستمر في تجريب وصفات الإصلاح دون جدوى. وسيتم اختزال أزمة الجامعة في أعراض ظاهرة (كالعنف، والبطالة..) بدون فائدة. إن حل الجامعة يبدأ في فك ارتهانها بأمواج التقنوقراطيين المُسخرين من طرف أصحاب القرار الذين يخافون بدون مبرر من البحث العلمي الحر والأصوات المتحررة حقا والغيورة على وطنها صدقا والملتزمة بمعاني المُواطنة الصادقة يقينا.

الهوامش:

(1) علي القاسمي، الجامعة والتنمية: مقدمة الأستاذ عبد الهادي بوطالب، سلسلة المعرفة للجميع، العدد 27، 2002، ص:36.
(2) عبد الرحيم عمران، الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية، منشورات الموجة، 1999، ص:122-123.
(3) المرجع السابق، ص:123.
(4) المرجع السابق، ص:108.
(5) المرجع السابق، ص:123.
(6) المرجع السابق، ص: 114-115.
(7) تنسيق: الطيب بن الغازي، فكرة الجامعة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط، 1997، ص:15.
(8) المهدي المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية، الطبعة الثالثة، ص:182.

...تابع القراءة

| 3 التعليقات ]



ألقى  الأستاذ الكبير المقرئ الإدريسي أبوزيد محاضرة في المدرسة الوطنية للصناعة والمعادن بالرباط بعد هياط ومياط. كانت المحاضرة عبارة عن كشف وتعرية للرحلة الفكرية التي صاحبت كتابه "القرآن والعقل". وكعادة الأستاذ، كان جوالا في عدة آفاق ونالت التقاليد الراكدة ما نالت من النبال وكان الانتصار لخط الجرأة والتساؤل والشك والنقد والعقل والحيرة والاستفهام واضحا طيلة العرض.
بعد نهاية المحاضرة، التفت لفيف من الشباب –الطلبة المهندسين- حول الأستاذ؛ يتساءلون عما يجول في خاطرهم ويستفهمون عما يستشكل في أذهانهم. فوجئت، ونحن في اليوم العالمي للمرأة، بالطلبة المهندسين مازالوا في اشتباك مع مسألة عمل المرأة.
 ربما  سيتذكر المرء الحروب الساخرة التي شنها الشيخ محمد الغزالي ضد هكذا منطق وهكذا اهتمامات؛ فطالما أشار في كتبه (خاصة: مشكلات في طريق الحياة الإسلامية) إلى أنه التقى طلبة الصيدلة أو طلبة شعبة الكيمياء وراحوا يسألونه عن الخلاف المذهبي في "التشهد" وفي قضايا جزئية محدودة لا صلة جدية لها بالتدين الراشد.
لكن المسألة لها أبعاد أخرى؛ فالطلبة من صفوة الصفوة في هذا الوطن، والموضوع له صلة بواقعنا الاجتماعي المُتلطخ بآفات لا تحصى، والقضية ليست جزئية بل تلامس قلب الحياة: فهؤلاء وهم على مشارف حمل لقب "مهندس"، مقبلون على الزواج، وربما من طالبات مهندسات من نفس المعهد؛ ما يعني أن اعتبار عمل المرأة فيه نظر سيدفعهم لاشتراط ذلك على الخطيبة...
ليست القضية المُثارة هي الأهم. إنما ما وراء السؤال من عقلية وما خلف الاستفهام من ذهنية. أولا، الحدث دلالة على أنها ثقافة "الطلب على الفتوى" في شؤون شخصية مازالت سائدة. ثانيا، وهذا هو بيت القصيد، الحدث مرآة عاكسة للنقاش الذي جرى منذ أيام حول منابع "الرجعية": هل هي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية أم معاهد التقنية والهندسة، أم هما معا. ثالثا، وهذا أهم من بيت القصيد، هو كون "العقل" الذي تبنيه مدارسنا وجامعاتنا هو "عقل أداتي" بامتياز يدور حول التفاصيل والجزئيات ويرتهن للفتاوى والشخصيات، أما "العقل النقدي" الذي ينفذ إلى الأعماق ويهتم بالمقاصد والكليات ويُسائل الفلسفة والماهيات، فهو مازال بعيدا عنا بخطوات وخطوات.
وينبغي ابتداء أن نتفق على أن "الطالب المهندس" ضحية من الضحايا لا يتحمل وزرا كبيرا فيما جرى. إنه ضحية منظومة تربوية تتغيى إنتاج الآلات والعبيد الذين يعيشون ك"السمكة" في البحر ولا يتطلعون إلى ما وراء البحر، أنى لهم ذلك والخناق مضروب عليهم. لن يكون لهم ذلك إلا بأداة وحيدة هي "القراءة" (وتنويع القراءة) ثم التأمل في المقروء ثم النقاش والحضور لحلقات النقاش (مثل تلك المحاضرة).
من يقرأ، مثلا، للإمام الحافظ ابن الجوزي كتابه الرائق "صيد الخاطر" الذي يشمل جملة من ألطف "الرقائق" بأسلوب موزون رائع. من يقرأ هذا الكتاب، من هؤلاء الشباب، ودون امتلاك مصفاة للتمييز ووسيلة لوضع الأفكار في سياقاتها. أكيد انه مع الانتشاء بحرارة الوعظ وذكرى يوم الرحيل وأشواق الوصول، سيلتقط تلقائيا كلمات من بنات أفكار الإمام ابن الجوزي، أفكار لا علاقة لها بالوعظ والآخرة وإنما هي مصبوغة بصبغة عصر ابن الجوزي حيث بدأت أنوار العقل تخفت وبدأ الظلام يسري في الحضارة الإسلامية (فابن الجوزي مات سنة 597هجرية) .
"ينبغي أن ينظر العاقل في الزوجة، والمطلوب منها شيئان: وجود الولد، وتدبير المنزل، فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل، فإن انضمت صفة العقر فلا وجه للإمساك، إلا أن تكون مستحسنة الصورة، فإن ضم إليها عقل وعفاف حسُن الإمساك.. وليحفظ نفسه بالهيبة من الانحراف مع الزوجة، ولا يطلعها على ماله؛ فإنها سفيهة تطلب كثرة الإنفاق". (عبد الرحمان بن الجوزي، صيد الخاطر، دار التقوى، مصر، الطبعة الأولى، 2013، ص:188)
من يقرأ هذا النص وهو منغمر كليا في شجون الحديث الرقيق عن مظاهر التأهب للرحيل عن هذه الدنيا من لزوم الطاعات والعكوف على علم الشريعة، لا شك أنه سيحصر أدوار المرأة كما هي في خاطر ابن الجوزي.  ورسالة المرأة في هذا الخاطر لا تتعدى أمرين: الإنجاب، وخدمة البعل وتنظيف الأواني وإعداد الطعام..
المشكل ليس مشكل ابن الجوزي، لأن قبل ابن الجوزي بحوالي ستة قرون مازالت المؤتمرات في أوروبا تناقش هل المرأة تستحق الانتساب إلى دائرة الإنسان أم لا. المشكل في قُراء ابن الجوزي. المشكل فيمن يريد أن يأخذ تصوراته عن المرأة من ابن الجوزي وغيره من فضلاء أكابر قدموا لزمنهم وفي عصرهم خدمة جليلة للعقل المسلم بل للإنسانية جمعاء. المشكل فيمن لم يفهم بعد أن ابن الجوزي وغيره كانوا أبناء بيئتهم وكانوا أبناء عصرهم ولم يكونوا من قبيل "سوبرمان" يفكرون لكل الناس في كل العصور. المشكل فيمن يريد أن يستقيل من التفكير ليفكر "أبو زيد" و"ابن الجوزي" مكانه في مسألة عمل المرأة وغيرها من مسائل الدنيا. لا بل المشكل في المنظومة التربوية التي تجيد إعدام العقل بإغراق الطالب والتلميذ في وهم يسمى "التمارين الصعبة" عوض أن تطلعه على فلسفة تلك التمارين ولماذا جاءت وأي غاية تخدم غير "الرياضة الذهنية" و"التجوال في السماء"؛ ليتعلم أن عليه أن يطرح سؤال "لماذا" قبل سؤال "كيف" بخصوص المسائل التي تعرض له في الدنيا قبل أن يتبنى رأيا فيها.

إن المعاهد العليا والثانويات التأهيلية (وكل الجامعات، حتى لا ُيحاصر سؤال الابستمولوجيا في شُعب "الفلسفة")، ما لم تنفخ روح النقد المعرفي والسؤال الابستمولوجي في مضامين المناهج الدراسية، فحتما ستلد كائنات –إذا لم يقيض لها المولى، من يأخذ بيدها نحو آفاق المعرفة والفكر والسؤال- ستكون غارقة في تقنية محدودة ولا علاقة لها بالحياة بل ستُوقف كل أحلامها على جزئيات من المفترض أن تكون مهملة من طرف العقول الكبيرة. هؤلاء،  ضحايا في نهاية المطاف، سيستبطنون دون تمييز أي فكرة مهما كانت محكومة بعصرها وسياقها. وأكيد أن المرأة التي انسحقت إنسانيتها في كل الأزمان الغابرة ستكون أول الضحايا. والخطير هو أن هؤلاء لن يقولوا للظلم والاستبداد يوما "لا" لأنهم مشغولون بقضايا هامشية محدودة، ولهذا السبب –على ما يبدو- تم جرهم إلى مستنقع آسن هو دائرة أسئلة "العقل الأداتي" (عقل يجيد الإجابة على كيفية حل المسائل الرياضية وتشغيل الآلات التقنية، لكنه يعدم روح الاقتراب من اسئلة الحياة الاجتماعية).   


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





خلق الله جل في علاه بني آدم لأداء أعباء الاستخلاف وتعزيز توبة آدم عليه السلام. وليس عجيبا أن أي خليفة هو قائم بمهام المستخلف؛ يحقق مراده ويُشيع القيم التي يشاء أن تكون عقدا للاستخلاف. ولما كانت المشيئة الإلهية قد اختارت آدم وبنيه للاستئمان على أمانة الاستخلاف،  فإن دورهم ينبغي أن يدور حول تحقيق مُراد الله فيها والكد من أجل إشاعة القيم والمعاني التي يميل إليها الباري سبحانه وتعالى.
وثمة في الحكاية عنصر جديد، هو كون الخليفة -هذه المرة- هو الإنسان. وما أدراك ما الإنسان، الذي يحمل في تكوينه أصولا من روح الإله جل في علاه.  ما أدراك ما الإنسان الذي يستعصي على التنميط والقولبة وميكانيزم تشغيل الآلات. ما أدراك ما الإنسان الذي تمرد منذ اليوم الأول على توجيه من رب الأرباب. ما أدراك ما الإنسان الذي سجدت له الملائكة المُصممة وفق الطاعة ليل نهار.
لهذا، إذن، لم يشأ المستخلف جل في علاه أن يحدد بجلاء لخليفته المُراد من حمل أمانة الاستخلاف والانطلاق في ملكوت خلاب في عمر لا يكاد يتجاوز عشرات السنوات. لم يشأ الباري تقديرا لطبيعة الإنسان أن يمنحه الحقيقة ناجزة. لم يُرد جل في علاه أن يقول له: إن المعاني التي أريد هي واحد واثنان.  بل فعل تبارك في عُلاه فعلا آخر؛ إذ زوده بمَلكة التفكير والتأمل والتعقل والإدراك ليستضيء بها في رحلة البحث عن معاني الاستخلاف ومُراد رب الأرباب. وأعانه في فترة طفولة العقل والفكر بإرسال الرسل والأصفياء لتقريب المُراد من أفهام الناس.
ولكون النبوة قد تم ختمها، كما يقول فيلسوف الإسلام "محمد إقبال"، فإن في ذلك إيذانا بحلول موعد كفاية عقل الإنسان للاقتراب من كبرى اليقينيات وفتح أعقد الألغاز وتناول أعمق الأسرار. إن مولد الإسلام، هو مولد العقل الاستدلالي.. الإنسان لكي يُحصل كمال معرفته بنفسه، ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو. (محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، سلسلة معالم الحداثة، دار الجنوب، تونس، 2006، ص:133)
يؤرخ المؤرخون للتأشير على الفواصل القائمة ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ بحدث اختراع الكتابة دلالة على عظمة الزلزال الذي أصاب البشرية بفعل هذا الاختراع.
لأن الكتابة خزان لكل ما راكمه الإنسان في سبيل الاقتراب من معرفة الحقيقة والاقتراب من مُراد الله في هذا العالم البديع. تطورت المكتوبات وصارت مأوى لكل الجهود  الإنسانية الساعية لتقليب النظر في الأسئلة العظمى الثقيلة. فكلما تلمح الإنسان معنى يُجلي ظواهر عالم الآفاق (الطبيعة) والأنفس، إلا وسارع بتدوينه، ليجده من يأتي بعده، حتى لا يبدأ من الصفر، ليضيف إليه تأملات عميقة وأكثر غورا.
هكذا، إذن، ظهرت صناعة الكتاب. وهكذا، أيضا، صارت قراءة هذه الكتب شرطا لازما لاكتمال إنسانية الإنسان. ولا عجب، بعد هذا، أن نجد أول آية في كتاب الله الحكيم، كانت دعوة للقراءة وتصفح الأوراق والتصورات المسبوقة عن العالمين.
ومن هنا، نجد أن الإنسان لا ينال كرامته الموهوبة من مستخلفه (ولقد كرمنا بني آدم)؛ إلا بعد أن يقرأ ويكون قارئا. إن صفة الإكرام لم يُقرنها الباري به سوى بعد حديثه عن القراءة. إن المُكرمون هم القراء. (اقرأ وربك الأكرم). أي اقرأ لتكون إنسانا ويحق لك السؤال عن الكرامة. أما أن تطالب بالكرامة وأنت هائم في ظلام الجهل وبلادة الحس والألفة الغافلة؛ فذاك ضرب من ضروب التخريف وأضغاث الأحلام.
إن القراءة واجب على كل إنسان كي يكون إنسانا بحق. إنها ليست هواية، كما يُشاع، أو لونا من ألوان الترف وتسلية الوقت والقضاء على الفراغ. إنها ليست حصانا يُركب للرد على الأغيار. إنها منبع النور يحمل الإنسان على الاتصال بذخائر كل الناس ومعاناتهم وكبدهم في سبيل البحث عن المعنى وجدوى الوجود في هذا المبنى (العالم). إن القراءة اختبار للملكات والقدرات الخاصة بجنس الإنسان أي التأمل والتفكير والتعقل والمقارنة وإثارة السؤال.
لا يجب أن نقول: تعالوا نقرأ أقوال الآخرين لنعرف ماذا يقولون، وبماذا يفكرون، لنتمكن من الرد عليهم بشكل أفضل. لنقل: تعالوا نتعرف إلى الحق، لنعرف أنفسنا بشكل أفضل، ولنبتكر أفكارا جديدة، ونكشف أسرارا جديدة، لنرتفع في معرفة ذواتنا، ونعرف أين توقفنا، وماذا نقول، لنعيد صقل أفكارنا وجلاء فهمنا. الجميع يحتاجون بعضهم إلى بعض؛ كلنا نزرع ونتبادل الحصاد. (عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، دار الجديد: بيروت، الطبعة الثانية، 2010، ص:94-95)

 غاية الكلام، إن القراءة واجب على كل إنسان. وإن عملية حث الناس على القراءة لن تُفلح بتسليط الأضواء على الفوائد المعدودة المستفادة منها (كاللغة والبيان، والقدرة على الرد على الخصوم من الأغيار والأعداء). إنما منطلق الفلاح هو إثارة مسألة القراءة باعتبارها قضية وجودية بدونها يصير الإنسان عنوانا لنص فارغ من المضمون والمعاني والغايات!


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




كثيرا ما يتبرم الشباب من عدم استيعابهم للمقروء أو نسيانهم للأفكار بعد الاستيعاب. كثيرا ما يصيح البادئون في رحلة الحياة من عُسر امتلاك ناصية لغة من اللغات. كثيرا ما يهرب الناس من اعتلاء منصات الخطابة وحلقات النقاش. كثيرا وكثيرا ما نقف مشدوهين أمام ناجح في ميدان من ميادين الحياة ونسيح في الخيالات والتصورات بحثا عن "السحر أو الذهب" الذي جاءه من السماء!
إذن هي عقدة حيرت أغلب الناس: ما الجواب على سر النجاح وما خلفية التمكن من إنتاج بدائع الأعمال؟
دون مقدمات؛ هو سر بسيط يعرفه كل الناس لكنهم لا يستلهمونه تهاونا أو تغافلا: إنه التراكم. إن كل ناجح في عمل من الأعمال هو إنسان كأيها الناس لكنه فطن للسر فراح يراكم في الصنعة التي مال إليها وأخذ يتدرج في مدارج تصحيح الأخطاء وتجويد الأداء.
إن التراكم هو الذي يقف وراء التحولات الشائعة في الطبيعة قبل عالم الإنسان. فالماء لن يكون ماء إلا بعد تكاثف (=تراكم) البخار. وقس على ذلك مجموعة من الأشياء التي تبرز كيف يتحول الكم إلى كيف بفعل التراكم الذي يستهدف تجويد الثمار والمُخرجات.
إن الإنسان إذا بدأ في عمل ما –أي عمل- تبدأ معه رحلة الاكتشاف والتعلم، فكلما استمر في العمل تطور الأداء واطلع على جوانب منسية في الظلام. لكن إذا بدأ العمل وانقطع دون مراكمة خبرة تُذكر؛ فإن الأكيد أنه لن يبلغ مبلغ الإتقان ولن يصل إلى مصاف المتقنين وأهل الإحسان. في القراءة مثلا؛ إذا بدأ قارئ معين بمطالعة كتاب جديد لمؤلف جديد (على عالمه الفكري) في ملف جديد، ثم توقف عند هذا الكتاب وراح نحو كتاب آخر في موضوع آخر، أكيد أن مردود القراءة سيكون هزيلا وأن الاستفادة ستكون قليلة بل إن النفور من الموضوع والمؤلف سيكون هو الشعور الأول الذي سيغشى هذا القارئ. بالمقابل إذا بدأ القارئ بالاطلاع على سيرة المؤلف واهتماماته والسياقات التي ساقته لتأليف الكتاب ثم انتقل لقراءة الكتاب المعني ثم عاد لقراءة كتاب نشره المؤلف في ذات الموضوع قبل هذا الكتاب ثم انتقل إلى الاحتكاك بكتاب آخر لنفس الكاتب لكنه أكثر جدة وحداثة من الكتاب الأول. نعم، إن هذه الرحلة قد تطول لكنها هي الطريق.. وقد صدق الخبير بصنعة الكتاب عباس محمود العقاد: إن من الأفضل قراءة كتاب واحد ثلاث مرات على قراءة ثلاثة كتب.
إن الخطأ القاتل الذي نقوم به هو أننا نغفل عن قانون التراكم. إننا نريد أن نقرأ كل شيء وأن نعرف كل شيء وأن نفهم كل شيء فإذا بنا نعود خائبين بلا شيء يستحق الذكر. إننا نتغيى إجادة الحديث أمام الملإ من الناس بدون أن نبدأ من الحديث في حلقة النقاش وبدون عرض أمام الزملاء وبدون تصدُر جلسة بين الخلان. إننا نطمح لامتلاك لغة من اللغات دون احتكاك راتب بجريدة ناطقة بذات اللسان ودون مصاحبة دورية لمجلة من المجلات ودون السماع المستمر لبرامج وأحاديث غنية بمعجم تلك اللغة. إننا نريد رسم لوحات فنية بديعة دون محاولة النوم بجانب الفرشاة ليال ذوات العدد للتجريب وممارسة الخطأ والصواب. إننا نريد أن نفهم في السياسة والشأن العام دون أن نطالع يوميا خلاصات صفحات الشؤون السياسية بالجرائد والمجلات ودون الاطلاع  بشكل راتب على تفاصيل الماضي السياسي الذي لاشك أنه مؤثر في صناعة ما يجري ودون تتبع لحياة الأحزاب السياسية ودواليب النظام السياسي. بعبارة جامعة: إن المواهب والقدرات (موهبة النفاذ إلى أعماق الأفكار في الكتب، موهبة الكتابة، موهبة الرسم، موهبة التحليل السياسي...) لا تعرف سوى لغة واحدة هي لغة التدريب والمران.
كان علال الفاسي يقول: يعجبني أن أستحضر دائما كلمة كان ابن عربي الحاتمي يرددها كثيرا وهي: "إن الشيطان ليقنع من الإنسان بإخراجه من عمل حسن إلى عمل آخر حسن مثله"؛ أي أن الشيطان يكتفي في عمله بتحويل الإنسان من وجهته بإقناعه بضرورة الانصراف عن عمله الطيب، وهو لم يكمل إنجازه بعد، إلى عمل طيب مثله؛ لأنه بذلك يجعله دائما في المراحل الأولى من أعماله دون أن يظفر بإنجاز كامل لواحد منها. (علال الفاسي، النقد الذاتي، الطبعة الثامنة، 2008، ص:34).
ما أدقها من ملاحظة. إن الغافل عن قانون التراكم، الذي يتلهى بالتجريب والتجوال بين مختلف الميادين والصنعات، سيبقى دائما في المراحل الأولى بدون إنجاز كامل وسيُسر الشيطان -الطامح لإفساد الأعمال- لعمله. إن العبرة ليست في كون ما تعمله طيبا أو صالحا، إنما المرُاد هو المداومة والمثابرة والمواظبة والاستمرارية لجني يانع الثمار. أي باختصار؛ عليك بالتشبع بروح التراكم في أي عمل تقوم به حتى تتطلع إليك الجودة و يرمقك الإبداع.

إن قانون التراكم، بعبارة أخرى، هو قانون تحول الكم إلى الكيف.  بعد أن تبلغ الأشياء والمواهب والتجارب حدا معينا، بعد سلسلة من المشاق والمصاعب والمحاولات؛تسطع من بعيد النجاحات تلو النجاحات. ذلكم النجاح هو الذي يقف أمامه الناس وقد ملأهم الانشداه والاندهاش.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




في نقاش حامي الوطيس مع مجموعة من الإخوة الأفاضل حول الأسئلة الوجودية الضخمة والأدوار المنوطة بالإنسان، هاج هائج أحد الإخوة فصاح: نحن جئنا لنطبق شرع الله، ونغير هذا الطاغوت الذي يسود في الواقع..
أتفق في المنطلق مع صاحبي. فالمولى جل وعلا جعلنا خلائف الأرض –أرضه- ولا مناص لأي نائب أو ممثل أو خليفة من أن يتبع خُطا مستخلفه ويستنير بشرعه وتوجيهاته. أي بعبارة أخرى لا مهرب له من أن يبحث عن مُراد الذي ناب عنه. ولله المثل الأعلى ! 
لكن الجديد في نيابة الإنسان واستخلافه أنه كائن كان أكثر شيء جدلا، قبل بحمل أمانة عظمى هي (حرية الاختيار)، كائن مطبوع بالتمرد والانطلاق من القيود والرفض والانتفاض. لهذا جاء "شرع" المستخلف (أي المولى جل وعلا) مستحضرا لطبيعة هذا الكائن. جاء "شرع" المولى مكتفيا بوضع للإطار العام لعلمه بمقدرة الإنسان على الاقتراب من مُراد الله بقدر توغله في ميادين المعرفة وإنصاته لنداء الفطرة.  "فالشريعة صامتة لا تتكلم إلا حين يوجه الناس إليها الأسئلة منتظرين أجوبتها، ولا تُفهم إلا إذا أدخلوها في حنايا عقولهم وأسكنوها مع غيرها من الساكنين. يطرح البشر التي تناسب علومهم، ويفهمون إجابات الشريعة فهما منسجما وعلومهم، ولذا فإنها لا تخاطب الجميع بالطريقة ذاتها. إن الدين، وإن كان صامتا، وإذا تكلم فإنما يقول كلامه هو وليس كلام الآخرين". (عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، دار الجديد: بيروت، الطبعة الثانية، 2010، ص:32)
نعم، نحن خلفاء الله على أرضه ومهمتنا هي تطبيق شرعه. لكن أمر استكناه شرع الله والاقتراب من مراده سبحانه ليس أمرا ناجزا وجاهزا وثابتا. إنما هو أمر يرافق الإنسان والإنسانية في رحلة الكدح إلى الله. وما الكدح سوى جهد الإنسان وكبده وصبره ومعاناته في سبيل الاقتراب من هذا المراد الذي لن ينجلي إلا يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قد يعن للإنسان فهم مفاده أن مُراد الله واضح في آية سورة الذاريات وهو إخلاص العبادة للحي القيوم. إن الإشكال لم يتم و لن يتم رفعه بهذا القول، لأن فهمنا لمرامي العبادة يتجدد؛ صحيح أن هناك عبادات موقوتة قارة تتغي التزكية الروحية للإنسان، لكن هناك مجال شاسع فسيح للتفكر والتأمل في كنه العبادة، لأنه باختصار: الله جل في علاه لا يمكن أن يخلقنا لمجرد صلوات قد تستغرق ساعة في 24 ساعة أو صيام شهر ضمن 12 شهرا أو إنفاق أموال محدودة.. فالبحث عن المُراد من العبادة يبقى مستمرا متجددا ورهينا بأفق الإنسان المعرفي ومدينا للعالم الجُواني للإنسان المحفوف بالأسرار والبدائع بلا انقطاع.
إن مطلب تسييج شرع الله، وإن كنت أستحسن الحديث عن مُراد الله، مطلب عسير المنال. فهو مرتبط بقدر استعداد الإنسان والعقل الجمعي لالتقاط لطائفه وإشاراته. فهذا الإمام ابن القيم الجوزية يخصص كتابا كاملا (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أو الفراسة المرضية في أحكام السياسة الشرعية) ليعلل فكرة بديعة مفادها أن فراسة الإنسان تقربه من مراد الله في مسألة من المسائل اللصيقة بحياة الناس.
يقول: "السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه رسول، ولا نزل به وحي". (ابن القيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى، 2002، ص:17)
هنا يتضح، أن الإنسان بالخبرة التي راكمها والتجارب التي خاضها والمعارف التي توصل إليها والفطرة التي لا يصمت نداؤها بإمكانه أن يقارب مُراد الله في المسائل التي تعرض له في الحياة وهو مستغن عن الوحي، لأن الوحي يحوي إشارات فقط تكتفي بوضع الإطار العام ولا دخل له في التفاصيل والمستجدات.
ويقول في نص آخر: "إن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات. فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه. وقد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين." (ابن القيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى، 2002، ص:18)
هنا يؤكد بجلاء أن مراد الله أو شرعه ليس ناجزا ولا الطريق إليه  واحد. فهو حسب أفقه الإدراكي وباستحضاره للنص القرآني (الآية 25 من سورة الحديد) يذهب إلى أن شرع الله أو مراده أو غاية غاياته من الاستخلاف هو إقامة العدل. وأينما ثم العدل فثم شرع الله.
قبل فض الكلام، نعم جئنا، يا صاحبي، لنطبق شرع الله. لكن جئنا كذلك، أولا وأخيرا، لنكدح ونجتهد ونتعلم ونعاني في رحلة البحث عن مراد الله. وفي هذه الرحلة، رحلة الكدح إلى الله، تجلو المعادن النفيسة و يذهب الزبد جفاء ويمكث ما ينفع الناس في الأرض وتكتمل إنسانيتنا. ولا يحق لأحد أن يصادر مطلب الإنسان في أن يبدأ رحلته من أية نقطة انطلاق شاء، فالمهم أن نقترب من نقطة الوصول، حيث أنوار الله تشع وإنسانيتنا تشرق، والخير يعُم ويفيض !



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]




ثمة علامات شتى توحي بأن طوفانا جارفا على الأبواب. إنه عالم جديد يتغلغل شيئا فشيئا في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية بالخصوص. نحن على مشارف عهد جديد، قد يطول لعقود معدودة، لكنه يحمل مفاجآت قاسية، ما لم ننتبه. إن الأحداث السياسية لا تلعب دورا مهما سوى في تسريع وتيرة الانقلابات على مستوى البنى الاجتماعية والفكرية، وإن كان يعتقد كثيرون أن العكس هو الصحيح؛ الزلزال الفكري ينتقل إلى البنية الاجتماعية لينقلب السطح السياسي.
 على كل حال، إن حراك 2011 وإن لم يحقق أهدافه المباشرة المرجُوة فإنه أحدث شروخا قوية في البنى الفكرية والاجتماعية التقليدية. إن جيلي وأمثال جيلي؛ واجب علينا أن نحمد المولى جل وعلا أن قدر أن نكون وأن نبدأ رحلة التفكير في الوقت الذي تزامن مع هذا الحراك (كاتب هذه السطور، أول مقالة فكرية كتبها في نونبر 2010 شهر قبل بداية حراك الشباب التونسي). نعم، إنها لنعمة عظيمة أن تتزامن لحظات انبثاق وعينا مع هذه المرحلة التاريخية الدقيقة، حتى لا نكرر نفس الأخطاء ونستفيد من الدروس التي يحكيها الواقع كل يوم وننتبه لأغلال كان من الصعب الانتباه إليها فيما مضى، هي أغلال الإيديولوجيا.
لقد دأب الناس على الاستهانة بكل أمر جديد، إذا كان مخالفا لتقاليدهم ومعتقداتهم القديمة. ولكنهم لا يكادون يعتادون عليه حتى يتعصبون له مثلما كانوا يتعصبون ضده قديما. ولله في خلقه شؤون! (علي الوردي، أسطورة الأدب الرفيع، شركة دار الوراق، الطبعة الثالثة،2015، ص:140)
وإن كنت أنسى كثيرا فلن أنسى الأيام الأولى التي يضيق فيها الأفق وينعدم فيها التفكير الجاد وتعلو فيها العاطفة الجياشة ويخفتُ فيها صوت العقل الرزين. لن أنسى يوما وجدت فيه أحد الأصدقاء وكان يتحدث بشكل عادي عن الموسيقى وكيف يتسرى بجميل إيقاعاتها الهادئة في بعض أوقاته، فلم يكن مني إلا أن خاطبتُه –أنا وأحد زملائي- بما نتصوره موقفا متوترا للشرع بخصوصها، ساعتها تفاجأ الصديق بالموقف الجديد وهو الذي كان متدينا يحافظ على صلاة الفجر في المسجد منذ آنذاك إلى يوم الناس هذا. بعدها أصبحتُ مائلا إلى المرونة أكثر في التصور المفترض عن الموقف المتوتر للشرع بخصوص الموسيقى وغيرها (بعد تراكم المقروء وتأملات ونقاشات)، وأمسيتُ متعبا في إقناع صاحبي بالموقف الجديد، فهو قد بات معتبرا نفسه من حراس موقف الشرع ينعى على الناس والمحيط تسلل بعض الكلام الجميل إلى آذانهم!
قصص كثيرة لا تُنسى شبيهة بالسالفة الذكر. قصة أخرى بخصوص مسالة المصافحة. أعرف أصدقاء كُثر لم يكن لديهم أدنى علم بالإشكال الذي تثيره، كلهم متدينون محافظون على صلاة الفجر في المسجد ومازالوا –بفضل الله- إلى اليوم على نفس الطريق. في نقاش معين يجري الحديث مجرى إثارة هذه المسالة، يستصعبون بادئ ذي بدء الموقف الجديد على أسماعهم وأذهانهم، ثم أجدهم بعد ذلك من كبار المنافحين بل المتشدقين بالامتناع عن المصافحة.
هذه قصص في مسائل بسيطة محدودة جدا بالنظر إلى تحديات الحياة وأسئلة الراهن وإشكالات الفكر والسياسة والاقتصاد.. كلها تؤشر على أن الإنسان ضعيف وينبغي أن يتواضع. الإنسان يقبل في البدء ما يدخل ضمن مألوفاته الإدراكية وعوائده الفكرية، وكلما أخبرته بموقف جديد سرعان ما ينتفض ويرفض.. إلا أنه بعد حين يتمسك بالموقف الجديد ويتعصب له ويفسد علاقاته الاجتماعية وقد يقطع رحمه من أجل الوافد الجديد على بنيته الذهنية.
 السنوات المقبلة، الله أعلم بما تحويه أحشاؤها من مفاجآت صادمة، لكن المؤكد أن الفكر التقليدي الذي يعزف على أوتار عاطفة الناس سيحتضر و سيوارى الثرى. لأن تحولات الواقع وتموجاته في تفاعلها مع الأفكار والتصورات (عن مواقف الشرع في مسائل تدخل في نطاق حياة الإنسان المتغيرة) ستتمخض لا شك عن رؤى مغايرة.
إن الفترة السابقة، ما قبل 2011 (بالمناسبة، حدث 2011 يعتبره العديد من الأكابر ضمنهم الفيلسوف أبي يعرب المرزوقي: ثاني ثورة هامة بالنسبة للأمة بعد الثورة النبوية، بعد البعثة)، كانت فترة تأسيس طبع عليها بل غلب عليها طابع ردود الأفعال إزاء صدمة الاستعمار واكتشاف العالم الحديث. والمرحلة التي نعيش فيها اليوم، بعد 2011، هي استمرار لحالة الفوضى والتيه ومزيد من التجريب، أقصد هنا الجانب الفكري والاجتماعي الذي لا ينتبه الناس إلى ما يعتمل فيه من تغيرات جذرية تفوق هزات الوضع السياسي.
ولا شك أن مرحلة الاستقرار والحياة في أمن وأمان قادمة لا محالة. لكن المحتوى الفكري والنموذج الاجتماعي الذي سيتقمصه المجتمع القادم سيكون مباينا بشكل كبير لما نتصوره. لأن أغلب تصوراتنا الفكرية والاجتماعية نجمت عن ردود أفعال ولم تكن تفكيرا في مرحلة الاستقرار يُستحضر فيه روح الإسلام وتحديات العصر بعيدا عن هاجس الهوية والاستلاب وشبح أفول الأنا وصعود الآخر. والأكيد أن الآراء التي تعتبر اليوم شاذة في شؤون الفكر والاجتماع هي التي ستسود، لأنها لم توصف بالشذوذ إلا لكونها شذت عن منطق ردود الأفعال وهجسها الصواب ولم تبالي بالآخر بل التفتت كل الالتفات إلى كيف سيكون برنامجنا نحن لا كيف سنكون في برنامجهم.
صحيح، أن البعض قد لا يستشعر خطورة الطوفان الذي أتحدث عنه. والإنسان عدو ما جهل. وأنعم بها من جنة وراحة وطمأنينة يفرزها الجهل! الإنسان مادام جاهلا بمعنى لا يملك الدراية بما يجري في الساحة الفكرية وتأثيرات ذلك على الساحة الاجتماعية فإنه سيكون مطمئنا وسيكون حالما وهو صادق. لكن مع الأسف الشديد، الأمر ليس كذلك. فما لم ننتبه قبل فوات الأوان سيكون الطوفان القادم جارفا سيقتلعنا من جذورنا وسينتزع منا أرواحنا وسنقف مشدوهين أمام الإلحاد والانتحار وغيرهما من الملاذ الذي سيسعى إليه الإنسان لرفع التعارض بين ما في واقعه الذهني وما في الواقع الخارجي.

إن الاستعداد للطوفان القادم يبدأ من العودة بجد إلى متابعة ما يدور في المكتبة. إن هذا الاستعداد ينطلق أولا من إعادة قراءة الكتابات التي طالما ثلبها مفكرونا وصارت أفكارها اليوم ضمن دائرة المقبول. إن إعادة قراءة الكتابات التي طُمست أفكارها بفعل الصراع الإيديولوجي من شأن ذلك أن يعطينا صورة عن الأفكار التي سنتقبلها بسرعة ودون مرارة بعد عشر سنوات. إذن، حتى لا نُضيع سنوات أُخر فلنبدأ القراءة من الآن ولنتأمل من الآن، حتى نحتفظ بروحنا ونصون جوهرنا في  مستقبل الأيام، فالطوفان قادم ليس محالا!


...تابع القراءة