| 0 التعليقات ]




تحل الذكرى السابعة و الستين لاستشهاد أحد أبناء هذه الأمة البررة. تحل هذه الذكرى ومشروع هذا الابن البار الذي جعل عمره القصير (حوالي 42 عاما) فداء له؛ يتعرض لحملات هنا وهناك، شعارها الأوحد: أصل كل الشرور ومنبع كل الحرائق والتفجيرات ومصدر كل العنف والإرهاب ومبعث كل التطرف والتخلف هو هذا المشروع القروسطوي اللعين والماضوي السحيق: مشروع الحركة الإسلامية.. ومشروع أم الحركات: الإخوان المسلمون. كل من بدأ واجدا قلمه مائلا إلى الكتابة والتحرير يسمي نفسه باحثا في حركات الإسلام السياسي ويختزل كل مطبات المجتمعات والحكومات في العالم العربي، على الأقل، في مشروع أحفاد حسن البنا. بل هناك منهم من يصر، استبلادا للقراء والمتلقين، على أن أحفاد حسن البنا تحالفوا مع أمريكا ودوائر الامبريالية العالمية لإحداث ما سُمي بالربيع الديمقراطي (في 2011-2012-2013) للانقضاض على السلطة والحكومات.
استكثروا على أحفاد حسن البنا أن يكونوا في السلطة في عقر دارهم سنة غير مكتملة: قالوا عنهم ما لم يقَل في الشيطان. بل حتى الشيطان؛ أمهله الله جل في علاه إلى يوم القيامة وأتاح له الحرية الكاملة ليقيم مشروعه على الأرض القائم على الإغواء والوسوسة والإغراء. لكن الإخوان الكرماء (والناس يشهدون بخدماتهم الاجتماعية التي يقل نظيرها في العالم) ربما لا يستحقون من أبناء وطنهم ما استحق الشيطان من الله العلي الكريم (وإن كنت أنسى فلن أنسى معطى هاما يؤشر على مقدار الحقد الذي يكنه البعض للإخوان والشماتة التي يستشعرها وهو يرى الانقلاب الدموي الظالم على التجربة الديمقراطية الفتية؛ فغداة يوم الانقلاب حوالي مستهل يوليوز 2013 ذهبتُ إلى الثانوية بهدف رؤية النتائج فإذا بي أصادف أحد أساتذتي الذي ينتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي يخاطب أحدهم بكلام يتقطر شماتة وحقدا وبأسلوب ساخر ويخبره بسقوط طائرة الإخوان). حتى أقرباؤهم في تونس الصغيرة (النهضة)، عز عليهم أن يستمروا في قيادة حكومة بتراء فراحوا ينسفون ويٌفجرون ويؤلبون لتستقيل الحكومة مرات ومرات. وجاءت داعش بجرائمها النكراء في حق الإنسانية فراحوا يبحثون لها عن جذور ولم يفهموا أبدا أن التضييق المستمر على الإخوان كحركة اجتماعية وطنية مسالمة  تخترق مجموعة من المجتمعات في العالم لن يفرز سوى داعش بل أسوأ من داعش لا قدر الله.
دعونا نتساءل، أين كان هناك مشروع ناضج لدى حزب من الأحزاب أو حركة من الحركات في أوطاننا لنحاسب الإخوان وعموم الحركة الإسلامية على محدودية فهمها لطبيعة الدولة والسلطة وأسئلتهما والأجوبة الملائمة لإشكالاتهما؟ أين كان هذا؟
هل عند الحركة الاتحادية –التي طالما عبرنا عن تقديرنا غير المحدود لمدرستها وفكرتها النبيلة- التي تورطت في بداياتها، في الستينات بالخصوص، في أحداث عنف وأحلام من هذا القبيل.. هل هناك من يعتبر الحركة الاتحادية حركة سياسية رجعية وهل هناك من يتهمها بالعقم على مستوى النظر السياسي (من حيث إدراكها لطبيعة تناقضات الدولة ومآلات العنف والثورة)؟ لا طبعا، لأنها قامت بنقد ذاتي جريء ومشهود في منتصف السبعينات وقدمت للوطن من مدخل النضال الديمقراطي الشيء الكثير.
هل هناك من تجرأ مثلا وقال إن حركة أقصى اليسار (اليسار الجديد) التي تنحدر منها أغلب الأحزاب اليسارية المبدئية القابضة على جمر الوفاء للديمقراطية كمبدأ وممارسة؛ لا تُجيد السياسة وتملك مشروعا تدميريا للوطن.. لأنها كانت في نهاية الستينات وبداية السبعينات تعتقد سبيل العنف الثوري كسبيل واحد ووحيد لإحداث التغيير أو أنها كانت ضعيفة من ناحية التحليل السياسي وإدراك مآلات المواقف غير المحسوبة في القضايا الرمزية الحساسة كقضية الوحدة الترابية. لا أحد، بإمكانه أن يقول هذا. ولا أحد بإمكانه أن يشير إلى أن هذه الأحزاب اليسارية، التي فيها صفوة أساتذة العلوم السياسية، ذات مقدرة تفسيرية أو تحليلية للوضع السياسي تتسم بالقصور؛ لأنه، باختصار، حركة أقصى اليسار  دشنت بدورها مسلسلا هاما من النقد الذاتي: انطلقت به إلى رحابة العمل السياسي الحزبي المدني وشاطئ النضال الديمقراطي والحقوقي.
وقس على هذا، حركات وأحزاب المشرق: لن تجد أكثرها قد بدأ عمله بالنضج اللازم للسياسة بل لن تلفيها إلا وهي غارقة في الطوباويات والأحلام الكبيرة الفاقدة لأي صلة بالواقع الموضوعي الذي تعيش فيه.
إذن، فمن حق الحركة الإسلامية أن تُخطئ كما أخطأ غيرها. ومن واجبها تدشين عصر جديد من النقد الذاتي. ولكن النقد الذاتي لن يكون موجها إلى الوجهة الصحيحة إلا إذا تم السماح لها بممارسة حقوقها المشروعة في التدبير و السلطة، كي تطعم الممارسة النقدية النظرية بدروس التجربة العملية (والحركة الإسلامية في تونس والمغرب رائدتين في مضمار النقد الذاتي: لكن مازالت الحاجة إلى إعادة النظر في مجموعة من الأمور قائمة بشكل كبير). متى نؤمن، يا سادة، أن الوطن يحتاج إلى الحركة الإسلامية وإلى الحركة الأمازيغية وإلى حركة اليسار الجديد وإلى روح الحركة الاتحادية. وسائر أوطاننا تحتاج إلى هذه الشراكة.
إن كان من حسنة لربيع 2011 وما خلفه من زهور معدودة، فهي حسنة النقاش بصوت مرتفع في كل الموضوعات التي كان يتعسر الخوض فيها بهذه الجدية في الفترة السابقة.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



عاد أحد أصدقائي من فرنسا غير آسف على العودة. عاد بعد سنة ونصف من تجربة الغربة؛ حصل على باكالوريا علوم رياضية يونيو 2014. عاد بعدما انتصر لتحيزات محتواه الداخلي، قائلا: المشكل نفسي بالدرجة الأولى، لم أرتح هناك، الجو لا يلائمني.. لهذا اتخذت قرار العودة. كنت في طليعة المتفوقين في دراستي بل كنت مُتصدر صفي الدراسي. كنت في الشعبة التي يعدها الكثيرون غاية المراد من رب العباد، شعبة الرياضيات في الأقسام العسكرية التي تسمى خطأ ب"الأقسام التحضيرية".
حاولتُ إثناء صاحبي عن قراره الشجاع وغير المسبوق، لكني استسلمتُ لمنطقه الذي يتناغم مع منطقي. إنه المنطق الذي ينتصر للمعنى وينحاز للمحتوى الداخلي للإنسان ويتحيز لنفسيته ومعنوياته. إنه المنطق الذي يُعلي من شأن الراحة النفسية والسعادة الداخلية والطمأنينة الباطنية. إنه المنطق الذي ينفلت من قيود الماديات وأغلال نظرات المجتمع القاصرة. إنه المنطق الذي يتقصد الإنسان، بمنواله، بناء تجربته الخاصة وفق ظروفه وإمكاناته ومؤهلاته  وميولاته الخاصة ويرفض اللهث وراء تكرار واجترار تجارب الآخرين مهما سمت  وكانت شامخة (دون إغفال الاستفادة والتعلم، فالحياة مدرسة)، لأن السعادة باختصار هي تجربة شخصية وجوانية وداخلية. إنه منطق يعلنها بصراحة و بلا هوادة: لا يمكن للآخر أن يتصور كيف سأكون سعيدا مهما بلغت نيته من الصفاء.
عاد صاحبي ومعه أفكار شتى حول المجتمع الفرنسي  وطبيعة الحياة في فرنسا. استوقفته سائلا: لماذا يتقدم المستوى العلمي والمعرفي للمجتمع الفرنسي رغم أن معظم الذين يحتلون المراتب الأولى في الأقسام التحضيرية وغيرها أجانب والمغاربة لا يشق لهم غبار في هذا المضمار؟
أجاب بالإيجاب مبتسما. صحيح أن نسبة مُقَدرة وهامة من الطلبة المغاربة الذين يُجايلونني هم الذين احتازوا المراتب الأولى. لكن ثمة ملاحظتين لا بد من الإشارة إليهما بصدد المقارنة بين المنظومتين اللتين تؤطران الطالب/التلميذ المغربي والطالب/التلميذ الفرنسي:
أولا، ما يمكن تسجيله، دون أدنى مجهود فكري، هو اختلاف التعامل مع الدراسة عموما و مع النقط والدرجات التقييمية بالخصوص. ففي حين نجد طالبنا يتمزق نفسيا وتنتفخ أوداجه حين ينكسر في اختبار معين و حين لا يحالفه النجاح في تحصيل عالي الدرجات. نجد الطالب الفرنسي –على الأقل، كما عاينته في محيطي الدراسي- يتعامل ببرودة مع هذه الخُطوب (أي تحصيل ضعيف النقط والدرجات).
استدركتُ على صاحبي متدثرا بمنطق الطلاب المغاربة و نفسيتهم: إن الطالب المغربي يموت حزنا ويستشيط غضبا إثر خيبته في سباق النقط والدرجات لسبب بسيط هو كونه يستشعر أن مفاتيح سوق الشغل بدأت تسقط من يديه بعد كل خيبة وانكسار. في حين أن الهاجس المهني والمادي لا ندري كيف يتعامل معه الفرنسي.
أجاب صاحبي: تماما صديقي. الطالب الفرنسي –أتحدث عن العينة التي عاينتُ حتى لا نسقط في تعميم مخل- يؤمن بيقين بأن مستواه المتواضع لا بد و أن يوافق مهنة توفرها الدولة، لهذا فهو راض بوضعه وغير آسف كثيرا على مستواه. فصاحب أي مستوى هو مشروع ممتهن لمهنة تلائم ذاك المستوى.
ثانيا، في نفس السياق، لا يفوت المتأمل في التعامل الذي ينطبع به الطالب الفرنسي مع المنافسة في وسطه، لا يفوته أن يسجل كون الفرنسي لا يرتهن كثيرا لمنطق الصراع الأعمى من أجل البقاء: فهو إذ يتحصل على نتائج متواضعة مسبوقة يبهرك بتفاؤل إرادته: لا مشكلة، سأحاول أن أتدارك في الاختبار القادم.. لكن صاحبي لم يفته أن يقول: إن روحه تتقد حماسة ومحتواه الداخلي يشع أملا في تعويض ما فاته من النقط و المراتب والدرجات.
إذن، هذه الروح المتدفقة بالجدية والأمل والحماس والتفاؤل لعلها سر الأسرار ولغز الألغاز ومفتاح المفاتيح الكامنة وراء نجاح الفرنسي دراسيا ومهنيا وماديا. هذه الروح التي تسري في الإنسان رغم طوارئ الفشل وأعراض الانكسار وانثنائه بالخيبات، هي التي تستنهض همته ليستمر في الحياة. فظاهريا قد تجد الفشل لا يفارق الإنسان، لكن جوهره نقي لامع بروح الجدية. هذه الروح هي المطلوب غرسها واستنباتها في أوساطنا. هي روح إذا ما توفرت -وطبعا فهي مصحوبة بإجراءات أخرى: من مهام الدولة أساسا-  فلا خوف على الإنسان من كبوة بل لا خوف عليه من كبوات لأنه يدرك جيدا سبيل النهوض وطريق الاستمرار في مسيرة النجاحات والوثبات. و دور أهل التعليم والتربية المركزي هو تنشيط هذه الروح حتى لا تخمد ولا تخمل. في قضية صلاة الفجر أيضا، المطلوب إشاعة نَفس الجدية في التعامل معها. فالإنسان، سيتعثر لا شك في مسيرة الكدح وسينام لا ريب عنها في يوم ما، لكن روح الجدية تمنعه من التطبيع مع النوم وروح الحرص على بركات الفجر تحول دون ركونه إلى الخمول ودون انتسابه لزمرة النُوام.   




...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]



قضيتُ يوما متعبا مع والدتي -أطال الله عمرها- في تنظيف و "إعادة تهيئة" المسكن والفضاء الذي نعيش فيه. طيلة أشغال التنظيف راودتني أسئلة كان قطب رحاها السؤال التالي: الأشغال الشاقة، في حياة الإنسان الفرد والمجتمع، من سيتحملُ أثقالها؟
كان سؤالي نابعا من قناعة  تؤطرني مفادها أن البشرية، عبر تاريخها، تتغيى إنزال المشقة عن الإنسان وتيسير شؤونه وإسعاده على الأقل في الجوانب المادية. من هذا المنطلق، كانت روائح المشقة التي شممتها في تلك الأشغال مدعاة للتساؤل ومبعث للقلق على المعذبين في الأرض (المرأة، عمال البناء و النظافة، المشتغلون في حمل ونقل الأثقال، المتسمرون في  الشمس الحارقة..).
ربما الآباء حينما يحملون هاجس المستقبل المادي والمهني لأبنائهم، بشكل مَرضي، ينطلقون من الشعور الذي يتملكهم حينما يتصورون ابنا لهم أو ابنة وهو يكابد طعنات الدهر وشقاء الحياة. الكل، إذن، يريد أن يكون ابنه طبيبا أو مهندسا أو محاميا أو أستاذا.. و هذا حق مشروع بل واجب مفروض. لكن، لا ينبغي أن ننسى –أتحدث هنا باسم أهل الفكر والثقافة المهمومين بأمر مشروع المجتمع الذي نريد- أن هناك أعمالا لا تقوم الحياة بدونها والحاجة دائمة إليها (البناء، النظافة...)، مازالت أكلافها وتكاليفها (الإنسانية والاجتماعية بالدرجة الأولى) غالية، ولن يكون ضحية لها سوى أحد من إخوتنا و أبنائنا. قد يُقال إن المعني بالأمر هو المسؤول فهو الذي كان متهاونا في صباه في الدراسة لهذا فهو حاصد ثمار الشقاء لا محالة جزاء عمله. نعم، جزء من هذا صحيح. غير أن الفرص المتاحة أمام الجميع في الصبا و الطفولة في التعلم و الدراسة غير عادلة بحكم الظروف الاجتماعية الخارجة عن إرادة المعني بالأمر. و بعد، فهذا ليس موضوعنا و لا مقصودنا، إن الفكرة التي أريد التصريح بها هنا هي أنه إذا افترضنا أن الجميع يدرس لغاية الطب والهندسة والمحاماة والصيدلة –و هذا هو السبيل الذي نحن ننتظم في إطاره-، فهناك مشاغل أخرى لا بد من قائم بها وأكيد انه سيكون أحد الخافقين، لسبب أو لآخر، في السباق نحو الغاية المذكورة.
نظرا لاطلاعي الشحيح والمعدوم على تجارب الدول و الأمم الأخرى في هذه المسألة، فإني سأكتفي بالإشارة إلى كون المشكلة هي إنسانية وكونية وليست مشكلة محلية. لأن البشرية، في تاريخها، تتقصد ترسيخ قيم ثلاث هي العدل والحرية والمساواة. ولا شك أن الوضع الذي يُجيز وجود فئة تعاني الأمَرين في أعمال شاقة وفئة أخرى تعمل في الغرف المكيفة و بكبسات الزر في الحاسوب، ليس وضعا عادلا و لا موحيا بمساواة إنسانية.
إنه لا مناص بمنطق قيم العدل و الحرية و المساواة التي تقرها و تدعو إليها كل الشرائع، من التفكير في سبل تدبير الأشغال الشاقة: سبُل تؤكد إنسانية الإنسان القائم بها وتغرس فيه أحاسيس العزة والكرامة وشعور القائم بمهام التعليم والهندسة والمحاماة.
فلنعد إلى قصتنا، التصور الذي يرى  بأن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة فيه عدل ومساواة ورحمة (باعتبار متاعب خارج البيت من نصيب الرجل و مشاغل داخل البيت من حظ المرأة)، تصور يبدو محدودا ولا أثر له في الواقع. لأن الاتجاه العام لطبيعة الأعمال الخارجية، بات يومئ إلى أن العمل بات مريحا و ميَسرا إلى حد ما، باستثناء الأشغال الشاقة التي وقفنا عندها. أما الأشغال المنزلية، ففي فضاء محدود: من وحي التجربة (تجربة والدتي) نقول إنها متعبة حقا و ظالمة صدقا، ناهيك عن الفضاءات الفسيحة، ولا يمكن لأي عاقل(ة) إلا أن يُفضل العمل الذي يقوم به خارج البيت –باستثناء الأشغال الشاقة- بل لا يمكنه إلا أن يُفضل أضعافه في مقابل الانسلاخ من هوية الأشغال المنزلية الرتيبة و المُملة.
كيف ستُدبر، إذن، الأشغال المنزلية في جو تُصان فيه إنسانية ربة البيت ورب البيت؟ هذا هو السؤال الذي شغلني حينها. فهناك من يقول بجلب "الخادمات".. يبدو أن المؤمن بكرامة الإنسان –أي إنسان- سينفر فورا من هذا الخيار لأن الخادمة في نهاية المطاف امرأة أيضا مثل الأم والأخت والزوجة. والنظام العادل الذي يرمقه كل حر لا وجود فيه لمسمى "الخادمات". نعم، قد يعتبر بعضهم هكذا كلام بأنه غرق في عالم المُثل. قد يكون كذلك، لكن المعروف أن المتصدي لأدواء الإنسان والمجتمع لا يبرر الظلم مهما كان الثمن ومهما كانت العاقبة. صحيح، بالإمكان الحديث عن مربية للأطفال في غياب بسبب العمل عن المنزل، لكن القول بأن جلب "الخادمة" للعناية حصرا بالأشغال المنزلية اليومية من تنظيف و كنس و طهي و .. يبدو مردودا.
ربما في انتظار مزيد من التأمل في السؤال والاطلاع على تجارب غيرنا من بني الإنسان، أسوق جواب والدتي أسعدها الله دنيا و آخرة: بالتعاون، بالتعاون، يا بني، تهون كل المصاعب وتنهار كل المشاق..

  

...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]



ماركس.. لا مفر لابن الحركة الإسلامية، في بداياته، من تشييد علاقة متشنجة معه. قصتي مع ماركس تبدأ من التعاطي الإيجابي الذي قابلتُ به محاولات مدرسة آل قطب الرد على "اليهود الثلاثة" (ماركس، فرويد، دوركايم) في مجموعة من الكتابات. مرور العناوين التالية : "ماركس" و"الماركسية" و"الحركة الماركسية اللينينية" يتردد باستمرار على ذهنيتي. وأكيد أن تمثُلي لماركس وبقية هذه العناوين كان طافحا بالاختزال والاجتزاء والأحكام الفارغة من أي برهان.
مدرسة آل قطب التي لها أفضال لا تقدر بأي ثمن علي وعلى جمهور عريض من أبناء الحركة الإسلامية، لن أتهمها بالاتهامات المجانية (أي بعد أن "اقتربتُ" من إنسانية ماركس: سألعن مدرستي الأولى و سأتهمها بتعمُد تزييف وعيي). لكن، نذهب مذهب القائلين إنها تجربة بشرية محكومة بسياقات أواخر الخمسينات والستينات حيث اشتد الشد والجذب بين معسكر الشرق (الاتحاد السوفياتي: الذي يزعم أنه حامل لإرث "الماركسية") ومعسكر الغرب الذي يحمل لافتة أخرى. وكان معسكر الشرق بمثابة قطب جذب لجماهير واسعة من الشباب القاطن في الوطن العربي والإسلامي نظرا لتظاهره بالانحياز للعالم الثالث ومناهضة الامبريالية وتغوُل المعسكر الغربي علاوة على احتفاظ الفكر الماركسي ببريق خاص لارتباطه بإثارة المسألة الاجتماعية وقضايا المستضعفين. ومن المفهوم أن نجد أي متصد لرد الفعل، عاكفا على تسفيه أحلام وخطاب صاحب الفعل. و لما بات الفعل هو استقطاب معسكر، يقدم نفسه على أنه حاضن للفكر الماركسي، لشباب الوطن فإن رد الفعل كان هو الانتفاض والنهوض بعزم وإصرار لنقض هذا الفكر بالعودة إلى اختزال رائده في ثياب "اليهودية" أو ثياب "الإلحاد". فإعلان الاتحاد السوفياتي: الإلحاد دينا رسميا للدولة زاد من حدة رد الفعل ومن سواد الزاوية التي يُرى منها ماركس.
اختيار "الاقتصاد" كتخصص مدرسي كان من بين أهدافه الانطلاق نحو إعادة التعرف على ماركس. و تيسر لي بفضل المولى جل و علا الاطلاع على نُثارات من كتابات ماركس (الإيديولوجية الألمانية، المسألة اليهودية، كتابات عن حياته وفكره وهمومه).
كانت أولى المشاهد المضيئة في حياة ماركس التي أثارت انتباهي، وطالما رددتها لزملائي، هو ماركس المهموم بالإنسان والإنسانية جمعاء. ماركس الذي تيقظ وعيه الإنساني المرهف منذ سنينه الأولى وشبابه الباكر. حوالي سنة 1835-1836 وعمره 17 ربيعا (للإشارة فهو من مواليد 1818)، طلب الأستاذ من التلاميذ تحديد متمنياتهم المهنية في المستقبل، أجاب الإنسان ماركس: لا تهمني إطلاقا طبيعة عملي. ما يهجسني ويؤرقني هو أن أعمل ما أقدمه به خيرا وإضافة للإنسانية جمعاء. ذلك هو عهد الكبار أينما كانوا وكيفما كانت ملتهم. لم يلتهوا أبدا بأفق ضيق أو ثراء شخصي وإنما كانت وجهتهم ماثلة نحو خدمة الإنسانية من أي سبيل. فالمقصد هو إسعاد بني الإنسان والطريق غير هام فملامحه ستتجلى بعد حين. وكما يقول أحدهم، لولا هؤلاء لضاقت بنا الحياة.
كانت ثاني الملاحظات التي رفعت عني غشاوة إيديولوجيا العداوة لماركس ذات صلة وثيقة بالبيت القصيد إنها رسالة عبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب". وعمره 26 ربيعا أي في سنة 1844، في إحدى مخطوطاته، كتب ماركس في نص ينطق بما مفاده أن الدين تعبير على تُعاسة الإنسان واحتجاج على هذه التعاسة، قبل أن يتحدث على أن الدين الموَظف لإسكات الحركة الاحتجاجية و مناهضة الظلم الاجتماعي أفيون ومخدر معيق لحركة الإنسان والمجتمع. إذن، سياق إيراد العبارة الشهيرة سياق تشريف للدين باعتباره عنوان المقاومة والاحتجاج والنضال ضد كل أشكال الظلم والطغيان.
أما ثالث محطة أبرزت لي ماركسا "جديدا" كانت مع مفهومه الشهير بل نظريته المركزية أي "الألينة: الاستلاب، الاغتراب.." حينما كان يصدح إن العامل مغترب عن عمله و عن السلعة التي أنتجها. هنا تجلى ماركس المنافح عن حرية الإنسان الرافض لخضوعه للاستعباد من طرف سلعة صماء أفنى فيها قوة عمله فحُرم من قيمة عمله في نهاية المطاف. إن رحلة ماركس بمثابة مرافعة علمية للدفاع عن حرية وكرامة الإنسان-العامل ضد مساعي تشييئه و استلاب حريته.
كانت رابع الإشارات اللطيفة في مسار ماركس هو وفاؤه للعهد الذي أخذه على نفسه حينما كان تلميذا أي توسل أي طريق لخدمة الإنسانية جمعاء. هنا يظهر ماركس الإنسان من جديد الذي يحترق من أجل الآخرين، والذي بإمكانه أن يعيش حياة كبار أهل الفكر المُترفين لكنه اختار شظف العيش ليذوق مرارة حياة كل المقهورين، هنا يبرز ماركس الذي يعيش على الاستدانة و مساعدات صديقه إنجلز..
إن ماركس الذي في خاطري يُذكرني بالخالق الباري. إن عكوف ماركس، هذا مع "رأس المال" فحسب، 23 سنة منقطعة للبحث والقراءة والحفر المعرفي من السابعة صباحا إلى السابعة مساء  في المكتبة الوطنية لأكبر دليل في نظري على القبس الإلهي المُتضمن في تكوين كل إنسان ابن آدم. فأن ينقطع المرء للمعرفة والبحث عن المعنى ويزهد في الدنيا وملذاتها لأقوى برهان على أننا كائنات ليست ترابا فقط بل موجودات كريمة بروح المولى جل في عُلاه. إننا في معركتنا اليوم ضد نزوعات ما بعد الحداثة غير الإنسانية التي تُروج لإنسان استهلاكي أولا و أخيرا وتختزله  في الجسد بل في عضوه التناسلي. إن  معركتنا لاستعادة إشراقات عهد التنوير بصيغة جديدة فيها جرعات هامة من لفت الانتباه إلى ازدواجية الإنسان تبدأ من تسليط الضوء على إلماعات إنسانية كل عظماء التاريخ أمثال ماركس و غيره الذين اكتووا بالنار ليعيش الآخرين في أجواء العدل والحرية والسلام.  


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في سنوات السلك الثانوي، كنت أعيش قلق التلاميذ و قلبي هناك مع الطلبة في الجامعة. لذلك لا تفوتني عطلة دون زيارة أجواء الطلاب خاصة في أكادير. كنت أرنو بشكل متحمس إلى ذلك اليوم الذي أكون فيه طالبا و ألتحق بركب التجديد الطلابي. و الأمر الذي كان ينغص عليَ معيشتي ويشوش على حلمي هو كوني منتسبا إلى شعبة العلوم الرياضية التقنية؛ شعبة لم تكن لتُخيرني في شأن مستقبلي، فقد كانت وجهتها إلى تأهيل "المهندسين" صارمة. لذلك كنت طيلة الثانوي أحاول أن أعَوض ما سأفتقده في الأقسام التحضيرية أو معاهد المهندسين. كنت أحاول أن أعيش "الجامعة" في "الثانوية". و ما شجعني على المُضي في ذلك مطالعات يسيرة عن أجيال من التلاميذ المغاربة كانوا يعيشون جو النقاش و التفاكر في فضاءات الثانوية. و إن كنت أنسى لحظات جميلة قضيتها بهوية "تلميذ"، فلن أنسى الأيام الأخيرة التي هددني فيها المدير (حسب كلامه، فالتهديدات جاءت من السلطة المحلية) و ترجاني –بلغته- في والديَ أن أُوقف نقاشا بسيطا و دردشة متواضعة مع التلاميذ في وقت الاستراحة، قائلا: يا بني، دع النقاش.. إلى الجامعة.
كان من مفاجآت الأقدار أن حقق المولى جل و علا الحلم الكبير و جئت إلى الجامعة بعد حنين سنين و سنين. لكن، مع الأسف الشديد لم يكتمل الحلم بل اصطدم بصخرة الواقع الأليم و استحال سرابا لا يسُر الناظين. إذ وصلتُ إلى الجامعة وهي بالكاد منسلخة من أدوارها الاجتماعية و الثقافية والاحتجاجية ناهيك عن العلمية. وصلتُ إلى جامعة العاصمة فوجدتها صحراء قاحلة. وصلتُ إلى الجامعة و لست مبالغا إن قلت إن التجارة السائدة فيها هي تجارة "الغش" في الامتحانات. وصلت إلى الجامعة بعد طول أمل وعناء فإذا بي أمضي كل وقتي خارجها. وصلتُ إلى الجامعة لأعيش فترة القلق و الأرق و النقد و التساؤل و النقاش في كل لحظة لحظة، فإذا بي أجد نفسي بحاجة إلى البحث عن ملاذ آخر لأحلامي خارج الجامعة (مراكز الأبحاث ومؤسسات ثقافية و علمية أخرى..).
لكن انتمائي لركب اسمه التجديد الطلابي مازال يثير بصيص أمل في نفسي (لا بد من تسجيل تقديرينا الكبير للحركة الثقافية الأمازيغية: لكن للأسف فهي غائبة في جامعة محمد الخامس بالرباط على الرغم من كون أغلب مؤسسي الحركة الأمازيغية المعاصرة انطلقوا من هذه الجامعة في أواخر ستينيات القرن الماضي: الصافي مومن علي، علي صدقي أزايكو، بوكوس..).
و التجديد الطلابي التي في خاطري، هي التي نقول في إطاراتها و لا نجد غضاضة في ذلك و لا أحد يمنعنا و هذا من سعة أفقنا: إن الشهيد عمر بنجلون شهيد الشعب المغربي (رغم أن عمر لو طال به العمر يمكن أن يحسبنا ضمن الصف الرجعي و يمكن أن يسلك مسلك زميله المناضل الوطني الكبير محمد اليازغي الذي انسحقت نضاليته و وطنيته في لحظة المطالبة بحل الحزب سنة 2003). إن الشهيد عمر مفخرة حقا و صدقا لنا كمغاربة و ينبغي للشباب و الطلاب المغاربة أن يتخذوه منارة ضمن القدوات المشرقة: فهو في أقل من 24 سنة من عمره القصير كان رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا و كان متفوقا في تخصصَيه (المدرسة العليا للبريد، و القانون العام). و ذاق الأمرين لكي يوفر مستلزمات دراسته حين كان تلميذا، بائعا للبيض المسلوق في القطار.. وكان مناهضا للظلم و الظالمين، على المستوى المحلي (المغرب) و على المستوى الإقليمي (العدو الصهيوني) و على المستوى الدولي (الامبريالية و الاستعمار الجديد).
التجديد الطلابي التي في خاطري، لا نخاف في مقراتها أن نصدح بما يعن لنا من  ملاحظات حول أفكار يابسة. هي التي ندافع في فضاءات انشطتها عن الغائبين الذين يستحقون إنصافا. هي التي نقول في محضنها إن الأستاذ ابراهيم أخياط علم من أعلامنا وكبير من أكابرنا و فاضل من فضلاء وطننا. هي التي نقول فيها باطمئنان إن أحمد عصيد مثقف من مثقفينا قد يحيف، نعم، ويتحامل علينا.. لكن خطابه مهم لتحديث نظامنا و ذهنية مواطنينا. هي التي لا نهاب أن نقول في إطاراتها إن نظرتنا إلى الغرب في حاجة إلى مراجعة و تصويب دون أن نُتَهم بعمالة أو تمييع.
إن التجديد الطلابي التي في خاطري، انعكاس لإرادة التفاؤل و عنوان الصمود وسط الإعصار. إنها وسيلة لكي لا ننسى أننا كائنات عمودية موصولة بالسماء و منفوخة بروح رب الأرباب. و إطار كذلك لإثارة أسئلة العمران و التعايش بين بني الإنسان.



...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





بوح لا بد منه. لا أدري لماذا هذا الوقت بالذات. لكنه إحساس يغشاني دائما. يا سادة !مدرستنا عظيمة. وعظمة مدرستنا و تميزها لا أنسبه، لما قد يعنُ لبعض الأفاضل من تميز في انتهاج منهج "وسطي" أخرج البلاد من الانسداد. كلا! فرادة مدرستنا ترجع إلى كونها كانت المحضن الأول –ومازالت- لمجموعة مُقدرة من الفاعلين؛ هي التي تساهم بقدر هام وجليل في تحريك المشهد المغربي الفسيح. دعونا من السياسة فمساهمة خريجي مدرستنا فيها لا يخفى حتى على الأطفال في الشارع. فالمقصود هنا –بالتأكيد- المشهد الثقافي والفكري والإعلامي والعلمي.
لا يهمُني أن يكون هؤلاء الفاعلون من الباقين أو المغادرين لقطار المدرسة. نعم، قد يكون بعضهم منتسبا حاليا إلى جوقة المتحاملين والحاقدين. لكنه، على أية حال، موقف أخلاقي والإنسان حر في نهاية المطاف. رغم أني، أُرجح كون التحامل والبغضاء أمر راجع غالبا لسلوكات غير أخلاقية أيضا نابعة من أبناء المدرسة الذين يتزيدون في الحرص عليها والغيرة على مشروعها ويتوسلون إلى ذلك حدة في الخطاب.
نعم، إني أعتز حقا إن مدرستنا كانت يوما محضنا للدكتور عبد الرحيم العلام على سبيل المثال. واضح أن الرجل له مواقف مغايرة تماما لخط مدرستنا في المسألة السياسية و النظام السياسي بالأساس، والتي قد لا أتفق معها بدوري إجمالا لكني أسجل تعاطفا مع بعض جوانبها. لكن هذا لا ينفي أنه باحث شاب مقتدر و متمكن وواعد في الفكر السياسي والعلوم السياسية وحالة خاصة في العطاء غزا المنابر الإعلامية في زمن قياسي وآراءه بات يتلقفها الشباب الذي يشترك معه في الموقف من النظام السياسي. إن آراءه وأطاريحه، وهذا هو بيت القصيد، غنية ومطلوبة والحاجة إليها قوية. لأن التاريخ لا يمكن أن يسير بل سيركد إذا قاده فقط و بارتياح أصحاب أطروحة المحافظة السياسية (أي المهادنة المطلقة مع النظام). لأنه لا مفر لنا من الملكية البرلمانية في يوم من الأيام.
إن المتتبع المدرك لمراكز الأبحاث والدراسات السائدة في الوطن، لا شك أنه لن يخطئ كون جل القائمين عليها و المشتغلين في إطارها من الذين خرجوا من رحم مدرستنا. إنه لأمر يبعث على السرور بالنسبة للمنتسب الواسع الأفق الغيور على هذا الوطن المحبوب. أؤمن دائما أن الهام هو أن يكون الإنسان صادقا (أقصد الصدق في تحري الصواب: و هذا أمر لا يدريه إلا ربنا جل في عليائه) وجادا في بحثه. وليقل ما يشاء، لأن الله حسيبي و حسيبه (على ما لا نعلمه). . إن الدكتور مصطفى بوهندي –على سبيل المثال كذلك- الذي اثارت آراؤه عجيجا وضجيجا (لم يتيسر لي أن أقرأ له إلا كتاب "نحن و القرآن") إن بوهندي؛ فخر لمدرستنا أنها كانت  مأوى أسئلته الأولى. والحركة الثقافية والعلمية، مرة أخرى، لن تتحرك في بلدنا إلا بوجود بوهندي ونقيضه؛ وربما لنا الشرف أن نُخرجهما معا: ونحن حركة اجتماعية دورنا في هذا البعد هو تحريك المشهد وإدارة عجلة التاريخ. وأعجبُ للذي يضيق حنقا بوجود بوهندي ومن على شاكلته (رغم أني لا أشايعهم): إن وجود بوهندي هو الذي خلق لك وجودا قوامه "التصدي لتشغيباته"!
جريدة مدرستنا (التجديد) أسهمت في تخريج كوكبة من الإعلاميين المتميزين (عليموسى، الكنبوري، حمودي،...) انتقلوا إلى الصحف الوطنية الكبرى (المساء، أخبار اليوم..). إنه لأمر يبعث على الاعتزاز بمدرستنا أيضا.
كبار المتصدين للشأن العلمي في بلدنا مروا من مدرستنا. قادة الرابطة المحمدية للعلماء (أحمد العبادي، عبد السلام الطويل..). رئيس جامعة القرويين ( الدكتور الروكي). المجلس العلمي الأعلى (المرحوم فريد الأنصاري، الدكتور مصطفى بنحمزة..). الشيخ الزمزمي و الشيخ عبد الله نهاري؛ جميعا يساهمون في قلقلة أركان الخطاب الديني في بلدنا. لا يُهمني هنا التوقف على موقفي من آرائهم ومفارقاتها بقدر ما يؤرقني تقريب فكرة "كوننا مدرسة استثنائية" أبناء مدرستنا هم الذين يحركون الرأي العام الديني أيضا.
كثيرون هم أبناء مدرستنا (سواء الأوفياء أو العاقين: ربما كانوا ضحية لسلوك غير أخلاقي-إشكال نفسي أو اختاروا  الانسحاب. والإنسان حر في قناعاته يا سادة. المرفوض هو التحامل المجاني) الذين يسجلون حضورا نوعيا في النخبة المؤثرة في بعد من أبعاد المشهد المغربي الراهن. منهم  كوكبة منيرة من أبناء الجنوب؛ و أعتز في هذا السياق أن من بين أنجب عناصرهم أبناء مدينتي تيزنيت.
في المسألة الفكرية والعلمية أنجبت مدرستنا أنجب التلاميذ بل قل الأساتيذ. أن يكون الأفاضل امحمد جبرون والطيب بوعزة ورشيد الراضي ومحمد همام.. ضمن قطارنا فهذا أمر حميد. و قد نختلف معهم وهو حق أكيد.
في هذه العُجالة التي جاءت بعد انفعال نفسي مع الأم (=مدرستنا). لم أقصد أن أذكُر مواليد مدرستنا الذين مازالوا يشتغلون تحت يافطتها ولهم آثار طيبة في أوساط المجتمع و هم فضلاء كُثر (وعلى رأسهم: الدكتور سعد الدين العثماني، الأستاذ عبد الإله بنكيران، الدكتور أحمد الريسوني، الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد)، وقد يأتي يوم نزور فيه تقديرنا لهم وما يبدو لنا في آرائهم. وإنما قصدي التعريج على بعض من لم يُشتهر في أوساط القواعد أنه كان هنا. وهذه الفئة شقت طريقا متميزا في المشهد المغربي في ناحية من نواحيه، حق لنا أن نفتخر بها مهما اختلفنا معها إن كنا واسعي الأفق ومن أهل رحابة الصدر.
إن الحركات الاجتماعية المتغلغلة في الشعب ليس غريبا ولا عجبا أن تكون مأوى بل دافعا –و لو بشكل غير مباشر- لتشكُل النخب و الصفوة القائدة للمشهد الوطني.  وعظمة حركتنا الرائدة (التوحيد والإصلاح) تتجلى في أنها كانت مدرسة خرجت قادة الشعب المغربي، على أني أسجل في هذا الصدد أننا مازلنا في المرحلة الموالية للبداية يعني مازلنا نتحمل شرف ومسؤولية إيواء النخب وتخريجها (خاصة في المجال الفكري و الفني الذي أصبنا فيه بشبه تعقيم فيما مضى وبدأنا نتعافى منه).  
إن المدرسة التي تستدعيها ذاكرتي دوما حين أذكر مدرستنا هي المدرسة الاتحادية التي لا تُقدر أفضالها على الشعب المغربي بثمن. إن المدرسة الاتحادية مدرسة الشهداء (المهدي، عمر..) والعمالقة (الجابري، العروي..)  هي التي تغزو منتوجات خريجها الأسواق الثقافية المغربية. إنها ذات المدرسة التي قبضت على جمر "الإصلاحية" في زمن العنفوان الثوري في 1975 و لولاها بصدق لعشنا تاريخا آخر: و دائما أقدر أن مدرستنا تنحو نفس منحى المدرسة الاتحادية؛ تقبض على جمر الخط "الثالث"، تقديرا لمصلحة الوطن (وهو مجرد اجتهاد سياسي قابل لأخذ والرد)، في زمن الحماس الثوري مع 2011. غير أن مدرستنا مازالت بحاجة إلى اختراق السوق الثقافي (وهناك مبشرات تعكسها أجيال شابة أغلبها خريجة العمل الطلابي لكنها مازالت محدودة بالنظر إلى المطلوب، أما بالمقارنة مع ما سبق فهي قفزة بلا شك) لتكون الوريثة بحق للمدرسة الاتحادية في انتظار وليد جديد ومدرسة أخرى. وهنا أُسجل أن الحركة الأمازيغية بدورها مدرسة ومازالت ببريقها ساهمت أيضا في تخريج  قادة في المشهد المغربي الراهن (على سبيل المثال؛ الأستاذ أحمد عصيد استقطب في نشاط ثقافي سنة 1982 وسنه 22 سنة: لا ريب أننا نختلف معه وقد نتفق معه في كثير من القضايا لكنه يبقى مساهما من المساهمين في صياغة المشهد المغربي المعاصر: نريد مغربا للجميع ولا يمكن إلا أن يكون كذلك وإلا سيتوقف التاريخ).
باختصار؛ إن المدارس الكبيرة من الحركات الاجتماعية هي التي تُخرج نُخب حقيقية. ومدرستنا (التوحيد والإصلاح، وما يدور في فلكها) مدرسة استثنائية معطاءة. علينا أن نتخفف من أثقال التاريخ المثخن بانفعالات نفسية لا غير، لنعتز بأبنائنا (على عقوق بعضهم لنا: لعله خير). والفكرة الجوهرية التي ينبغي أن يلتقطها الذي من مازال يقبل -على مضض- بالآخر المُختلف مفادها أن وجود المُختلف: العلام، بوهندي، عصيد.. هو سبب وجودي، وإذا انتفى هؤلاء و انعدم بعض المختلفين الآخرين، فما مبرر وجودي وما مصيري سوى التهلكة ! إن التاريخ يعلمنا درسا بليغا: إنه يسير بفعل التفاعل بين المختلفين و"المتصارعين" و إلا فالحياة ستقف وستصير بدون معنى. فالمختلف معي يُسدي لي خدمة جليلة في الحقيقة. والله يتولى السرائر وهو حسيبنا نسأله الفردوس الأعلى  لنا جميعا.





...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





في صيف (2014) الذي تلا تَخرجنا من المدرسة بشهادة الباكالوريا، صادفتُ أحد الأصدقاء الذي جَايَلني و زاملني في الابتدائي و حصل على شهدة الباكالوريا من تخصص تقني. كان معي كتاب عن العمل النقابي الطلابي.  انغمرنا معا في نقاش حول رحلة ما بعد الباكالوريا، بعدها تذَكر صاحبي أن معي كتابا فرام أن يكتشفه. لكن ما إن قرأ العنوان و أدرك المضمون و طبيعة الموضوع حتى راح يلقي موعظة حول أهمية انتقاء الكتب المقروءة مؤكدا أنه لن يقرأ ذات كتاب و لن يُضيع "وقته" في هكذا موضوع. ربما أسرف صاحبي في شفافيته ! لكن ما عساني فاعلا فقد ختم آخر عهد لي به بتلك الموعظة التي لم و لن أنساها !
دائما عندما تُذكَر القراءة للتلاميذ و الطلاب؛ يستهدف المُبشرون بفوائدها عادة "اكتساب الأسلوب للإجابة بإجادة على الإنشاء" و قلما تجاوزوا هذه الفائدة. و مؤخرا، مع تنامي المدارس الخاصة و ضعف مكانة اللغة العربية في المنظومة التعليمية، صار أولياء التلاميذ و المُتصدون لتوجيه الطلاب يركزون في دعوتهم إلى القراءة على "المطالعة باللغة الفرنسية فقط"، لهذا تصاعدت أسهم "باولو كويهلو" مثلا في أوساط الشبيبة المغربية في الآونة الأخيرة. على كل حال فالدعوة إلى القراءة بالفرنسية كان وراءها حقيقة تخترق الواقع المغربي مفادها أنه لا مستقبل دراسي لأي تلميذ أو طالب بدون الفرنسية (أي، ابتداء، القدرة على التحرير و الإنشاء بالفرنسية).
في ظل هذا المناخ، معدل القراءة مازال منعدما. المستوى الفكري و الثقافي لأغلب الطبقات الاجتماعية (سواء المعدومة، أو المتوسطة، أو المُترفة) يكتسحه شلل شبه كلي بنسب متفاوتة. الناس يلهثون وراء "اليومي". بعد نيل "كسرة الخبز" يشرعون في البحث عن معنى آخر في الحياة، عن توازن مفقود، عن شيء خاف معدوم. أما غير الحاصلين على "الخبز" فحلمهم و معنى الحياة بالنسبة لهم، طبعا، هو "الخبز".
دعوى حصر فوائد القراءة في التمكن من تدبيج الإنشاء سواء بالعربية أو الفرنسية، لم تأت من فراغ. فالآباء و الأولياء و المتصدون لتوجيه الطلاب و التلاميذ جزء من نسق اجتماعي همُه، كما سبق، هو "الخبز" و الرغبة في تأمين حصول الأبناء على "الخبز". و هو أمر طبيعي. و "الخبز" لن يتم توفيره بدون المرور من مسطرة تتطلب إجادة الإنشاء بالفرنسية أولا و العربية قليلا.
بالكاد يُفلح هذا الخطاب المُبشر بالقراءة في استقطاب الشبيبة (الطلاب و التلاميذ). حتى و إن نجح، فاجتياز الشبيبة لكل محطات المسطرة بنجاح يدفعها نحو تطليق "القراءة" (هذا في حالة الزواج !) لأنها استنفذت أغراضها. هكذا لأن الفائدة المرتجاة من القراءة تم قصرها على بُعد مادي نفعي براغماتي مؤقت. و موعظة صاحبي الذي امتعض من كتابي جاءت في هذا المساق و هي محكومة بنفس السياق و بذات الدلالات.
لقد اتضح بالأرقام، أن القنوات الفعالة من قبل في عملية القراءة لم تعد مؤثرة. فلم تعد لدى المواطن القارئ نفس الحوافز. و بذلك لم تعد هناك قراءة تقوم على الحوافز الفردية و المصالح الحزبية و الرغبة في حل القضايا و الإشكاليات العامة من وجهة النظر الحزبية و الإيديولوجية أو البحث عن مميزات شخصية في سياق التنافس النضالي. (أحمد الرضواني. القراءة العمومية بالمغرب. العدد 73. مجلة فكر و نقد. نوفمبر 2005).
إذن ، في السابق، ظلت الفئات القليلة المحظوظة، بفضل تسَيُسها، مشدودة إلى القراءة. و منذ مطلع التسعينات، و السياسة تفقد بريقها لصالح النهج التقنوي المتواطئ مع حسابات البنك الدولي. و كانت النتيجة اللاحقة انسحاب المُسيسين و الطامعين في الانتساب إلى عالم الفكر و الثقافة أو تدجين بعضهم و احتواؤه ضمن التكنوقراط. اليوم، بعد أحداث 2011 و الخُطى الأولى في استعادة الأمل و استرداد السياسة و استعمال "الفايسبوك"، ثمة انتعاش في مستوى تسيُس الجماهير لكنه مازال مصحوبا بالشلل الفكري. لهذا يلزم مصاحبة هذا الانتعاش بالإقبال على القراءة و البداية من هذه الموضوعات المثيرة للسجال (التاريخ السياسي للوطن بعد استقلال 1956، طبيعة النظام السياسي، الحقبة الاستعمارية و ما دار في أطوائها من مقاومة و نضالات وطنية، تاريخ الأحزاب السياسية و الحركات الاجتماعية القائمة في المجتمع المغربي، تاريخ الإصلاحات التعليمية، مسار التحديث..).  

نستجمع الكلام؛ إن أزمة القراءة مرتبطة أولا بأزمة الخطاب المُبشر بأدوار القراءة. فتضخيم المنافع المادية المؤقتة و إغفال الأدوار "المعنوية" الأكثر أهمية هو أول الأدواء، وجب علاجه أولا. إن هذه المرحلة التاريخية الثقيلة (التي يحتدم فيها "الشذ" و "الجذب" بين نزوع التسيس و نزوع التقننة) التي نمُر بها فرصة هامة لغرس "كنه" القراءة العميق في ذهنية الشبيبة المغربية.  إن "كنه" القراءة، الذي غفل عنه صاحبي، هو أن تفهم الحياة و تدرك المحيط الذي تتحرك فيه و تعرف سبب ما يعتمل في وسطك من"عجيج" و "ضجيج". و إذا استبطن المرء هذا المعنى، فلا خوف عليه حينئذ: في المدرسة، أو أمام الإنشاء، أو من ضرورة الأسلوب، أو القابلية للاستبداد، أو الخضوع للتدجين و الاستيلاب.. إن "كنه" القراءة هو الرغبة في إسقاط الأفكار اليابسة العالقة بأذهاننا و الاستعداد الدائم لصدمات كهربائية معرفية عن عالم الإنسان و الحياة اللذين تغشاهما الأسرار بلا انقطاع. إن "كنه" القراءة هو السعي لإيجاد ذلك التوازن المفقود بعد الاستجابة للمطالب المادية في الإنسان (الخبز..)، إنه الانشداد إلى حياة أخرى (بتعبير العقاد).


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]





ثمة "شبه" إجماع على أننا متخلفون. ما إن أن يبدأ الإنسان في وطننا –و أمتنا- في فرك عينيه من نوم أيام الصبا و يُقبل على عهد وهج السؤال مع شغب الفتوة و الشباب الباكر؛ ما إن يصل إلى هذا الخط حتى ينتبه لإعلان الواقع: إننا متخلفون !
و لعل كل المشاريع و الكتابات التي تبحث سؤال "التقدم" و "النهضة" منذ أزيد من قرن و نصف تتفق حول كوننا نعيش مرحلة استدبرنا فيها ما  يسمى ب"عصور الانحطاط و الانقباض" لكننا مازلنا نئن تحت وطأة "التخلف" و لهذا أصلا جاءت هذه الكتابات لالتماس محاولات للإجابة على سؤال "كيف" الخروج من مأزق التخلف. لكن، هذا الاتفاق حول سمة الحالة التي نتخبط فيها لا يقابله التفاهم حول المقصود تحديدا ب"التخلف". و لعل هذا "الخلاف" في المعنى الذي تأخذه "حالة التخلف" هو الذي أدى –و مازال يؤدي- إلى انفجار "الخصام" بين بعض هذه المشاريع الكبرى التي أفنى  أصحابها أعمارهم في بنائها. و المعضلة لا تكمن هنا، بل تتجلى في كوننا لم نخرج –بعد كل هذا الكلام- من دائرة "التخلف"، و صرنا مضطرين، نحن أحفاد أبناء أصحاب هذه المشاريع، إلى "الاقتراب" مجددا من مقاربة موضوعة "التخلف" رغم أنه كان من المفترض أن نتناول أسئلة أهم و أدق بعيدة عن "عموميات" يستمر تردادها بدون جدوى. و ربما المأزق في كل هذا التأخر المبين هو أن ثمة تخلفا ما في استكناه "حالة التخلف".
ليس هناك من أمر دال على عمق مأساة "التخلف" الذي نرتع فيه من أن نلفي أحد الذين يتصدون لتوجيه "الرأي العام" في المجتمع، و هو خطيب الجمعة، معتبرا نسبة حالتنا الاجتماعية و الاقتصادية أو التاريخية بشكل عام إلى "التخلف" كلاما فارغا و أكذوبة مُضللة.
فالخطيب، الذي سبق ذكر مضامين خطبته في ذكرى ميلاد المصطفى، شذ إدراكه للواقع عن مشاعر الناس بل تفوه بأحكام قيمة ليس فقط ضد من يعتبر أن وضعنا التاريخي "وضع متخلف" بل أيضا ضد من يرى -بناء على معايير موضوعة لأجل هذا- أننا "دولة في طريق الدول الصاعدة".
لا شك أن المستوى الفكري محدد في فهم إشكالية "التخلف". فجدتي، مثلا، التي سلخت من عمرها ثمانين سنة؛ لن تعتبر الوضع الذي نعيش فيه اليوم (انتشار الكهرباء، الماء الصالح للشرب، وسائل العلاج، أدوات الاتصال و التواصل، وسائل التنظيف..) سوى جنة تداعب خيالها أيام زهرة شبابها. لكن لو اتسع أفقها لإجراء مقارنة بين الأوضاع العالمية و وضعنا لتبينت، بدون أدنى ريب، أننا متخلفون. و لو تمكنت من قراءة خلاصة عن التاريخ الذي مضى لتعجبت من كون ما ترفل فيه اليوم من خيرات و حريات و تسهيلات استمتع بها جناح كبير من أجنحة العالم منذ مدة. 
و إذا كان خطيب الجمعة –الخطيب المذكور، و التعميم مرفوض فهناك خطباء  نبهاء مدركون-  يُنكر أننا متخلفون، بسبب عمى إيديولوجي، و إذا كانت الجدة تحس أننا متقدمون، بسبب كونها ضحية أمية قاسية و جهل أقسى، فإن ثمة إنسانا آخر لا يحس بتاتا بأنين التخلف. إنه ذلك الذي يعيش عالَما ينفصل عن واقع باقي المواطنين. إنه يعيش داخل الوطن، نعم، لكنه مغترب في عالمه الخاص: كل همه هو السعي للاستزادة من نعيم حضارة العالم المتقدم، و هذا من حقه إن اختار هذا السبيل. لكنه إذ يغط في استهلاكيته الجارفة ينسى أن واقع وطنه "متخلف" و لا يسُر الناظرين. لهذا، فالوطن يخسره؛ إذ بإمكانه أن يُسهم في الإنتاج –إن أدرك حاجة الوطن إليه- و أن يُخفف من فاتورة استهلاكيته (أما حريته الشخصية في الاستهلاك فلا جدال حولها). هذا الطراز يُشكل إفرازا طبيعيا لمناهج التعليم التقنوية في المعاهد و المؤسسات؛ حيث يتعامل الإنسان مع "تقنيات" -مصنوعة مسبقا- لا تطرح له إلا مشكل (كيفية التشغيل)، و حيث تُنعت الأفكار و النظريات في هذه الأوساط، كما في غيرها، ب"blabla" في إشارة سافرة إلى تواطؤ مستتر لاحتقار "الفكري" و "الثقافي": و الذي، لا يمكن بسواهما، النفاذ إلى مراكز ثقل موضوعة "التخلف".

إن الواقع الموضوعي بأسئلته الموجعة يدفعنا إلى اللجوء إلى نصيحة غرامشي –التي طالما رددها المنجرة- و مفادها أنه علينا "التسلح بعقلانية التشاؤم و تفاؤل الإرادة" في النظر إلى مشكلاتنا. نعم، إن التحليل العقلاني يقود في غالب الأحيان إلى الخروج بأحكام قاسية ضد كل شيء، خصوصا إذا وقفنا على نموذجين من أبناء الوطن (حامل الخطاب الديني، و حامل التقنية العصرية: أما الجدة فلم يعد لها تأثير كبير على مسار الأجيال الصاعدة) لم يدركا بعد أن هناك مشكلة عنوانها "التخلف" تنتظر أن ينخرطا فيها معا بكليتهما، كل من زاويته.. لكن إرادتنا التي تروم النهوض، ينبغي أن تبقى متحررة من تشاؤم العقل، لأنه في نهاية المطاف لا خيار لنا إلا أن "نطوي" صفحة "التخلف". و لعل أهم خلاصة نخرج بها في هذا الصدد، هي ضرورة الالتفات إلى البعد الفكري و المسألة الثقافية في "تأخر" الوعي ب"التخلف". إن الحرارة التي نتناول بها دور العامل السياسي (الاستبداد: و هو أبهى تجليات "التخلف") في تكريس "التأخر" ينبغي أن تمتد لتشمل الفكري و الثقافي؛ فهما متداخلان أصلا. فإذا كانت حالة (الاستبداد) تتقصد و تؤدي إلى اغتيال الرباعي (العقل-النقد-الفكر-الثقافة)، فإن سبيل توهج "النقد" و تنوير الفكر و سعة الثقافة (=اشتعال العقل)  هو وحده الطريق الآمن و الضامن للانعتاق من حالة (الاستبداد) لكن –طبعا- بمزاوجة ذلك مع العمل النضالي المدني على الأرض؛ فالواقع: لا يكفي تفسيره فقط -كما قال ماركس- و إنما ينبغي العمل على تغييره.


...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]






تأتي ذكرى ميلاد المصطفى و الوطن مع مجموع الأمة يمران في لحظة من أحرج اللحظات، مع تباين حدة و درجة الحرج حسب هذا القطر أو ذاك. تأتي هذه الذكرى لتسجل شهادة جديدة على التشوهات المزمنة التي تعتور حالتنا الروحية و خطابنا الديني بشكل عام. تأتي هذه الذكرى لتستدعي سؤالا جوهريا متجددا: كيف حال إسلامنا قياسا إلى الإسلام الذي بُعث من أجله المصطفى و دعا إليه الناس  و أرشد الرعيل الأول إلى بلاغاته و مضامينه و معانيه؟
كيف سنقيس حرارة إسلامنا، كيف سنقيس المسافة بينه و بين إسلام محمد صلى الله عليه و سلم. ذاك هو السؤال الأول الذي تقتضيه خطوات الإجابة على سؤالنا الهام. فلتكن خطبة الجمعة باعتبارها تجسيدا ساطعا للخطاب الديني الرسمي، ذلك المقياس !
كانت مضامين خطبة الجمعة في مسجد الحي الجامعي السويسي بمدينة العرفان بعاصمة المملكة، في الموعد، مع الذكرى المشرقة البهية !
أسهب الخطيب في سب و لعن "الغرب و الصهاينة" الذين ابتدعوا ثنائية: الإسلام المتطرف، و الإسلام المعتدل. قائلا: إن الإسلام واحد، و إنما هناك مسلمون متطرفون و مسلمون معتدلون. لا بأس !
استمر الخطيب في صب غضبه على "الغرب": نحن، إسلامنا طاهر. و هم يعيشون في الظلمات.
لا تقف الحكاية عند هذا الحد، فالخطيب يُصر على إثبات وجود عقدة نقص لدى "المسلم" تجاه "الغربي" كما إنه حريص على إيقاظ نوازع و أحاسيس "الاعتزاز" لدى "المسلم" فيقول له ناصحا: قل له أيها "الوسخ"، "المتعفن"... و يستدرك الخطيب على مقولة ذائعة الصيت مخافة أن تخترق أذهان جموع الطلاب الحاضرين في المسجد:  يقولون لكم نحن "دولة متخلفة" أو "دولة أقل صاعدة" و هم "دول متقدمة".. لا أيها "المسلم" لا تصدق هذه الأكذوبة.. أنت الصاعد دوما.. و هم "نازلون" حتى و إن  وصلوا إلى القمر !
تذكر الخطيب فجأة "الثورة الشيوعية" معلقا بصراخ: و يتحدثون عن "البروليتاريا" و " البيروقراطية" (هكذا !). و هي كلها مصطلحات مادية. و يتحدثون عن الأنوار.. يا "جهلة" ! أنتم لا تعرفون رسول الله.
إنها مضامين ناطقة بدون تعليق. خطاب تغشاه المفارقات و المغالطات حتى النخاع. رسائل تشد أي مستمع، فاقد لحاسة النقد، إلى مزيد من التطبيع مع التخلف، إلى حب البقاء في حفرة الحرمان و الضياع التي رمينا فيها أنفسنا.
إن الذاكرة، هنا، تستدعي النقد الماركسي للمثالية الهيجلية. حينما دندن هيجل مرارا حول اكتفاء الفكر بذاته: وجود الفكر المشرق يعني أن الواقع كذلك. أو بتعبير هيجل الشهير (كل ما هو عقلي فهو واقعي و كل ما هو واقعي فهو عقلي). و جاءت صرخة ماركس الصامدة: لا ينبغي الاكتفاء بتفسير الواقع (أو العالم) بل ينبغي العمل على تغييره. إن ذات العمل  النقدي هو أول الطريق.. طريق تنوير الخطاب الديني. أن يفهم القائمون على ترويج هذا الخطاب أن انتسابنا إلى الإسلام لا يعني البتة أننا متحضرون أو متقدمون أو زعماء العالم و أولياء على البشر و الناس أجمعون. بل المطلوب منا أن نتعلم و نتتلمذ لنكون في المستوى المأمول.
إن اللغة الموظفة في الخطاب التي تنضح بآفة الاستعلاء و الافتراء و الاحتقار بناء على الانتماء. إنها لغة تُفرز سلوكات تشذ عن روح السلم و التعايش و قبول الآخر –كما هو و كيفما كان- بل إنها – و دون قصد صاحبها، مع الأسف الشديد- تعطي للمُتلقف المغفل الذي سيستبطن منطقها الحدي الثنائي (نحن و هم: هم لا يؤمنون بما نؤمن؛ إذن فهم يكرهوننا، إذن هم كفار، هم جهلة، إنهم يعكسون العفن..) مشروعية الانتقال إلى الدم و الإرهاب. و هذا فحوى كلام  فولتير: إن الإنسان الذي يقول لي: آمن كما أؤمن و إلا فإن الله سيعاقبك، سيقول لي الآن آمن كما أؤمن و إلا سأغتالك. (ول ديورانت. "قصة الفلسفة". ص:184. مكتبة المعارف، بيروت)
إذا كانت خطبة الجمعة قد ساقت ذات خطاب في سياق ذكرى ميلاد المصطفى. فإن الإسلام الحق الذي جاء به المصطفى قد تم اختطافه. إنه لا سبيل للوقوف على حقيقة الإسلام إلا بالعودة لفهم الرعيل الأول له في بواكيره الأولى. إن الإسلام الحق لم يكن مهجوسا بشتم الآخر، لمجرد أن له رأيا مختلفا، بل كان معنيا أساسا بخلخلة بنية الظلم و الطغيان إن كان الآخر محاميا لها، كان مهموما ببناء نموذج مفارق سام في  العلاقات الاجتماعية. بكلمة، إنه كان مشدودا إلى بناء خُلقية إسلامية إنسانية تقوم على العدل أولا و أخيرا، و تكون الشعائر التعبدية لها بمثابة حصن يقوم بتمنيعها و تعميقها في نفوس الذين اختاروا اعتناقها.     
لنقف على ماذا فهم الرعيل الأول من دروس معلمهم في  دار الأرقم بن أبي الأرقم، عند إسلامنا البهي إسلام الصفاء، قبل أن تظهر أي سلطة أو مغنمة، قبل أن يُختطف ! بعدما هاجر المسلمون الهجرة الثانية إلى الحبشة، لعله في أواخر السنة الخامسة من البعثة، لحق بهم سفيري قريش (عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة) ليطلبوا من النجاشي أن يردهم.
 أبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون، و بعث في طلبهم، فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا به ديني و لا دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، قال:
" أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسيء الجوار و يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه، فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده، و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه، من الحجارة و الأوثان.
و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنات، و أمرنا أن نعبد الله و لا نشرك به شيئا.
و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام – و عدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه به و اتبعناه على ما جاء به من الله". (محمد حسين هيكل. "حياة محمد". ص:136. الطبعة العشرون. دار المعارف.)


إنها عبارات تختزن كنوز الإسلام و تختزل دروس خير الأنام: إن إسلامنا البهي، كما قال سيدنا جعفر، هو أن تكون مُوحدا للرحمان و موصولا بأشواق و مواجيد الارتباط برب السماء و متعلقا بحميد الأخلاق و الخصال. و لكي يربو فيك ذاك و لا يذبل: عليك بالشعائر و العبادات. 


...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]






أكرمني المولى جل و علا بزيارة كريمة من طرف جدتي –والدة والدي:أطال الله عمرها- لمسكني بالعاصمة. هي امرأة شابت و شارفت الثمانين. قضيتُ معها كل طفولتي و فُتُوتي. تربطني معها علاقة خاصة؛ إذ يطلق علي العارفون بطبيعة تلك العلاقة "إويس نجداس" (ابن جدته) !
هذا الكلام، حتى لا يكون حشوا، وطأنا به لحديث طريف لجدتي: عميق في دلالاته الفكرية؛ وددتُ أن أشتركها مع القارئ.
فوجئت جدتي بكون الغرفة التي أستقر بها "جذابة"  و "مغرية" بالنسبة للنفايات و الأزبال. يمكن أن تنظفها، لكن بعد برهة و بعد تحرك يسير: يعود "التلوث" لسطح أرضها. و للإشارة، فسطح أرض الغرفة معد ب"الزليج" المُشع.
أعتذر مسبقا للقارئ على فقر معجمي الخاص بعالم "العقار" و آليات "البناء" و معداته.. و نظرا لذلك سأستدعي لغتي الأم لتسعفني في إيصال فكرتي.
القصة لا تنتهي هنا. بل إن مدار مقالي يكمن في الآتي: تتحدث جدتي لقريبة لي لا تقل عنها طعنا في السن عن حال غرفتي. فتقول بسأم: "الزليج" الذي يكسو سطح غرفته قابل بشكل متعب لجمع الأزبال. و ما على المرء إلا أن يجعل بجانبه المكنسة باستمرار.
اسمعوا يا سادة ! ماذا تقترح جدتي لكي لا يكون سطح الغرفة مأوى جاذبا للأزبال ! إنها تتمنى –لأن حدسها يدرك أن مقترحها يندرج ضمن الأماني و لا أثر له في الواقع- لو تم "تبليط" الغرفة بما نطلق عليه بالأمازيغية (البُوصلان) !
تخيلوا فحوى اقتراح جدتي: إنها تحن ل"سطح"؛ الأرجح أنه كان يُدثر باحات منزلنا في النصف الأول من السبعينات بعدما نزحت الأسرة من القرية إلى مدينة تيزنيت. و أكيد أن سطح المنزل الذي استقرت فيه من الثمانينات إلى اليوم؛ انتقل من الاكتساء ب(لاموزيك) إلى (الزليج) و لا مكان فيه ل(البوصلان).
أُقدر أن الرسائل الثاوية وراء قصة جدتي و حديثها عميقة جدا. هي تؤشر بجلاء إلى أزمة الفكر التقليدي.
إنه النظر إلى مشكلة مستحدثة أفرزتها الحياة الحديثة بعيون قروسطوية. إنه الغرق في الماضي و الاستنجاد الدائم به لحل مشكلات الحاضر.
إن التاريخ يسير و لا ينتظر و سننه لا تحابي و لا ترحم !
الإنسان راكم تجربة مهمة في تحسين شروط عيشه و تجويد الراحة التي يوفرها مسكنه؛ انتقل، بعد بذل جهد جهيد، من (البوصلان) إلى (لاموزيك) إلى (الزليج) إلى (الرخام).. و لا عودة – على الأقل: على المستوى النفسي و التفضيلي- من الزليج أو الرخام إلى (البوصلان) في عالم "العقار و البناء".. و إذا حصل أن أفرز هذا التطور آثارا جانبية سلبية؛ فلا ينبغي أن نستسلم لها، نعم، و لكن.. ينبغي أن نلتمس حلا لها انطلاقا من المعطيات الموجودة و الآليات الجديدة و الوسائل الحديثة..  
هذه الفكرة كفيلة بتحرير العقل المسلم اليوم من مجموعة من المشاهد "المخدوشة" التي تحرمه من رؤية سليمة للحياة المعاصرة و الحديثة.
إن المشاكل الاجتماعية و الأخلاقية التي أفرزتها الحياة العصرية هي واقع لكن حلها أو التماس حلول لها لا يكون بالتمني و الحنين إلى مجتمع الماضي لأنه ببساطة الشروط الموضوعية تغيرت..
مثلا: قضية الزي. لا ريب أن مجتمعنا يعيش انقلابا على مستوى القيم المؤطرة لسلوك الناس في اختيار الأزياء التي يشاؤون. و لا شك أن بعض الصادقين و الصادقات ممتعضون من اختيارات الناس على مستوى الزي و اللباس. لكن الأمر الذي ينبغي وعيه بجدية هو إن أي تفكير في حل مشكلة "انفلات" زي الأجيال الصاعدة لا بد أن يستحضر اللحظة التي نمر بها و الزمن الذي نعيش فيه و المناخ الذي نتنفس فيه: لحظة ما بعد الحداثة على المستوى العالمي، زمن الدعاية و الإعلام و الإقناع و مناخ الحرية و حقوق الإنسان..
إن الذي ينطلق حقا من غيرة حارة على مستقبل الأجيال الصاعدة هو الذي يفكر في الحلول في خضم هذه الشروط و هذه المناخات. إن زمن الإكراه و توجيه اختيارات الناس بالسلطة الدينية هو زمن يحتضر !
إن المدخل الجديد الذي يستثمر المعطيات الموضوعية الجديدة هو الذي ينطلق من فكرة "الحرية" ذاتها ! إنه الاستماتة في الدفاع عن حرية الإنسان و درء كل راغب في التحكم و الاستتباع.. إنه الانطلاق في توسيع أمداء هذه الحرية افقيا و عموديا: حرية الإنسان على الأرض و حريته الحق المتجلية في التحرر من كل الأوثان و الأهواء و العبوديات و الوصايات ليتوجه بالدينونة و الإخبات و الخنوع له وحده: جل في علاه.

...تابع القراءة